عوالم مختلفة

عوالم مختلفة

19 0

عوالم مختلفة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في بعض الصباحات، تشعر أن الكون يتآمر برفقٍ لتُكتب بداية جديدة.

صباح الجمعة ذاك، لم يكن عادياً… كان كأنه فاصلة بين ما كان، وما سيأتي.

كل شيء كان يعد الطريق لشيءٍ لم يعرفاه بعد، لكنه كان يقترب منهما بخطى القدر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان صباح الجمعة يشرق بهدوء، وينساب النور الذهبي من النوافذ ليملئ البيت دفئاً وسكينة.

استيقضت دُرة على همس الطمانينة في قلبها، توضأت، ووقفت بخشوع بين يدي الله، ترتل أياتٍ تغسل بها روحها قبل أن تغسل وجهها.

انتهت من طقوسها الدينية التي اعتادت على أن تبدأ بها كل جمعة، كأنها موعد سري مع السماء.

جلست على مائدة الإفطار بجوار جدتها مريم، تلك المرأة التي تحمل في عينيها تاريخاً من الدعاء والصبر، وبالقرب منهما يجلس خالها يعقوب، يبادلهم الحديث بإبتسامة هادئة، كانت المائدة بسيطة، خبز طابون، زيت وزعتر، وبيض مسلوق، لكن دفء القلوب جعل كل لقمة عامرة بالبركة.

ابتسمت الجدة وهي تناول دُرة كوب الشاي وقالت بصوت حنون:

- كلي يا ستي، ما بدي إياكي تظلي جوعانة.

ضحكت دُرة بخجل:

- ما تخافي يا تيتا، والله شبعت إنتي بس ذوقي من الزيت، طعمو غير اليوم.

كان الخال يعقوب ينظر لهم بنظرة حنونة محبة.

بعد الإفطار، نهضت الجدة بخطواتها المطمئنة، تضع يدها على كتف حفيدتها:

يلا يا دُرة، نبلش بتجهيز الغذا قبل ما يرجع يعقوب من صلاة الجمعة.

ابتسمت دُرة برقة، وهي تمد يدها لتساعد جدتها، كأنها تتعلم منها أسرار الحياة، وردت بكل حب:

- عالبركة يا تيتا، انتي علميني وأنا بعمل وراكي.

دخلت دُرة مع جدتها المطبخ، تقطع الخضار وتعد البهارات، بدأت رائحة البصل المفروم مع الزيت تملئ المكان.

جلست الجدة على المقعد الخشبي الذي دائماً تستخدمه وهي تطبخ.

أردفت الجدة مريم وهي تحرك الوعاء:

- اسمعي يا ستي، اليوم بدنا نطبخ مقلوبة بتعرفي يعقوب قديش بحبها.

ضحكت دُرة وهي تغسل الأرز بمصفاة الطعام:

- عنجد كل جمعة نفس الطلب؟ شكله ما بيزهق.

ابتسمت الجدة بود:

ــ الزلمة قلبه معلق بالمقلوبة من يوم ما كان صغير.

وقفت دُرة، وأخذت تقلب البصل المفروم على غاز الطهي، ومن دون أن تنتبه احترق إصبعها بخفة

صرخت دُرة بألم:

ــ اااي!!

ركضت جدتها بسرعة، ومسكت يدها:

- يا اللّٰه يا بنتي، ديري بالك روحي حطي ايدك تحت المي الباردة.

ضحكت دُرة رغم الألم:

- ما عليكي تيتا، بسيطة بس إنتي بتخافي زيادة عن اللزوم.

ابتسمت جدتها بحنان:

- مش هيك، بس إنتي روح البيت يا دُرة وإذا صارلك شي قلبي ما رح يتحمل.

عم الهدوء في المكان، ما بين ضحكة دُرة ونظرة جدتها المليئة بالحب والخوف.

وفي تلك اللحظة، ارتدى الخال يعقوب عباءته البيضاء وحمل سبحته، ثم ودعهما متجهاً نحو المسجد تاركاً وراءه رائحة طيبة من العود، وصوت الباب وهو يغلق كأنه وعداً بعودةٍ قريبة.

بعد وقت ...

رجع يعقوب من المسجد، وصوته يسبق خطاه، فتح الباب، ورياح الظهيرة تلعب بخصلات شعره:

- السلام عليكم.

ردت مريم ودُرة معاً بابتسامة، كأن السلام صار لحن بيتهم:

- وعليكم السلام ورحمة الله.

جلس يعقوب على مائدة الغداء، ورائحة المقلوبة مع اللبن متغلغلة بكل زاوية البيت، تجذب الروح قبل الأنف، ابتسم، وهو يتنفس عطر

الغداء :

- يعطيكو العافية، ريحة بتشهي.

ضحكت دُرة وهي تضع الصحون، وعيونها تلمع :

- هالمرة أنا ساعدت، لازم تذوق وتحكي رأيك.

غمز يعقوب:

- طيب، إذا طلعت زاكية، صرتي شاطرة رسمي.

ضحكت الجدة، يدها تلمس الخبز وهي ترتب المائدة:

- اللّه يرضى عليكو، أهم شي ناكل مع بعض بخير وبركة.

وبدأت أصوات الملاعق تختلط بالضحكات، وكل لقمة كانت مليئة بالدفء، وكل ضحكة تحمل رضا صار يكبر بالقلب، وروح البيت كلها تتنفس حب وطمأنينة.

بعد الغذاء انشغل البيت بهدوء ما بعد الجمعة، الجدة بين الصحون والمطبخ، والخال يعقوب مستريح في غرفته.

أما دُرة، فقد انسحبت بهدوء إلى غرفتها، كمن يحمل سراً صغيراً في قلبه، وقفت أمام المرآة، تتأمل ملامحها التي ازدانت بالسكينة أكثر من الزينة، وسرحت طرحتها بعناية، ثم اختارت حقيبتها الصغيرة، كأنها تستعد للقاء الحياة في وجه جديد.

رفعت صوتها قليلاً وهي تقول:

- تيتا أنا بدي أطلع مع سارة رايحين عالكافيه الجديد.

خرجت الجدة من المطبخ، وبيديها رائحة نعناع طازج، ونظرت لحفيدتها بعينين ممتلئتين بالحنان:

- اللّٰه يرضى عليكي يا ستي، ديري بالك عحالك وما تتأخري.

ابتسمت دُرة، وهي تسند حقيبتها على كتفها:

- ما تخافي تيتا، أنا وسارة مع بعض وبرجع بدري.

في تلك اللحظة أطل يعقوب من الغرفة، وابتسامة مازحة تعلو وجهه:

- شو! على الكافيه الجديد؟ لا تنسوا تجيبوا كيك، نفسي أذوق.

ضحكت دُرة بمرح وهي تهم بالخروج:

- إذا ضل شي وما أكلناه أنا وسارة بجيبلك.

هز رأسه ضاحكاً :

- شايفك بخيلة يا دُرة.

ضحكت بمرح وودعت جدتها وخالها، وخرجت بخطوات تحمل شيئاً من الخفة، كأن قلبها يسبقها نحو موعدها مع صديقتها.

كان الهواء في الخارج عليلاً، والحديقة تتهيأ لمساء جمعة دافئ.

وعلى النقيض تماماً ...

كان بيت الغمري صامتاً كئيباً كعادته، الصمت فيه ثقيل، كأنه ضيف غير مرغوب به جلس منذ زمن ولم يغادر.

رائحة القهوة المُرة امتزجت مع رائحة الحنين، والسماء خلف النوافذ رمادية لا تشبه سكون الجمعة، بل تشبه انتظاراً لا ينتهي.

جلست العمة قَدر في الصالة، عباءتها الرمادية تلفها برزانة، وعيناها تراقبان نوح الذي جلس قبالتها، يعبث بمسبحته دون تركيز.

كانت ملامحه متعبة، كأن العمر مر عليه دفعة واحدة، ليس من السنين، بل من الوجع.

قالت بصوتٍ ناعمٍ لكنه مثقل بالهم:

ــ نوح، ما صار الوقت تسامح أخوك؟ مر سنين يا ابني، ومكفي غربة.

رفع نظره نحوها بسرعة، عيناه اشتعلتا بوجعٍ لم يهدأ:

ــ غربة؟ انتي بتسمي اللي عمله غربة يا عمة؟

سكت لحظة، صوته خافت بس فيه وجع مكبوت:

ــ هو اختار يبعد، بعد ما هد حياتنا، بعد ما خلى كل الناس تطلع علينا بنظرة شفقة.

ــ بس خالد بضل أخوك بالنهاية، يمكن ندم، يمكن محتاج فرصة.

ضحك نوح بسخرية حزينة، ثم قال:

ــ الندم ما بيمحي اللي انكسر، يا عمة، في أشياء حتى الوقت ما بيعرف يصلحها.

اقتربت منه خطوة، وكأنها تخاف عليه أكثر مما تعاتبه:

ــ أنا ما بحكي عشان خالد، بحكي عشانك، لأنك كل يوم عم تنطفي شوي شوي.

صمت، ثم وضع المسبحة على الطاولة، ونهض ببطء، عينيه تلمعان بشيء بين الحزن والغضب:

ــ يمكن العتمة اللي جواتي أهون من إني أشعل قلبي بشي ما بدي أرجعه.

ــ نوح...

ــ خليني أطلع، يمكن الشارع أهدى من الكلام.

خرج من البيت، والباب أغلق بصوتٍ يشبه الوداع.

وقفت قَدر عند النافذة، تراقب ظله يبتعد، وهمست لنفسها بخوفٍ مكتوم:

ــ يا رب، رجعله قلبه قبل ما يضيع مثل أخوه.

نوح & دُرة

رواية بين قلبين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية بين قلبين

المؤلف Shams Muhammed
2026/01/07 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة