بدأ يوم جديد في الشارع الرابع، حيث كانت أشعة الشمس تتسلل بخجل عبر نوافذ المنازل القديمة، وترسم خطوطًا ذهبية على الأرصفة المبللة من أمطار الليلة الماضية. أمام أحد المنازل المتواضعة، وقفت امرأة شابة عند الباب، شعرها الداكن ينسدل على كتفيها بانسيابية. كان وجهها شاحبًا، وعيناها ممتلئتين بدموع لم تستطع كبحها، فيما كانت تحاول رسم ابتسامة ضعيفة على شفتيها المرتجفتين.
أمامها وقف صبي صغير، لا يتجاوز الثامنة من عمره، يرتدي معطفًا رماديًا ممزقًا عند أطرافه، وحذاءً قديمًا يظهر آثار اللعب والطين. كان يحمل حقيبة صغيرة بيده، وقد علت وجهه نظرة تجمع بين البراءة والتصميم. اقترب منها بهدوء، بينما كانت الدموع تنساب على وجنتيها كجدول صغير.
قالت له بصوت مبحوح، يكاد يخنقها الحزن: "كن حذرًا يا أدريان."
نظر إليها الصبي بعينيه الواسعتين اللتين تشبهان السماء في صفائها. رد عليها بابتسامة طفولية دافئة: "لا تقلقي، سأعود سريعًا."
بدأ يخطو خطواته الصغيرة بثقة، فيما كانت عيناه تلمعان بتحدٍ. بقيت المرأة واقفة عند الباب، تراقب ظهره الصغير يبتعد شيئًا فشيئًا، حتى اختفى بين المنازل.
ثم استدار الصبي وغادر، خطواته الصغيرة تتردد على الرصيف بهدوء، بينما كانت المرأة تراقبه بعينيها الممتلئتين بالدموع، تتابع ظلّه الصغير حتى اختفى بين المنازل المتراصة. شعرت بأن قلبها يغادر معها، أغلقت الباب ببطء وكأنها تحاول حبس الألم بالداخل، لكن قوتها خانتها، فانهارت على الأرض. جلست على عتبة الباب، ودفنت وجهها في كفيها، ودموعها تنهمر دون توقف، كأنها تحاول أن تغسل ألم الفراق الذي أثقل صدرها.
....
في الروضة، بدا اليوم كأي يوم عادي. ضحكات الأطفال ملأت القاعات، أصوات الكرات تتنقل بين أيديهم في الحديقة، وزقزقة العصافير تضيف لمسة من الحياة إلى المكان. حاولت المربيات بجد تنظيم الأطفال المفعمين بالطاقة، بينما انشغل العاملون بتنظيف الفصول وترتيب الأدوات. الجو كان نابضًا بالحياة، وكل شيء بدا تحت السيطرة.
لكن فجأة، تمزّق هذا الهدوء بصراخ حادّ قادم من الحديقة الخلفية. صوت الصرخة حمل معه شعورًا بالذعر، جعل الجميع يتوقفون عن العمل ويندفعون نحو المصدر. ليجدوا البستاني واقفًا أسفل شجرة كرز ضخمة. وجهه كان شاحبًا، كأنه رأى شبحًا، ويداه ترتجفان بشكل لا إرادي. كان يشير نحو الأعلى، لكن صدمة المشهد جعلته عاجزًا عن الكلام.
رفع الجميع رؤوسهم ببطء، وما رأوه أصابهم بالذهول. جثة مشوهة معلقة بخيوط صيد متينة تتدلى من الأغصان. الجسد كان يغطيه الدم المتخثر، والوجه بالكاد يمكن تمييزه. أما الرأس فقد كان منفصلًا عن الجسد، يتدحرج ببطء أسفل الشجرة، تاركًا خلفه أثرًا دمويًا.
صرخت إحدى الموظفات بصوت عالٍ، قبل أن تتراجع وتسقط مغشيًا عليها. الآخرون وقفوا في حالة ذهول، البعض تراجع خطوات للخلف، والبعض الآخر تجمد مكانه، والصدمة تسيطر على كل شيء في الحديقة التي أصبحت فجأة مسرحًا لجريمة مروعة.
"من... من صاحب الجثة؟" همس أحدهم.
لكن التعرف على الجثة كان مستحيلًا بسبب التشوه الشديد.
تم استدعاء الشرطة والإسعاف، وسرعان ما تم نقل الجثة إلى المشرحة. حاول العاملون تهدئة الأطفال واستئناف اليوم، لكن الخوف والقلق كانا واضحين في أعين الجميع.

في المستشفى، وقف طبيب أمام ضابط شرطة يقرأ تقريره.
"الضحية تُدعى مي، عمرها 23 عامًا. تاريخ الوفاة: مساء أمس. كانت موظفة في الروضة. وجدنا رسالة بجانب الجثة مكتوبة بخط رديء تقول: لأنك رفضت الأمر."
أومأ الضابط برأسه وهو يستمع للطبيب، ثم غادر لمتابعة التحقيقات.كانت هذه بداية لغز لم يكن يتوقعه، مع ذلك، كان يشعر بأن الجريمة تحمل في طياتها أكثر مما يظهر.

عند المساء، كان المنزل يغرق في صمت ثقيل، لا يكسره سوى صوت الرياح التي تهبّ عبر النوافذ القديمة. الباب الخشبي انفتح ببطء، ودخل أدريان بخطوات خفيفة. كان يرتدي ملابسه المعتادة، لكنها كانت متسخة قليلًا إثر اللعب.
فور أن دخل، وجد المرأة التي ودّعها في الصباح تقف عند المدخل، وكأنها كانت تنتظره طوال اليوم. عيناها كانتا حمراوين، وجهها شاحبًا بشكل ملحوظ، وكأنها تحمل جبالًا من الحزن.
ما إن رأته حتى تهاوت أعصابها وركضت نحوه لتحتضنه بشدة، وكأنها تحاول أن تحميه من شيء أكبر منها. لكن جسدها خانها، فانهارت على الأرض، وبدأت بالبكاء بحرقة. دموعها كانت مثل سيل لا يتوقف، وكل شهقة منها كانت تحمل ألمًا دفينًا.
"أدريان..." همست بصوت مكسور، وهي تحاول رفع رأسها لترى ملامحه البريئة.
رفع الصبي رأسه نحوها، عيناه البريئتان لم تتغيرا، وكأنهما منفصلتان تمامًا عن عالمها المظلم. "نعم، أختي؟" سألها بصوت طفولي، ويداه تمسكان بطرف معطفه.
حدّقت فيه، محاولة البحث عن إجابة وسط فوضى مشاعرها. عيناها غارقتان بالدموع، لكن نظرتها كانت مليئة بالرجاء والألم. بصوت متقطع، نطقت الكلمات التي كانت تخشى قولها: "توقف... توقف عن قتلهن."
في تلك اللحظة، تغير وجه أدريان. عيناه اتسعتا قليلًا، لكنه لم يبدُ عليه أي شعور بالذنب. بدلاً من ذلك، ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة، تلك الابتسامة التي بدت بريئة ولكنها تحمل في طياتها شيئًا غريبًا ومقلقًا.
قال ببراءة، وكأنه يروي قصة عادية: "لكنها قالت إنها كبيرة... والوحش بداخلي أحبها."
كانت كلماته كطعنة في قلبها، جعلتها تشعر وكأنها فقدت القدرة على التنفس. كل ما فعلته هو النظر إليه بصمت، والدموع تواصل الانهمار، وهي تدرك أن شقيقها الصغير لم يعد كما كان.
شعرت المرأة برجفة شديدة تسري في جسدها، كما لو أن كل خلية في جسدها قد تجمدت فجأة. كان الألم يشتعل في قلبها، وكأنها فقدت القدرة على الوقوف. سقطت على ركبتيها، وانهارت أكثر على الأرض، كما لو أن ثقل العالم كله قد استقر على كاهلها. كانت دموعها تتساقط بغزارة، لكنها لم تستطع إيقافها، وكان الشعور بالشلل يزداد. بدا وكأنها في حالة لا وعي، كل شيء حولها أصبح ضبابيًا، كما لو أنها كانت تغرق في بحر عميق من اليأس والخوف.
بدأ قلبها ينبض بسرعة، وأفكارها تتسابق، ثم توقفت عند لحظة معينة. تذكرت تلك المكالمة الهاتفية التي أجرتها مع "مي" في وقت سابق. كانت قد اتصلت بها لتحذرها، لكن صوتها كان يرتجف، وكأن هناك شيئًا كان يثقل لسانها. سمعت في الخلفية صوت أدريان، ولكن لم يكن الصوت الذي تعودت عليه. كان صوته يصرخ، لكن بطريقة غير طبيعية، بعيدًا عن البراءة التي يعرفها الجميع في طفل صغير. كانت هناك همسات غامضة، شيء مظلم كان يهمس في أذنه، وكأن روحًا شريرة كانت تسيطر عليه.
أغلقت الخط فجأة، دون أن تتمكن من تحذيرها أو قول كلمة واحدة. كان الوقت قد فات، وها هي الآن أمام أخيها، مبتسمًا بتلك الابتسامة البريئة التي كانت تخفي وراءها شيئًا مظلمًا. تلك الابتسامة الصغيرة لم تكن بريئة، بل كانت تحمل في طياتها شرًا لم تستطع أن تتجاهله بعد الآن. الوحش الذي كانت تخشاه في خيالها، والذي اعتقدت أنه مجرد تخمينات، أصبح حقيقة قاسية. كان هذا الوحش هو أخيها الصغير، الذي لم يعد يختبئ خلف براءته، بل كان يعرض وجهه المظلم بوضوح الآن.
أحست بأن جسدها تجمد في مكانه، وكأنها عجزت عن الحركة أو الهروب. كان وجه أدريان أمامها، يحمل تلك الابتسامة البريئة. كان يستمتع بمشاعر انهيارها، كان يراقبها وهو مطمئن، وكأنها لعبة في يديه. شعرت وكأنها تغرق في كابوس مرعب، قلبها يصرخ طلبًا للمساعدة، لكنها كانت عالقة في هذا الكابوس، عاجزة عن الهروب أو حتى النطق بكلمة واحدة.