لم تستغرق المواجهة أكثر من لحظة.
لحظة واحدة فقط… كانت كافية ليسقط شيرما أرضًا.
وقف الجميع مذهولين.
قبل ثوانٍ فقط كان شيرما يقف بثقة أمام فيتارا، وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة، بينما وقف جيكن إلى جانب گرانتر يراقبان المشهد مع بقية المقاتلين، بانتظار ما سيحدث.
لكن ما حدث… لم يكن في حسبان أحد.
ففي اللحظة التي تقدم فيها شيرما خطوة نحوها، تحركت فيتارا فجأة.
لم يرَ أحد حركتها بوضوح.
اندفعت نحوه كوميض خاطف.
وفي اللحظة التالية، حاصرت رأسه بين فخذيها بحركة خاطفة، ثم دفعت جسده بقوة إلى الخلف.
اصطدم ظهره بالأرض بعنف.
انتهى الأمر.
هُزم شيرما.
وعلى يد فتاة.
ساد الصمت.
اتسعت عينا جيكن بصدمة، بينما بقي گرانتر ينظر إلى الأرض حيث يرقد شيرما وكأنه يحاول استيعاب ما حدث.
تسارعت ضربات قلب جيكن وهو يعيد المشهد في ذهنه.
كانت حركتها… سريعة لدرجة غير طبيعية.
رفعت فيتارا رأسها ببطء، ونظرت مباشرة إلى گرانتر ببرود تام، وكأن ما حدث كان أمرًا عاديًا.
ابتلع گرانتر ريقه، ثم قال بصوت حاول أن يجعله ثابتًا:
— كما اتفقنا… لقد هزمتِ الرجل الذي اخترته.
توقف لحظة قصيرة قبل أن يكمل:
— من الآن فصاعدًا… ستكونين ضمن منظمة مقاتلي الگياريون.
قالت فيتارا دون أي انفعال:
— وسلاحي؟
رد گرانتر:
— يمكنكِ القدوم معي الآن لأخذه.
استدار وسار نحو مكتبه، فتبعته فيتارا.
بينما تجمع الآخرون حول شيرما.
قال أحدهم بقلق:
— ماذا حدث يا شيرما؟
جلس شيرما ببطء، ووجهه يشتعل غضبًا.
صرخ فجأة:
— لا أعلم! اللعنة… اللعنة!
قال جيكن وهو يراقبه:
— كيف لم تستطع صدّها؟
نظر إليه شيرما بعينين ملتهبتين.
— اللعنة عليكم جميعًا! أنا لم أشعر بها!
ثم أكمل وهو يحاول تفسير ما حدث:
— أقسم… لم أشعر بها حتى. كأنها خفيفة كالريشة… لكنها تضرب كقطعة حديد!
احكم قبضته..
— لا أصدق ما حصل!
قال رجل آخر بسخرية:
— غير معقول يا شيرما… كيف تسمح لفتاة بهزيمتك؟
في لحظة واحدة، أمسك شيرما الرجل من ياقة ثيابه ورفعه بعنف.
— قلت إنني لم أشعر بها!
أغلق فمك أيها اللعين، سايفن!
بدأ سايفن يختنق.
تقدم جيكن بسرعة وقال بهدوء:
— هذا يكفي يا شيرما… دعه يذهب.
بقي شيرما ينظر إليه للحظة، ثم أفلت قبضته أخيرًا.
سقط سايفن على الأرض يلهث.
صرخ شيرما بغضب:
— ابتعدوا عني جميعًا!
وبدأ يغادر المكان وهو يغلي غضبًا.
تفرق الآخرون أيضًا، لكن جيكن بقي واقفًا ينظر إلى المكان الذي اختفت فيه فيتارا.
قال شاب يقف خلفه:
— من هذه الفتاة؟
أجابه آخر بصوت منخفض:
— فيتارا… هل تعلم يا أبريان؟ لقد خرجت من المستشفى اليوم فقط.
قطب أبريان حاجبيه بدهشة.
— وكانت إصاباتها خطيرة… ومع ذلك فعلت هذا؟
قال الرجل:
— نعم… ويبدو أننا سنرى مفاجآت أكثر منها.
.
.
.
.
في مكتب گرانتر…
جلس خلف مكتبه وفتح أحد الأدراج.
أخرج مسدسًا ووضعه أمام فيتارا.
تقدمت وأخذته بهدوء.
قال گرانتر:
— هناك شيء آخر.
فتح درجًا آخر وأخرج ساعة يد صغيرة.
ناولها لها.
نظرت إليها قليلاً قبل أن تسأله بعينيها.
قال:
— هذه ساعة اتصال.
يمكننا التواصل معك من خلالها… كما أنها ستنبهك عندما تكون هناك مهمة.
أومأت برأسها.
— فهمت.
سألها:
— هل لديكِ أي سؤال؟
— لا.
ثم قالت:
— سأتعرف على الآخرين وأغادر.
— حسنًا. يمكنكِ الانصراف.
خرجت فيتارا من المكتب.
وبعد خطوات قليلة توقفت أمام جيكن.
نظر إليها مبتسمًا.
قالت ببرود:
— لا أعرف أحدًا هنا سواك.
ثم أكملت:
— أريد معرفة أسماء الذين سأعمل معهم… الأسماء فقط. لا أريد التفاصيل المملة.
رفع جيكن حاجبيه، ثم ضحك قليلًا.
رفع صوته:
— شباب! تعالوا هنا لحظة!
نظروا إليه… لكن أحدًا لم يتحرك.
تنهد وقال مبتسمًا:
— ما بكم؟ فيتارا تريد فقط معرفة أسمائكم.
ثم أضاف مازحًا:
— دون تفاصيلكم المملة.
اقترب بعضهم أخيرًا.
منهم المبتسم، ومنهم من يراقبها بصمت.
أشار جيكن إلى شيرما.
— لقد قابلتِ شيرما.
نظر شيرما إليها بنظرة ضيقة قبل أن يدير وجهه.
ثم أشار إلى شاب وسيم ذو شعر أبيض وابتسامة دافئة.
— هذا أبريان.
ثم أشار إلى الأقصر بينهم.
— وهذا سايفن. لا تدعي قصر قامته يخدعك… إنه أقوى مني.
ضحك سايفن بفخر.
أشار جيكن بعدها إلى شاب يجلس بعيدًا ينظف سلاحه.
كانت نظرته باردة تمامًا.
— هذا راولو.
لم يرفع راولو رأسه.
ثم قال:
— وهذا جيماي.
ابتسم الرجل الأكبر سنًا بهدوء.
وأخيرًا أشار إلى شاب طويل قليلًا.
— والأسرع بيننا… راجو.
ثم قال:
— هذه مجموعتنا… وهناك تسع مجموعات أخرى مثلنا.
قالت:
— فهمت.
ثم أضافت:
— أنا فيتارا أكاجي.
رحبوا بها سريعًا.
ثم قالت:سأغادر الآن. جيكن… هل يمكننا التحدث قليلًا؟
أومأت له أن يتبعها.
اقترب.
قالت بصوت منخفض:
— الرجل الذي كان معي… كيف أجد قبره؟
أجاب بهدوء:
— يمكنني أن آخذكِ إليه.
— حسنًا.
.
.
.
سارا معًا نحو أطراف المدينة.
حيث كان العمال يعملون على توسيعها وبنائها.
وبعيدًا عن الضجيج… دخلا مقبرة ناواك.
عند تلة صغيرة توقف جيكن وأشار إلى قبر حديث.
نظرت فيتارا إليه.
لم يكن هناك اسم.
قالت بهدوء:
— دعهم يكتبون على قبره…
"المعلم كينوا".
شعر جيكن بثقل حزنها.
فقال:
— حسنًا.
ثم تركها وغادر.
اقتربت من القبر ببطء.
جلست أمامه.
صمتت.
ابتلعت ريقها… وبدأ صوت أنفاسها يعلو شيئًا فشيئًا.
كأنها تقاوم البكاء.
رفعت رأسها…
لكنها لم ترَ السماء الزرقاء.
كل ما رأته… كان أكوام التراب.
قالت بصوت خافت:
— ما زلت مصرة على ما أريد…
إما أنا… أو الگياريون.
توقفت لحظة.
— سأستمر في القتال… ولن أموت الآن.
ليس قبل أن أرى الگياريون وقد أصبحوا مجرد كابوس… وانتهى.
خفضت رأسها.
وسقطت دمعة.
ثم أخرى.
.
.
.
.
حلّ المساء.
سارت فيتارا في المدينة.
مرّت بالمدارس… والمستشفيات… والمحلات… والأسواق.
كان الناس يسيرون بأمان.
ورغم آثار الدمار التي ما زالت في أطراف المدينة… إلا أن الحياة بدأت تعود.
عادت إلى الفندق.
وبينما كانت تصعد الدرج ببطء…
سمعت خطوات مسرعة خلفها.
استدارت.
رأت فتاة شابة… تبدو خائفة.
كأن أحدًا يطاردها.
اصطدمت بكتف فيتارا وقالت بسرعة:
— آسفة!
واكملت صعودها.
كادت فيتارا تتابع طريقها…
لكنها سمعت خطوات أخرى.
أسرع.
أقسى.
التفتت.
شاب مترنح يركض خلفها.
دفعها بقوة وهو يصعد.
— ابتعدي أيتها السافلة!
لكن قبل أن يبتعد خطوة…
أمسكت فيتارا بذراعه.
قبضة قوية.
سحبته إلى الخلف.
نظر إلى يدها… ثم إليها بغضب.
— ماذا تريدين؟
قالت ببرود:
— أما زال أمثالك على قيد الحياة؟
دفعت جسده للخلف.
وضعت يدها حول عنقه.
وخلفه… سور الدرج.
لو دفعته قليلًا… سيسقط.
كان يختنق.
صرخ:
— أيتها الحقيرة!
قالت ببرود قاتل:
— لن أضيع وقتي مع حثالة مثلك.
ثم همست:
— لماذا لا يموت أمثالك؟
صرخ:
— ابتعدي عني أيتها الساقطة!
قالت ببساطة:
— كما تشاء.
ودفعته.
سقط من الطابق الثاني.
ارتطم بالأرض بعنف.
تجمدت الفتاة من الصدمة.
كان الشاب يتحرك بصعوبة… كأن كل عظمة في جسده قد تحطمت.
لكن فيتارا لم تهتم.
صعدت نحو الفتاة وقالت ببرود:
— هل كان يجب أن أرميه من السطح؟
ابتلعت الفتاة ريقها.
— شكراً لكِ…
قالت فيتارا:
— لن يزعجكِ بعد الآن.
سألت الفتاة بحزن خافت:
— هل ستكونين موجودة في عملي؟
لم تجب فيتارا.
رأت الفتاة تدخل الغرفة المجاورة لغرفتها.
.
.
.
.
.
في الصباح…
كانت فيتارا تنتظر أمام الفندق.
خرجت الفتاة.
سألتها فيتارا:
— أين مكان عملك؟
ابتسمت الفتاة:
— أنا ذاهبة إلى المدرسة الآن.
— هل سيتعرض لكِ هناك؟
— لا… هو يأتي إلى المشفى حيث أعمل فقط.
ثم أضافت بمكر لطيف:
— لكنه قد يراقبني.
قالت فيتارا:
— هل تريدين أن أوصلك؟
قالت بسرعة:
— نعم!
ابتسمت فيتارا ابتسامة جانبية.
وسارتا معًا.
قالت الفتاة:
— اسمي مايوري… وأنتِ؟
— فيتارا.
كانت مايوري سعيدة وهي تسير معها.
— هل جئتِ إلى مدينتنا مؤخرًا؟
— نعم، وصلت أمس.
— هل أنا أول شخص تقابلينه؟
— لا، لأنني انضممت إلى مجموعة مقاتلي الگياريون.
— ماذا؟! (بصدمة كبيرة) لكنكِ فتاة!
— وما رأيك انتِ؟
تذكرت مايوري ما فعلته فيتارا البارحة فضحكت برقة.
ابتسمت فيتارا.
وصلتا إلى المدرسة.
في تلك اللحظة سمعت فيتارا صوتًا… كان صوت ساعتها ترن.
قالت:
— مهمة… جيد.
نظرت مايوري إلى الساعة وقالت:
— مهمة؟
— نعم.
— أتمنى أن تكوني بخير.
ابتسمت فيتارا لمدى لطفها وقالت وهي تغادر:
— سأخبر أحدهم أن يأتي لحمايتكِ… لا تقلقي.
— حسنًا، شكرًا لكِ.
.
.
.
.
وصلت فيتارا إلى مركز المنظمة.
دخلت لكنها لم تجد أحدًا. ثم سمعت أصواتًا في إحدى الغرف.
طرقت الباب ودخلت، فوجدت الجميع هناك: گرانتر، جيكن، والآخرون.
كان گرانتر يقول:
— المهمة عند جبل إينوا. اسمعوني جيدًا… لم يعد المقنع يشكل عائقًا لنا فحسب، بل أصبح يفسد مهماتنا. لذلك أريد القضاء عليه اليوم إن ظهر.
قالت فيتارا:
— المقنع؟
قال گرانتر:
— ليستعد الجميع.
خرجوا جميعًا لتحضير أسلحتهم.
اقتربت فيتارا من جيكن وسألته:
— من هو المقنع؟
نظر إليها وهو يربط أحزمة سلاحه وقال:
— شخص إذا ظهر في إحدى مهماتنا نفشل بسببه… واحياناً يُصاب بعض أفرادنا. إنه سريع وقوي جدًا، ودائمًا ما يعترض طريقنا.
— هل هو من الگياريون؟
— لا نعلم. وجهه مغطى بالكامل بقناع، ولم نره يستخدم طاقة أو أي شيء مشابه.
سكتت فيتارا بعد أن فهمت.
فقال جيكن:
— إنه قوي جدًا يا فيتارا. لا تحاولي مواجهته… نحن سنتكفل به.
لم تجبه، واكتفت بصمتها البارد.
ركبوا جميعًا شاحنة يقودها جيماي.
انطلقوا عبر ممر طويل تحت الأرض، وقرابة نصف ساعة، خرجت من تحت الأرض، وانطلقت بسرعة جنونية نحو الجبال.
توقفوا في مكان ما، ونزلوا بحذر.
قال گرانتر:
— غطّوا السيارة… وسنبدأ التحرك.
اختبأوا خلف الصخور الكبيرة.
كان مقر الگياريون أمامهم.
بناء ضخم يقف عند بابه حارسان.
راقبت فيتارا المكان بصمت.
ثم نظرت نحو السيارة… لكنها لم تعد تراها.
كأنها اختفت.
فجأة قال جيكن بصوت منخفض ومتوتر:
— إنه هنا…
استدارت فيتارا بسرعة.
ثم رأته.
شخص مقنع… تسلق المبنى وهبط من سقفه بحركات صامتة.
تحركاته كانت سريعة وخفيفة كأنها حركات نينجا.
حتى الحارسان عند الباب… لم يشعروا بشيء.
اشتعل الغضب في عيني فيتارا.
وفجأة اندفعت من خلف الصخور.
ركضت نحو الحارسين بسرعة الريح.
صرخ گرانتر فورًا:
— فيتارا… لا!
مـريـم الـرمـاحـي