في صباحٍ دافئ يغمره إشراق الشمس، كانت ساحة الروضة تعجّ بأصوات الأطفال وضحكاتهم البريئة، تملأ الأجواء فرحًا وسرورًا. الأرجوحات تتمايل تحت أيدي الصغار، وزوايا الساحة مزيّنة بألوان زاهية وألعاب مختلفة، بينما أشعة الشمس تتسلل بين أغصان الأشجار المحيطة، لتُضفي دفئًا على اللحظة.
وسط كل هذه الحيوية، كان هناك عمود خشبي طويل نُصب بعناية، محاط بأطواق ملونة وأشرطة، أُعد خصيصًا لمسابقة تسلق تُقام للأطفال. تجمّع الصغار حوله بحماسة، بعضهم يضحك بتشوق، والبعض الآخر يشير إليه بعيون تتلألأ بالإثارة.
كان "أدريان"، طفل صغير ذو شعر اسود ناعم وعينين واسعتين، يقف بجانب العمود، يراقبه بصمت مشوب بالتردد. قبض بيديه الصغيرتين على حواف قميصه الأبيض، فيما كانت عيناه تنتقلان بين الجزء العلوي للعمود ووجوه الأطفال الآخرين الذين بدأوا يرددون هتافات تشجيع. أحسّ بنبضات قلبه تتسارع، وكأنها تتسابق مع الأفكار التي تدور في ذهنه. "هل أستطيع فعلاً؟" تساءل في داخله. لم يكن خائفًا من السقوط بقدر ما كان يخشى خيبة الأمل.
تقدم خطوة نحو العمود، بينما ابتسامة صغيرة تشكلت على شفتيه، مزيج من الشجاعة الخجولة ورغبة في المحاولة. دفعة من الريح الخفيفة مرّت لتداعب خصلات شعره، وكأنها تشجعه، بينما ارتفعت صيحات الأطفال من حوله، "هيا يا أدريان! يمكنك فعلها!"
قرب العمود، وقفت فتاتان تعملان في الروضة، تراقبان المشهد بعناية. "مي"، الشابة ذات الشعر البني المموج والعينين السوداوتين والابتسامة الدافئة التي تشعّ تفاؤلًا وحنانًا، كانت ترتدي مئزرًا ورديًا يتماشى مع أجواء الروضة المفعمة بالحيوية. بجانبها، "روزا"، زميلتها ذات الشعر الاشقر والعينان البنيه،تحمل ملامح الجدية ونظرتها الحازمة التي تفيض بالمسؤولية، تقف بذراعيها المتشابكتين، تتابع بعينيها حركة الأطفال.
نظرت "مي" إلى أدريان، الذي بدا غارقًا في أفكاره، فحاولت تشجيعه بابتسامة مشرقة، وقالت بصوتٍ ناعم مليء بالحماس:
"أنت كبير الآن، أدريان! أراهن أنك تستطيع تسلق هذا العمود بسهولة."
رفع أدريان رأسه نحوها بخجل، وقد أحمرت وجنتاه قليلاً، وهزّ رأسه بتردد وقال بصوت خافت بالكاد يُسمع:
"لكن أمي تقول إنني ما زلت طفلاً صغيرًا..."
ضحكت "مي" بخفة، محاولةً التخفيف من توتره، وردّت بلطف وهي تنحني قليلًا لتكون بمستوى نظره:
"لا، لا! أنت كبير وقريبًا ستكون لديك عائلة!"
تجمد أدريان في مكانه، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الحيرة البريئة، وسأل بصوت يملؤه الفضول:
"ما معنى العائلة؟"
كان سؤال أدريان كفيلًا بإيقاف "روزا" عن متابعة الأطفال الآخرين، حيث التفتت فورًا نحو "مي". شعرت "روزا" أن الحديث قد يأخذ منحى معقدًا بالنسبة لطفل في عمره، فرمقتها بنظرة توبيخ خفيفة، وهمست بصوت هادئ:
"مي، انتبهي لما تقولين!"
لكن "مي"، بابتسامتها اللطيفة التي تعكس هدوءها المعهود، نظرت إلى "روزا" محاولة طمأنتها. وضعت يدها برفق على ذراعها، ثم جلست على ركبتيها أمام أدريان بحيث تكون على مستوى عينيه الصغيرتين اللامعتين بالفضول. قالت بنبرة ناعمة وودودة:
"العائلة تعني أبًا وأمًا وطفلاً. مثل أمك وأبيك وأنت."
للحظة، بدت الكلمات وكأنها رسمت صورة في ذهن أدريان. أضاءت عيناه البنيتان بابتسامة مشرقة، وقال بحماس لم يستطع إخفاءه:
"مثلنا، أمي وأبي وأنا؟"
صفقت "مي" بيديها بسعادة، متحمسة لتعزيز هذا الفهم البسيط والمليء بالحب، وقالت بحيوية:
"صحيح تمامًا! لكن في المستقبل، ستكون لديك عائلة خاصة بك. ستحتاج فقط إلى إيجاد شريكة."
حدق أدريان بها باندهاش طفولي، عاقدًا حاجبيه وكأن الفكرة جديدة تمامًا عليه. ثم، بعد لحظة من التفكير، ارتسمت على شفتيه ابتسامة بخبث طفولي واضح. رفع رأسه بفخرٍ وقال:
"أنا لدي شريكة بالفعل!"
رفعت "مي" حاجبيها بدهشة حقيقية، غير قادرة على كتم فضولها، وسألته بابتسامة عريضة:
"حقًا؟ من هي؟"
بإصرارٍ طفولي، وقف أدريان مستقيمًا وأدار وجهه عنها، كما لو كان يخفي سرًا عظيمًا. بقي صامتًا للحظة، ثم استدار لينظر إليها مرة أخرى وقال بنبرة واثقة:
"لا أستطيع أن أقول. إنه سر!"
لم تستطع "مي" كبح ضحكتها العالية، التي تردد صداها في أرجاء الساحة. أما "روزا"، فوضعت يدها على جبينها، محاولة تهدئتها، وقالت بنبرة حازمة تخفي ابتسامة صغيرة:
"مي، توقفي! لا تفسدي براءة الأطفال."
لكن أدريان ظل يحدق بهما مبتسمًا، مستمتعًا بالموقف، وكأنه يعلم أنه أصبح بطل اللحظة.
لكن "مي" لم تستطع التوقف عن الضحك، صوتها كان مثل تغريد عصفور ملأ أرجاء الساحة، ثم انحنت قليلًا نحو أدريان، ونظرت إليه بابتسامة دافئة، وقالت بنبرة مرحة:
"حسنًا، سأجعل هذا السر بيننا. ولكن... مَن هي؟"
نظر أدريان إليها بعيون واثقة، ثم رفع إصبعه الصغير وأشار مباشرة نحوها، وقال بثقة طفولية بريئة:
"أنت!"
كانت الكلمات كافية لأن تُفجر موجة أخرى من الضحك لدى "مي". وضعت يدها على بطنها من شدة الضحك، وبدت وكأنها تحاول التقاط أنفاسها، بينما "روزا"، التي كانت تقف جانبًا، رمقتها بنظرة ممتلئة بالذهول وقالت بجدية:
"مي، كفى! هذا غير مناسب!"
مسحت "مي" دموع الضحك التي تسللت إلى عينيها، ثم جلست على ركبتيها مرة أخرى، لتنظر إلى أدريان بحنان وقالت له برفق:
"لا يمكن ذلك يا صغيري. أنا أكبر منك بكثير! عليك أن تختار فتاة في عمرك."
توقف أدريان عن الابتسام للحظة، وبدأ يفكر بعمق. وضع يده على ذقنه، وكأنه في مهمة شاقة. بعد لحظة، رفع عينيه إليها وقال بثقة:
"إذًا أختي التوأم!"
هزّت "مي" رأسها ضاحكة قليلاً، وقالت بنبرة لطيفة:
"لا، هذا غير لائق. فكّر مرة أخرى."
ظل أدريان صامتًا للحظة أطول هذه المرة، بدا وكأنه يراجع كل الخيارات في ذهنه، ثم اعترف بخجل وهو ينظر إلى الأرض:
"لا أعرف أحدًا..."
بابتسامة مشجعة، فتحت "مي" ذراعيها وأشارت إلى الأطفال الذين يركضون ويلعبون حولهم، وقالت:
"انظر! هناك الكثير من الفتيات في عمرك."
حدق أدريان فيهن ببراءة واضحة، ثم أمال رأسه قليلاً وقال بصوت خافت وكأنه يكشف سرًا:
"لكنهن... قبيحات."
راقبته "مي" قليلاً، بينما وضعت "روزا" يدها على جبينها، وقد بدا عليها مزيج من الإحراج والتسلية.
انفجرت "مي" في موجة جديدة من الضحك، ضحكة ناعمة لكنها عميقة جعلت وجنتيها تحمران، بينما كانت "روزا" تمسك بذراعها محاولة تهدئتها بقولها بنبرة حازمة:
"مي، توقفي! سيبدأ الأطفال في قول أشياء أغرب إن استمريتِ بهذا الشكل."
لكن "مي" لم تستطع السيطرة على نفسها، وكلما تذكرت تعليق أدريان، عادت الضحكة مجددًا.
مع اقتراب نهاية اليوم، بدأت الأمهات والآباء في الحضور لاستلام أطفالهم. أدريان، الذي كان يجلس على أرجوحة صغيرة، لاحظ امرأة شابة تقترب. ركض نحوها بسعادة، وهو ينادي:
"أنا هنا"
قبل أن يغادر، استدار بسرعة نحو "مي"، ولوّح لها بيده الصغيرة قائلاً بحماسٍ:
"لقد وجدتها!"
ابتسمت "مي"، ولوّحت له بلطف وهي ترد بحماسٍ مصطنع يملؤه الدفء:
"إلى اللقاء يا صغيري."

لاحقاً مع غروب الشمس، عادت الأنسة "مي" إلى منزلها الصغير في الحي الهادئ. فتحت الباب بخفة، وهي تصرخ بمرحٍ مصطنع:
"مرحبًا! لقد عدت!"
لكن المنزل كان فارغًا، كما اعتادت أن يكون. تلاشى الحماس من وجهها تدريجيًا، وخفتت ابتسامتها، وعادت ملامح الهدوء المشوب بالحزن إلى وجهها. خلعت معطفها الرملي ببطء، ووضعته بعناية على الشماعة. ثم جلست على الأريكة القديمة، وهي تفرك يديها بصمت، وكأنها تفكر بشيء بعيد.
بينما كانت تستعد للذهاب إلى المطبخ لتحضير كوب من الشاي، رنّ الهاتف الأرضي فجأة، كسر الصمت الذي يملأ المكان. رفعت السماعة بسرعة، لتسمع صوت خافت يقول"مرحباً"، أجابت بصوت هادئ:
"مرحبًا؟"
لم تتلقَ أي إجابة. صمت غريب تسلل عبر الخط. شعرت بشيء غامض، وكررت بصوت أعلى قليلاً:
"مرحبًا؟"
لكن الطرف الآخر ظل صامتًا. تنفست "مي" بعمق، محاولة الحفاظ على هدوئها، ثم قالت مرة أخرى بنبرة حاولت أن تبدو طبيعية:
"مرحبًا! هل ما زلت على الهاتف؟"
فجأة، انقطع الخط. خفضت "مي" السماعة ببطء، وعلامات الاستغراب ترتسم على وجهها. وضعتها في مكانها، ثم هزت رأسها بخفة، وهي تهمس لنفسها:
"غريب... ربما خطأ في الاتصال."
لكنها عندما استدارت، لاحظت ظلًا أسود يتحرك بسرعة في طرف الغرفة. كان ظلا غريبا، وكأنه شخص يقف في زاوية مظلمة. شهقت "مي" بصوت عالٍ، ووضعت يدها على فمها، لأنها تدرك بأنها وحدها بالبيت، بينما عيناها تراقبان المشهد بذهول. تراجعت خطوة إلى الوراء، لكن قدميها ارتطمتا بالطاولة، ففقدت توازنها وسقطت على الأرض. شعرت بالبرودة تتسلل إلى أطرافها، وجسدها يرتجف دون وعي. كان قلبها ينبض بشدة، وصوت دقاته يتردد في أذنيها. لم تستطع أن تفعل شيئًا سوى أن تهمس بخوف:
"من هناك؟!"
لكن الظل لم يتحرك، ولم يصدر عنه أي صوت. شعرت "مي" وكأن الغرفة تدور من حولها، وأصبحت أنفاسها ثقيلة.

استيقظت "مي" على برودة غير مألوفة. فتحت عينيها ببطء، لتجد نفسها في مكان غريب. إنه قبو وكان ضيق للغاية، والجدران مغطاة بشقوق عميقة، وكأنها شهدت حروبًا طويلة. لم يكن هناك أي مصدر للضوء سوى شمعة وحيدة وُضعت على طاولة صغيرة وسط الغرفة. الضوء الخافت الذي ينبعث منها أضفى على المكان جوًا مشحونًا بالرعب.
سمعت "مي" صوت بكاء خافت في البداية، وكأنه قادم من مكان بعيد جدًا. حاولت أن تتحرك، لكن أطرافها كانت ثقيلة وكأنها مقيدة. قبل أن تستوعب ما يحدث، تحول البكاء فجأة إلى صراخ حاد يخترق أذنيها كالسكاكين.
وضعت يديها على أذنيها في محاولة يائسة لمنع الصوت، لكن الصراخ كان مرتفعًا بدرجة جعلتها تشعر وكأن رأسها سينفجر. صرخت بعنف، وقد امتلأ صوتها بالرهبة:
"أين أنا؟! من يفعل هذا؟!"
لكن كلماتها كانت تضيع وسط الصراخ الذي لم يتوقف. كانت الغرفة تزداد برودة، والشمعة بدأت تترنح وكأنها ستنطفئ. فجأة، انطفأت الشمعة، وغرقت الغرفة في ظلام دامس. شعرت "مي" بأنفاسها تتسارع، وكان صوت الصراخ يزداد حدّه و يملأ الظلام، لكنها لم تستطع رؤية أي شيء، سوى ذلك الخوف المتجسد في الظلام المحيط بها.