نصر

نصر

20 0

في أكناف القصر الفسيح ذو الأرضية الرخامية باللون الرمادي الهادئ والشُعل المعلقة في الحائط لتضيء ظلمة القصر عندما يُسدل الليل عباءته... ورغم الهدوء الذي يحل بالمكان إلا أن إحداهن كانت ترتعش خوفا على والدها الذي يقود حربا ضد أكثر الممالك عداء لهم، المملكة التي تُكن حقدا دفينا لهم ولكل أبناء دينهم...

كانت مِييَان في حالة من الوجل، جسدها يرتعش، أسنانها تصطك، دموعها تقاوم النزول، تمسك بيدي هونامي بكل قوتها علها تستمد منها الأمان، فهذه هي المرة الأولى التي تودع فيها والدها وهو مقبل على حرب ضد العدوة الأولى لهم...مملكة إينوري!

راقبتها إليزابيث بعينين هادئتين خلتا من أي بريق، وملامح ظهر عليها بعض القلق الذي كان مصدره الخوف... نعم، الخوف من أن تفقد آخر أمل لقت به آمالها، أنت تفقد آخر فرد من عائلتها، الشخص الذي تنتظره ليفي بوعده لها.

كان قلبها يرتجف كجريدة تحركها الرياح كيفما شاءت، لكن من يراها لا يرى سوى القليل من القلق يعتلي ملامحها الهادئة... لم تكن هكذا يوما، بل كانت مشاعرها تظهر على وجهها دائما، لكن... مذ عاشت هنا، في بيئة عليها أن تخفي فيها هويتها ظنا منها أن معرفة حقيقتها قد يؤذيها؛ لم تعد تظهر صدق مشاعرها، لم تكن تفهم تماما أن الطريق الذي اختارته لا يهتم بالطبقية التي تبغضها... فهي ورغم حبها لدينها إلا أنها لم تتعلم عنه الكثير، القليل فقط مم حدثها عنه آلبرت، وبعض الآيات التي حفظتها لها هونامي.

رفعت بنيتاها عندما أبصرت الحاكمة روڤانا تخطو تجاههن ببطء وثبات، فعدلت نفسها بعد أن كانت متكئة على الحائط وراقبت ما حولها بصمت تنتظر خبرا يطمئن فؤادها أو يكسره!

اقتربت المرأة من ابنتها وعلى وجهها ابتسامة مطمئنة، ربتت على كتفها بحنان مخففة عنها بعض حزنها:

_ليست الحرب الأولى التي يخوضها داي.

علقت بصوت مرتجف:

_لكنها الحرب الأولى ضد مملكة إينوري يا أمي!

كانت روڤانا تطمئن ابنتها بكل ما تحمله من حنان ولما يئست من إقناعها نظرت لإليزابيث في نظرة مترجية وكأنها الوحيدة القادرة على إقناعها؛ فتفاجأت منها الأخرى لكن كلماتها جعلت من بيث تفهم تلك النظرات:

_أرجوك إِلِن، أخبريها أن الأمور ستكون بخير!

كادت تعترض وتقول شيئا كـ«ما أدراني بذلك؟»  لكنها استسلمت للواقع الذي هي فيه وعلمت يقينا أنهم يعرفون من هي، فلا فائدة من التغاضي عن الأمر أكثر والتصنع أو ربما-التخفي- كما ظنت نفسها، لم تتوقع أنها مفضوحة منذ اليوم الذي وطأت قدماها فيه المملكة،  على الأقل الحاكمان يعرفان بهويتها.

قالت بهدوء مشيحة بنظرها بعيدا عنهم:

_النصر حليفنا إن شاء الله، هذا وعد.

رفعت مِييَان عينيها تجاه الفتاة قائلة بصوت أقل رجفة بعد أن سكنت بعض أوصالها:

_ولم أنت واثقة؟

ابتسمت بمرارة وأجابت بهدوء وعينين قد زارهما الدمع:

_أحدهم وعدني بشيء إن انتصرنا، ولن يخلف هذا الوعد...لذا سننتصر مهما كلف الثمن؛ أثق بذلك... بإذن الله.

نظرت في عيني الأميرة القلقة بثقة:

_معنا الله، أما هم فلا أحد معهم.

نزلت هذه الكلمات على صدورهم كالماء البارد فتهللت وجوههم أكثر، تحديدا مِييَان لتعود لها ابتسامتها الواثقة وحيويتها وكأنها لم تكن تحتاح سوى كلمات تذكرها بالله:

_نعم، سننتصر-بإذن الله-!

أما إليزابيث فقد أسرت في نفسها:

_اللهم اكتب لنا نصرا وله الإسلام يارب!

في ساحة المعركة.

وصل آلبرت بالجيش للمكان المنشود، وأشار لهم بالتوقف لوهلة فانطاعوا لأمره، وما إن سكنت خيولهم حتى أتتهم الفاجعة، التف عليهم جند العدو من كل حد وصوب حتى ما عادوا يدركون مكانا للفرار، صاح رجل منهم بهلع محدثا آلبرت وقد بدت خيولهم تهتاج يمينا ويسارا بسبب محاولة الفرسان الهرب:

_ماذا سنفعل أيها القائد؟

هز كتفيه ببرود وكأن الأمر لا يعنيه، ثم علق ساخرا بالنبرة التي يعرفونها جيدا:

_اهربوا أو استسلموا.

استطرد رافعا صوته بنبرة لا تقل سخرية عن سابقتها:

_أرشح لكم الأمر الثاني، الاستسلام أهون لكم إن لم ترغبوا بالموت يا سادة.

كان واثقا أن من يرضيهم الظلم الذي هم فيه لن يستسلموا بل سيقاتلون بكل قوتهم لإرضاء كاي ولاڤينا، في حين من يكرهون ظلم المملكة وطبقيتها لن يرفعوا سيوفهم بل سيلقونها أرضا معلنين استسلامهم علهم ينجون من هذا العذاب.

تعالت الهمهات واهتاج بعض الجنود وأخذوا يلقون عليه بالشتائم بينما هو قد اعتلى صخرة مرتفعة بفرسه يراقب الرعب الذي قُذف في قلوبهم، ثم ابتسم بانتصار وأطلق سهما من قوسه كإشارة لدايروم لبدء المعركة.

دارت المعركة بين طرف يقاوم فقط لعله ينجو، وطرف يهاجم لينتصر، ليرفع راية الله عاليا، وكأنه يقول «نحن جند الله لا نهاب الموت مثلكم، نحن جند الله!»

اشتد الوطيس وتصاعدت الأتربة وبرز آلبرت في ساحة القتال ببراعة، فارسا مغوارا، شهما شجاعا، كان أصغر من في المعركة لكنه كان صاحب عقل فطن وروح قتالية عالية.

تهافتت ضربات الخيل بحوافرها على الأرض معلنة انتهاء المعركة، وعبقت رائحة الدماء الأرجاء، سُجن من استسلم وقُتل من أبى الرضوخ وقاتل.

نظر الشاب بعينين فارغتين من أي بريق نحو الجثث المتراكمة فوق بعضها وحدث نفسها مستهزئا:

_لم يقودون نفسهم للموت؟ أيظنون أن كاي الأحمق سيعترف بهم حتى؟

كاد يغادر الساحة ساحبا نفسه من بشاعة المنظر، لولا صوت دايروم الهادئ الذي أوقفه:

_مهلا آلبرت.

التفت إليه متسغربا لكنه اغتصب ابتسامة كاذبة وتحدث بلباقة:

_تفضل، أيها الحاكم.

اقترب الآخر بجواده ليكون قريبا منه وأردف:

_ألك مكان تذهب إليه؟

مر شبح ابتسامة ساخرة على شفتيه مجيبا:

_سأعود للمملكة.

_لكن... قد يغتالونك!

_لن يفعلوا...

تابع بنبرة أكثر جدية:

_سآتيك ليلا برفقة صديق لنعلن إسلامنا عندك.

تهلل وجه دايروم:

_أبشر، بانتظاركما... سأجمع الناس ليروا عظيم ما حدث!

هز الآخر رأسه معترضا وقال بهدوء:

_لا أريد أن يعرف أحد.

_لم؟

_يجب أن تستقر الأوضاع أولا، إعلان إسلامي علنا ثم انشغالي ببعض الأمور لن يكون سوى جرحا في قلب أحدهم؛ لذا تفهم موقفي من فضلك...

_ماذا عن وصية أخي التي أوصلتها لك مع صديقك؟

_لن أحكم المملكة حتى تكون بيث جانبي حلالا، وهذا ما أمرني به هو.

ابتعد مغادرا بفرسه متجها نحو موطنه، في حين تبسم داي على تفكير هذا الشاب الذي كان بإمكانه اختيار طريقه الخاص، أن يسلم ويبتعد عن كل شيء، لكنه آلبرت الذي تعاهد بالعديد من الوعود، ولن يهدأ باله حتى يفي بها، على الأقل ما يقدر عليه منها!

دخل داي المملكة ليستقبله الناس بالتهليل والتكبير فرحين بهذا النصر.

جاب الشوارع التي طُرحت عليها بتلات الأزهار لتداعب رائحتها أنفه وتختلط بأنفاسه، كان يحييهم ببشاشة ولسانه لا يتوقف عن شكر الله الذي من عليهم بنصر لم يكلفهم الكثير.

ما إن وصل لقصره حتى ترجل عن جواده ورفع صوته بالسلام معلنا وصوله ولم تمضِ إلا ثوانِ معدودة حتى أتته مِييَان راكضة كطفلة صغيرة وعانقته ودموع الفرح تسابقها.

لف ذراعه اليسرى حولها بينما مسحت يمناه على رأسها بلطف وهو يقول بلطف:

_لم هذه الدموع صغيرتي؟

ابتعدت عنها قائلة بشفتين مرتعشتين لكن ذلك لم يكن حزنا بل فرحا بعودته:

_أنا سعيدة!  أنت بخير!  الحمد لله!

انحنى قليلا ومسح دموعها بإبهامه وهو يقول مازحا:

_والدك رجل صلب صغيرتي، ولا تنسي أن الله معنا دائما.

ابتسمت بهدوء ثم تركت الطريق لوالدتها التي كانت الابتسامة الهادئة لا تفارق وجهها مهما كانت الظروف.

اقتربت من زوجها فعانقها وقبل يدها، قائلا بمزاح مشيرا لابنته:

_هل أخبرتها بشيء أفزعها عني؟

نفت بهدوء فتابع ضاحكا:

_إذا هي كوالدتها كثيرة القلق.

رمقتاه بتذمر، قبل أن تعود لـروڤانا جديتها وهي تقول بهدوء:

_هل التقيته؟

ابتسم عندما فهم مقصدها:

_نعم، ازدادت مكانته عندي بعد لقائنا هذا، مضى وقت كثير على آخر لقاء بيننا، أسأل الله أن يعجل في إسلامه.

ابتسم متابعا:

_أقرئي إِلِن مني السلام، وأخبريها أن كل الأمور ستكون بخير وألا حاجة لها لتخفي نفسها بعد اليوم.

تبسمت روڤانا في حين شهقت مِييَان بسعادة وهي تسأله بترجي:

_هل يمكنني إخبارها أنا؟  وهل يمكنني منادتها باسمها الحقيقي؟

ابتسم واضعا يده على رأسها بلطف:

_أما سؤالك الأول فنعم، وأما الثاني فالأمر يعود لها.

قفزت مِييَان فرحة بذلك وركضت حيث تركت الفتاتين، وما إن ابتعدت حتى علقت روڤانا بهدوء وهي تسأل زوجها:

_متى ستصارحها؟

_تقصدين بيث؟

أومأت فتابع:

_لا أشعر أن الوقت قد حان، ثم إنك ترين كيف تتجنبني.

أنهى كلماته بضيق فعاتبته بعينيها وأردفت:

_إنها تراك رجلا أجنبيا، لا تحل لها وأنت تصر على إخبارها بنفسك، فلا تضع اللوم عليها.

أشاح بوجهه بعيدا وقد علته نظرة متذمرة بينما قوس شفتيه في سخط من كلمات زوجته ولم يعلق فضحكت هي على تصرفاته الطفولية التي لا يظهرها إلا مع من يرتاح له قلبه وهم قلة.

أما مِييَان فعندما اقتربت من الفتاتان احتضنت إليزابيث قائلة بحماس:

_أبي يقرؤك السلام ويخبرك أن كل شيء سيكون بخير فلا داعي لتخفي نفسك بعد اليوم!

ثم ابتعدت تراقب رد فعلها التي غطاها الصمت وعيناها تحدقان في الفراغ ثم سألتها قائلة:

_ماذا عنه؟

لم تفهما ما قصدته فتابعت بصوت مرتعش وقد نزلت الدموع على خديها:

_هل أسلم؟

تسمرت مِييَان مكانها عند رؤية دموع إليزابيث ولم تعرف ما تفعل في حين ضمتها هونامي بهدوء وأخذت تربت على ظهرها بحنان فتابعت بصوت مختنق باكٍ وقد شعرت وكأن كل ذرة ألم داخلها قد تلاشت في الظلام:

_هل مات؟ 

لم تعرفا بما تجيبانها فهما لا يعرفان عمن تتحدث أساسا فتابعت بنبرة مرتجفة بعد أن قتل صمتهما كل ذرة أمل في قلبها:

_أمات كافرا؟

أتاها الرد من روڤانا التي قالت مطمئنة بصوت هادئ لا يشوبه من الكذب شائبة:

_إنه بخير، اطمئني.

ابتعدت إليزابيث عن هونامي بسرعة وتوجه كل نظرها نحو روڤانا متناسية كل شيء حولها أو مكانة من تخاطبها:

_حقا؟  هل أسلم؟  هل وفى بوعده؟ أين هو؟ ألم يقل أي شيء عني؟

اقتربت منها المرأة بثبات ووضعت كفيها على كتفي الفتاة الباكية قائلة بنبرة حنون:

_لم يسلم بعد، لكنه سيفعل إن شاء الله.

سألتها بانفعال وقد عادت دموعها لتتساقط على خدها من جديد:

_متى؟ أيضمن لنفسه العيش؟  ماذا إن مات كافرا؟ ماذا إن أشرقت الشمس بعد رحيله؟ أين مصيره وقتها؟ ألا يفكر بعواقب قراراته المتهورة؟

تابعت بغضب دون توقف بكائها:

_ذلك المستهتر! عبث الشيطان بعقله وأقنعه أن الوقت لم يحن بعد!

انهارت تماما وهي تقول آخر كلماتها قبل أن تفقد وعيها:

_لا أريد أن أفقد الأمل الوحيد الذي أملك، لا أريد أن يموتوا جميعا كفارا!

ظهرت أمارات الحزن على وجه روڤانا وهي تحمل الفتاة المسكينة بمساعدة بنتها وهونامي المصدومتين مما حدث.

ـــــــــــــ

انتهى الفصل الخامس🎀

الكثير من الأسرار قد كُشفت👀

ما توقعاتكم للقادم؟

ما دمتِ وصلتِ إلى هنا من فضلك لا تنسي الضغط على إعجاب🎀

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وعد لم يكتمل

المؤلف البروء
2025/09/22 مكتملة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة