تيار الحب.... الفصل الثاني
بقلم الكاتبة / رباب حسين
هارب، تائه في العالم الواسع، يترقب من خلفه خوفًا من وجود من يلاحقه، ترك كل شيء خلفه، ملكه، ووطنه، يبحث في المدرارت، أين يذهب؟ ترى، هل سيجد بديلًا لهذا العالم الذي تركه؟ وفي أخر لحظة من الأمل، صدر إنذار بهذه المركبة التي يقودها، هناك إشعار بأن هناك عالم آخر يصلح للحياة، نظر له بدهشة، ما هذا؟ أين هو؟ حول مسار المركبة ليتجه سريعًا إلى هناك، كانت السعادة تغمره بأنه وجد ملجأ له بعيدًا كل البعد عن هذا الخوف الذي يلاحقه، وما زاد سعادته هو أنهم لا يعلمون بوجود هذا العالم الآخر.
اخترقت المركبة الغلاف الجوي لتستقر أخيرًا بعالم جديد ليخرج منها وينظر حوله بتعجب، يستنشق الهواء، نعم إنه صالح للحياة، ضغط على زر بيده لتختفي المركبة وخرج من هذا الجبل ليسير لعدة أيام دون توقف حتى وصل إلى مياه مالحة، عبرها واقترب ليرى بعض البشر، ينظر حوله بشغف، يريد أن يتعلم، هو يشبهم ولكن هناك اختلافات واضحة وأولها بالملابس، بدأ يختلط بهم حتى أصبح قريب منهم ولكن لا يعلم عنهم شيء سوى القليل.
صباح يوم جديد، استيقظت فلك لتفتح عينيها على نوح، شعرت بأنها ليست وحيدة، وكأن هناك رفيق بالسكن جديد معها بالغرفة، هي لم تكن ترغب بمغادرة منزل والدها ولكن أرادت أن تستقل لتحقق ذاتها بعيدًا عن حديثه الجارح ورأيه الذي لا يتغير أبدًا " لستِ رجلًا... إذًا أنتي فاشلة" أرادت أن تعود بعد أن تثبت جدارتها وبالرغم من ذلك كانت تأبى أن تظل وحيدة بعيدًا عنه. هي تعلم أن وجودها لا يهم، إذ كان يفضل البقاء مع إبن أخته عوضًا عنها بل ويعامله كأنه ابنه الحقيقي، ففضلت البعد والبقاء وحيدة، وها هذا الشيء يجعلها تتحدث بالمنزل بعد أن اعتادت الصمت.
نهضت من الفراش، تناولت الطعام وأخذت حمام دافئ وجلست أمام نوح وقامت بتفعيله. نظر نوح حوله وقال: صباح الخير.
فلك: صباح النور.
نوح: توقعت هتكلميني بليل.
فلك: ليه؟
نوح: مش بتروحي الشغل الصبح؟
فلك: عرفت منين إني بروح الشغل الصبح؟
نوح: الكومبيوتر إللي متصل بيه فيه ملفات عن الشركة اللي بتشتغل فيها، مواعيد العمل الرسمية من ٩ ل ٣ مساءًا، إنتي دايمًا بتروحي بدري، بس النهاردة مروحتيش.
فلك: النهاردة أجازتي.
نوح: ليه بتروحي بدري؟ مش بتحبي تقعدي لوحدك؟
فلك: ممكن ده سبب، بس السبب التاني إني بحب شغلي أوي.
نوح: يعني بتحبيني؟
عقدت فلك حاجبيها وقالت: هيفرق معاك؟
نوح: لو حبتيني هعرف أتعلم منك وأحبك أنا كمان زي ما أنتي عايزة.
فلك: أنا مش عايزاك تحبني، عايزاك تحس بينا كبشر.
نوح: بس فلك محتاجة حب مش إحساس.
نظرت له بحزن ولم تتحدث فلاحظ نوح نظراتها ثم قاطع هذه النظرات صوت طرق الباب، نهضت فلك لتنظر عبر العين السحرية بالباب لترى والدها فنظرت إلى نوح وقالت: متتكلمش غير لما أقولك.
أومأ لها وصمت ثم فتحت فلك الباب ليدخل والدها وقال: كل ده عشان تفتحي؟ ده هي أوضة.
فلك: كنت بعمل حاجة.
نظر مسعود إلى نوح وقال: اه، المشروع الفاشل بتاعك.
فلك بتعجب: هو إيه اللي فاشل؟
مسعود: أنا كنت عارف إنك بتكدبي عشان تبيني نفسك ناجحة قدامي وخلاص، مش عارف إنتي ليه مش مصدقة إنك أتفه من كده وإنك ست وضعيفة ولازم راجل يحميكي.
تنهدت فلك وقالت: ممكن أعرف حصل إيه عشان اسمع كل الكلام ده؟
مسعود: حصل إني رحت الشركة وسألت عليكي هناك، قالولي إنك في أجازة، وعرفت إنك فشلتي في التجربة اللي بتعمليها وكمان عايزين يطردوكي، ما أنا قولتلك من الأول بلاش، أتجوزي ابن عمتك واقعدي في البيت زي أي ست، مصممة تثبتي إنك زي الرجالة.
فلك: مين قالك إني فشلت؟
مسعود: فادي، اللي معاكي في الفريق بتاعك، إيه هيكدب هو كمان زي ما كل المدرسين اللي كانو بيقولو عليكي فاشلة؟!
فلك: المدرسين اللي كانو بيقولو عليا فاشلة كانو بيقولو كده عشان عايزني أحفظ زي البغبغان وخلاص، من غير ما أفهم أنا بعمل ده ليه وبحفظه ليه، وأظن لما دخلت ثانوي عام ودخلت علمي ووصلت للكلية اللي عايزاها وقدرت أحقق حلمي بإني اشتغل في المجال اللي بحبه خرست أي حد بيقول عليا فاشلة. مسعود بغضب: إنتي بنت قليلة الأدب، قصدك إنك أخسرتيني أنا كمان؟! أنا غلطان إني جي ألحقك بدل ما تاخدي لقب عانس بالمرة.
فلك: عانس إيه يا بابا؟! ده أنا عندي ٣٠ سنة.
مسعود: أصغر منك متجوزين ومخلفين.
فلك: وأنا مالي، وبعدين أنا مش بفكر في الجواز أصلًا، أنا عايزة أكمل مشروعي.
صاح مسعود غاضبًا: مشروع إيه؟! ما خلاص عرفت إنك فشلتي فيه، بقولك إيه لمى هدومك وارجعي معايا على البيت، إياد استحمل كتير ومش هيستناكي أكتر من كده، إحمدي ربنا إنه لسه عايز يتجوزك بعد كل كلامك الزفت اللي عمالة تقوليه ده، عشان لو إياد ده راح منك محدش هيبص في وشك تاني.
أغلقت فلك عيناه بقوة آثر صوته المرتفع ثم فتحت عينيها مرة أخرى وقالت: بابا، أنا قلت رأيي في الموضوع ده قبل كده، مش عايزة أتجوز إياد.
مسعود بغضب: مش بمزاجك، أنا ابوكي ولازم تسمعي كلامي.
فلك: مش هتجوز غصب عني كمان لمجرد إني بنت مش ولد.
مسعود: كان نفسي أخلفك في العصر اللي بيؤدو فيه البنات، كان زماني ارتحت منك.
فلك: إعتبرني مت وانساني.
مسعود: ده بعدك، عايزاني أسيبك عشان تمشي على حل شعرك وترجعيلي بمصيبة.
فلك: إيه يا بابا الكلام ده؟!
مسعود: هترجعي معايا ورجلك فوق رقبتك.
فلك: بابا أنا بشتغل ومش هسيب شغلي والدكتوراة بتاعتي عشان أتجوز وأقعد في البيت.
مسعود: تاني؟! ما عرفت الحقيقة خلاص.
نوح: بس فلك مسابتش الشغل، ومفشلتش في شغلها، والدليل إني قدامك وبكلمك دلوقتي.
نظر له مسعود متعجبًا وقال: مين ده؟!
نوح: أنا نوح، الأنسان الآلي اللي فلك بتطوره، بس حبيت أوضح بعض النقاط اللي حضرتك فاهمها غلط، فلك في أجازة رسمية طبيعية بياخدها أي عامل في البلد، فلك قدرت توصل بمشروعها لتقدم ملحوظ وأنا دليل على ده، أنا نوح من أول النماذج الأولية اللي فلك بتحاول تحولها إلى نماذج مدعمة بخصائص ال AI.
نظر له مسعود قليلًا ثم نظر إلى فلك وقال: ده حفظتيه يقول كده إمتى؟
زفرت فلك وقالت: لا محفظتوش، ده رأيه.
نوح: أيوة ده رأيي الشخصي، ممكن حضرتك تسيبنا نكمل شغل، بطاريتي لا تسمح ببقائي لمدة طويلة وإنت بتستنزفها بحديث ملوش أهمية، عرضت عليها الجواز ورفضت، عرضت عليها ترجع معاك البيت ورفضت، أظن النقاش انتهى لإنه أكتر من كده هيبقى عراك شفهي، وواضح إن فلك مش بتحب الصوت العالي، لو سمحت تسيبنا وتمشي.
نظر مسعود لها وقال: ده ييطردني! يعني حتى لما عملتي إنسان آلي عملتيه قليل الأدب والتربية زيك، ماشي يا فلك، أنا همشي ولما يطردوكي ومتلاقيش مكان تقعدي فيه وترجعي زي الكلبة على البيت هعرف أعلمك الأدب كويس أوي.
دفعها بعيدًا عن طريقه وغادر الغرفة، جلست فلك بالفراش فنهض نوح وجلس بجوارها وتحدث بصوت منخفض وقال: زعلانة؟
فلك: اتعودت.
ثم نظرت له متعجبة، لاحظت هدؤء نبرة صوته وأيضًا علم أنها حزينة فقالت: عرفت منين إني زعلانة؟
صمت قليلًا ثم قال: كلامك عن الوحدة مع وجود باباكي وإنك رافضة ترجعي تعيشي معاه معناه إن ده السبب الرئيسي في إنك حزينة ووحيدة مش موت مامتك.
تعجبت فلك وقالت: تعرف إنك تتعلم بسرعة عن النسخ الحديثة اللي احنا شغالين عليهم دلوقتي.
صمت قليلًا ثم قال: لما كانو بيصنعو إنسان آلي قبل تطور ال AI كانو بيفكرو يعملوه بس عشان نفس الغرض اللي إنتي عايزاه، إن يبقى فيه كائن عايش معاهم يقدر يساعد الناس الكبار في السن أو ذوي الاحتياجات الخاصة أو الأطفال مرضى التوحد، وده أنا، لكن حاليًا هما عايزين الإنسان الآلي يبقى ساحر، يقدر يعمل كل حاجة، ويبقى خبير علاقات إجتماعية وصديق طفولة لو أمكن، يمكن عشان كده أنا بدأت أفهم إنتي عايزة إيه، لكن في الحقيقة مش فاهم إيه أهمية المشاعر بالنسبالك لأن في النهاية مشاعرك ديه هي اللي مقصرة عليكي بالشكل ده، كفاية إن بسبب صراعك مع والدك خلاكي وحيدة لحد سن ال ٣٠ مفكرتش حتى تتعرفي على حد وتتجوزيه.
فلك: بالرغم من صراحتك اللي بتجرح ديه، بس مش ده السبب اللي خلاني مرتبطش لحد دلوقتي.
نوح: إيه السبب؟!
فلك: محبتش ممكن، معرفش، بس مفيش حد لفت نظري لحد دلوقتي.
نوح: كويس.
فلك بتعجب: هو إيه اللي كويس؟!
صمت نوح قليلًا فتعجبت فلك من هذا الأمر وقالت: هو إنت بتفكر في إيه يا نوح؟
نوح: في إجابة سؤالك.
فلك: مش المفروض تفكر قبل ما تجاوب، المفروض الكلام اللي تقوله يبقي ليه سبب، ليه قولت كويس إني محبتش؟
نوح: مش عايز أرد بكلام يضايقك، فا سكت.
عقدت فلك حاجبيها وقالت: إنت عرفت تميز الكلام اللي ممكن يضايقني أو لا؟
نوح: لما بتضايقي من كلامي بتضحكي بس عينك بتبقى حزينة، لما كلامي بيلمس حتة جواكي زعلانة منها بتبصي في الأرض وتسرحي وبعدين تبتسمي بجنب شفافيك.
فلك: إنت مركز فعلا! وإيه تاني يا نوح؟
نوح: الفكرة مش في إنك محبتيش، إنتي مفكرتيش تدوري على الحب أصلًا، ويمكن مش مصدقة إن فيه حاجة اسمها حب.
فلك: بدأت تحلل شخصيتي؟
نوح: بدأت افهمك.
فلك: طيب كفاية كده.
صمت نوح قليلًا وقال: إنتي اللي عايزاني أتعلم مشاعرك وأفهمها من غير ما تقوليها، ليه زعلتي لما عملت ده.
فلك: سماع الحقيقة اللي بتحاول تكتمها جواك مش سهل، مش عايزة أندم على مشروعي.
نوح: ندم؟
فلك: آه ندم، زعل من نفسك، عشان فضلت تجري ورا حاجة هتموت وتعملها ولما تحصل خلاص تزعل إنك عملتها.
نوح: ندمتي إنك عملتيني؟
فلك: لا مندمتش، بس كفاية تدور جوايا.
نوح: بحاول أفهمك، عايز أفهم البشر عشان أقدر احس بيهم، لو معنديش مراكز إحساس زيك على الأقل أقدر بالمحاكاة أتعلم منك.
فلك: بس أنا مش عايزاك تتعلم بالمحاكاة، أنا عايزاك تقدر تدرك ده لوحدك.
نوح: خليني أفهم الأول وبعدين ندور على حل سوا يخلينا نطور من فهم المشاعر، أنا لو فهمتها كويس هقولك الطريقة اللي فهمتها بيها وساعتها هساعدك.
فلك: يعني عايز إيه؟
نظر لها نوح وأخفض صوته قليلًا ثم قال: عايز أعرف ليه بتزعلي من الحقيقة لما بقولها؟ فهميني أكتر.
فلك: إنت ليه وطيت صوتك؟
نوح: عشان اتضايقتي من صوت باباكي العالي.
فلك: وإنت بتوطي صوتك عشان متضايقنيش أكتر؟!
نوح: عشان كمان عايزك ترتاحي في الكلام وتقولي اللي جواكي.
نظرت له فلك بتوجس من قدرته الغير اعتيادية فقالت: أنا بدأت أخاف منك.
نوح: إنتي حاطة قاعدة إني مأذيش بني أدم، خايفة مني ليه؟!
فلك: الأذى النفسي أكبر من الأذى العضوي.
نوح: قولتيلي إني عندي مميزات عن البشر، أعتقد من مميزاتي إني مش هقدر أئذيكي، عشان أنا عايز اتعلم المشاعر الحلوة منك.
فلك: بس أنا مش كل مشاعري حلوة، ساعتها هتتعلم الكره، الغيرة، الحقد وكل ده مش مشاعر حلوة.
نوح: أنا اختارت أتعلم منك إنتي عشان معندكيش المشاعر ديه، إنتي جميلة أوي يا فلك.
نظرت له فلك بصمت، هناك تلامس يحدث بداخلها جعل التواصل بينهما مختلف، بل أصبح هناك طابع أخر من التعامل مع الإنسان الآلي، لم تدرك ما السبب وراء كل هذا الإختلاف ولكن شعرت بأنها قد قاربت من تحقيق هذا الحلم، فقررت أن تترك له المجال بالبحث داخل أعماقها النفسية أكثر.
نظرت إلى البطارية وقالت: البطارية هتفصل، لازم تروح على الشاحن.
نظر نوح إلى صدره وقال: حاضر، بس أول ما أخلص شحن كلميني.
فلك: ليه؟
نوح: يمكن، عايز اتكلم معاكي أكتر.
ضحكت فلك وقالت بسخرية: ليه هوحشك مثلًا؟!
نوح: ممكن.
نهض وذهب إلى قاعدة الشحن الخاصة به وأغلق نفسه ذاتيًا تحت نظرات فلك المتعجبة.
يتبع....
رباب حسين
Rabab Hussien