كنتُ أظنّ أنني رأيت كل أنواع الجرائم من قبل، لكن تلك الليلة كانت مختلفة…
لم يكن في الأمر دمٌ كثير ولا فوضى، فقط صمتٌ غريب يملأ المكان، كأن الجريمة لم تكن جريمة، بل قرارًا أُخِذ بهدوءٍ شديد.
وقفتُ أمام النافذة أراقب الشارع أسفل البناية. المطر لم يتوقف بعد، والسيارات تمرّ ببطءٍ كأنها تخشى أن تزعج شيئًا مدفونًا في العتمة.
دخلت "ليلى" الغرفة بخطواتٍ ثابتة، لكنها كانت تحمل في عينيها سؤالًا أكبر من القضية نفسها.
— لقيت حاجة جديدة؟
نظرتُ إليها وقلتُ:
— يمكن… بس مش عارف إذا كانت حاجة ولا مجرد صدفة.
— طب وريني.
أشرتُ إلى اللاب توب أمامي، حيث كنت أعيد تشغيل جزءٍ من تسجيلٍ ناقصٍ تم استعادته من الكاميرا التالفة.
في اللقطة، يظهر باب الشقة، ثم ظلّ يتحرك سريعًا في الخلفية. لا ملامح، لا صوت، فقط ظلّ يمرّ كطيفٍ على الجدار.
أعدت تشغيلها للمرة الثالثة، والرابعة، حتى قالت ليلى:
— هو في حاجة غلط هنا… الظل ده بيتحرّك عكس اتجاه الضوء.
رفعتُ حاجبي دهشةً:
— قصدِك إيه؟
— يعني لو النور جاي من الشباك، المفروض الظل يكون ناحيته التانية… بس ده جاي من جوّه الشقة!
ساد الصمت لثوانٍ. نظرتُ حولي كأن أحدًا يختبئ بين الأثاث. ثم قلتُ بنبرةٍ واطئة:
"ده معناه إن القاتل كان جوّه قبل ما الضحية يرجع بيته."
---
في المساء، عدنا إلى مركز التحقيق. المكتب شبه مظلم، والهواء ثقيل برائحة الورق القديم. جلستُ على الكرسي أمام لوحةٍ مليئة بالصور والخيوط الحمراء التي تربط بينها. في المنتصف كانت صورة "الشاهدة رقم ٧".
تلك الابتسامة الهادئة على وجهها بدت فجأة كأنها تخفي شيئًا.
— آدم، إنت مركز معاها ليه كده؟ قالت ليلى وهي تضع كوب الشاي أمامي.
— مش عارف… بس حاسس إن الوش ده مش غريب عليّا.
— إزاي يعني؟
— شُفتها قبل كده، أو يمكن حدّ شبهها… مش متأكد.
ابتسمت ليلى ابتسامةً باهتة وقالت:
— إحنا بنغرق في تفاصيل، خليك فاكر ده. يمكن عقلك بيكوّن صوَر مش حقيقية.
— أو يمكن حدّ فعلاً بيخلينا نصدق حاجات مش حقيقية.
---حين خرجت ليلى من المكتب، بقيتُ وحدي أمام الصور.
الهدوء في المكان كان خانقًا. رفعت عيني إلى النافذة فرأيت انعكاسي في الزجاج، لكن خلفي كان هناك شيء آخر.
ظلّ خفيف يتحرك بخفةٍ ثم يختفي.
استدرت سريعًا… لا أحد.
اتسع صدري بقلقٍ لم أستطع تفسيره، فمددت يدي إلى الملفّ الذي تركته ليلى على المكتب. كانت الصفحة الأولى تحمل اسم الضحية، أما الصفحة الثانية فكانت فارغة…
لكن أسفلها بخطّ رفيع كُتب:
"الظلّ لا يَكذب."
---
في تلك اللحظة، انطفأت الأنوار فجأة.
ومن بين الصمت، رنّ هاتفي.
رقمٌ مجهول على الشاشة، وصوتٌ خافتٌ من الجهة الأخرى يقول:
"أوقفوا البحث… الشاهدة ليست من تظنون."
Noda Mahmoud