ومضات من الماضي

ومضات من الماضي

20 0

_هل أنت متأكد من قرارك يا بني؟

تردد آلبرت في الإجابة، فهو لن يصدق القول إن قال نعم، فليس متأكدا تماما لكنه يرى أن هذا القرار الأنسب، فقال:

_أظن ذلك (استرسل مبتسما) لكن لن يطول الوقت... ثم إن إسلامي كان نابعا من هنا (أشار لفؤاده) ولم يكن لأجل أحد مهما بلغت مكانته في قلبي.

استأذن وغادر برفقة صديقه فلما خرجا قال جونار مبتسما:

_ستعود المياه لمجاريها أخيرا.

_لا أرى ذلك.

نظر له بتذمر:

_تفاءل يا رجل!

من زاوية أخرى...

بعد أن تلاشى جونار من أمام عينيها ابتسمت بهدوء وقد تغشت الأسارير قلبها، ثم التفتت للباب لتجد مِييَان وروڤانا يرمقانها بنظرات عتاب فاحمر وجهها خجلا وبررت لهما قائلة قبل أن يسيئا الظن بها هذا إن لم يفعلا من البداية:

_الأمر ليس كما تظنان حقا!

عاتبتها روڤانا بهدوء:

_عزيزتي، تعلمين أن الحديث مع الأجانب عنك لا يجوز لغير الحاجة صحيح؟  فكيف بالعناق والتلامس؟

أخذت شهيقا ثم زفيرا في محاولة لضبط أنفاسها حتى لا تنفعل ثم قالت بأدب بنبرة تحمل بعض التذمر:

_ليس أجنبيا، إنه أخي والله!

نظرتا لها بدهشة لتقول مِييَان بذهول وأمارات الصدمة غزت وجهها:

_لديك أخ؟

تنهدت مجيبة:

_إنها قصة طويلة، وكاختصار لها؛ هربت مع أمي-رحمها الله- مذ كنت في العاشرة من مملكة إينوري فرارا بديننا، في حين بقي أبي وجونار هناك لعدم إسلامها، ولم أره منذ ذلك الحين...

لم تعرف مِييَان ما تقوله لكن والدتها ربتت على هونامي مبتسمة:

_احمدي الله على نعمه عزيزتي.

ابتسمت بهدوء:

_الحمد لله في السراء والضراء.

ثم تابعت بنشاط فهي من النوع الذي يتخطى ذكريات الماضي ليهتم بحاضره:

_إِلِن تنتظرنا.

أومأتا لها ثم ذهب ثلاثتهن إلى غرفة إليزابيث التي ارتدت حجابها وكادت تخرج لإكمال عملها لولا رؤيتها لهن فحيت الحاكمة باحترام قائلة:

_أشكرك لحسن رعايتك، أنا بخير سيدتي.

تحدثت روڤانا بابتسامة هادئة وتلقائية كمن كرر الكلمات طويلا قبل أن يقولها لتنساب وحدها للخارج:

_هذا واجبي يا إليزابيث، عُديني أمك حسنا؟

لم تستطع منع ابتسامتها الساخرة من الظهور إثر جملة روڤانا الأولى التي تعلمها بمعرفتها من تكون والثانية التي تخبرها فيها أن تضعها مكان أمها التي لم تكن أما في يوم من الأيام.

أجابت بهدوء ولباقة وكأنها تتجاهل منادتها لها باسمها:

_بارك الله فيك... عن إذنك، سأعود للعمل.

ابتسمت هونامي وقالت بنبرة عفوية وهي تدفع إليزابيث أمامها:

_سأساعدها في ذلك، لا تقلقي بشأنها.

وما إن ابتعدتا عن الحاكمة وابنتها المتضايقة حتى قالت هونامي معاتبة وهي تمسكها من يدها جاذبة إياها نحو الخارج:

_ألي أن أعرف سبب تعاملك هذا؟

نظرت لها باستغراب فتابعت بضيق:

_مِييَان والسيدة روڤانا يكنان لك حبا عظيمة إِلِن، لكنك لا تكفين عن التصرف برسمية!

علقت الأخرى ساخرة وهي تتوجه للخضار في المطبخ الخلفي لتغسلها:

_هونا، ألا تفرقين بين الشفقة والحب؟

انفعلت وهي تجيبها:

_شفقة؟ هل الاهتمام بالنسبة لك شفقة؟ إذا كيف يكون الاهتمام النابع من الحب؟

أجابتها بمرارة:

_لا أعلم، لم أجربه، اسألي شخصا غيري.

استفزتْ كلمات إليزابيث هونامي وقالت وهي تصر على أسنانها بغضب:

_يا لك من فتاة!

ليلا...

توجه جونار إلى المكان الذي أخبرته عنه هونامي، ودار هنا وهناك حتى لمحها تقف قرب منزل صغير، فتقدم منها قائلا:

_آسف لتأخري.

ابتسمت معلقة:

_ألقِ السلام، قُل السلام عليكم.

_السلام عليكم...

_وعليكم السلام (تبسمت) ما رأيك أن نأخذ جولة في المكان؟

ابتسم بلطف:

_لا مانع لدي.

سارا متجاورين لتسأله باهتمام:

_إذا، كيف اتخذت قرارك؟

شابك يديه خلف رأسه قائلا ببساطة:

_لم أكن مقتنعا منذ البداية أن كل هذا الكون بما فيه وُجد من العدم، وكل ما افكر فيه اكتشفت لاحقا أنه مطابق للإسلام.

_لا تعلم كم أنا سعيدة لرؤيتك مجددا.

مازحها ضاحكا فهو أحمق في المواقف العاطفية وغالبا ما يستغلها في المزاح والمداعبة:

_أتعلمين؟  ظننتك ميتة عندما انقطعت أخبارك عني.

رمقته بتذمر طفولي قبل أن تعي كلماته وتسأله مستغربة:

_من أين كانت تصلك أخباري؟

ابتسم مجيبا وعيناه عُلقتا بالنجوم:

_ومن غير أمي؟  كنت ألقاها سرا، لكن فجأة انقطعت لقاءتنا (نظر لها متابعا باهتمام وحماسة)  كيف حالها؟ خذيني لها لأزورها فقد اشتقت لها وستسعد بإسلامي كثيرا، صحيح؟

تنهدت بحزن تحاول كبح دموعها التي أوشكت النزول:

_عادت الأمانة لربها يا جون، ماتت أمي بعد سنتين فقط من هروبنا.

تسمر مكانه واتسعت عسليتاه بصدمة وقد ثبتتا على الأرض وسألها بصوت مصدوم، خلا من أي انفعال ومشاعر:

_ماتت أمي؟

نزلت دمعتها رغما عنها وهي تجيبه:

_لعلها في مكان أفضل إن شاء الله.

كان الخبر ثقيلا عليه، فرؤية هونامي بثت في نفسه أملا برؤية والدته كذلك، لكن الموت كان أقرب لها منه.

سحب شقيقته لحضنه ضاما إياها بقوة كمن يخشى فقدان شخص آخر، ورفع رأسه عاليا يكبح دموعه ولم يجد ما يقوله لمواساة شقيقته التي فقدت كل شيء لكنها لم تفقد بسمتها وحيويتها التي لم تتخلَّ عنها منذ الصغر.

_علينا الدعاء لها بالرحمة يا جون، رحمها الله.

اكتفى بتكرير دعائها في سريرته بقلب صادق حتى ابتعدت عنه مبتسمة بهدوء وهي تمسح دموعها بكفيها:

_إنها فخورة بنا حتما... لقد اخترنا الطريق الصحيح رغم كل شيء..

هز الآخر رأسه موفقا دون تعليق...

على سطح إحدى المنازل التي استأجرها آلبرت ليقيم فيها مع جونار الليلة، حيث السماء تبدو أفسح، والنجوم كمصابيح تضيء غرفة دهماء مظلمة، نسمات الهواء الباردة تضرب وجهه برفق وكأنها تعاتبه على البقاء خارجا في هذا الوقت رغم برودة الجو.

تأمل آلبرت النجوم بصمت ظاهر، لكن عقله كان مليئا بالضجيج، بالأفكار، الذكريات، الكلام الذي لم يقل، الأماني التي لم تحقق، وأيضا... الوعد الذي لم يُوفي به بعد.

شرد بذهنه بعيدا، لبعض الذكريات التي جمعته بجيروم، بصديقه الأول ومعلمه، ومرشده لطريق الحق.

تذكر أول حديث دار بينهما بعد عودة جيىوم من الحجاز قبل إسلامه فقد ذهب للبحث عن الحقيقة والتعرف على الطريق الذي سمع أنه طريق الحق لكنه لم يشد الرحال فيه بعد.

ولنعد للوراء قليلا، إلى تفاصيل ذلك اليوم  السعيد؛ حيث كانا يعتليان جوادا بُنيا عربيا أصيلا، جيروم في المقدمة، وآلبرت خلفه تشبث بقميص عمه وكأنه يخشى فراقه من جديد.

حينها لطّف الرجل الوقور الجو بسؤال دافئ يحمل في طياته اهتماما صادقا:

_كيف كان المكان في غيابي؟

أجاب بنبرة متذمرة مغتاظا مم سيقول:

_أسوأ مما تتوقع يا عم، استغلت خالتي لاڤينيا فرصة غيابك وطردت بعض العائلات الفقيرة التي كنت تتكفل بها، وكانت تحبس إليزابيث في الغرفة بحجة أن الخروج سيجعلها لا تتحمل مسؤولية كونها أميرة المملكة!

تابع بضيق: 

_لم تسمح لي برؤيتها إلا مرتين في الأسبوع وفي المرتين اللتين رأيت فيهما بيث كانت حزينة جدا وكانت تسألني بهلفة عنك إن كنت قد عدت.

شعر جيروم بألم يعتصر قلبه فهو يعلم جيدا كره زوجته لإليزابيث فلم تكن تريد أن تنجب فتاة لترثها الحكم بل أرادت ولدا يكون وريثها لهذه المملكة.

وخزه فؤاده بشدة وشعر بانقباضه حزنا على ابنته وكذلك على آلبرت المسكين الذي ولد ليكون آلة حرب لهذه العائلة، فمذ كان في العاشرة ووالده يخضعه لأقسى التدريبات، ولما كان في الثانية عشر قادم جيشا ضد إحدى الممالك الصغيرة وهزمها ليصبح أصغر قائد في المملكة، لكنه لم يكن يوما راضيا عم يفعله بل شعر دائما أنه مقيد ومسير وفقا لأهوائهم، ولم يجد أحدا يحدثه بهمومه غير عمه الذي كان معترضا على تصرفات هذه العائلة.

مضى وقت طويل من الصمت لم يقطعه غير نبرة ساخرة مريرة من شفتي آلبرت وهو يقول مخاطبا عمه:

_لو علموا أنني أخبرتك سأعاقب، ولكني لم أعد أطيق أفعالهم بحق!

_لن يطول الظلم يا بني، العدل قادم لا محالة

_كيف؟

_الظالم دائما ما تكون نهايته إلى زوال.

_ولكنك قلت سابقا أنهم على حالهم هذه قبل والدتي حتى!

_وماذا يعني ذلك؟ قد يستمر الظلم عقودا ولكنه لن يطول ثق بي.

....

انتقل لذكرى أخرى والتي سبقت مقتل عمه بعام، في ذاك اليوم الصادم له ولإليزابيث؛ حيث كان يجلس جيروم في كوخ صغير يروي عطشه بكأس ماء بارد قبل أن يدخل عليه آلبرت دون استئذان والغضب يتطاير في عينيه، احمر وجهه لشدة العصبية التي ألمت به ولم يكن بحاجة لشرح مشاعره إذ كانت انقباضة يديه وبروز عروقه كافيين لتوضيح ذلك.

لم يستغرب جيروم الأمر، بل نهض عن مقعده بهدوء واضعا كأس الماء على الطاولة الخشبية ثم توجه بخطى ثابتة وابتسامته المعهودة لم تختفِ عن شفتيه البتة، في حين صاح به الفتى ذو السادسة عشر عاما متناسيا فارق العمر بينهما:

_ويحك! أمجنون أنت؟  كيف تتخذ قرارا كهذا؟

ربت الآخر على كتفه بهدوء قائلا وهو يشير لأحد كراسي الطاولة الخشبية:

_اجلس لنتحدث، فقد كبرت يا بني ويمكنني الإفضاء إليك بما أكتمه.

لم يكن ليستجيب لطلبه وهو في حالة الغضب هذه إذ هدر بعمه مجددا وقد تجمعت بعض الدموع في عينيه:

_أتعلم ماذا يعني انفصالك عن لاڤينيا؟ أن تترك الحكم دون إعطاء سبب حتى وتنفصل عن زوجتك؟  أن تترك ابنتك تواجه الأيام الثقيلة وحدها؟ ألا تدري أنها الآن منهارة تماما خائرة القوى!؟

_اهدأ يا آلبرت، أعلم العواقب جيدا فاهدأ من فضلك واسمع ما سأقوله؛ تعلم جيدا أنني لا أتخذ قراراتي عبثا.

بدأت ثورة الفتى تهدأ شيئا فشيئا حتى سكن وجلس على الكرسي ليجلس عمه في الكرسي الآخر مقابله ويقول:

_سأقص عليك القصة من البداية فلا تستعجل (أومأ له باستعجال فتابع متبسما) بدأ كل شيء في أحد المرات التي زرت فيها شقيقيْ في مملكة بيرول قبل أن ينشئ داي مملكة نيراي، في ذلك اليوم سألني دجيرو سؤالا لن أنساه، كان جادا أكثر من أي وقت مضى، كلمات صغيرة أوقدت تسؤالات واهتماما كبيرا داخلي، سألني بالحرف الواحد «ألم تسأل نفسك يوما من الخالق لكل هذا؟»

ربما كنت مغيبا عن هذا السؤال وألهتني الحياة على أن أتفكر في عظيم هذا الكون ومن صنعه، كلماته أيقظت داخلي شعورا عجيبا، مزيجا بين اللهفة والحيرة.

مذ ذلك اليوم وأنا أتفكر في كل شيء حولي، ولقد شرح الله صدري لدينه قبل أيام، فبعد زيارتي للحجاز في العام الماضي وجدتني متلهفا أكثر للتعلم عن هذا الدين الذي أعز أصحابه ونشر بينهم العدل والإخياء والأمانة، الشيء الذي كنا نفتقر له نحن!

وبعد بحث طويل قررت اتخاذ هذه الطريق ولن أتراجع عن قراري هذا يا آلبرت.

استمع الفتى لآخر كلمات الذي أمامه بإنصات شديد ثم أردف مستغربا:

_وما شأن انفصالك عن خالتي في هذا؟

_ليست على ديني وليست حلالا لي إنها غريبة عني حتى تُسلم وتسير في ذات الطريق الذي أسير عليه، ولقد واجهتها بالأمر، ولكن كما تعرف خالتك جيدا، أغرتها الدنيا وألهتها فلم تعد تميز الحق من الباطل.

_ماذا عن بيث!؟

تنهد بضيق مجيبا وكأنه خشي هذا السؤال، فهذا أقسى ما قد يقوله، إنه أعظم ابتلاء بُلي به:

_حرمتني من رؤيتها، ولكن إن شاء الله الجمع بيننا فذلك وإن لم يشأ فهو لحكمة وإن لم أعلمها

ذُهل آلبرت مما سمع فكيف لأب تعلق بابنته أن يتركها هكذا؟ بل كيف لرجل أن يترك زوجته والحكم لأجل خالقه؟ هذا اليقين الذي امتلكه جيروم كان بماثبة نور الهداية الذي تسلل لقلب الفتى ذو السادسة عشر عاما.

....

فتح عينيه مستفيقا من دوامة الذكريات التي عصفت به قبل أن يعود عقله ليفكر بالأحداث الحالية، فهكذا هو، لا يتوقف عن التفكير بشيء حتى يبدأ بآخر وكأنه من غير المسموح لعقله أن يرتاح قليلا... تساءل عن كل شيء:

ماذا حل بعائلته؟

ما الذي تفكر به إليزابيث بعد علمها بنهاية الحرب التي وعدها أنه سيفي بوعده بعدها؟

كيف سيحكم مملكة إينوري وهو لا زال في بداية عقده الثاني؟

ماذا سيحدث في قادم الأيام؟

أي أمر ينتظرهم؟

هل انتهت الحرب حقا؟

أم أن كاي والبقية يجهزون لم هو أعظم؟

أدخل يده بين خصلات شعره ثم هز رأسه طاردا أفكاره السيئة.

جلس وقد أطلق زفيرا قويا وقال محدثا نفسه:

_لا تستعجل الأمور آلبرت، دع كل شيء لوقته.

بعد مرور شهر...

مضت الأيام على وتيرة واحدة، يستيقظ آلبرت منذ الفجر، يصلي ثم ينطلق في جولة استطلاعية كما اعتاد، يرى أحوال الناس، يساعد من يحتاج مساعدة، ويرفع همة من أثقله التعب، كان مصدر السعادة الخاص بمملكة إينوري.

في نهاية اليوم يرسل تقريرا إلى الرجل الذي عينه ديجرو واليا على المملكة مؤقتا حتى يكون آلبرت مستعدا.

أما إليزابيث فلم تختلف أيامها عن سابقتها سوى أنها فقدت الأمل في وعده الذي قطعه، فهي لم يصل مسامعها خبر إسلامه بعد، لكنها علمت بتردده الكثير على الملك دايروم فرجحت أنه أسلم دون إخبارها ليعيش حياته الخاصة غير مرتبط بها...

كان التفكير في هذا يثقل كاهلها لكنها كانت ترى أن ذلك أفضل من أن تتعلق بأمل كاذب كغريق يريد التعلق بقشة!

ومن ناحية أخرى تكررت لقاءات جونار بشقيقته ولم يعد الأمر يضايق آلبرت بعد أن أخبره بأنها شقيقته وليست شخصا غريبا، كما أنه انضم لحرس مملكة نيراي ليكون قريبا منها ويعوضها على كل تلك السنوات التي عاشها بعيدا عنها.

وإن تحدثنا عن أحوال الممالك فإنها في حال يرضي أصحابها، فبعد ضم إينوري للملكتين ازداد عدد المسلمين حتى بات ما دونهم قلة يعدون على الأصابع.

ومن الإضافات الجديرة بالذكر فقد تم هدم القصر المرصع بالجواهر  وقُسم ماله على أهل المملكة، كما بني مكانه قصر أقل منه حجما وأقل فخاما، -كان أقرب لمنزل ذو طابقين في عصرنا-.

•••

في يوم مشرق بشمس التعاون ومزين بغيوم التفاؤل التي لم تدم طويلا، إثر الخبر الذي أفسد صفاء هذا الجو.

كان دايروم في حديقة القصر الخلفية حيث يحب قضاء وقته في معزل عن البشر ليريح ذهنه ويصفيه... لكن الذكريات تأبى أن تترك للإنسان مجالا لصفاء الذهن إذ أعادته للوراء للقائه الاول بآلبرت والذي كان قبل عامين.

وقتها...

كان دايروم جالسا في ركن صغير من قاعة الاستقبال يقرأ بعض آيات الله قبل أن يتسلل إلى مسامعه صوت طرق على الباب، فسمح لصاحبه بالدخول والذي كان أحد الجنود يخبره أن شابا ملثما يطلبه بالأسفل وقد رفض الإفصاح عن هويته فأمره دايروم أن يدخله ففعل.

دخل شاب متوسط الطول، ذو شعر بني غامق وعينان لم يختلف لونهما عن شعره، تبين داي ذلك من بعض الخصلات التي فرت من لثامه لتأخذ مكانها قرب عينيه.

ابتسم الحاكم بهدوء مردفا:

_تفضل، ما حاجتك؟

حل السكون بعد سؤاله لبرهة من الزمن، ربما دقيقة أو اثنتان، ثم ارتفعت يد الشاب لوجهه بخفة مزيلا لثامه لتظهر تقاسيم وجهه كاملة ثم أردف بنبرة رسمية وهو يضع ورقة على الطاولة التي استقرت أمام كُرسي الحاكم:

_آلبرت، قائد جيوش مملكة إينوري... أتيتك بوصية تركها الحاكم الراحل جيروم فأرجو منك أن تقرأها.

اهتز كيان دايروم لسماع هذه الكلمات فلطالما حدثه شقيقه الراحل عن آلبرت ومكانته في قلبه، وقبل أن يعلق بشيء تابع الشاب بنبرة أكثر رسمية وجدية:

_كما أنني أتيتك بطلب وأرجو ألا ترده.

_تفضل.

_ستصل الأميرة إليزابيث بحلول فجر الغد إلى حدود مملكتك؛ أرجو منك حمايتها وإخفاء هويتها.

_وما مناسبة قدومها؟ ثم إنني سمعت أنه من غير المسموح لها الخروج دون حرس.

أجاب بنيرة باردة وهو يستأذن بالمغادرة:

_سأقوم بتهريبها، ستأتيك فرارا بدينها، لا لشيء آخر.

تابع بهدوء:

_لا تنسى قراءة الوصية... عن إذنك.

انسحب بهدوء ليترك دايروم متخبطا في حيرته قبل أن تقع عيناه على الورقة فالتقطها بلهفة وفتحها وعيناه تتابعان المكتوب:

«السلام على من سبقاني للطريق الحق، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إني-وكما تعلمان- في مملكة يعيش فيها الظالم ويزيد طغيانا، ولقد وصلتني بعض الأنباء بتخطيط الحاكمة لاغتيالي؛ لذا سارعت بكتابة وصيتي هذه وأودعتها لدى بئر أسراري الذي تعرفانه جيدا؛ آلبرت.

أوصيكما بإليزابيث، شدا بيدها وكونا أقرب لها من أي شخص آخر، ساعدها على التعرف على دين الله، فإن فشل آلبرت في إقناعها حاولا أنتما.

أوصيكما بها خيرا فإنها فلذة كبدي التي حرمت منها واختبرت فيها.

وأوصيكما بآلبرت خيرا، ساعداه في اتخاذ دين الله طريقا، وعاوناه على الخير عل الله يشرح صدره للإسلام كما حدث معي.

دجيرو... بارك الله فيك يا أخي وجزاك عني كل خير فقد كنت نور الهداية الذي أضاء ظلمة ضلالي.

دايروم... يا من كان لي أقرب من نفسي، كم تمنيت أن أرى بيث ومِييَان يلعبان معا كابنتي عم ولكنها الظروف يا صديقي.

اعذراني على تقصيري معكما، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته»

طوى الورقة وضمها لصدره مغمضا عينيه بحزن داعيا لشقيقه بالرحمة بكل جوارحه.

....

وبينما هو في حالته تلك مع ذكراه، شعر بصوت أقدام تقترب مسرعة الخطى تبعها صوت لِيزار المتحمس وهو يقول:

_عمي دااي!  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فتح دايروم عينيه مبتسما ووقف فاتحا ذراعيه ليرتمي فيهما الآخر كطفل صغير، لكنه لم يكن يظهر روحه الطفولة إلا لعمه الذي هو قريب له قرب الأخ من أخيه.

ابتعد عنه ليترك مساحة لوالده الذي سلم على أخيه بحرارة ليس وكأنهما لم يتلقيا منذ بضعة أيام، لكن لقاءهما هذا اليوم مختلف فقد لاحظ دايروم أن هما ما أثقل كاهل شقيقه الأكبر ليسأله وقد أشار له أن يجلس:

_أكل شيء على ما يرام؟

نفى الآخر بهدوء قائلا:

_أعداء الله لا يريحهم انتشار دين الله.

_عدو آخر؟

أوما متنهدا بضيق:

_عدو قديم.

قبل أن يتابع نظر لابنه نظرة فهم الآخر كنهها فانسحب بهدوء تاركا لهما مساحة خاصة للحديث ليتابع دجيرو:

_إنه سيجو

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهكذا انتهى الفصل🤭

ليست بتلك النهاية الشيقة لكن عليكم الانتظار حتى الخميس القادم 🤭

لم يتبق الكثير لنودع روايتنا هذه، أقل من شهر فاربطوا الأحزمة فقد أوشكنا على الهبوط🔥

إذا كيف كان الفصل؟

كان فصلا مليئا بالذكريات...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وعد لم يكتمل

المؤلف البروء
2025/09/22 مكتملة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة