الْبَابُ الثَّالِثُ: امْتِحَانُ النَّارِ
الْفَصْلُ ٥: مَشَاهِدُ مِنَ الصَّمُودِ
"لَمْ يَكُنْ تَعْذِيبُ بِلَالٍ مُجَرَّدَ لَحَظَاتٍ عَابِرَةٍ، بَلْ كَانَ امْتِحَانًا طَوِيلًا لِلرُّوحِ وَالْجَسَدِ، اخْتِبَارًا لِإِيمَانٍ صَادِقٍ فِي قَلْبِ عَبْدٍ ضَعِيفٍ، لَكِنَّهُ كَانَ أَقْوَى مِنْ كُلِّ طُغَاةِ مَكَّةَ."
مَشَاهِدُ مِنَ الصَّمُودِ:
· فِي شَمْسِ الظَّهِيرَةِ: كَانُوا يُخْرِجُونَهُ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ -أَشَدُّ أَوْقَاتِ الْحَرِّ- وَيَطْرَحُونَهُ عَلَى الرِّمَالِ الْحَارِقَةِ، وَقَدْ بَلَغَ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ أَنَّ الْجُلُودَ كَانَتْ تَحْتَرِقُ بِمُجَرَّدِ مُلَامَسَتِهَا لِلْحِجَارَةِ.
· الطِّفْلُ الَّذِي حَمَلَ التَّعْذِيبَ: فِي إِحْدَى الْمَرَّاتِ، أَمَرَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ الْأَطْفَالَ الصِّغَارَ أَنْ يَجُرُّوا بِلَالًا فِي شَوَارِعِ مَكَّةَ بِحَبْلٍ مَرْبُوطٍ فِي رَقَبَتِهِ، وَهُوَ يَرُدِّدُ "أَحَدٌ أَحَدٌ".
· الصَّخْرَةُ عَلَى الصَّدْرِ: وَضَعُوا الصَّخْرَةَ الْكَبِيرَةَ عَلَى صَدْرِهِ وَهُوَ مَمْدُودٌ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: "لَا نَرْفَعُهَا حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ!"
كَلِمَاتٌ مِنَ الْقَلْبِ:
مِنْ تَحْتَ الصَّخْرَةِ، وَبِصَوْتٍ مَكْسُورٍ مِنْ شِدَّةِ الْعَذَابِ، كَانَ بِلَالٌ يَقُولُ:
"يَا اللهُ، يَا أَحَدُ، يَا صَمَدُ، أَنْتَ تَرْحَمُ ضَعْفِي، أَنْتَ تَشْهَدُ إِيمَانِي. اللَّهُمَّ انْصُرْ دِينَكَ، وَاجْعَلْنِي صَبْرًا عَلَى بَلَائِكَ."
رَدَّةُ فِعْلِ الطُّغَاةِ:
كَانَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ يَحَّيرُ فِي أَمْرِ بِلَالٍ، فَيَقُولُ لِمَنْ حَوْلَهُ: "وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى، إِنَّ هَذَا الْعَبْدَ الْأَسْوَدَ لَيُعْجِبُنِي! يَصْبِرُ عَلَى مَا لَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ الْبَشَرُ!"
السِّرُّ وَرَاءَ الصَّمُودِ:
كَانَ سِرُّ صُمُودِ بِلَالٍ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ: لَقَدْ ذَاقَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، فَلَمْ يَعُدْ يُبَالِي بِمَرَارَةِ الْعَذَابِ. لَقَدْ أَصْبَحَ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ الْمُضْطَهَدُ يَعِيشُ حُرِّيَّةً رُوحِيَّةً لَمْ يَشْعُرْ بِهَا سَادَةُ قُرَيْشٍ.
احمد كامل محمود السي