ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان الليلُ يهبط ببطءٍ على القاهرة، يلون شوارعها بضبابٍ خفيفٍ كأن المدينة تخفي شيئًا تخاف أن يُرى. أصوات السيارات تذوب في خلفيةٍ بعيدة، والمطر بدأ يتساقط بخفّةٍ على الأرصفة المبتلة.
في تلك الساعة، كانت "ليلى" تجلس في المقهى الصغير المطلّ على النيل، تحدّق في كوب القهوة الذي برد منذ زمن. كانت عيناها شاردتين، كأنهما تتابعان في الخيال ما لا تجرؤ على قوله.
قالت في داخلها:
"لو كنت اعرف ان الليلة هتكون صعبة كده مكنتش خرجت من بيتي أصلًا.
الكرسي المقابل لها كان فارغًا، لكنها كانت تتحدث إليه كما لو أن أحدًا يجلس هناك. المقهى مزدحم، والضحكات تملأ المكان، لكنها لا تسمع منها شيئًا.
حتى رنّ الهاتف أمامها، فانتفضت.
— ألو؟
— ليلى؟ إنتِ فين؟ أنا مستنيكي من نص ساعة.
— سامحني يا آدم، كنت محتاجة أروق دماغي شوية قبل ما أجيلك.
— طب hurry up بقى، الموضوع اللي هنقشه مش بسيط."
وضعت الهاتف ببطءٍ على الطاولة. كلمة "مش بسيط" ظلت ترنّ في رأسها كجرسٍ لا يتوقف.
آدم لم يكن مجرد صديق، بل زميلها في قسم التحقيقات الجنائية، شاب ذكيّ لكنه متهور قليلًا، وكانت تعلم أنه لا يستدعيها إلا لشيءٍ كبير.
نهضت من مكانها، حملت حقيبتها، ثم خرجت إلى الشارع. المطر اشتدّ، والهواء صار باردًا كأنه يحمل نبوءة سيئة.
---
الساعة العاشرة مساءً.
دخلت ليلى مبنى قديمًا في وسط البلد، تتصاعد منه رائحة الرطوبة والغبار. في الطابق الثالث، كان "آدم" ينتظرها أمام باب شقة مُغلقة، في وجهه توتر لم تره من قبل.
— إيه الحكاية؟
— بصي، الشقة دي كانت بتاعة واحد اسمه شريف حلمي، اتقتل امبارح بالليل، والنيابة طلبت نراجع التسجيلات اللي كانت عنده.
— تسجيلات؟
— أيوه، كاميرات مراقبة. بس الغريب إن جزء منها مش موجود.
— يعني في حد مسح منها؟
— غالبًا، بس استنّي لما تشوفي بنفسك."
فتح الباب، ودخلا معًا.
رائحة الدم الجافّ لازالت عالقة في الجو، كأن المكان يحتفظ بآخر صرخةٍ خرجت منه. الأرضية بها آثار حذاءٍ غارقٍ في شيءٍ يشبه الطين. كل شيءٍ في الشقة مرتب، إلا ركن صغير بجانب المكتب؛ هناك كانت فوضى الأوراق، وملفّ مفتوح على آخر صفحة.
اقتربت ليلى منه بحذر، تتأمل الورق.
كانت هناك صور كثيرة لوجوهٍ مختلفة، بعضها مألوف.
لكن أكثر ما لفت نظرها كانت صورة لامرأة تبتسم، وعلى ظهر الصورة بخطٍ واضح:
الشاهدة رقم ٧
قالت بصوتٍ خافتٍ:
— آدم، هو كان بيحقق في قضية تانية قبل ما يموت؟
— بالضبط، قضية كانت فيها شاهدة رئيسية… بس حصل حاجة غريبة.
— إيه هي؟
— الشاهدة دي… اختفت من أسبوع."
---
من هنا تغيّر كل شيء.
في تلك الليلة، حين نظرت ليلى إلى الصورة، لم تكن تعلم أن ملامح المرأة التي تراها ستكون آخر ما يطاردها في منامها لشهور.
وفي لحظةٍ لم ينتبه لها أحد، كان هناك رجلٌ يقف في الشارع المقابل للبناية، يرتدي معطفًا رماديًّا، يشعل سيجارة ويتابع الشباك المضاءة الذي تقف خلفه ليلى.
ثم ابتسم بخفةٍ وقال بصوتٍ منخفضٍ لنفسه:
"بدأت اللعبة."
______________________________________________
تنويه:
هذه هي أول رواية أكتبها، ومن الطبيعي أن تتضمن بعض الأخطاء الإملائية أو اللغوية، فأنا ما زلت في بداية طريقي في عالم الكتابة. أرجو أن يكون أي نقد موجَّه لي نقدًا بنّاءً يضيف إلى تجربتي ولا ينتقص منها، فالكمال لله وحده، وأسعى دائمًا إلى التطور وتقديم الأفضل فيما هو قادم بإذن الله.
Noda Mahmoud