وقف المحقق أمام باب حديدي متين، و من خلال الفتحة الصغيرة المخصصة لتمرير الطعام إلى الداخل أخفض رأسه و ألقى نظرة مطولة لسارة، كانت جالسة على سريرها، هادئة، ساكنة دون أن تقوم بأي حركة، و كانت تضع قطعة من القماش حول عينيها.
رفع المحقق رأسه و نظر للطبيب النفسي المسؤول عن حالتها، و قال:
- لقد مر شهر الآن منذ أن أصبحت سارة مقيمة في هذه المصحة العقلية، فما تقييمك؟
أجاب الطبيب النفسي بنبرة واثقة شبه متعالية:
- إنها تعاني من إضطراب نفسي حاد، مرفوق بهذيان عميق جعلها تتخيل أشياء غير موجودة.
- هل مازالت تتحدث عن الشيطان التي تزعم أنه يعيش بداخلها؟
- في الأيام الأولى أجل.. لقد كانت تدخل في نوبات صراخ هستيرية مما جعلنا نستعمل حقنات مهدئة.. لكن فيما بعد.. عندما مزقت قطعة من ملابسها و وضعتها حول عينيها أصبحت هادئة و توقفت نوباتها الهستيرية.. و أنا.. سمحت لها بفعل ما تريده ما دام سيجعلها ذلك هادئة و مستقرة.
- إنها تزعم بأنه من خلال إغماضها لعينيها فهي بذلك ستمنع الشيطان من القتل مجددا، فهل هي فعلا تصدق ذلك؟
- هذه الحركة التي تقوم بها.. أنا أعني إغماض عينيها بهذا الشكل، ماهي إلا وسيلة دفاعية لمنع نفسها المضطربة من التمرد.. إنها نوعا ما المكان الآمن الذي تختبئ فيه من نفسها.. و الأغلب لأنها تشعر بالذنب.
- إذن هناك إحتمال قوي بأن تكون هي القاتلة.
- أنا أقول بأنها تمتلك جميع مقومات القاتل البارد عديم المشاعر، لكنها تمكنت بطريقة ما من إخفاء هذا الجزء من شخصيتها جيدا.. و هي الآن تحاول جاهدة إبقائه مخفيا و ذلك لأنها تفقد السيطرة على نفسها عندما يظهر.
همهم المحقق، ثم.. بعد لحظات قليلة من الصمت طلب من الطبيب النفسي أن يسمح له بالدخول و التحدث إليها، و بإشارة من يد الطبيب كان الحارس قد تقدم نحو الباب و فتحه، و ما أن دخل المحقق حتى أغلقه مجددا.
اقترب المحقق بحذر نحو سارة، و قال:
- مرحبا سارة.. هل تتذكرنني؟
أجابت سارة بهدوء، دون أن تلتفت إليه:
- طبعا أتذكرك.. أنت المحقق الذي وضعني هنا.
- هل تتذكرين ما أخبرتني إياه في ذلك اليوم الذي قبضت فيه عليك؟.. أنا أقصد اللعنة و الشيطان و كل الأشياء الأخرى.
- أجل.. و أتذكر أيضا أنك لم تصدقني و أصررت بأنني أكذب لأبرئ نفسي من جرائم القتل.
عندئذ رفع المحقق يده و حك شعره، ثم بلع ريقه بصعوبة و قال بنبرة شبه مترددة:
- في الواقع.. أنا.. أعتقد بأنك صادقة.
فالتفتت سارة مباشرة نحوه و قالت في استغراب:
- ماذا؟
- في ذلك الوقت كان كلامك أشبه إلى الخيال من الواقع، لكن بعد أيام.. بينما كنت أتصفح الإنترنات، تذكرت حديثك فبحثت بدافع الفضول لا غير، عندها وجدت الكثير من المقالات و الصور التي تتحدث عن الشعوذة و اللعنات، و قد كان بعضها شبيها لما زعمت أنت أنه قد حدث لك، عندها فكرت مليا و قررت التعمق أكثر في هذا الموضوع.. من خلال البحث عن أدلة ملموسة تطابق ما عثرت عليه في الإنترنات. كان أفضل مكان لبداية بحثي هو غرفتك التي تشاركت فيها مع صديقتك فرح. في الواقع لم أتوقع أن أجد أي شيء، لكن.. يا للمفاجأة.. لقد كنت مخطأ.
فصرخت سارة:
- هل وجدت شيئا؟.. دليلا على صدق كلامي؟
فابتسم المحقق و قال:
- لأكون دقيقا كفاية.. لقد وجدت دليلين: الدليل الأول هو رسمة غريبة تحت سريرك و هي مطابقة لرسمة رأيتها في الإنترنات.. و إن تذكرت جيدا، فهي تستعمل لوضع لعنة على شخص ما. أما الدليل الثاني فهو رسالة وجدتها بين كتب فرح.. لقد كانت مخفية بشكل جيد، و أنا كنت محظوظا بعثوري عليها.
فقالت سارة بفضول:
- رسالة؟.. أي رسالة؟. أخبرني، ماذا كتب فيها؟
أجاب المحقق:
- إنها رسالة حب موجهة لخطيبك خالد.. و ملخص محتواها أنها نادمة على انفصالها عنه، و أنك أنت و هو لستما مناسبان لبعضكما البعض، و هي تعده بأنها ستفعل أي شيء لتعود إليه.
قالت سارة مستغربة:
- إنفصال؟.. هل كانا على علاقة قبل أن أعرفه؟
قال المحقق:
- لقد تحدثت لوالديهما.. أنا أعني فرح و خالد، و كلهم أكدوا لي بأنه منذ ستة سنوات كان خالد سيقوم بخطبة فرح، لكن في اللحظة الأخيرة فسخت فرح الخطبة و قررت الإنفصال عن خالد دون سبب واضح.
- هذا غريب.. فهما لم يخبراني بكل هذا. لكن هذا لا يهم الآن.. فكلاهما ميتان.
- أنا أعلم.. لكن ألم تستنتجي الأمر بعد؟.. بأن فرح لعنتك حتى تبعدك عن خالد.. لكن يبدو أن الأمور خرجت عن سيطرتها.
همهمت سارة ثم قالت:
- ما حدث قد حدث و اللعنة ما تزال موجودة بداخلي، و إن تمكنت بالفعل من إثبات برائتي فلن يتغير شيء، فسوريسوس سيستمر في القتل.
- لكن.. ألا ترغبين في الخروج من هنا؟، و الأهم من ذلك.. من حق والديك، و الناس، و عائلات الضحايا، هؤلاء جميعا يجب أن يعرفوا الحقيقة.. بأنك بريئة.. بأنك لست قاتلة.
أجابت سارة ببرود:
- لا عليك.. أنا حقا لا أهتم بكل هذا، فوجودي هنا أفضل لي و أفضل للجميع.. فهنا أنا بمفردي و لا أستطيع إيذاء أي شخص.. أنا هنا قادرة على قمع رغبة سوريسوس في القتل.
قال المحقق محاولا مواساتها:
- لا بأس.. لندع الأمور هكذا في الوقت الحالي، لكنني أعدك بأن سأجد طريقة لمساعدتك.
ثم استدار و اتجه نحو الباب فدق عليه ليلفت انتباه الحارس، لكنه التفت باستغراب نحو سارة ما أن سمع صوتها و هي تقول:
- أيها المحقق.
و الحقيقة أن ما أثار استغرابه هو أن نبرة صوتها كانت مختلفة تماما و كأنها ليست هي من يتحدث، و الآن.. بعد أن التفت نحوها.. أصابه رعب شديد و أدرك بأن حياته قد انتهت بالفعل.. كانت سارة قد رسمت ابتسامة مخيفة على وجهها و تنظر إليه بعينين مفتوحتان لأقصى حد و قد توقفتا عن الرمش.. أما المحقق فقد تجمد جسده و تجمد لسانه، كان قد وقع تحت تأثير سوريسوس و لم يعد أمامه سوى أن يتقبل مصيره المحتوم.
- هل ستخرج الآن؟
تكلم الحارس من الخلف بعد أن فتح الباب.
- سيدي.. هل ستخرج الآن؟
تكلم الحارس مجددا، مستغربا، غير مدرك بعد بأن الموت قد أحاط بالمكان، فجسد المحقق حجب عنه سارة الواقفة على بعد خطوات قليلة عنه، فهو لو رآها لدب الرعب في نفسه و كان قد هرب على الفور.
سحب المحقق مسدسه و أطلق النار على الحارس ليرديه قتيلا، ثم تجاوز الباب إلى خارج الغرفة حيث أطلق النار على حارسين آخرين كانا قد ركضا مسرعين ما أن سمعا صوت إطلاق النار، ثم إلتفت نحو سارة التي كانت تضحك بأعلى صوتها و وضع المسدس في فمه و أطلق النار.
سقطت سارة على الأرض مجهدة، غير مستوعبة ما حدث للتو، فهذه المرة الأولى التي لا تتذكر فيها ما حدث، و كأنها كانت فاقدة للوعي، لكنها ما أن رأت تلك الجثث و تلك الدماء أدركت بأن سوريسوس قد قتل مجددا و هو الآن أقوى بكثير مما كان عليه. لم تفكر سارة كثيرا و أسرعت نحو المسدس الملقى على الأرض فحملته و وجهته نحو رأسها، و في اللحظة التي كانت ستطلق فيها النار على نفسها كان المزيد من الحراس قد وصلوا، فإفتكوا المسدس من يدها و دفعوها لداخل الغرفة و أغلقوا عليها الباب، تاركينها تصرخ بأعلى صوتها:
- أيها الحمقى، ماذا فعلتم؟..أعيدوا لي المسدس.. إنه لن يتوقف عن القتل ما لم أقتل نفسي.
(تمت)
Mondher Rhamni