00.1

00.1

18 0

..الفصل الأول..

-همس الغابة-

______

ركضت.

قدماها تلامسان الأرض الرطبة بسرعة، أنفاسها تتسارع، وقلبها يدق في صدرها كأنه يحاول تحطيم أضلاعها والخروج. لم تجرؤ على الالتفات خلفها، ولا حتى على التفكير في ما قد يطاردها. كل ما تعرفه أن التوقف يعني النهاية.

الأشجار من حولها بدت مألوفة… لكنها ليست كذلك. تشبه تلك التي تحيط بمنزلها، ولكنها مختلفة في آنٍ واحد. جذوعها أضخم، أوراقها أكثر اخضرارًا، والهواء أثقل من المعتاد، كأنها تتنفس في عالم آخر. كل خطوة تصدر صوتًا مكتومًا على الأرض المغطاة بطبقة سميكة من الأوراق الجافة، لكنها بالكاد تسمعها وسط الضوضاء التي تحاصرها من كل اتجاه.

كانت هناك همسات… أو هكذا ظنت. لا، ليست همسات. أشبه بنحيب الرياح أو تنهيدات الأشجار نفسها. الأشجار التي بدت وكأنها تميل ناحيتها، تراقبها، تعي وجودها بطريقة غريبة. الكروم تتدلى من الأغصان العلوية، تتمايل في الهواء كما لو كانت تحاول الإمساك بها، ونباتات لم ترها من قبل تتوهج في العتمة بلون أزرق شاحب، كأنها تهمس بأسرار لا ينبغي أن تُفهم.

ورغم كل تلك الغرابة، لم يهمها شيء سوى الهرب.

لم تكن تسمع خطوات خلفها، ولا تشعر بأنفاس حارة على عنقها، ولا ترى ظلًا يطاردها، ومع ذلك كانت تعرف أنه هناك. غريزة متجذّرة في أعماقها كانت تصرخ بأن التوقف يعني الموت.

ركضت أسرع.

الهواء كان مختلفًا… أثقل، فاسدًا بطريقة لا تُفسَّر. يحمل رائحة شيء قديم، ميت، لكنه ما زال يتحرك. العرق يتصبب من جبينها ببرودة غير مألوفة، كأنها تركض في عالم فقد حرارته.

لماذا لا تتذكر كيف وصلت إلى هنا؟

حاولت أن تُجبر ذاكرتها على العودة، لكن لا شيء. كأنها ببساطة وُجدت هنا، كأنها لم تكن قبل لحظات سوى ظلٍّ أُجبر على الحياة داخل كابوسٍ يتحرك.

ثم… اختفت الأرض تحت قدميها.

سقطت.

تعثّرت بشيء لم تره، ربما جذر شجرة، ربما حجر، لكنها وجدت نفسها على الأرض، يداها غاصتا في التربة الرطبة، وجسدها ارتطم بقوة جعلت الهواء يهرب من رئتيها. للحظة، تجمّدت، تترقّب، تتوقع أن تسمع خطوات تقترب… لكن لا شيء.

الصمت.

صمت كثيف، مخيف، حتى إن التنفس صار يبدو جريمة.

دفعت نفسها للوقوف، وقدماها ترتجفان، والغابة حولها بدت أكثر كثافة، أكثر حياة. نظرت حولها، تبحث عن مخرج، عن طريقٍ واحدٍ للخلاص، لكن الأشجار بدت وكأنها تتحرك، تتبدل أماكنها، تسخر منها، تجعلها تدور في حلقة لا تنتهي.

كانت على وشك الركض مجددًا، عندما رأتها.

فتاة صغيرة. لا تتجاوز الثانية عشرة من عمرها، تقف وسط الظلام، لكنها لا تنتمي إليه. قبعة فطر خضراء تعلو رأسها، وملابس غير مألوفة كأنها خرجت من حكاية قديمة، وعيناها… عيناها واسعتان، مليئتان بشيء لا يُسمّى.

لم تقل شيئًا، فقط حدّقت بها.

ورغم كل شيء، رغم الخوف، رغم الجهل، شعرت أن تلك الفتاة ستنقذها.

كان هذا آخر ما رأته… قبل أن تستيقظ.

ـــ

استفاقت على صوت صفير إبريق الشاي.

الواقع لم يكن أكثر وضوحًا من الحلم. الضوء الرمادي المتسلل من النافذة بدا خافتًا، ساكنًا، كأنه لا يخص هذا العالم.

كانت تجلس قرب النافذة، تسرّح شعرها الطويل على شكل ضفائر معقدة وغريبة، كأنها تضفر الغيم نفسه. نظرت إلى انعكاسها في الزجاج، ثم إلى الغابة التي بدأت تظلم مع غروب الشمس. ظلال الأشجار طالت، تبعث شعورًا بالوحدة والرعب.

"هل تظنينها تنظر لنا الآن؟" همست، وهي تحدّق في صورتها المرتجفة على الزجاج.

لم تجبها صورتها، لكنها خُيّل إليها أن شفتي الانعكاس تحركتا بخفة، كأنها تبتسم.

مدّت يدها نحو الإبريق الذي بدأ يصفر، سكبَت الماء المغلي فوق كيس الشاي، ثم حملت كوبها وصعدت ببطء إلى الطابق العلوي. كل درجة تصدر صريرًا خافتًا تحت قدميها، وصوت الساعة في الممر بدا أثقل من المعتاد، كأن الزمن نفسه يتباطأ.

جلست على الكرسي قرب النافذة، ضمّت ركبتيها إلى صدرها، وضعت الكتاب أمامها والكوب على الطاولة الجانبية. البخار المتصاعد من الشاي اختلط بالضوء، يرسم دوائر تتلاشى ببطء. شعور المراقبة لم يغادرها، بل ازداد حدة كلما غابت الشمس. كانت تشعر أن من يقف عند أطراف الغابة قد تسلل بالفعل مع الظلام إلى بيتها.

أغمضت عينيها لثوانٍ، تتنفس بهدوء، تحاول أن تقنع نفسها أن كل شيء طبيعي. لكن هناك ذلك الطنين الخافت في أذنيها، كأنه صدى صوتٍ بعيد يناديها باسمها.

تنهدت وهي تعرف أن اللقاء مع زائر الظلام سيكون بعد النوم… في عالم الأحلام.

هي حقًا لم تعد تدرك بعد الحلم الخمسين ما إذا كان شعورها واقعيًا أم مجرد إرهاقٍ وتعبٍ، مع وساوس تكبر كلما تكرر الحلم ذاته.

غابةٌ غريبة، شعورٌ بالرعب يتسلّق جسدها، وشخصٌ ما يطاردها.

قدماها حافيتان، وصداعٌ غريب يسيطر على رأسها، وهناك من يناديها... همسٌ على هيئة صراخ، وحديثٌ بلغةٍ غير مفهومة.

فتحت عينيها مجددًا، تحدّق في أسطر الرواية دون تركيز. الحروف تتراقص أمامها، تذوب وتعود، كأنها لا تريد أن تُقرأ.

رغبةٌ غريبة تنمو داخلها كلما تسلّل الليل من نوافذ بيتها.... رغبةٌ في الخروج والتنزّه داخل الغابة وحدها، لتبحث عن تلك الفتاة ذات قبعة الفطر. لا تدري لماذا، لكنها تشعر أن الإجابة هناك.

عندما تومض لمحة ضوءٍ على صفحة الكتاب، تظن لوهلة أنها رأت ظلًا يمر خلفها، فتلتفت سريعًا، فلا ترى شيئًا سوى انعكاس القمر على الزجاج.

نقلت نظرها نحو النافذة التي تقع على يمينها لترى القمر يشع من بعيد، يضيء السماء بنوره الخافت، نصفه غائب كعينٍ مفقودة تراقب من بعيد. أغمضت عينيها بينما تسترجع أحداث الحلم، تتذكر التربة الرطبة تحت يديها، نظرة الفتاة، والهمس الغريب في الأشجار.

تنهدت ثم عادت تقرأ كتابها بهدوء، تحاول أن تتجاهل الخوف الذي يزحف في صدرها كنسمة باردة. لكن عقلها بدأ يخيّل لها صوت خطواتٍ تسير في الطابق السفلي. خطوات بطيئة، حذرة، كأن من يسير يعرف أنها تسمعه.

رفعت رأسها ببطء، أرهفت سمعها. الصمت يخيّم على المكان، ثم.... صرير خفيف.

ضحكت بخفوت، محاولة أن تقنع نفسها أنه مجرد الهواء أو تمدد الخشب من البرد. لكنها لم تلاحظ أن كوب الشاي الذي تركته على الطاولة بدأ يبرد بسرعة غير طبيعية، وأن البخار الذي كان يتصاعد منه توقف فجأة، كما لو أن أحدهم نفخ عليه.

في الخارج، تحرك غصن شجرة. ثم آخر.

شيء ما كان يقف عند حافة الغابة.

لم تستطع رؤيته بوضوح، لكن ظلال القمر رسمت هيئة صغيرة ترتدي قبعة… قبعة تشبه الفطر الأخضر.

ابتلعت ريقها ببطء، وابتسامة غامضة ارتسمت على وجهها، نصفها خوف ونصفها فضول. همست لنفسها بصوتٍ خافت كأنها تردّ على نداءٍ بعيد "حسنًا… سأراك الليلة."

ثم أطفأت المصباح، وتركت الغرفة تغرق في العتمة.

في الخارج، بدا القمر أقرب من أي وقت مضى، والهمس عاد من جديد.... أقرب، أوضح، وأكثر دفئًا.

__________

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شظايا القمر السبعة

المؤلف إينوكي
2025/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة