حديد لين

حديد لين

13 0

‏حديد لين

‏الجروح لا تندمل بسهولة، فهي تحتاج علاجًا ورعاية ووقاية، لكن الجرح المكشوف الملوّث يقتل صاحبه ببطء، إذ يفتح أبواب الجسد لجراثيم تعبث بدمه حتى تنهكه.

‏ـــــــــــــــــــــــــــــ

‏في حيّ صغير، عند منزل شعبي متواضع، يترجل رجل ملامحه لا تشبه ملامح المكان. باب خشبي مطليّ بالأخضر يقف شامخًا، وبجواره أصيص زهور بيضاء عابقة برائحة ناعمة، نقيض صاحبه الجافّ، الحانق، الساخط.

‏البيت بملامحه البسيطة يشبه تفاصيلها هي: مارسيليا.

‏كل زاوية فيه تحمل لمستها: ترتيب أنيق رغم بساطة الأثاث، إضاءة برتقالية وادعة، دفء كرائحة الكراميل الممزوجة بالفانيليا. لكن عين الرجل السوداء، المُثقَلة بذكريات الزمن، التقطت شيئًا شوّه هذا المشهد المريح: شريط دواء قديم فوق طاولة خشبية بجانب نبات الزينة.

‏اقترب منه متكئًا على عكازه، فالجسد ما زال يعرج من ندبة الماضي. تلك الطاولة المزيّنة بدمى تحيكها مارسيليا أخفت شيئًا مألوفًا أكثر مما يجب. قبض على العلبة بين يديه، وقرأ بوضوح الاسم المكتوب: "فلوكستين" (Fluoxetine).

‏تجمدت أنفاسه.

‏ذاكرة بعيدة قفزت فجأة: قضية الراقصة "مِليز"، التي سُمّيت يومها حديد لين. القضية الملعونة التي لا تزال تبث القشعريرة في خلايا جسده.

‏قلب الشريط بين يديه، ولاحظ أن حبتين قد اختفيتا.

‏ميخائيل (مقلّبًا الشريط في يده):

‏«إذن... أحضرته أمس.»

‏تسللت الرائحة الدافئة نحوه بخطواتها.

‏شَعرها الأسود المترامي حتى ركبتيها، وجهها الأسمر الناعم، عيناها العسليتان... كم اشتاقه حتى راح يتفحص ملامحها كلها. لكن وجهها الهادئ انقلب ارتباكًا حين رأت الشريط في قبضته.

‏مارسيليا (تمد يدها لتأخذ الشريط):

‏«لماذا تفتش في حاجياتي؟!»

‏ميخائيل (يرفع يده بعيدًا عنها):

‏«هل تتناولينه بوصفة طبيب، أم دونها؟»

‏مارسيليا (متهكمة):

‏«ماذا تريد؟! أعده لي!»

‏ميخائيل (بصرامة):

‏«مارسي... لا تجيبي سؤالي بسؤال. هل لديك وصفة طبيب؟ ومنذ متى وأنتِ تتناولينه؟ أتعرفين ما هو أصلًا؟»

‏مارسيليا (بعصبية):

‏«نعم... بوصفة طبيب. وأعرف ما هو. أعده لي.»

‏خفض يده قليلًا.

‏ميخائيل: «ومنذ متى وأنتِ تأخذينه؟»

‏مارسيليا (من تحت ضرسها):

‏«منذ سبع سنوات... ارتحت الآن يا حضرة المحقق؟»

‏سحبت الشريط بعصبية من يده.

‏هو حاول فتح جسر للحوار، فقال:

‏ميخائيل: «أنا جائع.»

‏مارسيليا (بغيظ):

‏«طعامك في الفرن.»

‏ميخائيل (متنهدًا):

‏«وأين كوري؟»

‏مارسيليا: «حلّ واجباته، تعشّى، ونام.»

‏ميخائيل (مستغربًا):

‏«ولماذا لم تنتظروني على العشاء؟»

‏مارسيليا (باردة):

‏«الساعة الآن الحادية عشرة وست وعشرون دقيقة. أنت من تأخر.»

‏جلس يأكل، وهو يحدّث نفسه ساخرًا:

‏«يا فرحة لم تكتمل... ما زالت حانقة عليّ. هه... الدجاجة لذيذة. أفضل من طبخ ماركو اللعين، شبه المحروق. كنت أسمم نفسي بطبخه.»

‏ثم بصوت مسموع:

‏«سلمت يداكِ، الطعام شهي.»

‏مارسيليا (رتيبة):

‏«شهية طيبة.»

‏راح يلتهم الدجاجة بضراوة ذئب.

‏مارسيليا اكتفت بالنظر إليه بامتعاض؛ رجلها لم يكن رجلًا الآن، بل ذئب جائع ينهش كل ما أمامه. دعت سرًّا ألا يفترسها يومًا كما افترس نصف الدجاجة، واستودعت طاولتها الصغيرة من فوضى صلصته المتناثرة.

‏ـــــــــــــــــــــــــــــ

‏في مكان آخر...

‏منزل فخم، شامخ كصاحبه. جلس إدريس على كرسي خشبي عريض، بيده فنجان قهوة وأمام عينيه تقارير كثيرة. سيجارته تذبل بين أصابعه، والمنفضة بجانبه مكتظة بأعقابها.

‏قطع تركيزه رنين الهاتف. على الشاشة: المحامي روي.

‏زفر آخر دخان، سحق رأس السيجارة تحت إبهامه، وردّ.

‏إدريس: «مساء الخير، سيد روي.»

‏صوت رجولي أنيق، مبحوح قليلًا من أثر التدخين، أجابه بلكنة ألمانية صافية:

‏روي: «مساء الخير، حضرة المحقق. في الثاني والعشرين من هذا الشهر، ستكون مرافعتك. أعددتُ ملفًا كاملًا... الطلاق مضمون لصالحك.»

‏حاول إدريس كبح غضبه:

‏إدريس: «هل الملف يتماشى مع مطلبي؟»

‏روي (بخبث): «ومطلب سيادتك؟»

‏خلع إدريس نظارته وحدّق في العدم:

‏إدريس: «روي... تعرف ما أريد. إن كنت تتغابى فسأذكرك: أريد ذلك النجس خلف القضبان... ولو برصاصتين، لكان أفضل.»

‏روي (ساخرًا): «قتله؟ هه، ظننتك رجل قانون.»

‏إدريس (بفك مشدود): «وهل يمنعني ذلك من تفريغ رصاصي في رأسه؟»

‏روي: «على رسلك. الملف كافٍ ليجعله يتعفن في السجن. أليس هذا كافيًا لإرضاء سيادتك؟»

‏إدريس (متنهّدًا بحنق): «الله المستعان.»

‏أنهى المكالمة، أسند رأسه للخلف، مرّر يده في شعره الرمادي الكثيف، ثم نهض إلى الطابق السفلي.

‏في المطبخ، وجد عشاءً بسيطًا أعدته ابنته صابرين: شوربة فطر، لحم مشوي، وسلطة بطاطا.

‏ابتسم ابتسامة باهتة. طفلته التي كانت تلعب بالمطبخ البلاستيكي صارت الآن تطبخ له بحق... هل الوقت يمر بهذه السرعة؟

‏ـــــــــــــــــــــــــــــ

‏في شقة متواضعة، لا تزال أصداء الفاجعة السابقة عالقة. جلست لوك تُصحّح أوراق الامتحان، بينما قطة صغيرة بيضاء تلعب في حضنها.

‏لوك (داعبةً رأس القطة): «سكر، توقفي عن إزعاجي.»

‏القطّة تعبث بالقلم، ثم بخيط الرباط على يدها الملفوفة بلصق طبي.

‏أمسكتها لوك، وقالت مبتسمة: «سأعيدكِ لأمك، أزعجتِ جدتك بما يكفي.»

‏وضعت الصغيرة بجانب أمها ميلو وإخوتها. مررت يدها على رأس ميلو:

‏«كم أنتِ ناعمة... ليتني أجلس وألعب معكِ، لكن عليّ إنهاء هذه الأوراق. آه... الساعة الحادية عشرة وست وعشرون! فاتني النوم بسبب أولئك المزعجين. رفضت الخروج معهم، لكن فرس النهر الأصلع البغيض أصرّ. سكارى يترنحون مثل ديدان الأسكاريس... أناس كالبكتيريا في بطن كلب نافق... كم أودّ أن أصفعهم بمقلايّ! خصوصًا فرس النهر وثعبانه، ومخزن السيليكون ذات الصوت المقزّز، وديك المزابل المزعج. تشكيلة من أكلة أموال اليتامى... بيئة مثالية لتكاثر الأمراض. ههف... إلى النوم.»

‏أفرغت غضبها وحدها، ثم أخذت حمامًا ساخنًا، فرّشت أسنانها، ارتدت بجامتها الرمادية الفضفاضة، رتّبت فراشها، وحملت ميلو بجانبها. أطفأت الضوء، واستسلمت لنوم عميق بلا سلطان.

‏ـــــــــــــــــــــــــــــ

‏حين يسدل الليل ستاره، ثمة عيون تبكي، وعيون تغفو، وعيون أخرى مذعورة تهيم في مطاردة مرعبة.

‏رجل أصلع، بدين الجسم، يركض متلفتًا حوله. فجأة... شعر ببرودة نصل يخترق بطنه، ببطء قاتل. اتسعت عيناه، فغر فاهه، والدمع يتقاطر من مقلتيه.

‏طعنة أخرى، أطول، في ظهره. النصل دار في اللحم كما يدور مفتاح في قفل. سقط يتلوى، يسعل دمًا، ويحاول أن يكتب بكفه المرتجفة:

‏«ا... أ... م... ما... ء...»

‏لكن القاتل لم يمهله.

‏رفع نصلًا طويلًا كسيخ، وغرسه في كتفه الأيمن.

‏ــــــــــــ

‏"أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ. وَلَكِنْ إِذَا فَسَدَ الْمِلْحُ، فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ، إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجًا وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ."

‏ــــــــــــ

‏يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

اللُّعْبَةُ

المؤلف ilham
2025/07/19 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة