‡حين تسير تأكد من خطف نظرة لموضع قدمك دائماً‡
٭٭٭
أوريا..تلك القرية التي لا يسمع بها أحد إلا من يعشق الضياع على ضفاف البحيرة ، قرية ترتدي الهدوء كأنها ولدت منه وفيه.
إنها أكثر من مجرد قريةٍ نائمة على كتف بحيرة لوغانو ؛ قرية لا يكاد الزائر يخطو أولى خطواته على طرقاتها الضيقة المرصوفة حتى يداهمه شعور دخوله لوحةً نسجتها ريشة فنان حالم ذات مساء ممطر.
تتعانق منازل القرية على سفح التلال ويعلو صرير النوافذ الخشبية ، وتتفيّأ ظلال العنب البري والياسمين الذي يتدلى من الشرفات.
كل شيء في القرية صغير لدرجة أنك قد تسمع وقع قلبك كلما مشيت في طرقاتها ، وتشعر بأن الأشجار تحفظ اسمك حتى لو لم تخبرها به.
في قلب القرية كنيسة حجرية يشوب صليبها بعض الصدأ وكأنما تصلي منذ قرن دون أن يجيبها أحد ، وساحة صغيرة لا تكاد تتسع لطفلين يركضان ، لكنها تتسع لأحاديث المسنين عند الغروب ، وضحكات العائدين من سوق السبت.
كل شيء في أوريا له طعم قديم ، حتى الهواء هناك محمل برائحة المطر المتأخر وعبق الفراولة التي تنمو في بساتين خجولة خلف البيوت ، فراولة لا تباع ولا تشترى ، تقطف في الصباح الباكر وتؤكل في المساء.
وإن أصغيت جيداً فستسمع صوت خرير البحيرة قادم من على بعد مسافة صغيرة ، ونعيب البطات المجتمعات حول فتات الخبز التي تلقيها عليهم الجدات ونقيق الدجاجات.
بالقرب من البحيرة وعلى بعد عدة أقدام انتصب منزل من منازل أوريا بجدرانه العتيقة الشامخة بلون الحجر الجيري المصفر ، يعلو سقفه المائل قرميد أحمر تعشعش في أطرافه أعشاش عصافير صغيرة ، وتزحف عليه أعشاب الزعتر البري.
نوافذه الخشبية الضيقة مطلية باللون الازرق الباهت ، وتحفها أحواض صغيرة من الحديد الصدئ مليئة بأزهار إبرة الراعي الحمراء.
الباب الأمامي خشبي ثقيل تعلوه قنطرة حجرية منحوتة تتدلى منها ثريا صغيرة من المعدن والزجاج ، وتترنح مع كل هبة نسيم.
على الحائط تتسلق نبتة اللبلاب بعناد ، تحتضن الجدران وتتسلل نحو السقف ، وحين تهب الرياح تصدر النوافذ صريراً خافتاً.
وأمام المنزل حديقة صغيرة زرعت فيها أزهار التوليب الحمراء وانتصبت على بعد مسافة صغيرة من الأزهار شجرة كبيرة ذات ظل وفير وعلى فروعها المتينة عُلقت أرجوحة خشبية تحركها الريح بخفة.
وعلى الجانب الآخر من الحديقة مقابل الشجرة الكبيرة انتصب عمودين خشبيين بينهما حبلٌ نشرت عليه ملابس لا تزال لم تجف بعد حركت أطرافها الريح الخفيفة.
فُتح باب المنزل وخرجت من خلاله فتاة ذات قامةٍ قصيرة ، على معصمها علقت سلةً فارغة كبيرة الحجم ، شعرها الأشقر الطويل تحرك بخفةٍ بفعل الريح الخفيفة ، وفستانها القصير عانق منتصف ساقيها.
رفعت رأسها صوب السماء وابتسمت ابتسامة صغيرة قبل أن تنطلق للحقل الصغير خلف منزلها ، حقل طويل امتدت على طوله حبات الفراولة الناضجة بين الخضرة.
خطت جوليا خطواتها بين العشب الندي وملأت أنفاسها برائحة الفراولة المختلطة بعبق الأرض بعد مطر أمس ، كانت قطرات الماء لا تزال تلمع على الأوراق الخضراء كحبات زجاج صغيرة تتنافس على عكس ضوء الشمس المتسلل بين الغيوم البيضاء الناعمة.
انحنت لتقطف أول حبة وقد كانت حمراء لامعة وأدخلتها في السلة برفق ثم عادت لتقطف أخرى وتضعها جوار رفيقتها ، ورويداً رويداً امتلأت السلة بحبات الفراولة الحمراء الطازجة.
سكنت لحظة بعد قطفها للفراولة وأصغت لصوت الريح الذي يتلاعب بالأرجوحة الخشبية القريبة منها ، وصرير النوافذ العتيقة أعاد إليها ذكريات طفولتها.
غير صوت الرياح كان هناك صوتٌ آخر يقترب منها ببطء فرفعت رأسها نحو الطريق الضيق الممتد بجانب الحقل ، وهناك كان رجل يتقدم نحوها ويديه في جيوب بنطاله الأزرق الواسع وعلى رأسه قبعة كبيرة.
وقف بالقرب منها وابتسم ابتسامة صغيرة نحوها.
"صباح الخير جولي"
ابتسمت والتقطت حبة فراولة وقدمتها نحوه فالتقطها.
"صباح الخير لك سيد كوبر"
ابتسم السيد كوبر وقضم قضمة من الفراولة ووزع نظره على الحقل أمامه.
"ليس غريباً وجودك في الحقل في وقت مبكر ، آمل فقط أن تكوني قد نمتِ جيداً"
تنهدت وهزت رأسها بالنفي وسرعان ما اختفت ابتسامته وتلاشت تماماً.
"هل راودكِ ذلك الكابوس مرة أخرى؟"
"أجل ، من المزعج أن الكابوس نفسه يتكرر كل ليلة ، اتمنى لو كنت أستطيع نسيان ما حدث"
وضع السيد كوبر كف يده على كتفها وشد قبضته بخفةٍ عليه وتنهد بصوت مسموع.
"كل شيء سيكون بخير يا ابنتي ، لنتحلى ببعض الصبر حتى نحقق ما نسعى له"
هزت جوليا رأسها وعادت لتقطف حبات الفراولة وتضعها في سلتها ، بينما السيد كوبر فقد ظل واقفاً في مكانه ينظر إلى جسدها الذي بدأ يبتعد عنه قليلاً.
كان السيد كوبر رجلاً في منتصف العقد الرابع ، طويل القامة ، ذو نظرة حادة ووجهٍ خالٍ من التعابير فتجده أغلب الوقت صامتاً لا يضحك ولا يبتسم ، نادراً ما يرتدي قناع السعادة والبهجة.
أعاد شعره الأسود الذي بدأ الشيب يغزوه للخلف وتنهد بصوت مسموع عندما رن هاتفه فأخرجه من جيب سترته ولم تكن إلا ابنته والتي على الأرجح اتصلت لتعلم أين ذهب في هذا الوقت المبكر.
"جولي!! سأعود للمنزل"
صرخ بصوت عالٍ وصل صداه الى مسامع جوليا التي كانت قد انتهت من قطف الفراولة فرفعت يدها ولوحت له من بعيد ثم راقبته يبتعد عن حقلها ويغيب عن مرأى نظرها حتى اختفى تماماً.
عادت جوليا لتفحص السلة الممتلئة ويدها تمر بلطف على الحبات الحمراء ، كان الهواء لا يزال محملاً برائحة الأرض بعد المطر ، وأصوات البحيرة تسللت إلى أذنيها بهدوء من بعيد.
رفعت رأسها وألقت نظرة على الحقل الممتد أمامها حيث قطرات الماء تلألأت على الأوراق الخضراء.
شعرت فجأة بطمأنينة غريبة رغم الكابوس الذي أزعج نومها الليلة الماضية والليالي التي قبلها ، لكنها رغم ذلك أحست أن كل شيء سيكون بخير ولو بعد حين.
سارت بهدوء وتجاوزت حبات الفراولة الغير ناضجة بعد وتوجهت نحو منزلها الصغير ، وبينما هي تتمايل بخطواتها سمعت من بعيد صوت البطات الصغيرة والدجاجات التي لم تكن مهتمة سوى بلقمة جديدة تسقط من يد الجدات.
التفتت نحو الشجرة الكبيرة حيث الأرجوحة الخشبية تتمايل ببطء بفعل الريح الخفيفة وتوجهت نحوها ثم جلست عليها وأخرجت حبة فراولة من السلة لتأكلها.
وبينما هي مستمتعة بطعمها الحلو الحامض شعرت فجأة بنسمةٍ أقوى تمر بين خصلات شعرها فرفعت يدها وأرجعت بعض الخصلات التي تمردت خلف أذنها.
فجأة سمعت صوت خطوات قادمة نحوها فرفعت رأسها بسرعة وظهرت ملامح الريبة على وجهها لكن سرعان ما اختفت وحلت محلها ابتسامة صغيرة عندما علمت هوية القادم نحوها.
"ألا تملك عملاً آخر لتقوم به غير مراقبتي؟"
ابتسم ووضع كفيه داخل جيوب بنطاله الواسع وحرك رأسه بالنفي.
"مهمتي في الحياة أن أراقبكِ وأتأكد من أن تكوني بخير ، أخشى أن يتسلل لص إلى منزلك كتلك المرة"
ابتسمت بسخرية ونهضت من على الأرجوحة ونفضت التراب عن ملابسها.
"يا لك من شجاع! لكن تأكد في المرة القادمة ألا تقف مكتوف اليدين ، عد إلى منزلك وكف عن التجول بالقرب مني"
"لمَ لا تقبلين وجودي برفقتكِ ، أنا حقاً شخصٌ مسالم وأبحث عن بعض الرفقة"
التفتت ليكون ظهرها أمام مقلتيه ثم تمتمت بصوتٍ مسموع.
"لا أظن أنني الرفيقة التي ستتمنى أن ترافقها في يوم من الأيام ، اعذرني علي الذهاب الآن!"
ثم سارت بهدوء وابتعدت عنه حتى اختفت في منزلها وأغلقت الباب بإحكام.
كانت الشمس ترتفع في السماء شيئاً فشيئاً وتنير أرض القرية الصغيرة بنورها المشع وتلقي بدفئها على كل زواياها.
بدأ الأطفال في الخروج من منازلهم وأصوات صخبهم تسمع من على بعد عدة أميال ، وهي اكتفت بأن تبتسم عندما وقع نظرها من نافذة المطبخ الكبيرة على طفل قصير القامة ذو شعر مبعثر بشكل طبيعي وقد وقع منذ قليل.
كان طفل السيدة دارسي وهي امرأة أرملة ترعى ثلاث أطفال صغار تتراوح أعمارهم بين السابعة إلى الحادية عشرة.
لم تكن تملك علاقة قوية مع تلك السيدة مثل بقية السكان إلا أنها تزور متجر المربى الخاص بها لتشتري بعضاً منه فتتبادل معها بعض الأحاديث الخفيفة.
أبعدت وجهها عن النافذة وانشغلت بإخراج سلةٍ كبيرة سكبت فيها حبات الفراولة ثم غسلتها جيداً ووضعتها على قطعة قماش لتجف ثم توجهت للثلاجة الصغيرة وأخرجت بيضتان لتطبخهن.
وخلال دقائق أصبحت طاولة الفطور معدةً بشكل أنيق وشهي ، بيض مقلي..حليب بالفراولة..فطائر العسل والكريمة المخفوقة المزينة بحبات التوت الازرق وخبز محمص ومدهونٌ بالزبدة والمربى.
تناولت طعامها بمهلٍ شديد حتى أصبحت عقارب الساعة المعلقة على الحائط تشير للسابعة والنصف تماماً ، عندها نهضت وجمعت بقايا الطعام ووضعتها جانباً لتطعمها لدجاجاتها لاحقاً ثم شرعت في غسل الأطباق ومن بين شفتيها اندفعت كلمات أغنيةٍ قديمة سمعتها من إحدى الجدات.
أغلقت صنبور الماء وجففت يديها بمنشفةٍ صغيرة ثم خرجت من المطبخ باتجاه غرفة المعيشة الصغيرة وبدأت بترتيب الوسادات الصغيرة الحمراء على الارائك ثم نفضت الغبار الخفيف من عليها.
مسحت طاولة القهوة المستديرة ثم أعادت وضع المزهرية فوقها وأزالت الغبار عن الأرضية الخشبية ومسحتها قبل أن تفتح النوافذ لتهوية الغرفة.
لم تكن الأعمال المنزلية صعبةً لاسيما أنها تعيش بمفردها في منزل صغير يناسب وحدتها ، بل كانت تجد الأمر ممتعاً حين تقودها أعمال التنظيف لتبحر في عدة أفكار لم تكن ستغوص فيها لو انها تجلس دون فعل شيء.
أنهت أعمالها المنزلية بعد وقت قصير وأغلقت آخر نافذة بعد أن سمحت للهواء الصباحي بالتسلل إلى أركان المنزل الصغير.
مسحت كفيها بمنشفةٍ قطنية وألقت نظرة سريعة على الطاولة في المطبخ لتتأكد من أن كل شيء عاد إلى مكانه.
لكن ما لبث أن قاطع سكون المنزل رنين الجرس المعدني عند الباب فرفعت رأسها متجهمة فقلما يطرق بابها أحد في مثل هذا الوقت المبكر.
اقتربت بخطوات بطيئة بعض الشيء ويدها ما زالت تحمل بقايا دفء الماء الذي غسلته عن الأطباق.
فتحت الباب فإذا بساعي البريد يقف أمامها ، قبعته الزرقاء مائلة قليلاً على جبينه ووجهه مبتل بعرق الطريق ، مد يده إليها بورقة مطوية داخل مظروف رمادي.
"رسالة لكِ يا آنسة جوليا"
شكرته بصوت خافت وأخذت المظروف منه ، وما إن أغلقت الباب حتى جلست على مقعد قريب وفتحت الرسالة بعناية ، لكن الكلمات التي تسللت إلى عينيها كانت أثقل من أن تحتمل.
'ما زلنا نبحث عنه..لقد فقدنا أثره في الطريق الجبلي وحتى الآن لا دلائل جديدة..سنعلمكِ بآخر المستجدات قريباً'
تجمدت أنفاسها لوهلة ثم تنهدت بعمق وهي تعض شفتها السفلى بقوة ، طوت الورقة بأصابع مرتجفة وضغطت عليها حتى تجعدت ثم ألقت بها جانباً على الطاولة الخشبية.
ظلت تحدق في الفراغ وقلبها يطرق صدرها بعنف فيما تردد في رأسها سؤال واحد لم تجد له جواباً حتى الآن.
إلى متى سيظل مفقوداً؟.
نهضت بهدوء ووقفت أمام النافذة ونظرت إلى البحيرة في الأفق بينما ظلت الرسالة مطوية ومهملة على الطاولة ، والهواء العليل الذي دخل من النافذة لم يطفئ ثقل صدرها بل زاد من شعورها بالوحدة.
تنهدت وتوجهت إلى المطبخ ثم مدت يدها إلى السلة التي ما زالت تحوي بعض حبات الفراولة ، التقطت إحداها وغرست أنيابها فيها بقوة حتى سال عصيرها الأحمر على أصابعها.
مسحت أثره بسرعة لكن اللون ذكرها بلون الدم أكثر مما ذكرها بحلاوة الفراولة.
عادت بخطواتها للوراء نحو الطاولة والتقطت الرسالة من جديد ثم فتحتها مرة أخرى لتعيد قراءة الكلمات القصيرة الباردة علها تجد بينها شيئاً لم تلحظه.
لكنها كانت مجرد سطور رسمية خالية من أي دفء أو عزاء!.
زفرت بقوة ثم رمت الرسالة هذه المرة في سلة المهملات ولم تستطع أن تُسكت الصوت الذي أخذ يتردد في رأسها.
إن كانوا قد فقدوا أثره فمن سيجده إن لم تبحث هي عنه؟.
ابتعدت عن الطاولة واتجهت إلى غرفة صغيرة في مؤخرة المنزل وأخرجت من درجٍ سري خريطة قديمة مطوية مرسوم عليها بخط اليد بعض العلامات الحمراء على أطراف التلال القريبة من أوريا.
وضعت إصبعها على أحد المواضع المحددة وهمست بصوت مرتجف.
"لابد أن يكون هنا..لابد من ذلك!"
وبينما كانت تهم بطي الخريطة دوى صرير بوابة الحديقة فجأة فتجمد جسدها والتفتت نحو النافذة لترى ظلاً يتحرك عند مدخل المنزل.
٭٭٭
مساء الخير أيها القراء الأعزاء..
قد لا يعجبكم هذا الفصل من الرواية وقد تجدونه مملاً لكنني أعدكم أنها مسألة وقت حتى تبدأ الأحداث في التصاعد شيئاً فشيئاً..
لا تنسوا أن تنيروا النجمة وتتركوا أثراً لكم في التعليقات..
ألقاكم قريباً على خير ما يرام..
مع كل حبي هوامّي~«