نجومُ الإسفلت ودورةُ الحريفة"
تحولت الساحة التي تقع تحت منزل الجدة هنية إلى خلية نحل بعد صلاة العصر. كان "عمر" وصديقه "زيزو" يرتديان أطقم رياضية فاخرة لأشهر الأندية العالمية، ويحاولان تثبيت "كاميرا" على حامل ثلاثي لتصوير مهاراتهم في المراوغة، بينما كان عمر يقول بزهو: يا زيزو، لازم نصور التحدي ده ونرفعه 'تيك توك' قبل الماتش، الحركات دي هتجيب ملايين المشاهدات، والناس لازم تعرف إننا ملوك الملعب في المنطقة!
على الرصيف المقابل، كان "عادل" يقف مع جاره "عم جلال" يشاهدان تحضيرات الشباب بابتسامة ساخرة. صاح عادل منادياً ابنه: يا عمر، سيبك من الكاميرا وركز في الكورة! ده إحنا في زماننا كنا بنلعب بـ (كورة شُراب) والأسفلت كان بياكل من ركبنا، ومكنش فيه حد بيصورنا، بس الحتة كلها كانت بتقف تتفرج علينا من الشطارة مش من اللبس!
نزلت الجدة "هنية" وهي تتكئ على عكازها لتجلس على "دكة" خشبية أمام مدخل العمارة لشم الهواء ومشاهدة حفيدها، ومعها "زينب" نظرت الجدة للشباب وهم يتشاجرون على من سيبدأ التصوير، وقالت بصوت ضاحك: تعالى يا واد يا عمر أنت وصحبك.. بقى دي دورة رمضانية ولا جلسة تصوير لمجلة أزياء؟ زمان يا ولاد، كان (الدورة الرمضانيه) دي يعني الأخلاق قبل الحرفنة. كنا بننزل نتجمع، ولاد حارة واحدة، والغلابة قبل الأغنياء، والهدف مكنش 'لايك'، الهدف كان إننا نفطر سوا وإحنا فرحانين بالفوز. كانت الكورة بتجمعنا، مش بتخلي كل واحد فيكم باصص لنفسه في الشاشة وعايز يظهر إنه الأحسن.
تابعت الجدة وهي تشير لشباب الحارة الذين تجمعوا حولها: يا ولاد، الروح الرياضية في رمضان يعني إنك ترفع صاحبك لو وقع، مش تصوره وتضحك عليه الناس. الجدعنة كانت إننا بنلعب عشان (اللمة)، والمنتصر فينا هو اللي أخلاقه بتسبق رجله. الكاميرا دي بتسرق منكم (عفويتكم)، بتخليكم بتمثلوا إنكم حريفة، لكن الحريف بجد هو اللي الملعب بيشهد له، مش المتابعين اللي مشافوش منه غير فيديو متمنتج!
هنا انضم ابن الجار الصغير "حمو" بقميصه الممزق وكورته البسيطة، فنظر إليه عمر ببعض التعالي، لكن زينب قالت بحزم: خده يلعب معاك يا عمر، رمضان مفيهوش فرق بين طقم غالي وقميص بسيط. الكورة للكل، والملعب بيساع الجميع.
الرسالة المستفادة:
"الموهبة تظهر في الملعب، لكن الأخلاق تُبنى في النفوس." لا تجعلوا الهوس بـ "المظاهر" و"الاستعراض الرقمي" يسلبكم متعة اللحظة وروح الجماعة. في رمضان، كل الأنشطة هي وسيلة للتقارب وجبر الخواطر. الدورة الرمضانية ليست مجرد فوز وخسارة، بل هي مدرسة في الجدعنة والروح الرياضية؛ حيث لا يهم ماذا ترتدي، بل المهم كيف تلعب وكيف تحترم من معك.
الخاتمة:
شعر عمر بالخجل، فأغلق الكاميرا وأعطاها لأبيه كانت "سلمى" تراقب من البلكونة، وتبتسم بينما تابع عمر قائلا: عندك حق يا تيتا، إحنا جينا نلعب ونتبسط. مش نتصور ونتمنظر، ثم نادى على "حمو" ليكون في فريقه.
عدة الساعات بين المتعة والمرح وانتهت المباراة بضحكات هزت الحارة، وعند أذان المغرب، صعد الجميع وهم يتسابقون، ليس لتعديل الفيديوهات، بل لغسل وجوههم والجلوس على مائدة واحدة.
قال عادل وهو يربت على كتف ابنه: لعبت النهاردة بجد يا عمر، فكرتني بيا وأنا في سنك.. بس ناقصك شوية تمرين عشان توصل لمستوايا! ضحكت الجدة هنية وقالت: سيبه يا عادل، هو النهاردة كسب أهم ماتش.. ماتش (الجدعنة). رمضان كريم يا نجم الإسفلت!
Heba Nabil