ظلال على النافذة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعض اللقاءات لا تنتهي حين تنتهي،
تترك فينا ظلّها، صوتها، وحتى ارتجافتها الأولى.
قد تمرّ اللحظة وتنتهي من العالم،
لكنها تبقى حية في القلب،
تتحرك بين النبضات كأنها تذكّرنا أن هناك شيئاً بدأ…
شيئاً لا نعرف إلى أين سيمضي،
لكننا نعلم أنه غيّر فينا شيئاً لا يعود كما كان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم تنم دُرة تلك الليلة ...
كانت الغرفة مظلمة إلا من خيط ضوء القمر الذي تسلل عبر النافذة، يرسم على جدارها أشكالاً تشبه ملامح عابرة.
وضعت يدها على قلبها، مازال يخفق بطريقة غريبة، وكأن داخله موسيقى لا تُريد أن تهدأ.
حاولت أن تقنع نفسها أن ما حدث في المكتبة مجرد لحظة عابرة، لكن عينيه ظلت تُطاردها، ابتسامته القصيرة بقيت محفورة في ذاكرتها كأنها توقيعٌ لا يُمحى.
همست لنفسها:
_ يمكن هاد مجرد سراب، يمكن أنا بس محتاجة أتعلق بفكرة بتخليني أتنفس.
رنّ هاتفها فجأة،
كانت صديقتها سارة، بصوتها المليء بالحياة كالمعتاد:
_ دودي! بكرة الجمعة، شو رأيك نروح الكافيه الجديد؟ أنا زهقانة.
ضحكت دُرة بخفة، رغم أن قلبها كان مثقلاً:
_ ما بعرف، مالي نفس.
_ شو مالك؟ لا تقولي لسه بتفكري بالصدفة تبعت المكتبة!
صمتت دُرة لحظة، ثم قالت بهمس:
_ يمكن، بس بتحسي مرات إنو في ناس ما بنشوفهم بالصدفة؟
تذمرت سارة كعادتها:
_ آخ منك، إنتي رح تضيعي حياتك بهالأفكار الدنيا بسيطة، ما بدها فلسفة، بس إنتي قلبك دايماً بدو يحول كل شي للغز.
ابتسمت دُرة:
_ مو هيك، بس أنا حاسة إنو في شي رح يتغير وإحساسي بعمره ما خيب ظني.
أغلقت الهاتف وجلست قرب النافذة، الهواء البارد داعب وجهها برقة، والقمر بدا أقرب من أي وقتٍ مضى.
شعرت أن هناك وعداً ما يسبح في السماء، وعداً لم تفهمه بعد.
وما لم تكن تعرفه دُرة، أن نوح في تلك اللحظة كان جالساً في مكان آخر، ينظر إلى كتاب لم يجرؤ أن يفتحه منذ سنوات، يُشبه الكتاب الذي كاد أن يجمعهما أكثر في المكتبة.
هو أيضاً شعر أن عينيها لم تكن مجرد لقاء، كان يعرف أن هناك خيطاً خفياً، خيطاً لا يُقطع.
وأن القدر، بطريقة ما بدأ يرسم لهم مسارهم.
نوح & دُرة
رواية بين قلبين