العرَقُ البَاردُ آنسلَّ منْ عامودهِ الفقريّْ وهوَ يلعقُ ثغرهُ المرتجفِ الجَافْ، علَّه يلقَىْ بهذَاْ الفعْلِ الدَّعمَ الذِّي قد يساعدهُ علَى تأويلِ ماْ خبِّر لهُ.
_" لقدْ نكثنَاْ عهدَ الإمبراطوْر الأعظمْ زيوْس ودخلْنَاْ مملكَةَ المسوخْ النَّتنة، كمَاْ أنَّنَا تسللنَاْ إلَى القصْرِ المهيبِ وفتشنَاْ ثناياهُ بكلِّ دقة، صدقنَاْ يَاْ مولاْي لمْ يكُنْ ليوثمينْ ليكذبَ عليكً أوْ يخوِّل لنفسهِ التَّفكيرْ بذلكَ حتَّى! "
نبَسَ بوهنٍ وتضَرعٍ مشيرًاْ إلَى نفسهِ بلفظهِ (ليوثمينْ) بينمَاْ يركعُ بقامتهِ الهزيلةَ بمذلةٍ علَّه يستنجِي عطفَ مولاهْ.
_" لمْ تأتنِي بجواْبِي ليوثمينْ، هلْ أحضرتموهَا؟ " سألهُ بصوتٍ يخرجُ معْ أنفاسهِ التِّي لاْ تنفكُّ تلاحقُ إحداهَا الأخرَى، بينمَاْ يخدشُ زجاجَ النَّافذةِ أمامهُ بأظافرهِ التِّي كدِّستْ بالدِّماء واللَّحمِ المتعفنِ الجَافْ.
وعندَمَا لمْ يحصلْ علَى أيّْ جواْبْ منْ تابعهِ، تنهَّد بثقلٍ مقتربًاْ منهُ بينمَاْ تمسَّكَ الآخرُ بتلابيبِ ثوبهِ يتوسَّل الرَّحمةَ التِّي لمْ يغرسهَاْ الإلاهُ داخِلَ ثنايَاْ قلبِ سيِّده.
_" ليوثمينْ، كانَ يجبُ عليكَ قتلُ نفسكَ قبلَ أنْ توصلَ إليَّ هذَاْ النَّبأ، أتراكَ نسيتَ ماْ أفعلهُ بمَنْ لاْ يجيبُ مبتغايَ بالطَّاعة؟ وداعًاْ ليوثمينْ ولتكُنْ عبرةَ لغيركَ منَ الحمقَى "
أنهَىْ كلماتهُ بفتحِ فمهِ بوحشيةٍ غارسًاْ أنيابهِ فيْ رقبةِ الرَّسولِ ممزقًاْ إيَّاهَ، قبلَ أنْ يبدأَ بنهشِ لحمهِ معْ دمائهِ التِّي تناثرتْ فيْ كلِّ مكانٍ مخلفةً أثرًاْ لاْ يمحَىْ فيْ غرفةِ النَّاجيْ الوحيدْ كمَاْ يقاْل.
_____
دامْيانْ يمُوتْ!
أوْ هذَاْ ماْ ظننتهُ قبلَ أنْ تعادَ تقاسيمُ وجههِ للحياةِ بعدَ آنقسامهَاْ. دماءهِ الدَّعجاء توقفتْ عنِ النَّزيفْ منْ كلِّ مكانٍ فيْ جسدهِ.
آستقمتُ متوجهةً نحوَهُ بينمَاْ شعورٌ بالإطمئنانِ ملئَ جسدِيْ. ظننتنِي معتادةً علَى رؤيةِ الموتْ يتجوَّل حولنَا، لكنَّني يبدُوْ بأنَّني لنْ آلفَ هذَاْ الشُّعور أبدًا، وكمَا يقالْ سيكونُ للموتِ رهبتهُ مهمَاْ كثرت الأسباب.
_" لمَاْ حصلَ معهُ هذَا؟ " كانتْ سيرينَاْ هيَ منْ تساءلتْ بينمَاْ ترمقُ دماءهُ بحاجبينِ معقودتينِ.
كانَ الجوابُ بحوزتِي فباشرتُ بقولهِ لهَا ولجميعِ الآذانِ التِّي جابتْ مرقدنَا : " لكلِّ شيطانٍ منَّا هبةٌ يستحصلُ عليهَاْ فيْ الوقتِ المناسبْ، هبةُ داميانْ كانتِ ديتونشْ وهي عبارةٌ عنْ طفيلِيّْ رخويٍّ أسودَ يتجسَّد بالشَّكل الذُِي يريدهُ مالكهْ. لمْ يحصلْ علَى هذهِ الهبةِ منذُ وقتٍ طويلْ لذَاْ قواهُ وطاقتهُ الرُّوحية لمْ تتأقلمْ علَى هذَا النَّوعِ منَ الطَّاقةِ بعدْ، لذَا بعدَ أنْ يبالغ بآستخدامِ طاقتهْ كمَاْ رأينَا الآنْ سيبدأُ بسرعةٍ بالنَّزيفْ منْ كلِّ فتحةٍ فيْ جسدهْ. هذَا كلُّ شيء "
طالعتنِي سيرينَاْ بدهشةٍ معجبة قبلَ أنْ تقتربَ منُِي أكثىْ ثمَّ تهمُسُ داخلَ أذنِي: " هذهِ معلوماتْ رائعة، منْ أخبركِ إيَّاهَا؟ " منْ أخبرنِي إيَّاهَا؟ توقفتُ للتفكيرِ لهنيةٍ .. لمْ يخبرنِي أحدْ بهذَا الشَّيء، أكانَ مجرَّد آستنتاجْ منِّي صادفَ بأنَّه يماثلُ حالتهْ؟ ربَّما ...
تجاهلتُ إجابتهَاْ علَى سؤالهَا ثمَّ ركَّزتُ معْ داميانْ الذِّي بدأتْ زرقاوتيهِ بالإنفلاج، قبلَ أنْ يحرِّك شفتيهِ بكلماتٍ تكادُ لاْ تسمعْ : " إبتعدُوا قليلًا لأتنفسْ .. "
عضضتُ شفتايَ بحرجْ وأخذتُ أنَا والكلّْ نبتعدْ عنهُ معطيينهُ المسافةَ التِّي يحتاجهَا، لاحظتُ مجيءَ إيليانْ وروفنْ بعدَ أنْ آبتعدَا عنْ مرقدنَا منذُ مدَّة. الوحيدْ الذِّي لمْ يكُنْ موجودْ هوْ موركِي، وبالمناسبة منْ ذا النَّبيل الذِّي يكلمهْ ؟ غريب ...
كماْ كانَ فلادْ لاْ يزالُ شاخصًاْ ينظُر إلَى دامْيانْ بصدمةٍ لمْ يبدوْ بأنَّه آستفاقَ منهَاْ، وكمَا كنتُ أنظرُ إليهِ كانتْ فارينَا تنظرُ إليهِ بتقضيبةٍ بينَ حاجبيهَا، قبلَ أنْ تفرقعَ بأصابعهَاْ أمَامَ وجههِ موقظةً إيَّاه منْ غفلتهْ.
نظَرَ إلَى إصبعهَا ثمَّ أبعدهُ منْ أمامِ وجههِ بوقاحةٍ قبلَ أنْ يتقدَّم منْ داميانْ ويردفْ بنبرةٍ حملتْ بينَ طياتهَاْ النَّدم : " لمْ أقصدْ بأنْ يئولَ بكِ المئالُ إلَى هنَاْ "
_" لاْ بأسَ عليكْ " أجابهُ داميانْ بشبحِ آبتسامةٍ قبلَ أنْ يغمضَ عينيهِ بألمْ وهوَ يستقيم : " البأسُ عليّْ، أنَا الذِّي بالغَ بهذَاْ النِّزالِ فاقدًاْ جلَّ عقلِي ومنطقِي " وقفَ شامخًاْ كمَا لوْ أنَّ بأسًا لمْ يصبهُ فآبتسمتُ سعيدةً
أحبُّ رؤيتهُ شامخًا ..
نظرتُ إلَى دوروسْ الفارِسِ الذِّي لا يزالُ بمحاذاتِي، الذِّي كانَ بدورهِ يرمقُ دامْيانْ بنظراتٍ لاْ تفسَّر، وخيِّل ليْ بأنَّ يدهُ آرتجفتْ بقوةٍ بينمَا كانَ يقبضُ عليهَا بشدةٍ تكادُ تمزِّق عروقه. آزدادتْ العقدةُ التِّي تجوبُ ذهنِي والفضولْ الذِّي يندفعُ كمجرَى الدِّماء فيْ عروقِي.
_" ماْ بالكَ دوروسْ؟ " قلتهَاْ لهُ بينمَا أرمقهُ مترقبةً أيَّة طرفةٍ منْهُ أوْ جفلةُ آخذهَا لصالحِي لكنَّه لمْ يمنحنِي ماْ طقتُ لهُ بلْ آستبدَلَ نظراتهِ المتفاجئة بأخرىْ باردَة وهوَ يجيبنِي : " الفاْرسْ دوروْس، لستُ صديقكِ أيَّتها القربانْ المسخ، لنْ أكونَ صديقًا لشيطانْ! " أكمَل بنبرةٍ حاقدةٍ وهوَ يبتعدُ راكبًاْ علَى صهوةِ حصانهٍ قبلَ أنْ يتحرَّك بهِ مخلفًاْ وراءهُ التُّرابَ فحسب.
قبضتُ علَى باطنِ وجنتيْ بشدةٍ لأمنعَ نفسيْ منَ القيامِ بفعلٍ متهوِّر، ليسَ وكأنَّ ما قالهُ ليسَ حقيقة، لكِنْ أنَا فقطْ التِّي لمْ أذعنْ لواقعِي كشخصٍ بعِد، أوْ كهويتِي كشيطَانْ.
لقَدْ أنزَلَ هادِيسْ بنَاْ قعرَ الجحيمْ، بعدَ أنْ كنَّا منْ أرقىْ المخلوقاتِ وأرفعهَا، بعدَ أنْ عشنَاْ جنبًاْ إلَى جنبِ المجنحينْ ومستخدمِي طاقاتِ الأرضِ والوحوشْ الفريدَة. المضحكُ فِي الأمرِ أنَّني لا أذكُر بأنَّني عشتُ ذلكَ النَّعيمَ قطْ ..
لا بدَّ منْ أنَّها آختفتْ تاركةً إيَّاي، فيْ النِّهاية كانتْ لاْ تزالُ أرفعُ منْ مقامِنَا، مقام المُدنسينْ الآثمِينْ ..
_" أدخلُواْ هيَّا، يكادُ اللَّيلُ ينتصفُ بقمرهِ ! " داهمَ صوتُ السَّيدة صوفيَا أفكارِي، فجفلتُ لحظةً قبلَ أنْ أرمقهَاْ كمَا رمقناهَاْ كلَّنا بآستغراْب.
سرنَاْ تابعينَ إيَاهَاْ داخلينَ الكُوخْ، بينمَا أسرعتْ السَّيدة صوفيَا بإشعالِ المدفئةِ التِّي هجرتْ منَ الحطَبِ لأشهُرٍ طوَالْ.
آضطجعنَاْ علَى أرائكِ المجلسِ مقابلينَ لظَاْ النَّار والدِّفئِ المنبعثْ منَ المدفئةِ، التِّي بدأتْ بآلتهامِ وقودهَاْ بشراهةٍ.
_" اللَّيلةُ هيَ ليلةُ المنتصفِ الفريْد، حيثُ تتغيَّر درجاتُ الحرارةِ لتضحىْ باردةً سقيعةً. والآنْ وبالذَّات يجتمعْ أهالِي المملكةِ معْ أطفالهمْ حوْل مدفئةِ تدفئُ أفئدتهمْ، ويبدأونَ بترتيلِ أسطورةِ الثَّلجِ، وهِي أسطورةٌ بعثتْ وآنتشرتْ حولَ ممالكِ السَّماء أجمعَ، قبلَ أنْ تأتينَاْ لنرتلهَا كمَا الجميعْ علَى منْ يجهلونهَا " آسترسلتْ السَّيدة صوفيَّا بحديثهَا بينمَاْ تحرِّك أيديهَا شارحةً لنَاْ ماْ قيلَ، وكمَا قالتْ أحسستُ بفؤادِي يطمئنُ وإحساسٌ بالدِّفئِ آغتالَ دواخلِي ليسَ جرَّاء المدفئةِ المشتعلة بلْ منْ أحاديثِ السَّيدة معْ صوتهَا النَّغم الذِّي ملئنِي بطمأنينةٍ لمْ أعهدهَا قبلًا.
_" لذَا وبصفتِي مستضيفتكمْ لهذهِ السَّنة سأسردُ عليكمْ أسطورةَ الثَّلج، للتِّنين الذِّي هدَّد! " توقفتْ لهنيةٍ تبتلعُ ريقهَا ناظرةً إلَى كلِّ فردٍ منَّا قبلَ أنْ تسترسلْ : " في مملكَةِ التَّنانينْ، حيثُ تواجدتْ هناكُ أكثرُ أنواعِ التَّنانينْ بكلِّ سلالاتهَاْ وأعراقهَا، كانتِ المملكة ليستْ سوَى متجرًا لنبلاءِ الممالكْ الذِّين يأتونَ إلى هذهِ المملكةِ ليشتروْا التَّنانينْ أوْ يزايدوْا بهَا. وكانتِ التَّنانينُ كائناتٌ بغريزةٍ وذكاءٍ ضئيلْ، لا تمتلكْ الفهمِ الكامِل الذِّي يملكهُ وحوْش الممالِك حينئذٍ، لذَا كانتْ سهلةَ الإصطيادِ وسهلةَ التَّنبؤ بحركاتهَا. بعدَ عقدٍ منَ الزَّمانِ لاحظَ النُّبلاءُ أنَّ التنَانين تختفِي بشكلٍ سريعْ، كمَا لوْ أنَّها تنقرضُ بالتَّدريج، فأمرَ النَّبيلُ البرجوازِيّْ من مملكةِ الدِّماء والظَّلام أنْ يرسلَ كلُّ نبيلٍ منهمْ جيشهُ ليستولوْا علَى المملكَةِ وليكتشفوْا إلَى أين تذهبُ التَّنانينُ حقًا. "
توقفتْ عنِ الحديْث تراقبُ أعيننَا ببسمةٍ إثرَ تحمسنا الشَّديد الظَّاهر علَى ملامحنَا : " جابَ حرَّاس النُّبلاء أرجاءَ المملكةِ منْ غاباتِهَا إلَى وديانهَا بحثًا عنْ مكانِهمْ قبلَ أنْ يتوقفوْا أمامَ سلسلَة جبالِ (دراكوْن) التِّي لاْ يستطيعُ كائنٌ أوْ وحشٌ مجنحْ بلوغَ قمتهَا سوَى التَّنانينُ، لكِنْ كانَ للحرَّاسِ رأيٌ آخرْ حيثُ أبلغوْا النُّبلاءَ بهذَا النَّبأِ، فمَاْ كانَ للنبلاءْ إلَّا بأنْ يرسلوْا بطلبِ المعلِّمْ جيانِغْ زعيمْ عشيرةِ الرِّياحِ فيْ الجنوْبِ الذِّي يستطيعُ التَّحكم بالهواءْ بشكلٍ عجيبْ، كمَا يمكنهُ الطَّيرانْ بكفائة أعلَى منْ كافةِ الوحوْش أجمعْ "
_" لكِنْ ماْ حصلَ بعدهَاْ لمْ يكُنْ ليحْصلْ حتَّى فيْ أجمحِ أحلامهمْ، عندَماْ تحكَّم المعلِّم جيانغْ بالهوْاءِ وصعدَ محلِّقًا حولَ جبالِ (دراكونْ) لاحظَ قمَّة الجبالِ تكتسيْ بالثُّلوجِ، وهذَا ماْ كانَ ليحدثْ فيْ فصلٍ سيطرَ الجفافُ عليهْ، آستمرَّ بالصُّعودِ معْ نقصانِ درجاتِ الحرارةِ حتَّى لمْ يستطعْ الصُّعودَ بقدرتهِ بعدْ وعندَمَا همَّ بالنُّزولِ سمعَ جملةً قيلتْ بصوتٍ مظلمٍ حيوانِيّْ " قلْ لهمْ أنَّ لاْ تنانينَ هنَا، وأنَّهم آرتحلوْا ليجوبوْا ممالكَ الأرضِ المحرَّمة عليهم " أدارَ المعلِّم جيانغْ برأسهِ يبتَغِي أنْ يعلمَ منْ صاحبُ الجملةِ التِّي لمْ تسمعهَا آذانهُ بلْ سمعهَا عقلهْ " أنَا تنينْ ذوكيمْ " ظهرَ عندهَا تنينٌ ناصعُ البياْض ظهرَ جلدٌ دببٌ علَى رأسهِ وكاملِ ذيلهَ، كمَا أحاطتهُ هالةٌ خضراء فاقعة تنمُّ علَى الحكمةِ والرَّزانة، ارتجف بدنُ جيانغْ عندَما لمحهُ وعقلهُ لاْ يستطيعُ تصديقَ أنَّ تنانينًا تحدَّث إليهِ، بلْ هددَه وأمرهْ! "
_" همَّ المعلِّم بالنُّزول وأخطرهمْ بعدمْ وجودِ تنانِينْ، وبتكهنهِ بأنَّهم آرتحلوْا إلَى أراضيْ البشرْ المحرَّمة علَى ذويهمْ. قبلَ أنْ يعودَ إلَى مملكتهِ حافظًا سرَّ التِّنين لا يلفظهُ لأحدْ. "
نظرتُ إلَى السَّيدة صوفيَّا بتهكمْ، أتقولُ بأنَّ التِّنينْ الذِّي قابلتهُ ليسَ سوَى محضُ أسطورة؟ هذَا مستحِيل، ماْ قابلتهُ كانَ حقيقيًّا!
لكنَّه حقيقةٌ أيَّتهَا العمَّة، لديهِ هالةٌ خضراءُ فاقعةً كمَا قلتِي كمَا أنَّ صوتهُ لاْ يسمعُ سوَى بالعقلِ، لقدْ قابلتهُ فيْ متاهةِ الأرواحْ، لقدْ آختبرنِي بعدَّةِ أسئلة كمَا أنَّه جعلَ الثَّعلب زيفاروثْ يهاجمنِي !
هذَا ما أردتُ قولهْ، لكنَّني تريثتْ ... لا أعرِف لمَا رأيتُ ذلكَ التِّنين، لكنَّني علَى يقيْن بأنَّ كتمَ هذَا الأمرِ أفضلَ منْ فضحهِ لهمْ.
آستقامتْ السَّيدة صوفيَّا علَى عجَل : " يجبُ أنْ أحضِّر بعضَ الحلوياتْ بمناسبةِ هذهِ اللَّيلة، تسامروْا معْ بعضكمْ ريثمَاْ آتِي! " آختفتْ خلفَ الباْبِ، بينمَاْ آجتمعَ أكملنَاْ دونَ موركِي الذِّي لمْ أبصرهُ منْ وقتٍ طويلْ.
مرَّرتُ بنظريْ عليهمْ قبلَ أنْ تتوقفَ نظراتِي علَى فلادْ الذِّي كانَ ينظرُ إلَى النَّار الموقدةِ بشروْد، شيءٌ بوجودهِ حولِي يزعجنِي. كمَا لوْ أنَّ وجودهِ بأكملهِ يرهقنِي. أتساءلْ إنْ كانَ يشعرُ بنفسِ الإنزعاجِ الذِّي أشعرُ بهِ عندَ طغيانِ وجودهِ علَى المكَانِ دونمَاْ سببْ ..
لمْ أنتبهْ لشرودِي فيهِ إلَّا عندمَا رأيتهُ يرمقنِي بعيونٍ حادَة يتساءلْ عنْ سببِ إمعانِي فيْه، جعدتُ حاجبايَ أرمقهُ بغضبٍ غيرْ مبرَّر قبلَ أنْ أتنهَّد بخفوتٍ مشيحةً بنظرِي عنه.
شعرتُ بالتَّساءل ينضخُ منهُ، ربَّما بسببِ نظرتِي الغاضبةِ لهُ دونمَا مبرِّر .. لاْ بأْس ليبقىْ حائرًاْ هكذَاْ، يا إلهِي أنَا لستُ سويَّة نفسيًا !
_" أذكُرُ بأنَّها قالتْ لنتسامرْ معْ بعضنَاْ لاْ لنتسمَّر ناظرينَ إلَى بعضنَا! " كانتْ سيرينَا منْ تكلَّمتْ بمللٍ وضجَرٍ يملؤ نبرتهَاْ، قبلَ أنْ تستدِيرَ ممعنةً النَّظرَ إلينَاْ قبلَ أنْ تقوْل: " ليقلْ كلٌ منكمْ مَاْ يعجبهُ فيْ هذهِ المملكةِ وماْ يبغضهْ! "
تنهَّد علَى أثرِ كلامهَا رايفنْ الذِّي أجابهَا ببرود : " طريقة سيئة لقرائتنَاْ ياْ سيرينَاْ، حاولِي بجهدٍ المرَّة المقبلة "
سرعانَ ماْ تنهدَت سيرينَا بإحباطْ وهيَ تشزرهُ بكرهٍ: " تعلمُ ماذَا؟ أنتَ لاْ تستحقْ أنْ أنظرَ إليكَ حتَّى بغضب، تبًا لكْ! " نبستْ بكرهٍ معْ إشاحتهَا لنظرهَاْ عنهُ بكبرياْءٍ وغرورْ.
تجاهلتُ جدالهمَاْ وركَّزتُ علَى داميانْ الذِّي كانَ يسامرُ ديانَاْ بالحديثِ متنهدًا كلَّ ثانية : " هلْ أنتَ بخيرْ حقًا داميَان؟ رؤيةُ كميَّة الدِّماء التِّي خرجتْ منكَ مخيفَة، هلْ تحتاجُ لتعويضهَاْ بشكلٍ مَا؟ " توقفَ عنْ حديثهِ ناظرًاْ إليَّ قبلَ أنْ ترتسمَ آبتسامةٌ متعبةٌ علَى وجههَ : " أنَاْ بخيرٍ حقًا، شكرًاْ علىْ قلقكِ أيَّتهَا الصَّغيرة "
ابتسمتُ إثرَ كلامهِ، لكنَّني لازلتُ أذكرُ ردَّة فعلَ دوروسْ عندمَا رأىْ حالهُ، ياْ ترىْ ما الذِّي آكتشفهُ ذلكَ الفارِس؟
_" هلْ تريدونَ أنْ نعودَ لتلكَ السُّجون؟ " نطقتْ فارينَا التِّي كانتْ ترمقنَا بهدوءْ.
_" لمْ أكنْ مسجونْ .." تفوَّه آرثرْ بهذهِ الجملة بينمَا ينظرُ إلىْ فارينَاْ بحاجبينِ معقودتينْ.
_" كنتُ أتحدث بشكلٍ مجملٍ آثر، كمَا أنَّ بقائكَ خادمًاْ تحتَ يدْ كالدونِي متعلَّم ليسَ أفضل منْ سجن .. "
_" أنتِ محقة .." أجابهَاْ وعينيهِ تلمعانِ بذكرياتٍ لاْ أدركُ ماهيتهَا وماْ فحواهَا.
_" إنْ كنتمْ تريدونَ العودة إلَى تلكَ السُّجونْ، إلَى الزنازينْ إلَى أنْ تعودُوا أسوء منَ العبيدْ، لتكرهوْا بعضكمْ ولاْ تثقوا ببعضٍ ولتكنْ مجملُ كلماتكمْ هدفهَا الكشفُ والتَّحقيق فيْ الآخرينْ، وليسَ طريقةً لصنعِ فريقٍ ملتحمٍ يخافُ كلُّ عضوٍ منهمْ علَى كافةِ الأعضاْء " عندَ نبسهَا الكلمةَ الأخيرةَ تمركزتْ نظراتهَا نحوِي بلومٍ، كمَا لوْ أنَّها تشيرُ لكونِي النَّموذجَ الأوَّل لفحوَى كلماتهَا ..!
_" هذَا ليسَ دقيقًا فارينَا، وآعذرينيْ علَى ماْ أقولْ. لكِن فيْ حالتنَا وإنْ وثقنَا ببعضنَاٌ ثقةً عمياْء فسنأخذُ جزاءَ هذهِ الثِّقةِ غاليًا. لتكنْ فحوَى كلماتكِ بأنْ يكونَ لكلِّ شخصٍ القدرة علَى تبيانِ وجههِ الحقيقيّْ عندهَا سيسهلُ علينَا الوثوقُ ببعضنَاْ بشكلٍ أكبرْ منْ أنْ نثقَ ببعضنَا يشكلْ عبثيّْ غيِر معروفْ. " أنهتْ ديانَا بكلماتهَا التِّي بدتْ الأكثرَ واقعيَةً وفعاليَّة، ولكِن السُّؤالُ هنَاْ هلْ سيجرأُ أيِّ شخصٍ منَّا علَى أنْ يظهرَ وجههُ الحقيقيّْ حقًا؟
______
خلَدَ الجميعُ إلَىْ النَّومِ، وبقيتُ أنَاْ وفلاْدْ وآرثِر بجانبِ النَّارِ نستلذُ ببعضٍ منْ دفئهَاْ ليغمرنَاْ.
_" ف_لاد، فيْ القصرِ الأحمَرْ لطالمَاْ أشيرَ إليكَ بالبَشرِيّْ الذِّي يملكُ شيئًا فيْ داخلهِ أقوَى منْ ماْ تعارفُ عنهُ، هلْ هذَا صحيْح؟ " آرتجفتْ شفتايْ آرثِرْ وهوَ يسألُ مَا يشغلهُ منذُ قابلَ فلَاْد، وقدْ أخذتْ نبرتهُ منحنَى الرَّجاءِ.
المقصودْ بالكلامِ أزاحَ بمقلتيهِ التِّي كانتْ شاردةً بالنَّار، ليحطهَاْ علَى آرثرْ متحمحِمًا قبلَ أنْ يسترسلَ بنبرةٍ جليديَّة : " لتُظهرَ نفسكَ كبطلٍ لاْ يقهَرْ، يجبُ عليْكَ أنْ تضخِّم منْ صدَىْ عدوِّك وجبروتهْ وميزتهِ وقدراتهْ، هلْ ظننْتَ حقًا أيُّها الغبِيّْ لوهلةٍ أنّي بشرِيّْ؟ "
_" لمْ أقص_ " قاطعتُهُ بحدَّة قائلة : " هذِه ليستْ طريقةً لتعاملَ شخْصًا سألكَ بلطْف ! "
جزرنِي بنظرةٍ باردةٍ : " وماْ دخلكِ أنتِ أيَّتها الكاتْرينَا؟ هلْ الإهانة مستْكِ بطريقةٍ أوْ بأخرَى؟ "
عندَماْ رأيتُ تفاعلهُ وآنفعالهُ عليّْ آستطردتُ قائلة : " كيفَ يعلمُ الأباطرة بوجودكَ رغمَ أنَّك كنتَ هاربًا؟ "
جفلَ بمكانهِ كمَا لوْ أنَّه لمْ يتوقعْ هذَا السُّؤال، لكنَّه سرعانَ مَاْ آبتسمَ بسخريةٍ قائلًا : " أنَا لاْ أهربُ منَ الأباطرَة، بلْ أهربُ منْ منْ أقوَىْ منهمْ كاترينَاْ. الأباطرة يعلمونَ كلَّ شيءٍ داخلَ نطاقِ ممالكهمْ لاْ تتفاجئيْ. "
أحسستُ بنبرتهِ تنخفضُ فيْ آخرِ جملةٍ تلاهَاْ، كمَا لوْ أنَّها تعبِّر عنْ سخريتهِ منْ واقعٍ لاْ يكونُ فيهِ حرًّا ..
لاْ أصدِقهْ ..
عندمَا قالَ ماْ قالهُ آرتجفَ فكُّه كمَاْ آنعقدتْ حاجبيهْ، كمَا لوْ أنَّه يخفِي ماْ هوَ أكبَر منْ مجرَّد مراقبةِ الأباطرةِ لنَاْ. ما الذِّي تخبأهُ يَاْ أدعجِيّْ ؟
كيفَ يكونُ هنالكِ منْ همْ أقوَى منَ الأباطرة؟ كلامهُ مبهمْ كمَا حالِي وكلُّ ماْ يحدُثُ معِي .
آستقمتُ متجهةً إلَى غرفتِي فالحديثِ معهُ بينمَا غشاوةِ النَّومِ تكادُ تهويْ بِي ليستْ فكرةً جيِّدة.
كمَا أنَّني مللتُ منَ آنتظارَ موركِي، عندَماْ يأتِي سأعلمْ. آضطجعتُ علَى سريريْ وبسرعةٍ مرَّرتُ بنظرِيْ علَى فوتينْ الجنيَّة التِّي توسدَتْ يديهَا نائمةً براحةٍ بعيدًاْ عنْ مشاكِلِي وكلُّ ماْ بي .
هلْ تقرُّب جنيةٍ منِّي أمرٌ طبيعِيّْ؟ هلْ حديثيْ معْ كائنْ يزعمُ الكلُّ بأنَّه أسطورة طبيعيّْ؟ هلْ ذعنُ ثعلبِ كرسلوخْ لِي أمرْ طبيعيّْ؟ وتلكَ القصيدَة ....
" إبنة الأرضِ بناتُ الأرضْ، الرُّوحُ مقابلَ أرضٍ آغتصبتْ، النَّايُ بينَ أناملِ القرويَّة تضغطُ علَى فتحاتهِ فتتفجَّر الأرضُ بالبركاتِ ويحلُّ الرَّبيع ".
أحسستُ بالظَّلامِ ينزلُ سطوتهِ علَى وعييْ فمَاْ كانَ منِّي إلَّا أنْ أذعنُ لهُ مسلمةً نفْسيْ لموتٍ مؤقتْ ..
_____
كنتُ هناْكْ، فيْ الحلْم أوْ ربَّما الكابوْس.
جالسةٌ بصمتٍ علَى سهلٍ عشبيٍ ممتدْ حدٌ يغشىْ البَصرْ له سردميٌ لاْ نهايةَ لهُ، وحيدةً تلفتُ لاْ أجدُ معِي منْ يوارينِي أوْ يحادثنِي. وفجاةً آندثرَ هذَاْ الهدوءِ معْ صوتِ همهمَاتٍ ساحِرة داعبتْ مسامعِي وأذعنتُ لسحرِ صداهَاْ.
لمْ يعدْ السَّهل دونَ نهايةٍ، بلْ أصبحَ مجرَّد سهلٍ عادِيٍ يقبعُ علَى جانبِ نهرٍ جارٍ ينعكسُ عليهَ سنَا النُّور . آقتربتُ منهُ لأرىْ آنعكاسِي فرأيتُ وجهِيَ أصغرُ ممَا آعتدت وأكثرَ طفوليَّة.
_ " ما الذِّي تفعلينهُ عندِكْ ليليْث؟ تقدَّمي هيَّا لقدْ فاتَ الوقت! " صوتٌ جهوريٌ نفضنِي منْ دهشتِي آلتفتتُ أمشيْ ناحيَةَ الصَّوتِ فلاْ ألقَى شيئًا.
_" تلكَ الغابة لاْ تجرئَا علَى دخولهَا، إنهَا خطيرة، هل سمعتمانِي؟ " آلتفتتُ للمرةِ الثَّانيةِ نحوَ صدَى الصَّوتِ المؤلوفْ لكنِّي عدْتُ خائبة.
_" منْ أنتِ " نبستُ أخيرًا بصوتٍ ناعمٍ لاْ يشبهنِي قطعًا.
ثمَّ فيْ لحظة صمتٍ آنفجَر النَّهر يغرقُ السَّهل بكلِّ ماْ فيهْ ومنْ بينهمْ أنَاْ.
آنقطَعَ نفسِي وأنَا أصارعُ الموجَ بجسدٍ مرتجفٍ صغيْرْ، وعندَماْ آندفعَ النَّهر بكلِّ ماْ فيهِ وصلتُ إلَى القاعِ بعدَ أنْ أنهكنِي التَّعب وقلَّت غريزتِي للحيَاة، وعندَهَا رأيتُ جسدًا يموجُ بصاحبهِ نحوِي، وبنظرةٍ مشوشةٍ لمْ أعدْ أستطيعُ المقاومةِ وآخرُ ماْ أدركتهُ هيَ كلمتانْ قيلتَاْ بحنانٍ قبلَ أنْ يطغَى الظَّلامُ علَى بصرِي.
_" عزيزتِي كاترينْ .."
______
آستقمتُ بسرعةٍ أشهقُ بقوةٍ بينمَاْ العرقُ ملأنِيْ بالكامِلْ، نظرتُ للغرفةِ التِّي أنَاْ فيهَاْ وعندهَاْ آرتحتُ قليلًا، منَ الجيِّد بأنَّ ذلكَ الغرقُ لمْ يكنْ سوىْ فيْ كابوْسٍ غريبْ لاْ أكثرْ ولاْ أقلْ ..
وقفتُ وآتجهتُ لأستحمَ مشمئزةٌ منْ كميَّة العرقِ التِّي أنَا فيهَاْ، كانَ منَ المفترضْ أنْ يحلَّ الشِّتاءُ عليّْ لاْ الصَّيفُ ..!
عندمَا أنهيتُ آستحمامِي ضربنِي الهواءُ القارِسْ، فآندفعتُ مسرعةً إلَى خزانتي منتشلةً منْهَا قميصًا أزرقُ باهتْ، معْ كورسيهْ جلدِيْ أسودْ مزوَّد بأحزمةٍ معدنيَّة، ثمَّ أخذتُ بنطالًا منَ الجلْدِ ليسَهِّل حركتِي، وآنتشلتُ قفازات جلديَةُ سودَاْءَ باطنهَاْ قطنِيّْ دافئْ ليبعِدَ البرْدَ عنِ الوصولِ لأنامِلِي.
ألقيتُ نظرةً علَى فوتينْ التِّي آستيقظتْ وآضطجعتْ علَى السَّرير تدورُ دونَ توقفٍ، وقدْ زهتْ بلونٍ أرجوانيٍّ قاتم، لونِي وماْ أشعرُ بهِ الآنْ ..
ألقيتُ بنظرةٍ سريعةٍ علَى النَّافذةِ الخشبيَّة الخاصةِ بغرفتِي لامحةً موركِيْ يخوضُ نقاشًا حادًاْ معَ ف_فلاد ؟
آقتربتُ منَ النَّافذةِ ببطءٍ كاتمةً صوتَ نفسيْ ثمَّ آنحنيتُ لعلِّي أسمعُ شيئًا ممَا يقولونْ.
_" أنتَ لاْ تساعدنَاْ بهذَاْ فلَاد ! حقدكَ الذِّي ظهرَ فجأةً غيرْ مبرَّر البتَة، ماْ مشكلتك؟ " سمعتُ صوتَ أزيزِ أسنانِ فلاْدْ قبلَ أنْ يجيبهُ بحدَّة : " إفعلْ ماْ تشاءُ موركِيْ، لكنَّني لنْ أثقَ بأحدْ حتَّى يعطينِي سببًاْ لفعلِ هذَاْ، وأنتَ لستَ آستثناءَ .."
آنبلجتْ عيناْ موركِيْ بصدمةٍ قبلَ أنْ يجيبهُ بنبرةٍ لاْ تحتملُ صبرًا : " أنتَ منْ أردتَ هذَاْ، وإنْ لمْ تثقْ بنَاْ فجهودكَ ستندثرُ هباءً "
_" ليَكنْ "
نبسَ فلادْ بنبرةٍ باردةً قبلَ أنْ يدخلَ الكوْخَ ويغلقَ البابَ وراءهُ بقوةٍ مسببًاْ دويًّا كهزيمِ الرَّعد.
وقبلَ أنْ أتحرَّك منْ مخبئِي فتحَ بابُ غرفتِي بسرعةٍ جعلتنِي أقفزُ فيْ مضجعِي : " أوهْ أوهْ كاترينَاْ، هلْ سمعتِي ! "
ظهرتْ سيرينَاْ أمامِي بوجهٍ محمَّرٌ متحمِّس، تحمحمتُ أقفُ بآستقامةٍ محاولةً التَّصرف بطبيعيَّة بعدَ آقتحامهَاْ المفاجئ : " لاْ، لمْ أسمعْ، هلْ حصلَ شيءْ؟ "
_" أتذكرينَ ذلكَ البرجوازِيّْ الذِّي أهاننَاْ ضمنَ رسالةٍ مرئيةٍ أوصلهَاْ ذلكَ الفاْرسُ إلينَا؟ المهمْ، لقدْ دعانَا اليومْ إلىْ مأدبةِ بمناسبةِ مرورِ المنتصفِ الفريدْ، سندعىْ إلَى قصرٍ فيْ العاصمَةِ الأساسيَّة ! "
( القَرابِين، يَا لهَا منْ وجُوهٍ مقززَة لأخرِّب يومِي بأكمَلهِ برؤيتِهَا .. )
آنتفضتْ عينايَ بوهجِ خوفٍ ورهبة، بالطَّبعِ أنَا أتذكرُهْ. لا زلتُ أسمعُ صدَىْ نبرتهِ الدَّعجاء داخلَ أذنايَ، تلكَ النَّبرة التِّي تحملُ بداخلهَا الظَّلام والشَّر ..
_" أفهم بذلكَ أنَّك تخططينَ لشيْءٍ ماْ؟ نبرتُكِ توحيْ بذلِك "
آشتعلتْ مقلتيهَاْ بخبثٍ وهِيَ تخرجُ يدهَاْ اليسرىْ منْ جيبهاْ، ليتضحَ أنَّها تحملُ خريطةً بدتْ ليْ منْ ورقهَاْ البنِيِّ المغبَّر قديمةً للغايَة.
سألتهَا بشكّْ : " منْ أينَ لكِ بهذهْ؟ "
_" نسيتُ إخباركِ بأنَّني أمتلكُ يدًاْ خفيفةً للغاية، والعمَّة صوفيَّا لاْ تنتبهُ كثيرًا عندمَا تجرِي محادثاتهَا المعتادة " لقدْ سرقتهُ منَ السَّيدة صوفيَّا !
لاْ أدريْ لمَا أنَا متفاجئةٌ حتَّى، لقدْ أظهرتْ سيرينَاْ منْ أوَّل لقاءٍ لنَاْ، بأنَّها ستكونُ الأكثر مرحًا وخبثًا فيْ مجموعتنَاْ التَّعيسة كلَّها.
آقتربتْ بسرعةٍ منْ سريريْ ووضعتْ الخريطةَ عليهِ بينمَا تشيرُ لأماكنِ عدةٍ علَى الخريطةِ عليهَاْ دائرةٌ حمراءْ وهيَ تقولْ : " هنَا وقفتْ بوابةُ بعدِ الممالكِ بجانبِ غابةِ بيتسيا، ثمَّ أخذنَاْ نمشيْ بآتجاهْ الشَّمال الشَّرقيْ حتَّى وصلنَا إلىْ هذَا الكوخْ. عندمَا آتجهنَا نحوَ متاهَةِ الأرواحْ أخذنَاْ طريقًا جنوبيًا غربيًّا حتَّى وصلنَاْ. هلْ يمكنكِ أنْ تخمنِي أينَ يقبعُ قصرُ ذلكَ البرجوازِيّْ ؟ "
آرتفع حاجبايَ بتساؤلْ ثمَّ أجبت بآقتضاب: " شمَالْ شرقيّْ؟ "
_" أحسنتِ ! نعمْ ولا تظنِّي بأنَّها مجرَّد صدفة " أشارتْ بإصبعهَاْ علَى القصرِ فيْ الخريطةِ ثمَّ بدأتْ تحرِّكهَاْ بآتِّجاه جنوبْ شرقيّْ حتَّى حطَّت فيْ العاصمَةِ أرتميستَاْ حيثُ ستقامُ المهرجاناتْ !
_" لاْ بدَّ منْ أنَّك فهمتِ الآنْ، الإتجاهاتْ التِّي يوصلونناْ إليهَا ليستْ صدفة، وغالبًاْ ماْ تكونُ سحريةً مليئةً بالمخاطرْ التِّي ستقتلنَاْ بلاْ أدنىْ شكّ، لذَا مهرجانُ نرخاندْ السَّنويْ لنْ يكونَ مجرَّد فرصةٌ للتعرُّف علَى الثَّعالب أوْ محاولةِ الإندماجِ معهمْ كماْ لمحَّت العمَّة، بلْ هوَ آختبارٌ آخرْ يجبْ أنْ نتدرَّب لأجلهْ ! "
صمتتُ لهنيةٍ أفكِّر بكلامهَاْ ثمَّ سرعانَ ماْ آستطردتُ بآستنكاْر : " ماذَاْ عنْ قصرِ ذلكَ البرجوازيّْ ؟ ألنْ يكونَ آختبارًا إذَن ؟ "
أغمضتْ عينيهَا إثرَ كلامِي قبلَ أنْ تنطقَ بتركيزْ : " إجعليْ الطَّاقةَ تتمركزُ فيْ عينيكِ، تخيليهَا تمرُّ عبرَ عروقكِ كمياهٍ جاريةٍ عاصيةٍ تصعدُ وصولًاْ إلَى آحمرارِ عينيكِ، هيَّا .. "
فعلتُ ماْ قالتهُ لِي، تنفستُ بعمقٍ وبحثتُ عنْ دفئِ الطَّاقةِ ومركزتهُ فيْ عينَيْ، وعندهَا آنبلجتْ حدقتايَ بدهشةٍ وأنَا أرَى خريطةً مرسومةٌ للقصرِ بطاقةٍ حمراءَ تطفوْ.
_" ك_كيف ..! " آبتسمتْ بوسعٍ وهي تقولْ : " لقدْ رسمتهَا لتوِّيْ، بالطَّاقة التِّي كانتْ تحاوطُ جسدِي. تحكمتُ بهَا وسيرتهَا بآنحناءاتٍ عدَّة حتَّى أتقنتُ فعلهَا بالتَّدريبِ المكثفْ عندمَا أكونُ وحدِي .."
أومئتُ لهَا بآنبهارْ قبل أنْ أحوِّل كاملَ آنتباهِي الكامِلْ إلَى خريطةِ القصْرِ التِّي تطفوْ فيْ الهواْء قبلَ أنْ أردفَ بتساؤل بينمَاْ أشيرُ إلىْ قاعةِ الطَّعاْم : " نحنُ سنجتمعُ هنَاْ، ولكنَّني أشعرُ بتسرُّب طاقةٍ أعلَى منْ باقيْ القصر هلْ هذهِ صدفة ؟ "
_" ليسَ تمامًا، الحقيقةُ أنَّني أجزمُ أنَّ الإختبارَ سيكونُ بذاتِ القاعةِ. لاْ أدركُ ماْ نوعُ هذاْ الإختبارْ لكنْ بدليلِ تسرُّب طاقَةٍ حمراءْ لاْ بدَّ منْ أنَّه وحشٌ فوقَ المتوَسط "
_" هلْ يعلمُ باقيْ المجموعةِ بهذَا سيرينَا؟ " قلتُ بينمَا أنظرُ لهَا بتمعنّْ، هزَّت كتفيهَا بمعنىْ لا قبلَ أنْ تردف بلا مبالاة : " لا يعلمونْ لكنَّني سأخبرهم الآن، جئتُ إليكِ أولًا لأنَّني أنوِي إثارةَ إعجابكِ .."
غمزتْ ليْ بعبثٍ قبلَ أنْ تهرولَ خارجةً منْ غرفتِي مصدرةً ضجيجًا، علمتُ منْ خلالهُ أنَّ من كانَ نائمًا الآنَ لاْ بدَّ منْ أنَّه آستيقظَ ظنَّا منهُ أنَّ زلزالًا قدْ حدثَ.
خرجْت منْ غرفتِي أتجهُ إلى الخارِجِ حيثُ قبعَ موركِي جالسًا علَى الصَّخرة الملساءِ نفسهَا التِّي جلستُ عليهَا البارِحة.
آقتربتُ منهُ بخطى أقدامٍ مسموعَة، لكنَّه ظلَّ شاردًا ينظرُ إلَى التلِّ المخضرّ الذِّي يقبعُ أمامَنا.
نظفتُ حلقيْ بصوتٍ مسموْع ماْ جعلَ رأسهُ يلتفتُ بسرعةٍ بآتجاهِي قبلَ أنْ يتنهَّد بعمقٍ وهوَ يقولُ بانفعال: " كاتريْنا، كدتِ تقتليننِي ..! "
كاترِينا وليسَ كاتِي، هو ناقمٌ منِّي بالفعل ..
تنهدْتُ بخفوتٍ قبلَ أن أردفَ بنبرةٍ نادمَةٍ منفعِلة : " أنظُر موركِي، أنَا لمْ أقصِد ما قلتهُ لكَ سابقًا صدقنِي، لكنَّني لم أستوعب ... في الحقيقة أنا لا أستوعب حتَّى الآنَ ما قلتَه لي، لكنْ ردة فعلِي أتتْ وقحةً للغايَة، أنَا آسفَة .."
لانَت ملامحهُ قبلَ أن يبتسمَ بشيءٍ منَ الحنينِ وهو يدرف: " لا أدْري ما كنتُ أقولُه حينهَا، بدَى الأمرُ كمَا لوْ أنَّ ذكرياتٍ داهمتنِي فيْ لحظةٍ عشوائيَة، لا أتذكَّر متَى وأين، كمَا لوْ أنَّ الأمر حدَث أمامِي لكنْ بدونِي .. علَى كلِّ حاْل أنا أسامحكِ كاتِي، في الحقيقةِ لم أكنْ ناقمًا منكِ قَط، كنتُ فقطْ حائرٌ بإمكانيَّة أنْ يكونَ ما قلتهِ لِي صحيحًا .."
قضمتُ علَى باطنِ نواجدِي أمنعُ ضحكةً فرحةً منَ الخروجِ منِّي قبلَ أن أقوْل له بحنوّْ : " لا تأخُذ ما قلتهُ علَى محمَل الجدّْ، كنتُ غاضبَةً حينهَا ... والآن هيَّا بنَا لندخلْ، لا بدَّ من أنَّ العمَّة صوفيَّا تحضِّر الفطوْر .. "
_ " سأبقَى هنَا قليلًا أسبقينِي "
أومئتُ لهُ قبلَ أنْ أدخلَ إلى الكوخِ وأنَا أتساءل، لما لمْ يخبرنِي عن لقاءهِ بأحدِ النُّبلاءِ. ربَّما هو لا يريدُ إخبارِي، لقد بدأ يخبأُ الأسرارَ عنّي منْ جدِيد.
توجهتُ نحْوَ المطبخِ، حيثُ رأيتُ السَّيدة صوفيَا تعدُّ الفطورَ والإبتسامةُ مرتسمةٌ علَى وجههَا بأكملهْ، كمَا لوْ أنَّه ينبضُ فرحًا وبهجة.
جلَستُ علَى الكرسيِّ الخاصْ بطاولةِ الطَّعامٍ، وعندهَا دخلَ الجميعُ معْ موركِي مصدرينَ ضجةً آستنفرتْ إثرهَا السَّيدة صوفيا فصاحتْ : " علىْ مهلكمْ، ماْ هذهِ الفوضَى فيْ مثلِ هذاْ الصَّباح ! "
لقدْ قالَ لِي أنَّه سيبقى في الخارجِ قليلًا، وها هُو الآنْ يدخلُ في نفسِ الثَّانية، غريب ..
هزَّت السَّيدة صوفيَّا برأسها بخيبة قبل أن تسرع بوضع الفطور لنَا وهيَ تتحرَّك بسرعةٍ وترتني: " أنتمْ مدوعونَ اليومَ إلى قصرِ الإيرل فاليرياْن في العاصمة، ستحضرونَ المأدبة السّنوية التي يقيمهَا بعدَ ليلةِ المنتصفِ الفريْد. لا أدري لما تمّت دعودتكم لكن لتحسنوا التّصرف أنا أرجوكم ..! "
تحدّثت بسرعةٍ لا تكادُ تلتقطُ نفسًا، قبل أن تجلس بيننَا وهي تتنهدُ بآرتجافٍ واضحْ.
هيَ تشيرُ إلى ذلك البرجوازي الأشقر ؟ هو إيرل .!
_ " ماذَا سيحدث هناك ليبدو عليك كلّ هذا التّوتر يا عمّة؟ " نطق إيليان بتساؤُل فأجابتهُ السّيدة صوفيّا بآستياء : " في مثل هذهِ الأيّام، يقيمُ الإيرل فاليرياْن نزَالًا بينَ أفرادِ العائلاتِ النّبيلة. ومن يفوز من الأفرادِ يمثّله الإيرل أمامَ الملكِ ليحصلَ علىْ آمتيازاتٍ عدّة . "
_ " كيفَ يدعونَا إلى مثلِ هذهِ المأدبةِ إن لم يتمْ تمثيلنَا رسميًا أمامَ أيِّ شخصٍ ما؟ " طرحتُ تساؤلِي بإيجازٍ قبلَ أنْ تحطّ أعينِ الكلِّ عليّْ، خصوصًا أعينُ سيرينَا المتساءلة.
_ " أظنُّ أنَّني على علمٍ بما سيقومُ بفعله " أردفَ رايفنْ أخيرًا قبلَ أنْ يسترسلَ بالتَّوضيح : " سنأخذُ أسامي أواخرِ العوائل النَّبيلة، بمعنى آخَر سيدعونَا بصفتنَا أبناء عوائل نادرًا ما تشاركُ بشيءٍ سياسيّ أو تمتثلْ أمامَ الملكِ وغيرهَا. هو يتنبأ بخسارتنا بالنِّزال قبل أن ندركَ ما هوَ أصلًا. ما علينَا فعلهُ هوَ تنفيذِ مأربهِ وما يطمحُ إليهِ، لأنّ معرفة النّاس الواسعة بنا في هذهِ المملكةِ لن تفيدنَاْ بشيءٍ أبدًا، بل ستضرنا لا غير. "
_ " بالعكس، معرفة النّاس بنَا ستجعلنَا أكثر قيمةٍ منَ الفائدة التِّي قد نقدمَها للآمبراطور زيوسْ وغيرهَا. ماذا لو تخلَّى عنّا فجأةً وقرَّر أنّه لا يحتاجنَا؟ سيكونُ لدينَا القدرة علىْ بناءِ مستقبلٍ لنَا بعيدًا عنْ آلاد آغونْ والزّنازين التِّي تملأهَا ..! " ردّ عليهِ إيليانْ بنبرةٍ منفعلة كما لو أنه لا يقبل بأن يكون سرًا لأحد ..
_ " أهذَا ما تراهُ حقًا؟ معرفةُ النّاس بنَا ومعرفتهم بمن نحنُ، ستجعلناْ تحتَ ضغطِ التَّوقعات والأنظارِ الغيرْ محببَةٌ خصوصًا بأنّنا من جنسٍ يكرهونهُ ويشمئزون لرؤيته. أنسيتَ ما قالهُ الإيرل فاليريان بهذهِ السُّرعة؟ "
_ " لمْ أنسَى لكنْ هذَا ليسَ الجانبَ الوحيدَ الذّي أنظرُ إليهِ يا رايفن، أنا واسعُ الأفقْ علَى عكسكْ تفضّل آتباعَ مسارٍ واحدْ علَى أنْ تنظُر بعينِ التّحميصِ لكلِّ ما تقولهْ ..! "
شعرتُ بطاقةٍ غاضبةٍ سوداءَ تلتفُ حولَ رايفنْ الذِّي لمْ يكبحْ نفسهُ عنْ إجابةِ إيليانْ بقولهِ : " أتريدُ جعلَ الأمر شخصيًا إيليانْ، لا أمانعُ بإبراحكَ ضربًا لتتعلَّم .. "
آستقامَ إيليانْ بسرعةٍ ناويًا التّقدم نحوَ رايفنْ ليبدَأَ القتالْ، لكنَّ صوتَ الطّاولة التِّي آرتجتْ فجأةً بضربةٍ حاسمةٍ فاجئتْ الكلّْ فتوقفَ إيليانْ عنِ التّقدم ينظرُ إلى فلادْ الذِّي قبضَ علَى باطنِ وجنتيهِ بغضبٍ قبلَ أنْ يردفَ بصوتٍ مملوءٍ بالإنفعال المكبوت : " إجلسْ وأكملْ أكلكَ، وإن تحرَّك أحدكم مرةً أخرى بهذهِ الطَّريقة سأتأكَّد بأنّه لن يستطيعَ الوقوفَ مرةً أخرى .."
تراجعَ إيليان مرغمًا وهوَ ينظر إلى رايفن بحقد، الآخر الذِّي طالعهُ ببرود قبل أن يشيح وجهه ويكملَ طعامهُ ساكبًا كلَّ آهتمامهِ فيه.
حسَنًا، هم يبغضونَ بعض بوضُوح، السّبب غير معروف والبغض الذي بينهم قد يؤثر بشكل واسِع على طريقة آنسجامنا كفريق.
تنهدتُ بصوت عالي وأنا أنظر لسيرينا التي كانت تطالعني بشرود، لا بدّ من أنها تفكّر بالمأدبة وبالنِّزال الذِّي سنخوضهْ.
عندمَا لاحظت السيدة صوفيا السّكون الذّي آحتلّ المكانَ من جديد آسترسلت بالحديث: " النِّزال يحدثُ على ثلاثة مراحِل، اليومِ الأوَّل تقييم، اليومِ الثَّالث نزال وحشي، اليوم السَّادس مأدبة. ستعودونَ في اليومِ الثَّامن، أي أنَّكم ستمكثونَ أسبوعًا في قصرِه في العاصمةِ. كنتُ أريدُ رفضَ طلبُ تواجدكمْ هناكَ لكنَّ الإيرل فاليريانْ أوصل الطَّلب إلى ملك المقاطعة ممَّا أجبرني على القبول، عندما تصلونَ إلى هناكْ تفحّصوا كلّ شيء، آنتبهوا لكلّ ما يقاْل. وحللوْا كلّ ما يمرّ أمامكمْ، أثقُ بأنّكم تستطيعونَ الفوز، مهاراتكمْ غير تقليديّة سيفاجئونَ بكمْ حقًا . "
_" ماذا سنفعلُ في الأيّام الباقية، التي لا يكون فيها نزال؟ " نظَرت ديانا التِّي تحدثت للمرةِ الأولىْ بعدَ حديثهَا الحاد البارحة مع فارينَا.
_" ستندمجونَ بينهُم، تتماهوْن مع شخصهِم، تراقبونهُم دونَ أن يشعرواْ بكم. قد يظن الإيرْل أنها فرصةٌ لآختباركمْ، لكنّها فرصةٌ لمعرفةِ ما سوفَ تهدفونَ لفعلهِ في المرَّة المقبلَة، إنّها فرصة ذهبيّة لتعلمُوا الوضْع الذّي أنتمْ بهْ "
عضضتُ شفتايَ بحماسةٍ وأنَا أشعرُ بنارٍ حارقةٍ تجريْ فيْ عروْقي، أريد حقًا أنْ أكُون هناْك، أن أعْرف ماْ يصبَى لِي، أن أكُون شيئًا مختلفًا عنْ ماْ أكونهُ كلَّ يومْ ..!
آستقَامَ فلاد وهالةٍ سودَاءَ تحيطه، ثمَّ مشَى بعيدًا عنْ مكانهِ مقتربًا منِّي لسببٍ أجهلهُ، قبلَ أنْ يستقِرَّ بجانبِي واقفًا. ثمَّ آنحنَى هامسًا فيْ أذنِي بنبرةٍ أثارَتْ قشعريرتِي : " كدتُ أتساءَل عنِ النَّبضِ المزعجِ الذِّي آستكَنَ ظهرِي هذَا الصَّباح، لكنْ فيْ النِّهاية آتضحَ بأنَّ جرحكِ قدْ فُتحَ منْ جدِيد ولطَخَ ثوبَكِ الأنيقْ ... إذهبِي إلىْ الغرفةِ وسأرسلُ ورائكِ العمَّة صوفيَا لتعالِجَ جرحكِ، لا أريدُ أنْ أنزعجَ مرةً أخرَى بسبَبِ إهمالِك ..! "
آبتعلتُ ريقِي بصعوبةٍ وأنَا أشعُرُ بأنَّ لسانِي قدْ ربطَ بحبلٍ لنْ ينفكَ إلَّا بذهابِه، وكلُّ ما آستطعتُ إرسالهُ وهوَ يتبعدُ ويهمسُ في أذنِ السَّيدة صوفيَّا بشيْءٍ مَا، هيَ نظرةٌ مستهجنَة غيْر معجَبَة.
وشعرتُ لأوَّل مرةٍ لهذاْ اليومْ بالنَّبضِ المؤلمُ وهوَ يستقِر فيْ ظهْريْ، آستقمْتُ بأكتافٍ مسدلَةٍ حانيَةٍ وأنَا أتجهُ إلَى غرفتِي بعدَ أنْ أصبحَ الألمُ لاْ يطَاقْ.
لحقتنِي السَّيدة صوفيَّا، وبدأتْ تخلعُ الكورسيه عنِّي ببطءٍ ثمّ نزعته عنِّي منشلةً القميصِ الأزرقَ ثمَّ أمرتنِي بالإستلقاءِ علَى بطنِي.
_ " مَا يميِّزنا نحنُ العجائزْ، أنَّنا في هذَا العمرِ الكبيْر نمتلكُ خصائصَ علاجيَة مفيدَة. لنْ تشعرِي بأي ألمٍ بعدَ أَن أستخدمَ طاقتِي عليْكِ .." مررَت يدهَا فوقَ الجرحِ بهدوءٍ، فأحسستُ بمياهٍ باردةٍ تسكبُ علَى الجرحِ الذِّي ينبضُ بالحرَارَة.
تنهدْتُ بآرتياحٍ عندمَا آستبدِل الشُّعور بالألمِ بآخرَ يشبهُ الإنتعَاش ..
_ " أصبحتِ أفضَل؟ " صدَر الصَّوتُ منْ جانبِ البابِ فآلتفتتُ أرىْ فارينَا تتفحَّص ظهرِي بشيءٍ مِن القلقْ، فاجئنِي قلقهَا عليّْ لكنَّني أجبتهَا بتعَب.
_ " أفضَل بكثير، أشعرُ كمَا لوْ أنَّني ولدتُ منْ جدِيد .."
آبتسمتْ ردًا علَى إجابتِي قبل أنْ تختفِي خلفَ الباْبِ، بينمَا أخذتِ السَّيدة صوفيَّا تفحصُ خزانتِي بتمحيصٍ قبلَ أنْ تخرجَ كورسيهْ أزرق، معْ فستانٍ نيليٍّ منَ الحريرِ تحتَهُ لباْسٍ مطاطِيٌ أسوَد، تبعتهُ بجزمةٍ طويلةَ العنُقِ تمتلكُ كعبًا متوسطًا.
_ " هذَا ما سترتدينهُ اليومَ، ستغادرونَ بعدَ ساعاتٍ معدودَة لتحضرواْ العشَاءَ الأوَّل " وضعتْ الملابسَ علَى السَّريرِ قبلَ أنْ تنتشلَ فوتِينْ منْ علَى الطَّاولةِ الخشبيَّة حيثُ كانتْ تلهوْ : " خذِيهَا معكِ، جنيَّات النُّور عادةً ما يكونونَ أوفياءَ لمربينهمْ، سترشدكِ للصوَاْب بطريقتهَا الخَاصة.. "
أومئتُ لهَا بسكونٍ غيرْ راغبَة بمعرفةْ ما يعنيهِ كلامهَا وهِي تخرجُ منَ البابِ مسرعةً لتساعدَ باقيْ الفريْق، وقفتُ بجمودٍ ثمَّ بدأتُ أخلعُ ما آرتديتهُ قبلَ قليلٍ فقَط، ثمَّ أخذتُ أرتدِي ماْ آختارتهُ لِي.
لقَد شعرَ بالألَمِ بالفعْل ..
أردتُ الهرُوبَ منْ هذَا اليَوم، أنْ يشعُر بألمِي هذَا يعنِي بأنَّه الرَّفيقُ الأبدِي .. لا بدَّ من أنَّه السَّبب الذِّي دفعَ بليلثْ للسكوْت هذهِ الفترَة، لأنَّها بجانِب آزايِل وتشعُر بالإرتياحِ معْ طاقتهِ علَى عكْسِي .
تنهَدتُ بقوَةٍ ثمَّ هممْتُ بفتْحِ درجَ المرآةِ المقابلةِ للسّريرِ، لأجدَ الكَثير منَ الزِّين المصنوعةِ منَ اللُّؤلؤْ، لمعتْ عينايَ علَى ضياءِ هذهِ المجوهراتْ وبدأتُ بوضعِ عقدِ اللُّؤلؤِ اللَّولبيّْ علَى رقبتِي، ثمَّ حاولتُ وضعَ حلقِ فيْ أذنِي، لكنَّ الجلدَ جمَّع علَى بعضهِ وآختفتِ الفتحَة الصَّغيرةِ التِّي يمكننِي تمريرُ الحلقِ فيهَا.
تنهدتُ بضيقٍ ثمَّ تجاهلتُ الموضوعَ وآنتشلتُ عقدًا يكمنُ في وسطهِ حجرٌ كريمٌ أبيضْ، عقدتهُ فيْ شعرِي لأجعلَ الحجرَ يتدلَى لبدايتهِ. آبتسمتُ لنفسيْ للمرآة، لا أبدُو الآنَ كشيطانَة، أبدوْ أقربَ لنبيلةٍ من ذلكْ، مثلهَا ...
آبتسمْتُ بخِفَة وأنَا أعيْدُ النَّظر إلَى شكلِي مرارًا وتكرَارًا، أعجبتُ بمَا أرَى حقًا .. لقدْ قضيتُ وقتًا كثيرًا فيْ تلكَ السِّجوْن للدرجَةِ التِّي جعلتنِي أنْسَى ملامحِي ..
نسيتُ بأنَّني ذيْ أعينٍ زرقاْءَ كالياقوْتِ، وبأنَّني أمتلكُ شعْرًا أسودَ كاللَّيلِ الذِّي لاْ ينيرُهُ البدْر .. الآنْ سألعبُ دوْرَ النَّبيلَة، دورًا أظنهُ سيلائمنِي للحدِّ الذِّي أظنُّ بأنَّني سأجبرُ نفْسيْ عنِ الإنسلاخِ عنه.
أعدتُ بنظرِي علَى المرآةِ عندمَا شعرْت بوميضٍ يتلألأُ منَ الحجرِ الذِّي علَى رأْسيْ، جعدتُ عينايَ باستغْرابٍ وأنَا أراهُ يتلوَّن بلونٍ نيليٍ يماثلُ لونَ حلَّتيْ ..!
لكِنَّ صوتَ السَّيدة صوفيَّا شغلَ آنتباهِي فآلتفتتُ أمسكُ الجنيةَ أضعهَا فيْ جيبِ الحلَّة المخفيّْ، ثمَّ خرجتُ من غرفتِي أتجهُ نحوَ غرفةِ الجلوْس حيثُ وقفتْ السَّيدة صوفيَا وهيَ تمسكُ بنباتٍ غريبْ.
_ " هذهِ النبتَةُ تسمَى (آنتِي دوتوْم)، ستبقىْ معْ كلِّ واحدٍ منكمْ حتَّى اليومِ الثَّامنْ، سيعطيكُم بعضَ النُّبلاءِ منَ العائلاتِ الكبْرَى شيئًا يحتوِس علَى سمٍ قاتِل، يقتلكمْ ببطءٍ وستتعذبونَ كثيرًا قبلَ أنْ تمُوتوْا، وما دمتمْ ستكونونَ منَ العائلاتِ النَّبيلة المتدنيةِ المرتَبة، فسيكُونُ منَ الممنوعِ رفضُ أيِّ شيءٍ يناولوكمْ إيَّاه من همْ فيْ مرتبَة أعلَى منكُم. سيحاولونَ فعلَ ذلكَ لتأخيركُم يومَ النِّزالْ. هذِه النَّبتةُ سيكونُ عملهَا أنْ تمتَصَ السَّم عندمَا يتحوَّل لونهَا للأرجواْنيْ، ستعلمونَ بوجودِ السِّم عندمَا يتغيَّر لونهَا وستقبلون كلَّ ما يتمُّ إعطائكمْ إيَّاه بكلِّ صدرٍ رحِب منْ أجل أنْ لا يتمْ إعدامكمْ بشكلٍ علنِيٍّ فيْ العاْصمَة. "
مَرَّت علينَا تعطينَا هذهِ النَّبتةَ وهِي تشرحُ لنَا أكثَر كيفَ يجبْ أنْ نتصرَّف لنكونَ بأمَان، كانت نبرتهَا حازمَة وهيَ تلقننَا ماْ يجبُ علينَا فعلُه، حتَّى ظننْتُ أنَّني لنْ أعيشَ لأذهبَ للمأدبةِ حتَّى ..
خرجْت منْ شرودِيْ بالنَّبتةِ عندمَا أتانِي صوْتُ حوافرِ خيْولٍ عدَّة، فمرَّرتُ بنظرِي ناحيةَ النَّافذةِ الخشبيَّة لأَرَى عربتينِ تحملهَا خيولٌ م_مجنحة ..؟
وبصعوبةٍ وصلنِي همسُ السَّيدة صوفيَا المرتجِف:
_ " بدأتْ مراسمُ المُأدبة ..."
_______
.
.
.
.
.
السَّلام عليكم.
وأخيرًا بعدْ غياب طويلْ قررتْ أنزّل فصل، زقفولي👏👏👏
هذيْ السِّنة ما أظنْ بنزِّل فصول كثيرة لأنُّ عندِي بكالوريا ...
لذَا تنعموْا بهذَا الفصلْ وحاولوْا تراجعوا باقي الفصول لأن من الفصل الجاي بتبدأ الأحداث المتعلقة بالماضي🎀
.
.
.
.
الآن، ما رأيكم بالسَّرد:
الشَّخصيات:
أسطورة التّنين؟
سبب رؤية كاترينا له؟
الإيرل فاليرياْن؟ شخصية جديدة وأضمنلكم أنه مهم جدا جدا جدا!
بداية الفصل، مين ليوثمينْ وسيِّده؟ متحمسة لظهور السيد بس لسا بكييييير😭?
?
والآن وداعًا، نلتقي بإذن الله في فصل جديد💫
Raya_writer