الخاتمه ♥️

الخاتمه ♥️

23 0

☺نبدأ☺

" فى أحد المستشفيات "

لم تكن مجرد "أحد المستشفيات"، بل كانت متاهة باردة من الجدران البيضاء الصامتة، ورائحة اليود المعقمة التي تخنق الأنف وتزيد من ثقل الخوف. في تلك الزاوية المعتمة قرب غرفة العناية المركزة، حيث لم يكن يُسمع سوى الهمس المكتوم وصفير الأجهزة الطبية البعيدة، وقف "يوسف" والطبيب.

"يوسف"، صوته يرتجف رغم محاولته اليائسة لجعله حازمًا: "أنا مستعد أبيع عمري وأسافر بيها لأي بلد علاجية... أي مكان يوفر فرصة أكبر."  

الطبيب، يزيح نظارته بتعب، وعيناه تحملان سنوات من العملية والأمل المتقطع: "يا أستاذ يوسف، صدقني. الامراض مش بتتغير بالسفر. مش هيتمكنوا من فعل اى حاجة أكثر من الي هنعمله هنا."

"يوسف"، يرفع كفه ليغطي به جزءًا من وجهه، وكأنه يحاول صد حقيقة مؤلمة: "طيب... ولو مرتفعتش نسبة نجاح العملية؟ لو... لو ساءت حالتها؟"

الطبيب، كلماته تنزل ثقيلة كالحكم النهائي: " الحقيقة يا استاذ يوسف هيكون علي حياتها خطر . ونسبة النجاح... (40%). بس ياريت توثق فينا، احنا هنبذل كل ذرة جهد فينا علشان نتجنب أي خطر"

الطبيب بتأكيد :- هيكون فى خطر على حياتها ونسبت النجاح 40% بس احنا هنعمل كل إللى نقدر عليه علشان ميحصلش أي حاجه من دى

"يوسف"، يزيل يده عن وجهه، وعيناه تشتعلان بقرار يائس لا رجعة فيه: "حضروا العملية فورًا. مرام... مرام أهم من دنياي ."

أغمض "يوسف" عينيه، وشعر ببرودة رخام الأرض تتسرب لروحه. أسند رأسه إلى الحائط البارد، ثم وضعه بين يديه، وفي تلك اللحظة المدمرة، طفت ذكرى "مرام"... الذكرى التي كانت دافعه الوحيد، وعذابه الأكبر.

"مرام"، الدموع تغسل وجهها، لكن عيناها تتلألآن بإصرار أصلب من الصخر: "لا.....لا يا يوسف! أنا... أنا مش موافقة على قرارك!"

"يوسف"، يمسك بكتفيها برجاء يكاد يصرخ: "مرام، علشان خاطري! تخلي عن فكرة الأطفال دول.  الحمل ده بيهدد حياتكِ!ربنا هيرزقنا بغيرهم، احنا ممكن نتبنا دلوقتى...بس أنا مش هتحمل خسارتكِ انتى اغلي عندي من عمري كله."

"مرام"، تقترب منه، وكأنها تحاول تهدئة عاصفة بداخله. لمست وجهه بكفيها الناعمتين، وهامسة بصوت حنون تكسوه الدموع: "يا روح مرام... انت ازاى بتطلب مني انى اعمل حاجة زي دي؟ دول حته منك وانا مستحيل أتخلى عنهم يا يوسف. أنا واثقة أن ربنا الي رزقنا بيهم، قادر أنه يحفظهم لينا."

"يوسف"، ينظر إلى عمق عينيها، يشعر بأن العالم يضيق عليه: "انا مش مهم عندي  العالم كله الدنيا كلها ولا حاجة وانتي مش موجوده فيها يامرام !انا ميهمنيش  أي حاجة غيركِ أنتِ! أيوة، أنا عايز أطفال منكِ، بس مش على حسابكِ."

"مرام"، تسحب يده برفق وتجلسه على حافة الفراش. ثم تجلس هي على قدميه، ممسكة بيده وتضعها على انحناء بطنها المنتفخ. قالت بصوت يفيض حبًا وثقة: ". دول هدية ربنا لينا وانا مستحيل اضيع عطيت ربنا يايوسف انا مستحيل اقتل أطفالي خليك واثق فى ربنا اكيد انا وهما هنكون بخير "

"يوسف"، تحرك يده على بطنها برقة، وكأنها تحمل أغلى ما لديه. لمعت الدموع في عينيه المرهقتين: "أنا خايف... خايف أخسركِ."

"مرام"، تعانق رأسه بشدة، وتشد عليه: "متخفش انا مستحيل اسيبك."

"يوسف"، وهو يبحث عن أي وعد يربطه بالأمل: "توعديني... توعديني يا مرام؟"

"مرام"، تنظر إليه بعمق، لتوثق الوعد الأخير: "أوعدك يا روح مرام..."

انتشل "يوسف نفسه من كهف الذكريات، ليعود إلى أرض الواقع المُعقَّم؛ حيث جدران المستشفى الباهتة وضوء  القاسي. أطلق تنهيدة حارة كادت تحرق صدره، بينما ارتفعت عيناه المليئتان بالجفاف نحو غرفة العمليات الصامتة. الخوف لم يعد مجرد إحساس، بل أصبح كيانًا يقسم روحه نصفين.

كان يريدها أن تعود إليه سالمة... أن تُزرع في قلبه فرحة تخلف وراءها أثرًا من الأمان الأبدي. لم يعد يملك شيئًا سوى همسة واحدة يكررها مع كل شهيق وزفير، همسة تخرج من قاع روحه المهترئة: "يا رب... يا رب."

أمسك بهاتفه، يده ترتجف كغصن ضعيف في عاصفة، وضغط على أرقام "داغر" بشكل آلي. كان يحتاج إلى صوت آخر، أي صوت، ليرمم به شرخ قلبه. ولكن لا رد... الهاتف الصامت ضاعف من إحساسه بالاختناق. تمنى لو يستطيع البكاء، لعل الدموع تطفئ بعضًا من هذا اللهيب الداخلي.

وفجأة... شعر بثقل دافئ ومفاجئ يلامس كتفه.

رفع رأسه بسرعة هستيرية، كالذي يستيقظ من كابوس، وعيناه المحمّرتان ترتطم بالآخر. الذي خرجت منه كلمة واحدة متقطعة قبل أن يتمكن عقل "يوسف" من تسجيل ما رآه:

"ه... هي كويسة؟"

توقف لسان "يوسف" عن النطق. تجمد المشهد.

أمامه، يجلس على أحد الكراسي المتحركة كان "ساجد". يده الموضوعة على كتف "يوسف" حقيقية ودافئة بشكل مؤلم. لمعت في عيني "ساجد" دموع كثيفة كالزجاج، تعكس ضوء النيون البارد.

نهض "يوسف" فجأة، بجسد مهتز، ونفسه يخرج مذعورًا: "س... ساجد؟"

"ساجد"، أغمض عينيه للحظة، كأن الندم يعصر قلبه قبل أن يعتصر جسده الضعيف، وهمس بصوت متهدج: "اهدا..."

"يوسف"، هز رأسه بعنف، ينفي المشهد بكل ذرة وعي فيه: "مستحيل! أنت... أنت مش حقيقي!"

"ساجد"، نظر إليه بحزن عميق يكاد يمزقه: "يوسف... أرجوك اسمعني."

"يوسف"، صوته يتحول إلى حدة تشتعل بالخيانة والغضب: "أنتَ مُتّ! أنت كذبة! أنا بتخيل، بالتأكيد بتخيل!"

أغلق عينيه وفتحهما مرات متتالية، رافضًا تثبيت الصورة: "انت مش  حقيقي! مش حقيقي انا أكيد بتخيل أكيد انت مت!"

"ساجد"، حرك كرسيه المتحرك ليقترب خطوة، وكأنه يحاول إثبات وجوده المادي: "اسمعني يا يوسف. أنا حقيقي. أنا  مامتش."

"يوسف"، يتراجع خطوة، والنفي يملأ عينيه المشتعلتين بالأسئلة القاتلة: "أنت عايش؟ كنت بتخدعني؟ عايش وكذبت عليّا؟... ليه؟ ليييه عملت كده؟! رد!"

"ساجد"، تهاوى صوته إلى همس يكاد لا يُسمع، وكأن كل كلمة تخرج تكلّفه جزءًا من روحه: "مكنتش قادر... كنت عايز... أريحكم مني."

"يوسف"، اندفع نحو "ساجد"، غضبه يغلي كالحمم. اقترب منه حتى كاد أن يخترق مساحته الشخصية، بينما كلماته تخرج كالسياط: "ت...تريحنا؟! أنت مجنون يا ساجد؟!انت اكيد مجنوووون؟! أنا كنت بموت ببطء في غيابك! كنت بقوم من النوم  كل يوم على أمل أنك لسه عايش لسه بتتنفس قدامي! وأنت... كنت عايز تريحنا؟!! هههه!" ضحكته كانت أقرب إلى شهقة ألم مجلجلة.

"ساجد"، الدموع تغرق محجر عينيه وتنساب على وجنتيه الضعيفة: "أنا... أنا مكنتش عايزه أكون  عبئ تقيل على أحد منكم. أنا..."

"يوسف"، قاطعه بحدة قاسية، ووجهه محمر بالغضب الذي خنقه لسنوات: "أنت غبي! أنت وأحد غبي وحمار! علشان فكرت بالطريقة دي ! أنا كنت مستعد أني أعيش خدام تحت رجليك، بس تبقى هنا جنبي! تبقي عايييش!"

"ساجد"، صوته يرتجف، يحاول الدفاع عن قراره المؤلم: " أنا كان ممكن أموت قدامك كل يوم من الوجع... أنا بعدت علشان انت بذات متشفش وجعي يايوسف."

"يوسف"، استدار فجأة، يمنع "ساجد" من رؤية حافة الانهيار في عينيه. صوته أصبح مكبوتًا، أشد إيلامًا من الصراخ: " أنا عارف أنك تعذبت تألمت تعبت اتظلمت يا ساجد... بس بالي عملته... ظلمتني أنا مش مسامحك!"

"ساجد"، بعجز واضح، ينظر إلى ساقيه المخذولتين: "أنا طوال السنين دي... كنت بحاول اني أرجع ساجد القديم،. بس انا فشلت. انا كنت بدخل عملية بعد عملية يا يوسف، تايه في جسم مش جسمي كنت بموت كل يوم."

"يوسف"، حاول أن يتنفس بعمق للسيطرة على دموعه المتأهبة: "كنت هكون معك... كنت هسندك بروحي قبل أيدي"

"ساجد"، بوجع يمزق قلبه على صديقه: "هفضل أني أكون مريض طول عمري على أني أشوف القهر والدموع في عينك بسببي وبسبب وجعي!"

"يوسف"، لم يعد يحتمل. صرخ بغضب انفجر كالقنبلة في أروقة المستشفى الصامتة: "أنت أناني! أناني يا ساجد! انت في الوقت ده مفكرتش إلا في نفسك وبس انا مش مسامحك لو فاكر أن رجوعك هيصلح إلى كسرته تبقي بتحلم ارجع مكان ماجيت انا صاحبي مات !"

حاول "ساجد" أن يمد يده أو يقترب بكرسيه المتحرك لتهدئة شقيقه، لكن "يوسف" أبعده بدفعة غاضبة مفاجئة.

كانت دفعة غير مقصودة، لكنها كانت كافية.

لتسقط الكرسي، وخرج عن توازنه الضعيف.

سقط "ساجد" على الأرض الرخامية بارتطام مؤلم، أطلق معه صرخة وجع مكتومة: "آه...!"

تلاشى غضب "يوسف" فجأة. تحول الغضب إلى رعب فوري.

ركع "يوسف" أمامه بذعر وإشفاق، ومد يده ليسنده، كلمات الاعتذار تتسابق وتخرج حارة ومليئة بالندم: "آسف... أنا آسف! مكنتش أقصد... أقسم بالله ماكنت أقصد! بس انت... وحشتنى ! كنت بموت من غيرك! أنا آسف...كنت فاكر أني خسرت كل حاجة ببعدك عني. آسف ياساجد!"

"ساجد"، عيناه تفيضان بالدموع التي تحمل ألم السقوط ومرارة الماضي: "أنا... أنا إلي آسف. آسف يا يوسف! صدقني، والله كنت فاكر أن بعدي عنكم هيجلب ليكم الراحة..."

"يوسف"، نظر إليه بحزن مرير، يده تلامس وجهه: "أنت وجعت قلبي. أنا كنت هموت من بعدك..."

"ساجد"، هز رأسه بالنفي: "أنا كنت عارف أن داغر مستحيل يسيبك أبدًا."

"يوسف"، صرخ بغضب مكتوم، يمسك بملابس ساجد: "بس أنا كنت عايزك أنت! مش بس هو! داغر مقدرش يمحى وجودك !"

"ساجد"، بدموع وشفقة على نفسه وعلى شقيقه: "انا كنت عايز الكل يعيشوا  مرتاحين... لأن ساجد، مسبب المشاكل، اللعنه مات للأبد.يايوسف"

"ساجد" بدموع :- انا كنت فاكر ان الكل هيعيش مرتاح لانى خلاص ساجد إللى كان بيسبب المشاكل مات

"يوسف"، الدموع تغسل وجهه، لكنها دموع شوق وألم ممزوجين. انحنى بقرب "ساجد" الملقى على الأرض، متجاهلاً وجع قلبه منه. صوته أصبح همسًا متأثرًا بالندم: "أنت عمرك ما كنت مشكلة بالنسبة لي! كنت سندي وأخويا! كنت عايزك جنبي و معايا ، كنت هأقلب الدنيا واعمل المستحيل بس متسبنيش ياساجد!"

"ساجد"، نظر إليه بخوف يرتسم في عينيه المليئتين بالدموع: "كنت خايف... كنت خايف أخسرك أنت كمان بوجودي! كل إلي بحبهم... بيبعدو عني يا يوسف!"

"يوسف"، بوجع يمزق الأحشاء، ودموع الندم تنهمر: "انت اتعذبت! عارف وأنك كمان اتظلمت! مكنش عايزك تبعد عني انت أخويا أبويا وصاحب عمري انا قولتلك قبل كده أنا معنديش حد غيرك انت وداغر انتو عيلتي!"

"ساجد"، أطلق تنهيدة حارقة وكأنها خروج الروح من الجسد: "لو تعرف أني اختارت البعد علشانك وجعك زاد وجعي يايوسف... قراري كان غلط فى نظرك انت بس انا شايف أنه الحاجة الوحيدة الصح فى حياتى كلكم بخير وراحة بدوني."

"يوسف"، هز رأسه بنفي، بصدمة: "انت بتقول اى ؟" 

"ساجد"، بكلمات ثقيلة كالرصاص، محاولاً إثبات منطق وهمي: "أنت... أنت مرتاح دلوقت. داغر ورسلان... وأمي! كلكم عايشين حياة أفضل وفي هدوء من غير وجودي."  

"يوسف"، تجمّد. الصدمة خلطتها رعشة خوف، والحقيقة القاسية تكسو صوته: "أ... أمك؟"

"ساجد"، نظر إليه بتعجب طفيف، لم يفهم ضطرابه: "فى أى؟"

"يوسف"، شعر أن الكلمات علقت في حلقه. انخفض صوته إلى همس محطم، يكاد لا يُسمع: "مامتك... ماتت يا ساجد."

"ساجد"، نظر إليه بعينين واسعتين، رافضًا تصديق العالم كله بكلمة واحدة: "أنت... بتقول أي؟! مستحيل!"

"يوسف"، بتوتر وألم، وهو يحاول أن يضع حدًا للكذبة: "بعدك بسنة..."

"ساجد"، دفع يد "يوسف" التي كانت تحاول مساندته. هز رأسه بعنف هستيري، ينفي وجود الأرض تحت قدميه: "لا! لا! هي ماماتتش! هي عايشة! هي مرتاحة بدوني... هي مرتاحة لاني أنا مت صح يايوسف!"

"يوسف"، حاول أن يحتوي جسده المرتعش: "أهدي أهدي يا ساجد، كفاية! ده قضاء ربنا."

"ساجد"، بدأ في البكاء بصوت مكتوم، متقطع، كأنه يفرغ آلام سنوات من العزل: "انا عملت اى  أنا؟! كنت متخيل أنها مرتاحة وعايشة! كنت فاكر أنه بوجودي معاهم وجنبهم بحالتي دي عمرهم ما كانوا هيسامحوا نفسهم بسببي بس انا عملت اى... ماتت بسببي! آسف... أنا آسف! هي ماتت... بسببي!"

"يوسف"، ضمه إليه بقوة، محاولًا إدخال "ساجد" إلى إحدى الغرف الفارغة ليخفي انهياره: "ساجد كفاية! أنت ملكش أي ذنب! هي مقدرتش تتحمل غيابك... وعدم مسامحتك لها!"

"ساجد"، هز رأسه بنفي يائس، يتنفس بصعوبة كالمحتضر: "لا والله! أنا مسامحها! مسامحها ومسامح الكل! أنا... أنا مش مش مسامح نفسي أبدًا! أبدًا! آه!" صرخته هذه المرة كانت صرخة روح ممزقة

"يوسف"، بألم شديد وخوف عليه،. جلس أمامه، والدموع تنزل على وجهه: "اسمعني يا ساجد. ده عمرها، حتي لو كنت موجود بينا كانت هتموت برضو في وقتها المقدر. ربنا أراد ليها الراحة على الأقل هي دلوقتى عارفه انك لسه عايش مش كده"

"ساجد"، هز رأسه مرارًا وتكرارًا، اليأس يعتصر قلبه: "لا! لا يايوسف!  هي ماتت بسببي بسبب إلي انا عملته!"

"يوسف"، بدموع وبمحاولة أخيرة لإراحته: "لا! اسمعني! مفيش حاجه بسببك أنت ملكش اى ذنب.ربنا بيدي كل واحد على قد عمله ياصاحبي هى أذتك وخدت حسابها المهم انك مسامحها. صح؟"

"يوسف" وهو يبكي بسبب حالته :- لا اسمعني مفيش حاجه بسببك انت ملكش ذنب يمكن ربنا بيدي كل واحد بسبب عمله وهي اذتك وخدت حسابها المهم انك مسامحها صح

"ساجد"، هز رأسه، الكلمة تخرج بصعوبة: "أنا مسامحها... مسامحها."

ضم "يوسف" رأس "ساجد" إلى صدره، عناق شوق ممزوج بغضب قديم وحزن جديد. تنهد تنهيدة ثقيلة تريح جزءًا من حمله: "وحشتني أوي يا ساجد... أوي. كنت عايزك دايمًا جانبي."

"ساجد"، شد على جسد "يوسف" الدافئ، عناق المنفى العائد إلى الوطن: "أنا إلي محتاجك جانبي يا يوسف! تعبت من غيرك... ومن غير وجودك.معايا"

"يوسف"، بابتسامة باهتة رغم الدموع: "عارف؟ أنا سامحتك. المهم أنك لسه عايش قدامي دلوقتى."

"ساجد"، والدموع تستمر في الهطول: "كنت خايف ارجع متسامحنيش وترفض وجودي."

"يوسف"، بابتسامة تتسع قليلاً، ابتسامة الأخ الأكبر الذي لا يعرف الكراهية: "أنا اتعلمت اسامح منك أنت! لازم تعرف انى مش بعرف اغضب منك حتى لو وجعي استمر سنين فى بعدك المهم انك حي قدامي وعيني بتلمع بشوفتك من جديد."  

"ساجد"، تنهد بعمق، تنهيدة محملة بأوجاع سنوات الضياع، نطق اسمًا ثقيلًا على لسانه: "داغر."

"يوسف"، استشعر الفرحة أخيراً. لمعت عيناه بنور الأمل الجديد: "هو هيفرح بك بشكل جنوني! هأتصل به فوراً وخلي  ينزل فى أول طيارة على مصر!"

"ساجد"، هز رأسه بالنفي، كلماته خرجت ناعمة لكنها حازمة: "لا، بلاش."

"يوسف"، انقبض قلبه بخيبة أمل صغيرة: "انت لسه ماسامحتش داغر؟"

"ساجد"، أنكر بسرعة، محاولًا تبديد أي سوء فهم: "لا طبعًا! سامحته وسامحت الكل. لكن هو عايش حياته دلوقتى مرتاح.بلاش مش عايز أقلب دنيته يا يوسف. أنا جيت علشانك أنت ، علشان أكون جانبك."

"يوسف"، الدموع عادت تتدفق، ولكن هذه المرة هي دموع الشوق الطاغي: "أنت كنت فين ؟"

"ساجد"، وضع يده بحنان على كتف "يوسف" المنهك: "هحكي ليك كل حاجة بكل تفصيلة بس بعدين دلوقتى روح اطمن على مراتك الاول...."

"يوسف"، قطب جبينه بدهشة مبعثرة، كأن الكلمات غريبة عن سمعه: "مراتك؟"

"ساجد"، أشار بيده إلى جبهته، بتوبيخ حنون: "أنت نسيت مرام!"

كلمة "مرام" ضربت في رأس "يوسف" كالصاعقة. لقد ابتلعته ذكريات "ساجد" عن الواقع الأليم الذي ينتظره بالخارج.

فتح "يوسف" عينيه على اتساعهما، وركض نحو الباب بجنون مفاجئ، يصرخ بذعر مكتوم: "يا نهار أسود... مرام!"

خرج "يوسف" من الغرفة الصغيرة، واصطدم المشهد المرتقب بعينيه: الطبيب يخرج من غرفة العمليات، يخلع قناعه الجراحي الأبيض بوجه يكسوه تعابير مختلفة.

ركض إليه "يوسف" كالسهم، يلهث، والكلمة الوحيدة التي استطاع نطقها: "دكتور! طمّني! مرام!"

الطبيب، ابتسم بابتسامة واسعة، كأنها تضيء أروقة المستشفى المعتمة، وتحدث بصوت يحمل نبرة الإعجاز: "ألف مبروك! الي حصل انهارده كان معجزة حقيقية! لأول مرة في مسيرتي... الأم والأطفال جميعهم بخير تام! حمدًا لله على سلامتهم."

"يوسف"، شعر أن ساقيه لم تعد تحملانه. الكلمات تبللت في حلقه، سأل بذهول وفرحة لا تُصدق: "يعني... هما بخير؟! بجد؟"

الطبيب، أكد له بحماس: "أيوة! كمان تقدر تشوفهم  الممرضة هتاخد حضرتك للغرفة الموجودين فيها عن إذنك."

غادر الطبيب تاركاً وراءه هالة من الفرح لا تليق بأروقة المستشفيات الباردة. استدار "يوسف"، وعيناه تفيضان بالدموع التي لم تعد دموع قلق، بل فيضان من الامتنان. رأى "ساجد" جالسًا خلفه، على كرسيه المتحرك، ينتظر بصبر هادئ.

اندفع "يوسف" نحو "ساجد"، ركض إليه ليس كأخ، بل كالغريق الذي وجد طوق النجاة. عانقه بشدة، عناقًا صامتًا يفرغ فيه كل ما مر به، وهمس بصوت مرتجف لا يكاد يُسمع: "الحمد لله... الحمد لله! كنت بتمنى بس أني أخرج من هنا وهما معايا.دلوقتي أنا أسعد إنسان في الكون كله! أنتَ عايش... ومرام والأطفال بخير! أنا... أنا فرحانه أوى ا يا ساجد!"

"ساجد"، عانقه بالمقابل، ودموعه الصادقة تبلل كتف يوسف: "ربنا يجعل الفرح دايم في قلبك يا صاحبي."

  سار "يوسف" بخطوات خفيفة، كأنه يخشى إزعاج السكون المبارك.

دخل غرفة "مرام"، حيث كانت تنام بعمق الأمان بعد معركة شرسة. اقترب منها، وشعوره بالحب يغمر المكان. انحنى وقبّل جبينها بحنان، قبلة شكر ووفاء.

ثم اقترب من المهدين الصغيرين بجوارها. نظر إلى وجهي الرضيعين، صغيرين جدًا، ونقيين جدًا. غمرتهما عيناه بالحب والحماية: "حلوين أوي... حته من الجنة."

"ساجد"، يقترب ببطء بكرسيه، وينظر إليهما بدموع مختلطة بالفرحة: "معاك حق... ما شاء الله. هتسميهم اي؟"

"يوسف"، نظر إلى "ساجد" بابتسامة دافئة، تحمل كل الامتنان والمحبة: "ساجد وأنس."

"ساجد"، ذابت كلماته في دموعه: "حلوين أوى. ربنا يحفظهما لك ويجعلهم قرة عينك."

"يوسف"، تذكر ألم "ساجد" وحرمانه، وقال بصدق: "ويرزقك زيهم يا صاحبي."

"ساجد"، هز رأسه بالنفي، وفي صوته نبرة غامضة: "لا، كفاية اللي معايا."

"يوسف"، قطب حاجبيه بدهشة، ولم يفهم ما يقصد: "اللي معاك؟"

"ساجد"، أكد له بحزم، وعيناه تحملان سرًا ثقيلاً: "أيوة! بدر وأمان."

"يوسف"، اتسعت عيناه بصدمة عميقة. صدمة أعادت إليه كل أسئلة الماضي: "بـ... بدر وأمان؟! بس أنت..."

"ساجد"، رفع يده قاطعًا سؤاله، بوعد صادق: "هأفهمك كل حاجة...."

"يوسف"، هز رأسه ببطء، وعيناه لا تزالان مثبتتين على "ساجد"، ثم عاد إلى مراقبة طفليه، الأسرار الجديدة تنتظر، لكن فرحة اللحظة لم تسمح بأكثر من إشارة بسيطة: " ماشي."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

" في مكان آخر تمامًا، بعيدًا عن ضوء المستشفى المعقم، وبعد مرور يومين على المعجزة...

كانت الشمس تميل للغروب، تصبّ لونها النحاسي الباهت على شواهد القبور الباردة. سار "ساجد" بكرسيه المتحرك، صوت عجلات الكرسي يزعج صمت المقبرة الثقيل، حتى توقف أمام ضريح كبير.

نظر إلى الاسم المنقوش على الرخام الأبيض، بوضوح قاتل: (رقية خليل).

ابتسامة حزينة، مهشمة، شقت شفتيه، بينما تجمعت الدموع بسرعة في عينيه. مد يده، التي كانت بالكاد تستجيب، ليلمس القبر برفق شديد، كأنه يخاف إيقاظها.

همس، وصوته يخرج مبحوحًا، وكأنه يخاطبها عبر حاجز من الزجاج البارد: "ماما... ياااااه ياامي كلمة! طالما تمنيت أن أنطقها ليكي وأنتِ تسمعيني. كنت أتمنى  تكوني بخير رغم كل حاجة حصلت... بس مكنتش أعرف أن غيابي هيأخدكِ أنتِ كمان لبعيد أوي بشكل ده."

انحنى نحو القبر، يشعر ببرودة الرخام تتسرب إلى روحه: "وحشتيني. كان نفسي يوم رجوعي ليكى تخدينى بين ايديكي وتحضنيني ،. اتمنيت لو تحبيني ولو لمرة واحدة زي رسلان... لكن والله العظيم يا أمي، أنا بحبك أوي، أوي، أنتي أمي، ومفيش طفل فى الدنيا بيكره أمه."

ارتفعت نبرته بوجع: "ليه يا ماما؟ ليه وجعتيني مرة تانية بـ موتك؟ حملتيني ألم موتك! ياريتك لو كنتي موجودة مره وحدة وحضنتيني ... حاسس بالعجز أكثر ما أنا عاجز. موتي انا ارحم...من موت حد منكم انتو ! أنا السبب في موتك... صح؟ رحتى بسببي؟"

الدموع أصبحت شلالًا لا يتوقف:"

"سامحيني، كنت فاكر أنك زي ماكنتي سعيد الأول ببعدي مش هيكون فى فرق المره دي كمان... كنت أتمنى أني أدخل في حضنكِ وحس بطعم الراحة لمرة وحده بين ايديكي  بعد كل السنين دي أنا خايف... خايف لو عرف رسلان برجوعي أنه يتهمني بـ موتكِ أنتي كمان"

شد على قبضتيه بضعف، وأنهى همساته بالاعتذار الأخير: "أنا آسف يا أمي. سامحيني، انا والله مش مسامح نفسي أبدًا. ربنا يرحمك، وأنا والله مسامحكِ على كل حاجة ومن كل قلبي... المهم أنك تنامي مرتاحة... آسف يا ماما."

وضع "ساجد" رأسه الهزيل على الشاهد البارد للقبر، وظل يبكي بانقطاع، وكأن ثقل العالم كله قد سقط على كتفيه المنهكتين. غرق في ندم وحزن لا قاع لهما.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

" في مكان آخر، حيث تلامس أشعة الشمس الدافئة مياه البحر، وحدها الأمواج الهادئة كانت تستمع للهمس. كان "ساجد" جالسًا على كرسيه المتحرك، يحدق في الأفق الأزرق بشوق عميق، وكأنه يرى ماضيه ينعكس على سطح الماء.

بجواره، جلس "يوسف"، يراقب الأطفال الذين يلعبون كرة القدم في البعيد بابتسامة حانية. ثم استدار ليواجه "ساجد"، ولهفة السؤال تكسو ملامحه: "احكي لي... بالتفصيل. أي إلى حصل معاك وكنت فين؟"

"ساجد"، أخذ نفسًا عميقًا، كأنه يستعد لرحلة شاقة في الذاكرة، ثم بدأ: "أيهم... كان صاحب طفولتي. انقطعت أخبارنا يوم دخولي السجن. وفي يوم، كنت مسافر أمريكا لإنهاء شوية شغل... اتصدمت بشوفته هناك. هو كان مختفي، وعائلته متعرفش عنه اى حاجة لعايش ولا ميت. فرحت بي أوى ، وحكلي ازاى حياته اتغيرت وبقي محامي لامع."

توقف "ساجد" للحظة، يستجمع التفاصيل الحاسمة.

"في اليوم الي كنت بموت فى، اتصلت به. طلبت منه أنه يساعدني. هو طلب من الأطباء أنهم يعلنوا موتي. الدكتور عطاني منوم... مفقتش منه غير وأنا في لندن. عشت سنتين تقريبًا، من عملية جراحية للتانيه... وخلال السنتين...دول قابلت حور. هي أخت أمل، زوجة أيهم. كانت دكتورة حبيتها من أول مرة شوفتها فيها... لكن عرفت أنها متزوجة ومعها طفل. حاولت إبعاد الفكرة عن رأسي.ومفكرش فيها تانى" "

"يوسف"، مال للأمام بتعجب: "ازاى بقيت مراتك؟!"

"ساجد"، ابتسم بمرارة هادئة: "في المدة دي، هي إللي كانت قريبة مني بحكم شغلها كطبيبة ليا. بقينا قريبين جدًا،من بعض وعرفت أن زوجها... مكنش إنسان محترم. كان بيعذبها."

"يوسف"، صدمته حقيقية: "بيعذبها؟!"

"ساجد"، تضايق وهو يتذكر: "أيوة. وكانت بتعمل المستحيل علشان تطلق. بصراحة... ساعدتها. وطالبت من أيهم فى الفترة دي أنه يتولى قضيتها كمحامي."

"يوسف"، تساءل بفضول: "لكن أيهم هو زوج أختها ومحامي شاطر... ليه مطلبتش  منه المساعدة من البداية؟"

"ساجد"، نظر إلى البحر بتأكيد: "أيوة، لكن هي مكنتش بتحكي لحد. كانت متزوجة عن حب، وخافت أن يشوفها الباقي ضعيفة. أيهم اضايق علشان خفت عنه موضوع بالأهمية، دي لكن في النهاية ساعدها وكسبت القضية. اطلقت منه، وكانت منهكة من التجربة. كنت جانبها، وحبي لها كان بيكبر أكتر. طلبت أيدها... فرفضت. لكن أيهم وافق... وتزوجنا."

"يوسف"، نظر إليه بصدمة: "غصب عنها؟!"

"ساجد"، هز رأسه بنفي بطيء: "أيوة، انا مش بنكر أني كنت أناني في البداية... لكن حبي لها كان طاغي. مع الوقت... هي أحبتني، وأنا تعلقت بيها أكثر. بدر، ابنها، بقي بالنسبة ليا حته من روحي، يمكن علشان كده حبتني."

عادت المرارة لحديثه."في يوم عرفت أني مش هقدر أمشي على رجلي تانى ولا حتى اني أخلف . انتو أخفيتوا عني الموضوع ده... بس للاسف عرفت. حسيت أني بظلمها معايا، بذات بعد ما أنا اتزوجتها غصب عنها طلبت منها أننا نطلق... فرفضت! وقالت إنها بتحبني ومتقدرش على فراقي. وأنا... أنا كمان مكنتش هقدر بس كان لازم.ويوم الطلاق، حصل حاجة غريب..."

"يوسف"، عاد إليه التوتر والشوق: "حصل اي؟"

"ساجد" يضحك ضحكةً مريرةً، اهتزَّ لها صوته، كأنَّه يحاول أن يُخفي بحتها المُختنقة خلف قناع الفكاهة:

"كان بابُ البيتِ بيخبط... يا يوسف! رُحتُ أنا وحور نفتح، كانت ليلة شتاء باردة. تخيَّل... لقينا طفل، مكملش سنه وحدة، ملفوفاً بقطعة قماش ، نايم قدام الباب وكأنَّه هديةٌ قدمها ربنا لينا. مسكتُه... كان  صغير  وبرئ، زي الملايكه. يا يوسف. حور كانت هتتجنن عليه مقدرتش تتمالُك نفسها، بكت عليه بحُرقةٍ، وكأنَّه قطعةٌ انتُزعت من روحها. دورنا، على اهله كتير أوي جن جنونا واحنا بندور عن أيِّ أثرٍ لأمِّه أو أي حد..يومها حور رفضت الطلاق نهائي وكأنَّ ربنا أراد أن يُثبت لنا أنَّ رحمته أوسع من اى حاجة تانية. الطفل... بقي ابننا. سمَّيتُه أمان، وكنت بأرجو به الأمان لقلبي وقلبها. بقي أخو بدر... مفيش حاجة بتفرقهم عن بعض، هما نور عينيَّ هما السبب اللي بنعيش على شأنه وحور... عمرها مااشتكت مني ولا من عجزي، بالعكس... كلَّ يوم تحسسني بأنَّني أجمل رجلٍ في دُنيا، ولا كأني الفارس الي مش بيُقهر."

"يوسف"، يشدُّ على كتف صديقه بقوَّة، كأنَّه ينقل إليه كلَّ ما في قلبه من يقين:

"صدِّقني يا ساجد... أنتَ فعلاً أجمل رجلٍ في الدنيا. مش بجمال الوجه والقوام، بجمال قلبك...قلبك جنة ياصاحبي."

"ساجد" يغالب دموعه، التي انتصرت أخيراً وانسابت ساخنةً على خدِّه:

"شكراً يا يوسف... شكراً لأنك هنا."

"يوسف"، يميل برأسه قليلاً، وعيناه تحملان سؤالاً خفياً:

"طيب... ويعرف بدر وأمان الحقيقة؟ يعنى انهم مش أخوات ؟"

"ساجد" ينتفض، يمسح دموعه ببطء، وتعلُو وجهَه غيمةُ خوفٍ قديمة:

"لا! ومستحيل أنهم يعرفوا! هما أخوات يا يوسف، توأم في روح وحدة،. والآخر يومٍ في عمري، هما ولداي من لحمي ودمي. ده السر... الي هيكون بينى وبين حور لاخر يوم فى عمرنا."

"يوسف" يتنهَّد، ثمَّ يبتسم بهدوءٍ وثقة:

"حاضر،. سِرُّك هو سري وفي بيرٍ يا ساجد، وعهد ليك عمر مافي حد هيعرف حاجة. نام قرير العين.ياحبيبي"

"ساجد" يشعر براحةٍ غمرته كالماء البارد بعد ظمأ:

"ربنا يخلِّيك ليَّ يا يوسف."

"يوسف" يضرب كتفه بمرح، يكسر جدار الحزن الذي ارتفع بينهما للتو:

"انت هتأكل عقلي بالكلام ولا أي؟! أنا عايز اشوفهم اشوف بدر وأمان عيال أخويا!"

"ساجد" بصدمةٍ خفيفة، يرفع حاجبيه:

"بس... هما في لندن دلوقتي!"

يوسف بنظرة تحدٍّ وعزم:

"طيب! وإيه يعني؟! يلا بينا!"  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

" بعد مرور فترة،

كان مشهد الألفة الطفولية قد تبدد ليحل محله توترٌ صامت. تجمّع عددٌ كبير من الأطفال، يشبهون حلقةً دائرية حول نقطة صراع، حيث كان "بدر" يجثم بثقله على صدر طفلٍ ضخم الجثة يئن تحت وطأة الوزن والغضب.

تلاحقت أنفاسُ الطفل البدين المضطربة، وكلماته تخرج بالكاد متقطعة: "ه... هيا... ابتعد عني! ابتعد!"

بينما كان "بدر"، بملامحه الحادة رغم صغر سنه، يجلس كـحجرٍ ثقيل لا يتزحزح. صوته خرج هادئاً، لكنه يحمل صلابة الوعد: "هيا اعتذر منه على الفور."

رفض الطفل البدين كان عنيداً ويائساً: "هذا مستحيل! لن أعتذر من أحد! ابتعد!"

انتفض "بدر" واقفاً فجأة، وحين قام، تداعت كتلة الطفل البدين خلفه، ليسقط على مؤخرته. نهض البدين متأرجحاً، يشدّ على قبضته المرتعشة وقال بنبرةٍ خبيثة تحمل إهانة مُبطنة: "هل خِفْتَ مني أيها الحقير؟"

في تلك اللحظة، اقترب "أمان"، الأخ الأصغر، من بدر. كان يفرك عينه المُلتهبة بظاهر يده الصغيرة، محاولاً إخفاء لسعة الدموع التي حرقتها. تشنجت شفتاه وهو يهمس متوسلاً، صوته المتردد يخون شجاعته: "بـ... بدر... كفاية. يلا بينا من هنا..."

نظر "بدر" إلى عيني "أمان" المتورمتين بالحزن المُخضَّب بالدموع المكبوتة، ثم استدار إلى هذا "العملاق البدين" الذي تجمدت ابتسامته الخبيثة على وجهه. كل الحزن على أخيه تحوّل إلى شرارة غضب مُركّزة. رفع "بدر" يده ببطء وثبات، ولمح البدين لمعة الغضب في عينيه قبل أن تهوي الضربة كصاعقة مفاجئة على وجنته. كان صوت ارتطام الكف بالوجه مدوياً كافياً ليجعل كل الأطفال يتراجعون للخلف.

زمجر "بدر" بتهديد قاطع، وعيناه تشتعلان: "إياك أيها البدين أن تقترب من أخي مرة أخرى. وإلا أقسم لك إني أقتلك. هل تسمع؟!"

سقط البدين أرضاً، ليس من قوة الضربة فحسب، بل من صدمة النظرة التي رآها في عين "بدر". كان الخوف يملأ عينيه المتسعتين وهو يتراجع للخلف صارخاً بلهجة الانهزام: "حسناً... حسناً! ابتعد من هنا!"

قبض "بدر" على يد "أمان"، التي كانت باردة ومرتعشة، واقتاده بهدوء إلى المنزل. جلسا في حديقة المنزل، حيث أسند "بدر" ظهر أخيه على أحد المقاعد. ثم وضع يده بخوف شديد على وجنة "أمان" التي كانت قد بدأت تحمل لون الكدمة الأرجواني الخفيف.

همس "بدر" بصوتٍ يكاد يكون غير مسموع: "وجعتك... يا أمان؟"

رفع "أمان" نظره إليه، ولم يكن في عينيه أي أثر للألم، بل لمعة فرحة ونشوة انتصار طفولي. ابتسم ابتسامة واسعة، وقد ظهر ثغره المفتقد لسنّ، وقال بحماس متدفق: "لا أبداً! أنا فرحان أوي! أنت قوي قوي يا بدر! برافو عليك! قدرت تضربه! أنت عارف..."

لمس "بدر" جرح "أمان" بأطراف أصابعه برقة وخوف، مكتفياً بـ: "أممم..."

هزّ "أمان" قدمه الصغيرة بمرح لا يخطئه أحد: "أنا كنت هضربه... بس قولت بلاش حرام! هو لسه صغير. خليه ليك أنت!"

رفع "بدر" حاجبه، محاولاً كبت ابتسامة: "لا والله؟"

هزّ "أمان" رأسه بحماس وتأكيد: "اه والله!"

هز "بدر" رأسه وقلبه يتسع للحظة سعادة أخيه، لكنه حاول أن يبدو عابساً من ثرثرة "أمان" المعتادة التي تملأ فراغات العالم، وقال: "وبعدين؟"

ضحك "أمان" بملء فمه ضحكة صافية ومُبهجة: "بس شكله كان حلو! أنت ونايم عليه أحسن! كان عامل زي البطيخة!... آااه!"

نظر له "بدر" بخوف إلى وجهه المجروح الذي تشنج من الضحك، وقال بحذر: "آسف! أنت كويس؟"

فتح "أمان" عينه، وقد تجمعت فيها دموع الألم، وهز رأسه بتأكيد ضعيف: "أيوه... بس مش أوي!"

تنهد "بدر" بضيق: "علشان تبطّل مشاكل! دول أكبر منك. ليه بتلعب معاهم؟"

نظر "أمان" إلى السماء الزرقاء، وبعينين تملؤهما براءة وحلم، قال بطفولة تُفسر كل شيء: "علشان عايز أكبر وأكون زيك. كبير... ومفيش حد يقدر عليا!"

نظر إليه "بدر" بتعجب: "واللي أنت بتعمله ده... فاكر إنك كدا هتكبر؟"

هز "أمان" رأسه بضحكة مغرورة: "آااه... ههههههه!"

هز "بدر" رأسه بيأس مصطنع: "أنت عبيط يا أمان!"

وقف "أمان" بثقة وابتسامة واسعة: "ماانا عارف! أقولك ليه؟"

سأله "بدر" باهتمام مزيف: "ليه؟"

أطلق "أمان" ضحكة مدوية، ركض مبتعداً بخفة وهو يلوح بيده: "علشان انا أخوك!"

نهض "بدر" من مكانه، وشعور الحب والغيظ يمتزجان فيه، وركض خلفه بصوت غاضب مصطنع: "بقى كده! ماشي! تعال هنا يا أمان!"

استمر مطاردة الأخوين في الحديقة؛ صوت ضحكاتهما المتداخلة يمزج مرح الركض بغيظ مُحبب.

فجأة، تعثر "أمان"، وسقط جسده الصغير على العشب الأخضر. توقف "بدر" على الفور، واندفع نحوه بذعر مغلف بالحب.

لكن "أمان" لم ينتبه لسقوطه، فقد كانت عيناه مثبتة على نقطة خلف "بدر"، فجأة اتسعت عيناه كالنجوم المتلألئة، وصرخ بكلمة واحدة ملؤها الأمان والشوق: "بابا!"

التفت "بدر" نحو حيث يشير أخوه، ليجد "ساجد" يقف على مقربة، ابتسامته الهادئة تشع دفئاً يمسح تعب الأيام.

رد "ساجد" بنبرة هادئة تذوب حناناً: "قلب بابا."

لم يضيّع "بدر" لحظة، اندفع نحو والده، معبراً عن شوقه بصوت مختنق، متشبثاً بقميص أبيه بكل قوة: "بابا... وحشتني أوي أوي !"

احتضنه "ساجد" بقوة، يدفن رأسه في شعره الناعم: "وأنت كمان يا روح بابا..."

من خلف "ساجد"، صدر صوت "يوسف" بنبرة درامية مبالغ فيها: "يا نهار أسود!"

انتفض "ساجد"، وقد تبدلت ابتسامته إلى قلق: "في إيه؟!"

نظر "يوسف" إلى الطفلين بعينين زائغتين، ثم قال بذهول لم يخفه: "هما دول عيالك؟ إيه العيال العسل دي؟"

انفجر "ساجد" ضاحكاً، وقد تراجع القلق من عينيه: "يا أخي موتني من الخوف!"

اقترب "أمان" من "يوسف"، متجاهلاً وجوده تماماً حتى الآن. تدار حوله بتفحص غريب، يزن ملامحه الطريفة بعينيه الصغيرتين. ثم مال نحو والده وهمس بصوت مسموع وواثق: "بابا، مين العبيط ده؟"

تجمدت ضحكة "ساجد" على شفتيه: "أمان! عيب يا حبيبي! ده عمك يوسف!"

هز "أمان" رأسه بجدية لا تليق بسنه، ثم أشار إلى يوسف: "بس يا بابا ده مش شبهك خالص. أنت أحلى."

فتح "يوسف" عينيه للنهاية، وقد تضخم وجهه بالإهانة الطفولية اللذيذة. أمسك "أمان" فجأة ورفعه للأعلى، متفحصاً إياه كعينة اختبار: "هو ده الصغير؟ أومال الكبير عامل إزاي؟!"

في تلك اللحظة، تحوّل "بدر" من طفل محب إلى حارس مُدرَّب. برزت عروقه الصغيرة، وظهرت الحدة التي عرفها الطفل البدين سابقاً في عينيه. قال بصوت مُهدِّد خفيض: "نزّل أخويا تحت بسرعة!"

هبط "أمان" فجأة إلى الأرض، فقد كان "يوسف" قد أطاع الأمر بسرعة فائقة، قائلاً بخوف غريب: "حـ... حاضر!"

أمسك "بدر" بيد "أمان" بقبضة حامية، وتوجه به نحو الداخل على الفور، لم يضيع ثانية واحدة في الجدال.

نظر "ساجد" إلى "يوسف" الذي يفرك عنقه، وضحكته هذه المرة كانت أعمق وأكثر سعادة: " معلش! هنا مفيش حد يقدر يزعل أمان طول ما بدر موجود."

هز "يوسف" رأسه بصدق: "واضح! واضح! أنا غلطان إني طلبت أشوفهم!"

ربت "ساجد" على كتفه، وما زال الضحك يغلب على صوته: " تعال ندخل يلا، زمان مراتك بتسأل عليك."

هتف "يوسف" بغيظ: "عايزاني أشيل العيال طبعاً!"

في الداخل، كانت "حور" تنتظر. بمجرد أن رأت "ساجد"، اندفعت نحوه، لا تعانقه فقط، بل تعانق كل لحظات الغياب الطويل. همست في صدره: "وحشتني أوي..."

رد "ساجد" بشوق واضح في عينيه، يرسم الحب في ملامحها: "وأنتِ كمان يا قلبي. وحشتيني أوي."

في زاوية أخرى، كانت "مرام" ترمق "يوسف" الذي كان منهمكاً في تناول الطعام بنظرة غيظ مُكتوم: "يوسف!"

رفع "يوسف" رأسه بلامبالاة: "نعم يا حبيبتي."

قالت "مرام" بغيظها المعتاد: "اتعلّم منهم!" وهي تشير بعينها نحو "ساجد وحور".

نظر "يوسف" إليهما، ثم هز كتفه ببساطة: "طيب! هما عيالهم كبروا. لما عيالنا تكبر عليكى بخير!"

ضيقّت "مرام" عينيها، ولفظت اسمه ببطء، وكأنها تطلق تحذيراً أخيراً: "يــــوســـف!"

انتبه "يوسف" أخيراً لخطورة الموقف. نهض بسرعة، أمسك يدها وقبلها بحب صادق، محاولاً تدارك الأمر: "قلب يوسف وعقله وروحه. وحشتيني يا مرامي."

ابتسمت "مرام" بنصر واضح، وكأنها حكمت معركة صغيرة للتو: "أيوه! اتعدل!"

رد "يوسف" بتهديد مصطنع: "والله معدول!"

كل هذا التبادل السريع والساخر كان تحت أنظار "ساجد" وحور"، اللذين انفجرا في الضحك بصوت دافئ ومُطمئن، يملأ البيت بالألفة والحب  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قراءه ممتعه للجميع 🦋

( تم بحمد الله )

رواية ساجد الجزء التانى هتنزل بعد فترة بس مش اوعدكم أنها فترة قريبا ابدا عشان انا عندى حاجات تانية لازم اعملها🙂

    (   بدر👇 )

( أمان 👇)

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الجزء الثاني من سلسله قليل من الرحمه (موت على قيد الحياة)

المؤلف التؤام.. أمانى& أمل
2025/10/28 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة