بعد أيام من السكن في ذلك البيت الغريب…
خطر ببالي أن أبحث في الإنترنت عن المكان الذي أعيش فيه.
ظهرت لي خريطة… وفجأة شيء أثار دهشتي:
كانت هناك غابة كبيرة جدًا، قريبة من منزلنا، وكأنها تنتظر شيئًا أو شخصًا.
قررت أن أرى المكان بنفسي… في طريقي صادفت رجلاً مسنًا، يبدو في الخمسينات.
توقف عندي، وظهر على وجهه القلق العميق.
قال بصرامة وحذر:
"لماذا أنت هنا؟ ألا تعلم أنه يُمنع الدخول إلى الغابة؟"
أجبته بصوت خافت، لا أكثر:
"لا… لم يخبرني أحد. أنا جديد هنا، كيف لي أن أعرف؟"
ارتعش جسده، وزاد قلقه:
"اذهب بسرعة!!"
أوقفت نفسي للحظة.
“ماذا حدث؟ لماذا خاف هكذا؟ شيء ما ليس طبيعيًا… شيء غريب جدًا!”
مرت الأيام…
والكابوس نفسه يتكرر دون أي تغيير.
المرأة… الدماء… الولد… الظلام… والشيء اللامع…
كل شيء كما هو، لكن نفسيتي بدأت تتآكل من الداخل، والآثار بدأت تظهر من الخارج.
أبي أحضر لي أطباء نفسيين… لكن دون أي فائدة.
هل جننت فعلاً؟
هل السبب هو البيت؟
لكن جيراننا… بيوتهم مثل بيتنا… إذن… ما مصدر هذه اللعنة؟
مر اليوم ببطء مؤلم، كأنه يمتد بلا نهاية.
استعددت للنوم… قصدت لرؤية كابوسي المعتاد.
وغفوت.
ظهر شيء جديد هذه المرة.
المرأة بدأت تحرك يديها.
كانت تحمل مرآة غريبة، فاخرة، لكنها مرعبة.
إطارها ذهبي، محفور عليه رؤوس صغيرة تحمل أدمغتها وعيونها، مغطاة ببقع دم.
الزجاج لم يكن عاديًا… لونه بنفسجي ومكسور، يعكس شيئًا آخر، شيئًا أكثر رعبًا.
المشهد كله يشبه المرأة والولد في كوابيسي، لكنه أعمق… أكثر واقعية… أكثر تهديدًا.
بدأت المرأة تحاول كتابة شيء على المرآة… بدماء عينيها.
وفجأة… جاء صراخ من الخارج.
من جهة الغابة.
صوت غير بشري، مشوش… لم أستطع تمييز إن كان بشرًا أم مسوخًا.
القشعريرة امتدت إلى أطراف أصابعي، وأحسست بالبرد يتغلغل في عروقي.
استيقظت مرعوبًا… متعبًا حتى العظم.
ظهر هذا واضحًا على وجهي.
جاء أبي، كعادته، ليحذرني من الخروج.
قررت أن أرسم كابوسي.
جلست أمام الورق… والفرشاة في يدي ترتعش.
كل خطوط الدم، كل الأشكال، كل التفاصيل… خرجت ببطء، وكأنها تعيد حياتي إلى الورق.
وعند آخر لمسة، سمعت صوتًا يناديني.
خرجت أبحث… لكن لم يكن هناك شيء.
عدت للرسم… ثم سمعت الصوت مرة أخرى.
ثم صراخ… من البيت المجاور.
نظرت من النافذة…
البيت يحترق!
قلبي تكسر.
اتصلت بالحماية… تمت السيطرة على الحريق، لكن أغلب الناس ماتوا.
الأم والولد فقط نجوا.
الأم كانت محترقة بالكامل، وبعد أيام قليلة توفت.
الولد… الناجي الوحيد… اسمه جوليان.
صوته عميق، عينيه حادتان وباردتان، وطوله فاق المعتاد لأعمار مثل عمره… حوالي 14 سنة.
جاء أبي وطلب مني الذهاب لتعزية جوليان.
حاول مناداته، لكنه لم يرد إلا بعد محاولات عديدة.
عندما ظهر جوليان…
شعرت لأول مرة بالارتياح.
كان وجود شخص آخر بجانبي… شعور لم أشعر به منذ زمن.
حاولت فتح حديث معه… لكنني فشلت.
أنا… فاشل اجتماعيًا.
فاجأني حين قال بصوت بارد وهادئ:
"اخبرني بذكرياتك."
تساءلت داخلي: “ماذا؟!”
فردّ: "لا تسأل… أجبني فقط."
قلت لنفسي مرة أخرى: “هل يعقل أنه يقرأ الأفكار؟!”
وعندما قال "نعم"، شعرت أن قلبي يتوقف للحظة.
لكن… كان صريحًا، لا ينكر شيئًا.
الأب قال له:
"ارتَح قليلاً يا بني."
وفجأة… خطر ببالي التفكير في الغابة.
لم أستطع مقاومة الفضول.
تقدمت نحوها… خطوة خطوة.
كل خطوة تشعرني بأن عقلي على وشك الانفجار.
الهواء أثقل، الأشجار أقرب… والأصوات تشبه همسات متشابكة.
وهناك رأيته…
الولد الذي يظهر في كوابيسي.
ركضت نحوه وصرخت:
"لماذا تلاحقني؟ لقد دمرتني بكوابيسك! هل أعرفك؟ جاوبني! أيها…!"
وفجأة… استيقظت.
قلت لنفسي:
"معقول؟ مجرد كابوس؟ كيف؟!"
ذهبت مسرعًا نحو البيت المجاور.
طرقت الباب بقلق.
خرجت امرأة… وقالت:
"هل تحتاج مساعدة يا بني؟"
قلت بغضب:
"من أنتِ؟!"
قالت:
"أنا أم جوليان."
صرخت:
"ماااذا؟! أم جوليان ماتت! رأيت جثتها المحترقة!"
قالت باستغراب:
"أي حريق؟ ولماذا تصف منزلي بالملعون؟!"
جاء أبي وأدخلني قائلاً:
"لماذا خرجت من المنزل؟!"
قلت له بصوت خافت:
"لماذا كل هذا؟ تعبت…"
قال: "ماذا؟"
قلت:
"البيت… الغابة… الكوابيس… لماذا يلاحقونني؟"
أجاب بصوت خافت:
"ستعرف في الوقت المناسب."
صرخت:
"من السابعة إلى التاسعة من عمري رأيت كل أنواع العذاب النفسي… وتظن أنني لم أعد قادرًا على تقبّل حقائق بلا معنى؟!"
قال:
"إياك أن تدخل تلك الغابة… لقد التهمت الملايين من الناس، وهي لا تشبع."
قلت:
"هذا يعني أن الغابة لعنت كل شيء حولها… لماذا أحضرتنا إلى هنا؟"
أجاب:
"كي لا تتعرف على الناس."
قلت:
"كل الآباء يريدون أبناءهم منفتحين على الحياة… لماذا لا تريد هذا لي؟"
قال:
"لأنهم سيؤذونك. حسنًا… لنوقف هذا الحديث الآن. اذهب واستحم وخذ قسطًا من الراحة."
قلت:
"حسنًا…"
Night_haven🌑🕸️🌙