بعد يومين من مغادرة "داغر" و "يوسف" أسوار السجن، ترسخ "ساجد" في عزلته القاتمة. لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه، ولم يبدُ منه أي ميل للاختلاط. كان ملازمًا لمجموعة من الكتب، يحدق فيها بشرود عميق، وكأنها نافذته الوحيدة على عالم آخر. فجأة، قطع شروده حضور "بيومي"، الذي وقف أمامه كظل أسود، نظراته تنضح بالحقد الدفين.
"بذمتكم يا عيال، ده شكل قاتل؟" زمجر "بيومي" بسخرية لاذعة.
تجاهله "ساجد" تمامًا، عيناه مثبتتان على صفحات الكتب.
ازداد غضب "بيومي"، وهدر: "أنتَ مش سامع ولا إيه يا روح أمك؟"
رفع "ساجد" عينيه ببطء وثبات مصطنع، وتساءل بهدوء: انت بتكلمنى انا
عقد "بيومي" حاجبيه بتهديد: "هو فيه هنا حد قاتل أبوه غيرك؟"
صدمة ورعب شلّا "ساجد"، اتسعت عيناه ذهولًا من معرفة هذا الحقود بسره الدفين.
ابتسم "بيومي" بخبث منتصرًا وقال: "وقتلته ليه بقى؟ خلينا نستفيد ونتعلم.".
انتفض "ساجد"، يمسك كتابه بقوة وكأنه درعًا واقيًا، وهمس بصوت خافت:" ابعد عني."
قبض "بيومي" على ذراعه بقوة، وقال بتهكم: "على فين يا حلو أنت مقولتش عملت كده ليه.. اوعى يكون كان بيضربك يا بيضة؟"
انتزع "ساجد" ذراعه بعنف، وصاح بصوت مرتعش: "ابعد عني ملكش دعوة بيا."
رفع "بيومي" حاجبه متعجبًا: "والله؟ القطة طلع لها لسان وبقت تتكلم... وهتعمل إيه بقى لو ما سكتش؟"
دفع "ساجد" جسد "بيومي" بعيدًا عنه مرة أخرى: قولتلك ابعد.
اشتعلت عينا "بيومي" بالغضب، واقترب منه ببطء مخيف، ثم هوى بلكمة قوية على وجه "ساجد"، أسقطته أرضًا.
تعالت ضحكات السجناء الشامتة، وجلس "بيومي" القرفصاء أمام "ساجد" الملقى على الأرض، وهو يحاول التقاط أنفاسه، وقال بنبرة خبيثة: "فاكر إن حد هينقذك مني؟ لا يا قمور، اللي كان خلاص سابك وراح. جه الوقت اللي أعلمك فيه الأدب من أول وجديد."
نظر "ساجد" إليه بقوة زائفة، وعيناه تصرخان تحديًا:" أنا مش خايف منك أو من كل اللي موجود حواليك واللي عندك اعمله."
قهقه "بيومي" بضحكة مقززة وهو يفرك أذنه باستهزاء: "دي القطة مش بس كبرت، ده طلع لها مخالب كمان هههههه. وأنا هوريك يا ابن أمك."
أشار "بيومي" إلى رجاله، الذين سارعوا بالإمساك بـ "ساجد" وتثبيته بقوة. اقترب "بيومي" منه ببطء، وانهال عليه بالضرب بوحشية.
أغمض "ساجد" عينيه، يستشعر قوة اللكمات تحطم عظامه. كان الألم يصرخ في داخله صرخة مكتومة، جسده النحيل والمهمل ينتفض تحت وطأة الضربات. استسلم للضرب، وكأنه كان ينتظر هذا العقاب، أو ربما كان يتمنى أن يخلصه الألم من وحدته القاتلة التي كانت تستنزف روحه يومًا بعد يوم. كان يعلم أن موته لن يعني شيئًا لأحد، لذا كان يتوق للراحة، للنجاة من هذا العذاب. استمروا في ضربه حتى خارت قواه، ولم يعد يشعر بشيء.
أما "بيومي"، فكان يفرغ فيه غله وانتقامه عن سنوات لم يستطع فيها الاقتراب منه. عندما شعر "بيومي" بسكون جسد "ساجد"، أشار إلى رجاله بتركه على الأرض، وانصرفوا جميعًا.
سقط "ساجد" على الأرض، يتنفس بصعوبة بالغة، أنفاسه متقطعة ومؤلمة. مرت ساعتان وهو على تلك الحال، ثم حاول النهوض مرارًا وتكرارًا، لكن ساقيه كانتا خائرتين لا تقويان على حمله. بعد محاولات مضنية، نهض بصعوبة بالغة، جسده محطم، وأنفاسه تكاد تنقطع.
زحف نحو أحد الحمامات القريبة، وفتح المياه الباردة على جسده الملتهب. نزلت قطرات الماء كأنها حمم بركانية، تحرق جلده بدلًا من أن ترويه. بعد دقائق، نهض "ساجد" وجسده يرتجف، وتمدد على الفراش المبتل، وانخرط في بكاء مرير، شهقاته تخنقه. رفع رأسه المثقل بالألم نحو السماء، وصَرَخ صرخة مكتومة هزت أعماقه: "يااااارب."
………………………………………
بعد أسبوع من تحسن طفيف في حال "ساجد"، لم تنقطع مضايقات "بيومي" اليومية.
كان "ساجد" يقضي وقته شاردًا، يتأمل زرقة السماء الشاحبة التي تلوح من فتحة ضيقة في زنزانته، وكأنها نافذة صغيرة على عالم فقده. فجأة، قطع شروده صوت خشن، اقترب منه أحد العساكر وبنبرة آمرة سأله: "أنت ساجد رأفت؟"
رفع "ساجد" عينيه ببطء ونظر إليه، ثم هز رأسه بصمت يؤكد هويته.
أشار العسكري برأسه نحو الباب وقال بحدة: "تعال معايا، الباشا عايزك."
تسلل الخوف إلى قلب "ساجد" وتساءل بصوت خافت: "ليه؟"
زمجر العسكري بضيق: "وأنا مالي؟ انجز!"
نهض "ساجد" على الفور، وقد تملكه الذهول والقلق، وسار خلف العسكري بخطوات متثاقلة، يجر قدميه جرًا. توقف العسكري أمام باب غرفة مغلقة وطرق بهدوء.
اشتد قلب "ساجد"، يترقب المجهول بخوف متزايد. بعد لحظات قليلة، فتح العسكري الباب ودخل، وتبعه "ساجد" بنظرات مرتعبة. وقعت عيناه على الضابط الذي ألف ملامحه. ارتسمت ابتسامة ودودة على وجه الضابط وهو ينظر إلى "ساجد"، ثم وجه كلامه إلى العسكري:." تقدر تمشي أنت دلوقتي."
أدى العسكري التحية العسكرية وغادر.
نهض الضابط من مكانه واقترب من "ساجد"، وبصوت هادئ سأله: "إيه اخبارك يا ساجد؟ فاكرني ولا نسيتني؟"
عقد الضابط حاجبيه باستغراب من صمته، ثم أشار إلى كرسي بجانبه قائلاً: "تعال اقعد هنا."
نظر "ساجد" إلى الكرسي بتردد، ثم اقترب وجلس بهدوء. ابتسم الضابط وقال بنبرة ودية: "أنا الظابط أحمد، وأكيد فاكرني كويس، اللي بيطلع الأول كل سنة اكيد مش بينسى حد بسهولة كده، صح؟"
هز "ساجد" رأسه إيجابًا وقال بصوت خافت: "حضرتك طلبت تشوفني ليه؟"
تأمل "أحمد" هدوء نبرة صوته وبساطة كلماته وقال: "أبدًا، عندي ليك خبر حلو."
تجلى التعجب على وجه "ساجد" وهو يسأل: "ليا أنا؟"
أكد "أحمد" كلامه بهزة من رأسه وقال: "أيوه ليك، تحب تعرف إيه هو؟"
نظر إليه "ساجد" بفضول. ابتسم "أحمد" بثبات وأعلن: "صدر قرار بالإفراج عنك، وانتهاء فترة عقوبتك."
ارتسمت الصدمة على ملامح "ساجد" وهو يتمتم: "إيه؟ إزاي؟"
أجاب "أحمد" بنفي: "الحقيقة معرفش التفاصيل، بس أنا فرحتلك من قلبي."
صمت "ساجد" للحظات، غارقًا في دهشته...
استغرب "أحمد" ردة فعله الباردة وسأله: "أنت مش مبسوط؟"
تجاهل "ساجد" سؤاله وصمت بخوف.
نظر إليه "أحمد" بعينين حزينتين وقال: "يا ساجد، أنا عارف اللي بيدور في بالك."
رفع "ساجد" رأسه ونظر إليه مباشرة وهو يقول: "أكيد بتفكر في أهلك، ولو خرجت من هنا هتروح فين، مش كده؟"
انهمرت دموع "ساجد" وهو يقول: "هنا بقى بيتي، برا مليش حد."
وضع "أحمد" يده بحنان على كتف "ساجد" وقال بثقة: "أنا عارف، لا انا متأكد إنك مالكش ذنب في اللي حصل، عشان كده بقولك دلوقتي، تحب تيجي تعيش معايا؟"
نظر إليه "ساجد" بصدمة ودهشة: "إيه؟"
ابتسم "أحمد" بصدق وقال: "متخافش، أنا عندي ولاد في سنك تقريبًا، واحد اسمه سيف والتاني أسر، وهما هيحبوك يا ساجد زي ما أنا حبيتك."
تجمعت الدموع في عيني "ساجد" وهو يتمتم بذهول: "أول مرة حد... يحبني."
نظر إليه "أحمد" بحزن عميق وقال: "مين قال كده؟ أكيد فيه ناس بتحبك زيي أنا كده... يا ساجد، السجن مش بيت، وهنا مش جنة، أنت بريء ومش فاهم الدنيا حواليك، اسمع كلامي."
ابتسم "ساجد" ببراءة وقال: "بجد شكرًا، مش عارف أقول لحضرتك إيه، بس سامحني مش هقدر أوافق على طلبك."
سأله "أحمد" بترقب: "ليه؟"
أجاب "ساجد" بحزن: "يمكن حضرتك حبيتني زي ما بتقول، بس أنا واحد مجرم قتل أبوه، حضرتك وافقت تدخلني بيتك، غيرك لأ، مش هقدر أسبب لحضرتك مشاكل."
قال "أحمد" بحزن: "بس أنت مش هتعمل كده."
نفى "ساجد" برأسه وقال: "لأ، سامحني وسيبني على راحتي"
سأله "أحمد" بقلق: "طيب هتروح فين؟"
أجاب "ساجد" بثقة: "ربنا دايماً كان معايا، ومتأكد إنه دايماً هيكون معايا، متقلقش."
نظر "أحمد" إليه بابتسامة حزينة تعكس طيبة قلب "ساجد" وقال: "أنا مش فاهم ليه بيعملوا معاك كده."
تغيرت ملامح "ساجد" إلى الحزن وقال بصوت خفيض: "شكرًا على كل حاجة."
نهض "أحمد" وعانق "ساجد" بحنان وقال: "متشكرنيش، كل اللي عايزه منك إنك لو احتجت أي حاجة أنا موجود، وهكتبلك رقم تليفوني وعنواني."
هز "ساجد" رأسه بالموافقة وقال: "حاضر."
غادر "ساجد"، وتتبع "أحمد" خطواته بنظرة حزينة على هذا القدر القاسي، ولم يستطع فهم كيف يكون أخًا لهذا الشخص المغرور.
……………………………………………………
في اليوم التالي، وبعد انتهاء إجراءات إخلاء سبيله، خطا "ساجد" أولى خطواته خارج أسوار السجن. كان شبح الخوف يرتسم على وجهه، يتساءل عما يخبئه له العالم الخارجي. التفت بنظرة أخيرة إلى البوابة الحديدية التي أغلقت خلفه بصوت مكتوم، ليجد نفسه وحيدًا، تائهًا، بلا وجهة محددة. لم يكن يعرف في الخارج سوى عائلته، لكن يقينًا مريرًا استقر في قلبه بأنهم سيكونون أول من يتخلى عنه، كما فعلوا طوال سنين عمره الثماني عشرة.
نظر إلى الشوارع الممتدة أمامه بعينين قلقتين، وعلامات الحيرة بادية على محياه. شاب في مقتبل العمر، يلفه الخوف والوحدة، بينما تدور في رأسه أفكار مطيعة لقدره المجهول.
تحرك بخطوات ثقيلة ومترددة، يسير بلا هدى. رفع بصره نحو السماء للحظة، وقبل أن يخطو خطوته التالية، توقفت فجأة ثلاث سيارات فارهة أمامه، محدثة ضجة مفاجئة.
ارتعد "ساجد" وتراجع للخلف في دهشة واستغراب. وبينما همّ بالانصراف، ترجل من السيارات أصدقاؤه، يرتدون ملابس أنيقة ويبدون في أبهى حلة.
اتسعت عينا "ساجد" في صدمة وذهول، وتساءل بصوت مرتعش: " إنتوا بتعملوا إيه هنا وإيه الشكل ده والعربيات دي؟ هو فيه إيه؟"
اندفع "يوسف" نحو "ساجد" وعانقه بقوة وهو يقول بصدق:" فيه إنك وحشتني اوي يا ساجد."
عانقه "ساجد" بفرحة غامرة لرؤية صديقيه مجددًا:" وإنتوا كمان وحشتوني أوي يا يوسف"
أعلن "يوسف" بسعادة: "وأخيرًا هنتجمع تاني إحنا الثلاثة".
ربت "داغر" على كتف "ساجد" وعانقه قائلًا: " الحمد لله على السلامة ولا أقول كفارة."
رد "ساجد" بابتسامة عريضة لرؤية داغر: " داغر وحشتني، الله يسلمك."
"يوسف" وهو يمد يده نحو ساجد: "- يلا بينا."
سحب "ساجد" يده بحدة متسائلًا: "- على فين؟"
تدخل "داغر" بجدية، جاذبًا "ساجد" من ذراعه: "- اركب معايا وهفهمك كل حاجة، يلا."
تمسك "ساجد" بموقفه رافضًا: "- لأ، عايز أفهم الأول.".
أشار "داغر" إلى بعض الشباب الذين اقتربوا من "ساجد" وحملوه قسرًا نحو السيارة: "- يلا."
صرخ "ساجد" وهو يقاوم: "- لأ يا حيوان نزلني! يا داغر! يا يوسف انت يازفت نزلوني!"
تذمر "يوسف" بضيق: "- هو أنا ليه دايماً بتشتم؟"
أجابه "داغر" ببرود: "- تستاهل."
رمقه "يوسف" بغيظ: "- أنت معندكش دم."
نظر "ساجد" إليه بتحدي: "- اخرس أنت."
صمت "يوسف" مكبوتًا: "- سكت.".
بعد دقائق من الصمت المطبق داخل السيارة، والتي قطعها حديث "يوسف" المتواصل عن اشتياق الجميع لـ "ساجد"، كان "داغر" يكتم ضجره من ثرثرة "يوسف" بوضع يده على أذنه.
توقفت السيارة أمام قصر فخم تحيط به أسوار عالية ويحرسه رجال أشداء. برز في المنتصف حديقة واسعة تتلألأ ببركة سباحة ضخمة.
نظر "ساجد" بصدمة وذهول إلى روعة المكان، ثم تساءل دون وعي: " إيه المكان ده؟ إنتوا عملتوا إيه يخرب بيتكم؟"
ضحك "يوسف" ببلاهة: "ولا حاجة."
التفت "ساجد" إلى "داغر" بنظرة استجواب: " أنت جايبنا هنا ليه؟ خلينا نمشي قبل ما الكلاب دي تاكلنا.".
كانت عيناه مثبتتين على الكلاب الضخمة التي يقودها الحراس. نظر إليه "داغر" بثبات وجمود وهو يشق طريقه بين الحراس قائلاً بلهجة آمرة: " تعال، متخافش."
رفع "ساجد" حاجبه باستغراب ودهشة، ثم نظر إلى "يوسف" الذي كان يبتسم بحماقة ويشير إليه: "- تعال تعال."
ركض "يوسف" خلف "داغر"، بينما تبعهم "ساجد" بنظرات متفحصة وصمت عميق.
دخل "ساجد" إلى داخل القصر ووقف مذهولًا، كان المكان يفوق الخيال، شاسعًا وأكثر فخامة من منزل جده الذي لم يعد يعرف حاله. رأى "داغر" يجلس على أحد المقاعد وكأنه في منزله، فاقترب منه بصدمة وهمس: " بيت مين ده يا داغر؟ وقاعد كده ليه؟ يلا نمشي قبل ما حد يجي."
رد "يوسف" وهو يجلس بجوار "داغر" بلامبالاة: "- متخافش، تعالى اقعد بس."
نظر إليه "ساجد" بذهول ممزوج بالريبة: "- هو إنتوا ليه محسسيني إنه بيت أبوكوا؟ قوموا."
(والحقيقة أنه فعلًا بيت أبوه)
تتبع "ساجد" مصدر الصوت بعينين متسائلتين، ليقع بصره على رجل وقور ذي هيئة أنيقة وملامح تنم عن قوة وحكمة. ما إن اقترب "ساجد" من "داغر" حتى انتفض الأخير واقفًا.
كان "ساجد" يرمق الحاضرين بنظرات مبهمة. مد الرجل يده مصافحًا ساجدًا وقال بنبرة ودودة: " أنا عصام الصاوي والد داغر وصاحب البيت ده."
اتسعت عينا "ساجد" دهشةً وهو ينظر إلى "داغر" الصامت، وسأله بذهول: "أفندم؟"
ضحك والد "داغر" بخفة وقال: - داغر هيفهمك كل حاجة، يوسف كان زيك كده الأول.
نظر "ساجد" إلى "يوسف" الذي أومأ برأسه مؤكدًا.
ابتسم "عصام" بود وقال: - أنا همشي دلوقتي ياساجد عندي شغل مهم وداغر هيفهمك اللي عايز تفهمه، وبتمنى أرجع أشوفك.
ظل "ساجد" يحدق به صامتًا وعلامات الحيرة بادية على وجهه. بعد مغادرة والد "داغر"، التفت "ساجد" إليهما قائلًا: - مين ده؟ أنا مش فاهم حاجة.
أجابه "داغر" وهو يحدق به: - أنا هفهمك، أنا داغر الصاوي ابن عصام الصاوي أكبر مستورد في مصر.
ارتسمت على وجه "ساجد" علامات الصدمة وهو يسأل: "والله؟"
أكد "داغر" قائلًا:" - أيوه."
تدخل "يوسف" نافيًا: "- مش بس كده، ده هو اللي ساعدك تطلع من السجن"
توسع بؤبؤ عيني "ساجد" وهو يسأل بذهول: - إيه؟ إزاي؟"
أوضح "داغر" بجدية: - بابا قدر يطلعك بسهولة... الأول بسبب معارفه، لكن السبب الثاني إنك مكنش عندك محامي كويس علشان كده أخذت عشر سنين.
تساءل "ساجد" بصدمة: - طيب مدام هو بالقوة دي ليه مطلعتش أنت؟
أيده "يوسف" قائلًا: - صح يا داغر، ليه مطلعتش بسهولة زي ساجد؟
تلعثم "داغر" قليلًا وقال بتوتر: - أنا كذبت عليكم في حاجة.
سأله "ساجد" بقلق: - حاجة إيه؟
أكد "داغر" قائلًا: - أنا مدخلتش السجن بسبب المخدرات.
صاح "ساجد" و "يوسف" بصوت واحد مذهولين: - إيه؟ أمال إيه؟
تنهد "داغر" بضيق وقال: - أنا عندي أخت اسمها لمار، وقت ما كنت صغير حاول حد من العيلة إنه... إنه يتعرضلها ويغتصبها، وقتها أنا أنقذت حياتها وقتلت اللي حاول يعمل كده علشان كده دخلت السجن مش عشان المخدرات.
سأل "ساجد" بصدمة: - طيب كذبت علينا ليه؟
أجاب "داغر" بحزن: " الكل يعرف إني دخلت بمخدرات، مفيش حد يعرف السبب الحقيقي علشان كده مقولتش لأي حد غيركم دلوقتي. وقتها كان ممكن بابا يخرجني من السجن بسهولة بس بصراحة...
قاطعه "يوسف" بذهول: - إيه؟
ابتسم "داغر" ابتسامة باهتة وقال: - حبيت المكان وحبيتكم، مكنتش عايز أطلع.
سأله "يوسف" بصدمة:: - نعم؟ يعني مكنتش عايز تطلع علشان حبيت المكان؟ هو فى حد بيحب السجن ياجماعة
عبث "داغر" بشعره وقال: - أيوه، بابا حاول يخليني أطلع بس أنا رفضت.
تساءل ساجد: - طيب ليه طلعتني من هناك؟
وقف "داغر" أمام "ساجد" وقال بجدية: - ساجد أنا معنديش أخوات غير لمار وأنت ويوسف انتو مش بس أصحابي، أنا مستحيل أسيبكم في السجن لوحدكم. أنا عرفت اللي عمله فيك بيومي تاني وهو أكيد وصله حسابه دلوقتي.
"ساجد" بصدمة: - ليه عملت كده؟
أجاب "داغر" بغضب:" علشان هو قرب منك وأنت غير الكل وانا حذرته وهو مسمعش كلامي أخد الجزاءه اللي يستحقه بس."
قال "يوسف" بفرح: "أحسن، يستاهل."
نظر "ساجد" حول المكان وسأل: - أنت جبتني هنا ليه؟
أكد "داغر" قائلًا: " جبتك هنا ليه... علشان هتعيش هنا يا ساجد معايا ومع يوسف."
نفى "ساجد" قائلاً :" بس أنا مش موافق إني أفضل هنا."
"يوسف" بنفي: - ليه يا ساجد؟ لأ.
قال "ساجد" : - ده مش بيتي.
قال "داغر" بضيق: - بس بيتي وأنت أخويا يعني بيتك.
ارتد "ساجد" بنفي قاطع:: "لا يا داغر ده بيتك بس مش بيتي، أنا معرفش حد هنا ووالدك مستحيل يوافق، أنا مش عايز أكون عاله على حد."
رد "داغر" بحدة نافيًا: - عالة اى وزفت اى أنت مش عالة على حد، أنت متعرفش بابا علشان تتكلم نيابة عنه صدقني هو حبك من كلامي عنك بس، ومش أنا اللي طلبت هو إلى أمر قبل ما أطلب حتى منه.
تعلقت نظرات "ساجد" بشرود، ثم همس بصوت خفيض: "يا داغر... أنا قاتل."
انفعل "داغر" بغضب مكتوم :" وأنا قاتل ويوسف قاتل، إيه الجديد؟ هما اللي اجبرونا... غصب عننا وعنهم حياتهم انتهت ولازم يموتوا وإحنا السبب في ده بس هما اللي أجبرونا نعمل كده"
هز "ساجد" رأسه ببطء، وعيناه تفيضان بالدمع وهو ينظر إلى داغر:" أنا غيركم."
مد "داغر" ذراعيه واحتضن "ساجد" بحنان قائلًا:" مفيش هنا حد أحسن من حد، ولو على كلامك أنت أحسن حد انا شفته في حياتي يا ساجد صدقني، أنا مستحيل أخليك تمشي وهتفضل هنا"
تردد ساجد: " بس يا داغر..."
قاطعه "داغر" بصرامة: - "مفيش بس، تعالى معايا."
أمسك "داغر" بيد ساجد وصعدا الدرج. فتح "داغر" باب غرفة وقال: - دي أجمل أوضة في البيت كله، يوسف كان عايز ياخدها بس أنا رفضت وخليتها ليك وشوف.
اتجه "داغر" نحو خزانة ملابس وفتحها، كاشفًا عن ثياب جديدة مطوية بعناية:" - ودي هدوم جديدة ليك اشتريتها أنا ويوسف.
اقترب "يوسف" من مكتب في الغرفة وقال - ودي كتب للكلية، داغر قدملنا مع بعض فيها وهنروح سوا
قال "داغر" بثقة راسخة: - هنشتغل مع بعض ونفتح أكبر شركة باسمنا هنكبرها.سوا
غرقت عينا "ساجد" بالدموع، وهبطت قطرات حارة على وجنتيه. اقترب من الاثنين وعانقهما بشدة وهو يتمتم: "شكرًا شكرًا إنكم معايا، كنت عارف إن ربنا مش هيسيبني لوحدي، إنتوا أحسن حاجة في دنيتي، إنتوا إخواتي، إياكم تسبوني علشان أنا تعبت.
شدد "داغر" من احتضانه وقال بحنان: - إحنا معاك سندك يا ساجد، إخواتك وأصحابك وعائلتك، عمرنا ما هنبعد عن بعض ومع بعض.
أضاف "يوسف" بفرح غامر: - ربنا عوضنا ببعض وهنفضل مع بعض على طول.
أجاب "ساجد" بابتسامة سعيدة ممزوجة بالأمل: "بإذن الله."
…………………………………………………
توالت السنوات كأمواج متلاحقة، لكن علاقتهما ظلت كشجرة عتيقة، جذورها ضاربة في عمق الأرض، وأغصانها متشابكة بالدعم والمؤازرة. وفي يوم التخرج، علت أصواتهم فرحةً، وهم يقطفون ثمار جهدهم، ليؤسسوا معًا أكبر شركة سيارات في مصر، صانعين بذلك قوة لا يستهان بها..."
………………………
في زاوية هادئة من منزل المهدي، جلست "رقية" تراقب بابتسامة باهتة طفلاً في الخامسة من عمره يعبث بعجلته الصغيرة. خطواته المتعثرة ووقعاته المتكررة كانت تستدعي في قلبها صورة "ساجد"، ابنها الغائب. عيناه الزرقاوان الصافيتان، خصلات شعره المنسدلة على جبينه، كل تفصيلة فيه كانت صدى مؤلمًا لملامح افتقدتها.
وبينما كانت ذكرياتها تحاصرها، اقترب الصغير بجرأة طفولية ووضع يده الرقيقة على وجهها هامسًا: "تيتة!". ارتعش صوت "رقية" وهي تجيبه بعيون دامعة: "نعم يا قلب تيتة."
ارتجف قلب الصغير لسماع نبرتها الحزينة فسألها بعينين قلقتين: "أنتِ بتبكي؟".
حاولت "رقية" أن تخفي دموعها بابتسامة واهنة ويد تربت على وجنته الصغيرة قائلة: " لا يا حبيبي، أنا عيني وجعاني شوية".
اقتربت فتاة، جمالها هادئ وعيناها الخضراوان جذابتان، تحمل كأس اللبن.:- "تعال يا مروان، اشرب لبنك." دعت بلطف..
.رفض "مروان" بعبوس.: - "لا مش عايز."
توسلت "فرحة" برجاء: - علشان خاطري يا مروان بدل ما أقول لبابا.
اختبأ "مروان" خلف" رقية" وهو يتمتم بتحدٍ: "قوليله، أنا مش بخاف منه."
رفعت "فرحة" حاجبها بتهديد مبطن وقالت موجهة كلامها لوالدتها: "والله بقى كده ماشي... شايفة يا ماما؟"
ضحكت "رقية" بخفة: "شايفة يا فرحة، شايفة."
نظرت "فرحة" إلى والدتها باستفهام: "مالك يا أمي؟"
أجابت "رقية" بصوت خفيض.: - مفيش يا حبيبتي.
أمسكت "فرحة" بيد والدتها بقلق: "فيه إيه؟"
انهمرت دموع "رقية" وقالت بصوت مخنوق: "أصعب إحساس إنك تكوني بعيدة عن اللي بتحبيهم، واللي قلبك عايش عشانهم.".
ذرفت "فرحة" هي الأخرى دمعة وقالت مواسية: "ماما، ربنا موجود، وأكيد ربنا مش هيبعده عنك وهيكون معاه."
تمتمت "رقية" بحزن عميق.: - وحش قلبي يا فرحة، وروحي حاسة إني هموت قبل ما أشوفه تاني.
قالت "فرحة" بخوف وهي تحتضن يد والدتها.: - بعيد الشر عنك، متقوليش كده.
ربتت "رقية" على يد ابنتها بحنان وقالت: "ربنا يحفظك يا بنتي."
فجأة، ارتفع صوت "مروان" وهو يركض بفرح: "بابا!"
ظهر "رسلان" وهو يحمل ابنه بين ذراعيه.: "حبيبي عامل إيه؟" سأل بحنان.
أجاب "مروان" ببراءة.: - أنا كويس، بس ماما عايزة تشربني اللبن وأنا مش عايز.
ابتسم "رسلان" ووضع ابنه على الأرض، ثم نظر بحب إلى "فرحة" التي اقتربت منه وعانقته قائلة بصدق: "حمد الله على السلامة."
أجاب "رسلان" بابتسامة دافئة: - الله يسلمك، وحشتيني.
احمر وجه "فرحة" بخجل وقالت بهمس: - عيب يا رسلان، ماما قاعدة.
ضحك "رسلان" بخفة وقال وهو ينظر إلى زوجته: "طيب مالك ومال مروان زعلان ليه؟"
قالت "فرحة" بغيظ مصطنع: - علشان مش راضي يشرب اللبن وتعب قلبي معاه.
قال "رسلان" بنبرة حنونة: - سلامة قلبي.
تمتمت "فرحة" بخجل أكبر: - رسلان بس بقى.
شد "مروان" قدم والده وهو يصيح: "بابا بابا!"
رفع "رسلان" ابنه وقال بحب: "نعم يا حبيبي؟"
أشار "مروان" بيده الصغيرة نحو جدته وقال ببراءة: "تيته كانت بتبكي."
نظر "رسلان" إلى والدته بقلق واقترب منها قائلاً بجدية: "ماما أنتِ كويسة؟ بتبكي ليه؟ حاجة حصلت؟"
نفت "رقية" بسرعة:" - مفيش، أنا كويسة.
أمسك "رسلان" بيد والدته بإصرار: "فيه إيه؟ مالك؟"
نظرت "رقية" إلى ابنها بنظرة تحمل عتابًا خفيًا وقالت: "وحش الفراق مش كده؟"
ترك "رسلان" يد والدته فجأة وقال بضيق واضح: "ماما!"
نظرت "رقية" إلى "فرحة" وقالت بحزن عميق: "صعب إن الابن يغيب عن أمه يا فرحة أوي، ربنا يحفظ ابنك ليكي."
صعد "رسلان" الدرج بضيق واضح، بينما ركضت "فرحة" خلفه بقلق.
نظرت "رقية" إلى أعلى وقالت بصوت خفيض يحمل أمنية: "ربنا يعرفك الحقيقة فين يا بني.".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءه ممتعه للجميع 🦋
التؤام.. أمانى& أمل