سيلُ الدماءِ المتواصل، والمطرُ ينهمر بلا إنقطاعٍ.
كثرة الجثث هو ما حيرّ محققيّ مقرّ ميرسيسايد في البرد، وعلى أطراف مدينة ليفربول في مكانٍ شبه مهجور..
من عامليّ المحققين الجنائيين، نحو رجال روكفلر الحاضرين في الأرجاء، يحاولون الوصول للزعيم الذي في إجازة عسله مع زوجه.
الجوّ يزداد برودةً، وذلك الشتاء لن يمرّ هكذا ببساطة..حتى يتم دفع الثمن كما يحدثُ الآن.
هنا أربعة عشر جثة وإثنين مصابين.
بتلات الورود الحمراء الداكنة منتشرة في كل مكان، بعضها حتى كانت بين الدماء وبين الجثث.
هناك حتى شرطي فقد صوابه وإستفرغ ما أكله ظهيرة هذا اليوم، لم يكن المشهد مألوفاً قط، وله دقة عشوائية غريبة جداً عما إعتادوا رؤيته.
صورٌ هنا وهناك، حين التوتر في أقصى مراحله، المسعفين يقودون السيارات بأعلى سرعة ممكنة نحو المشفى..علّهم يعالجوا الإثنين الباقين..الثلاثة أعني.
ستة وستون ساعة بعد الحادثة..نعم الوقت يمر بسرعةٍ، لكن ليس للجميع.
إقتحمت المشفى تلك الأم. حالة ذعر.
صوت خطواتها يزعج السامع بين الممرضين والمرضى.
تبحث بين الغرف مصدرةً ضجةً عالية،
حتى أن بعض الزوار إجتمعوا عليها، والممرضين العاملين على التقارير تركوا ما في يدهم ليروها.
حسناً قد تكون ليست أفضل مشفى في البلد، بل واحدة محلية مهترئة قليلاً، ولعل لها سمعةٌ من دردشة النساء والفتيات حول المنطقة، لتكونَ مواضيع النقاش في المجالس عن ظهور الموت الحاصل بها،
لذا توقعوا الناس وجود حالة وفاة أخرى.. وهو ما جرى حقاً.
سألت كاترينا سميث وهي تتنفسُ بسرعةٍ عن موقع غرفة إبنتها..فآجئوها بنفس الرد الذي تلقته من إبنتها المتزوجة حديثاً على الهاتف قبل ساعات مع ذلك.
لقد كانت في إسبانيا ووصلت تواً لمن يسأل، ومعها كانت طفلة صغيرة، تركت مع الخادم.
لم تنتظر شيئاً، إتجهت نحو المبنى المجاور..
لقد بللها ذلك المطر الهاطل لعاصفةٍ التي تبدو أنها ستستمر لفترة بين المباني غير المظللة..
وللأسف، دوماً ما كانت تلك الأمطار هي الإشارة السيئة في حياة هذه المرأة.
بمجرد دخولها المبنى، لاحظت وفوراً رجال روكفلر المنتشرين..أمام الغرف الخاصة بالتشريح، مع الأطباء..
هناك رجلٌ في غرفة الإستقبال الصغيرة يكتبُ أسماء الموتى بدقة وهو مركزٌ،
وصوت آلة بيع القهوة كان قد صدر في الأرجاء كون أن هذا المبنى أكثر هدوءاً من المعتاد..عله بسبب الحرس الروكفلري،
دعونا لا ننسى حضور صوت إشتداد غزارة المطر خارجاً.
لم يكن المبنى كبيراً، لذا لم تكن إلا دقائق بسيطة ورأت ديفيد روكفلر، يقف مرتدياً الأسود كعلامة حداد واضحة، هل وصل الآن من جنازة؟ أم أنه يحاول إستفزازها؟
هذا حقيقي، تكرهه بشدة.
لذا، ودون ترددٍ، جذبته من ياخة قميصه الأسود، تجره قصراً وعنفاً ليصل لطولها.
"مالذي حدث لإبنتي، وأين هي أيها الوغد الفاسق الناكر للجميل؟!"
دعونا لا نتغاضى عن واقع هطول دموعها كالمطر الآن، لكنها ساخنة جداً على بشرتها التي برز عليها كِبر سنها.
لما؟ لأن وجه هذا البغيض أمامها، كان جامداً هادئاً كأنه معتاد على هذه الأمور عموماً.
حتى أشفق داخلياً على حالها، فأشار لها تجاه الغرفة..فتركته فوراً تذهب لها حتى بلا كلمة شكر.
لتجد إبنتها الكبرى جينفر، واقفةً أمام الجثة، تأبى البكاء، تتصنع القوة، ترتدي الأسود، وبمجرد رؤيتها لوالدتها همت تبكي بحرارةٍ بالغةٍ لتشيد ذلك الحزن الخالد لفقدان الأخوةِ رفيق دربٍ آخر، وهي تلعن كل يومٍ فضلت نفسها به على صاحبة الجثة..
لكن الأمر أصبح أسوء فقط، دعونا نعد بالزمن، نحو البداية لطريق الجحيمي حقاً.
-------------------------------------------
حسناً..
كيف يحتاج الأمر إلى مقدمات رسمية وبعض التحيات اللطيفة والمرتبة للقراء كي يقتنعوا بإكمال القراءة في كل مرة؟
وكيف ستعرفُ عن نفسها الآن وأنتَ تنظر إليها هكذا؟ يارجل، إهدء قليلاً فلم ترى شيئاً بعد.
إذاً..
لماذا على حضرات الأبطال دوماً..
التورط في مثل هذه الأمور مع تقديم باقة حمراء للقارئ، مستقبلينهُ بحفنةٍ من الإفتتاحيات عظيمة المشاهد، بالغة السرد والأوصاف،
بينما نستطيع إستقبالهم بأبسط ما يكون من علاج كامل ودمار نفسي في نفس الوقت، وفي نفس الرواية، على مهلٍ دون إستعجال.
إعذرها لو كنتُ وكانت وقحة فلقد كنت أكتب عن غضبها وشتتات مشاعرها منذ أن فعلت التشاجر مع وغدها راندال مرةً أخرى، على شيءٍ تافهٍ آخر..
مالذي كنتَ تتوقعه على أي حال؟.
شاركني ذلك لا بأس، لأنها بالطبع لن تكون رواية رومانسية لطيفة جداً مثلما نتخيل وتتخيل ومتواجدٌ كواقعٍ بحتٍ له طابع، عزيزي القارئ.
هل هو ترحيب ممتاز مع بعض الزهور؟ أرجوكَ، خفض معاييرك القرائية، وأعطي مجالاً لأنها ستكون غبية لو فعلتْ ذلك.
لا أحد يهتم كما نعلم لتلك المقدمات بالغة الأهمية، حتى لو كنتُ قد فعلتُ تقديمها عدة مرات الآن.
لذا، دعوني أعرفكم عن البطلة الخارقة لهذه الرواية البسيطة، بشكلٍ مختصرٍ قبل أن تدخل بها وتفاصيلها وحِبكتها وأصولها ومراحل نموها وأنتَ لا تعرف إسمها حتى.
ايما هانغتن..
ربما لم يخبركَ من روى كثيراً عنها في شائعات الروايات الخاصة بي..
لكنها، سافلةٌ تعشقُ تفاصيل المال حقاً.
هذا أقرب شيء يمكن أن تصف نفسها به ببعض الغرور.
أما أنتَ؟ أنتَ شخصٌ مجهول الهوية، يجلس على سريره أو أريكته، ويتصفح هاتفه ليجدوا أي شيء مرتبط بالقصة، ظانّاً أنها رواية عادية تتحدث عن رومانسية غبية وبعض الغموض.
حسناً..
أنتَ للأسف محق قارئي العزيز، الشيء الوحيد الذي يختلفُ هنا، هو أنها الأكثر تميزاً في النطاق..ربما.
بخصوص مصطلحاتها اللعينة أو مهما يكن التي تستخدمها هنا؟ تباً..
أخبرني أتهتم؟، التصنيف للبالغين، وربما من فوق الرابعة أو الخامسة عشرة، وهو واضح وضوح الشمس في شهر تموز، هل كنتَ تظنُ أننا ملائكة أو شيء من هذا القبيل؟
أو ربما أنك في منزلكَ، تسمعُ الكلام الطيب والمؤدب، وتأكل المعكرونة الساخنة بصلصة الطماطم الفريدة التي ورثتها من والدتك، والتي لا مثيل لها؟
أنتَ في عالمها وفي قوانينيها، ولا تنتظر من أي أحد الإعتذار على ذلك.. لكني مجبرة في هذا الحال.. تباً.. أعتذر لكن هذه هي الرواية..هذه هي البطلة وحياتها..وصفت نفسها بذلك سابقاً.
كما ويجدر الذكر، أننا سنحتفظ على الإحترام بيننا أنا وأنت، لكن ليس بينهم، حتى لو كانت تربيتهم الفظّة تزعجكَ، فنحن نحاول عيش عالمهم ببعض التفاصيل لتصل الفكرة، لذا إن كنتَ لا ترغب، لا بأس، يمكنك المضيّ قدماً والرواية ليست لك.
عائدين لموضوعنا المثير للشفقة..
تبلغ هذه الايما أربعةً وعشرين عاماً في وقت الكتابة الحالي..
يمكنكم القول أنها محترفة ببعض ألعاب القمار. لما؟ ببساطة لأنها سالفة عديمة شفقة متكبرة وأجبتُ عن هذا مسبقاً.
راقصة ماهرة وإشتهرت برقصها المميز الفريد،
وهذا يفسر طريقة مرونتها المختلفة ولكنه لا يفسر جمالها..
آهٍ يا جمالها.. لن تجدوا أجمل منها هنا، حسناً؟
هي الرقم واحد!
تكذب، هل صدقتَ؟
هي فقط واثقةٌ وربما مغترةٌ بنفسها.
السبب في ذلك لون شعرها المميز الذي أتمنى منكم حفظه لتجنب الإرتباك لاحقاً رجاءً، هو أحمرٌ ناريٌ بارز.
إنتهينا؟ نعم، شكراً لقرائتك المباركة.
ودعنا نبدأ.
لكن علي تحذيركم مجدداً،
الرواية قد تحمل ألفاظ، ومواقف جريئة، لكنها من نسج الخيال البحتي، لذا حاول عدم الوقوع في حب أي شخصية كانت.
لنبدأ الآن صدقاً.
"مدير لعين.. كيف يجرأ على حبسي؟ كدت أقطع نحره بقلمي هذا.. تباً!"
تمتمت بهذا الهراء وهي تخرجُ من مكتب المدير، تزم شفتيّها بإنزعاجٍ بحتيٍّ، متكتفةً، خلال المشي بطريقة طفلة صغيرة حرماها والداها من اللعب خارجاً بعد تأخر الوقت، لأنهُ حجزها عقوبةً بسبب ضربها للمتنمرة المشهورة جولينا هينري الحمقاء! هي دنيئة، سافلة، وهي تكرهها.
تجاهلت جميع من حولها من البشر الذين أرادوا أن يحيوها كونها من المشاهير هنا، في حالة ذهابها للصف.
أخذت حقيبتها، وليست متجهةً للمنزل، كلا، والدتها ستقوم بفصل رأسها عن جسدها بشكل حرفي إن علمت أنها خرجت قبل إنتهاء الدوام الدراسي، خصوصاً وهي تكون الممثلة الإسبانية الشعبية منذ التسعينات كاترينا مورتن.
لذا، ذهبت للسطح، سطح الجحيم، المهجور، والذي يخاف منه البعض لسبب ما بإستثناء روكفلر وهانغتن بين نطاق قوسين لمن فهم، محاوِلةً لتصفية ذهنها بطريقتها الخاصة.
رمت حقيبتها بشكل عشوائي، ونزعت سترتها ترميتها كذلك، كما فعلت لمشبك شعرها تتركه حراً ليستقبل الهواء الطلق.. تنفست بمعقٍ شديدٍ ووقار، وبدأت بإحمائات خفيفة قبل أن تبدأ التدريب على رقصة لحدث اليوم رأتها في مكان ما سابقاً، كونها قديمة.
كانت ترقص كعادتها على السطح كما في كل يوم، بعد عدة دقائق، وهي توشك إتقان ما تريد، تباً.
فجائها إتصال مديرها من هاتفٍ عريق التصميم، من شركةٍ مشهورةٍ اليوم تدعى نوكيا، مهربٌ إلى هذه المدرسة.
آهٍ، يريدها القدوم ؟
تلعن حياتها لو ذهبت للحانة الآن..هي تعمل هناك..
"سيدي، لا، لا يمكنني القدوم للطريق إلى الجنة الآن، لديّ عملٌ وأنتَ تعلم ظروفي..نعم، نعم...."
قام بالثرثرة عن أمور قذرة وسيئة، وهي تستمع وتتّصنع النبرة المغرية التي تجذب الزبائن دوماً والتي تبقيها على عملها.
هممت تبحث عن سترتها المخالفة للزي الرسمي المدرسي، ترتديها، متوجهةً وعائدةً إلى الصف أخيراً، بعد قرابة النصف ساعة من التدريب.
وهي تنصت لكلامه المقرف الذي تعودت على سماع مثله من عدة أشخاص غيره.
أخبرتكَ! أنها سافلة فكفَ عن الإستغراب كُلما قالت شيئاً لطفاً.
ودعني أخبرك..عندما إستدارت.. فقط عندما إستدارت.. رأت راندال.
نعم سامعيّ العزيز..أقصد، قارئيّ العزيز.
راندال روكفلر، جالسٌ على أحدى الطاولات المبعثرة في السطح، كتابه مرمي بإهمالٍ، وبيده يعبث بقداحته، الأخرى يسندها على الكرسي متكأً عليه.. وينظر إليها.
ركز لطفاً، إليها هي.
من شدة صدمتها أوقعت هاتفها المحمول الثقيل المسكين والذي لا دخل له بكُل شيء نحو الأرض الصلبة مسببةً ضجة بسيطة.
كيف لم تنتبه لوجوده حتى؟ اللعنة!
بحقكَ ما معنى هذا؟
وما زال يعبث بقداحته.. يُشعلها.. يُطفأها.. يغيضها هذا اللعين!
شهقت بتفاجئ بعد إستيعابها للموقف الغبي التي لا تتمنى حتى لعدوها كي يحصل له.
"حسناً.. إستمع..هذا.."
"هل تعملين في حانة.. يا إبنة هانغتن؟"
لعنت بخفة تحت أنفاسها لهذا الوجه الحسن أمامها، وكيف كان ينظر لها بنظرة 'أخيراً وجدتُ زَلتكِ المثالية لتخريب سمعتكِ المخربة في المدرسة..'
"الرقصة جيدة، مؤكد ستعجب زبائنكِ المزعومين."
ليس مؤكداً، لكن أأخذ فكرة سيئة عنها؟
أكمل حديثه موسعاً إبتسامته المنتصرة عليها، وهو حتى لا يعرف إسمها الكامل على الأرجح.
"..هذا.."
لحظة.. أوقف التصوير.
هل قالت إسم الحانة التي تعمل بها.. وبصوتٍ عاليٍّ؟
والذي سمعها هو إبن روكفلر لا غيره؟.. لا.. لا هذا كثير عليها!
هذا كثير حقاً!
تود البكاء الآن، لما إبن روكفلر بالذات؟ لما ليس داميان أو حتى بول من أوغاد المدرسة؟ يمكنها إخراسهم لو تطلب الأمر، لما ليست هيلينا؟ تباً مجدداً، هيلينا سميث تعلم بالأمر أصلاً.
أمام روكفلر وحده؟ الذي كانت قد بدأت الإعجاب بشكله للتو؟.. بحق الرب.
"المقابل؟"
هزت رأسها بعدم فهمٍ وهي تعود خطوة دفاعية للخلف:
"مقابل ماذا؟"
"مقابل عدم قولي لأحد."
ضربَ وتراً حساساً بقوله البسيط، ليس وكأن أي أحد في موقفها سيريد ذلك.
"هاه؟"
حسناً هذا سيء، لم تتوقع ما طلبه،
هو يسترجي مقابلاً لعدم التفوه بشيء ينهي مسيرتها المشهورة بل عدم نبذها هنا كما حدث لإختها في الثانوية.
"مالذي تريده اذاً؟ خدامة؟"
سألت بعد أن تنحنح يعيدها للواقع، فأجاب وإبتسامته النرجسية الوسيمة تتسع:
"متى يبدأ الحدث الذي يستدعي هذه المهارة الجيدة، في الحانة التي تعملين بها؟"
"غداً.. مهلاً لحظة.. ماذا؟ ستدخل له؟"
هل أومأ بالموافقا تواً؟
اللعنة عليكِ ايما وعلى عشيرتكِ، وعلى آل روكفلر أجمع واحداً واحداً.
"كيف؟لا يُقبل دخول من هم تحت السن القانوني؟"
"بعداً عن كوني أكبركِ بعامٍ ايما هانغتن، تذكري دائماً انني روكفلر..وسأكتفي بقول هذا."
"اوه، صحيح."
أعاد شعره للخلف بيده التي ترى عروقها التي ستصهر كل إمرأة أمامه،
وهو يفكر في سؤاله التالي.
"كيف إستطعتي العمل هناك على أي حال؟.. أنتِ القاصر هنا."
"غير مهم."
عبثت بشعرها هي الأخرى وردتت ببرود هاتين الكلمتين.. بينما تتذكر كيف حدث الأمر.
"يا إبنة هانغتن.. أليس من الأفضل لكِ الإجابة هنا؟"
وصف روكفلر الغريبين، يعشقون السيطرة، وتسري الأنانية في عروقهم ومن جزيئات دمهم من قلبهم نحو قلبهم مجدداً.
"حقاً كما وصفتكم أختي..مدللين يا أبناء روكفلر..لا يمكنني تحمل هذا..تباً.."
رفع لها حاجباً فأجابت بملل وبرود مصطنعين..يبدو أنه ينظر داخلها ويقرأ كل صغيرة وكبيرة فيها بمهارة روكفلرية مميزة.
"مدير الحانة شخص سيء، متحرش، وبلا بلا من هذه الجماعة السيئة.. لذا شهدت له بعضاً من جرائمه، وبكل بساطة صورتها بكاميرتي الصغيرة، ثم هددته بها، أعلم أني ذكية لا تجاملني.. مازال الأمر خطيراً كونه يستطيع إيذائي بسهولة لكنني لا أخاف منه.. هو الذي أقترح توضيفي وصنع لي هوية مزيفة.. هذا كل شيء."
"ما كان أسمكِ بالهوية المزيفة؟"
"حسناً هذا كثير.. أنها معلومة سرية.. إعذرني."
سخرت منه بهذا لكنه لم يقل شيئاً.. أبعد نظره كأنه يفكر، وبالمناسبة، مازال يعبث بقداحته.
لذا سألته متكتفة:
"اذاً.. ما الذي تريده كمقابل، روكفلر؟"
" ما رأيك بأن تكونِ حبيبتي..رُبما..؟"
إبتسم عند قوله لكلمته الأخيرة كأنه يحاول السخرية منها قدر الإمكان و المستطاع هنا.
"حبيبة؟.. أظن انكَ تريد الموت مبكراً.."
أخرج إبن روكفلر مسجلاً من جيبه وضغط زراً بعث صوتاً منخفضاً، لتسجيل لها وهي تتكلم مع الزبون.
ثم قال بسخرية وهمهم بعدها:
"من يريد الموتَ هنا؟"
وأشار إليه مؤكداً على تهديده.. ثم أرجعه لجيبه وعاد يلعب بقداحته، الأمر بتلك السهولة معه، ليس وكأن حياة شخص قد تتدمر أو أن كرامته قد تمسح عرض البلاط.
إمسكوها، الوقت ليس الوقت لقتله، هذا الوغد اللعين.
بغضبٍ بحتي سألتهُ:
"لما؟ أنا بالذات؟ المدرسة تملأها الفتيات الجميلات التي يسعين لقلبكَ، ومنهم جولينا لو كنتُ دقيقةً"
همهم بصوتٍ منخفضٍ وأجاب بهدوء:
"أتسائل حقاً.."
هو فقط يحاول العبث، تأكدت من هذا، لذا شتمت بصوت مرتفع:
"تباً!"
ولأنها كانت تضرب الأرض، تفرغ جام غضبها على الطاولات لم تنتبه أن راندال نهض وكان خلفها، وعندما لاحظت أنه حقاً خلفها وإستدارت، بحركةٍ غير متوقعة ضربت قدمها بالأخرى عن طريق الخطأ وسقطت عليه. أجل، سقطت عليه.
ليس هذا وحسب، بل وتلامست شفتاهما للحظات، أتدرون ما يعنيه هذا؟
أنها قبلة، أعزائي القراء، قبلة!
لا أعلم مالذي أفكر به ككاتبة لكن قبلة كثير جداً في مثل هذا الموقف وفي أول محادثة وفي أول فصل، الأ تظنون ؟
نحن لسنا في دراما كورية الإنتاج، آهٍ، يا أيها الربُ، فالتُعنها.
ونعود للقبلة.
مشكلتها هنا أنها لم تستوعب هذا الى بعد ثمانية عشر ثانية بالتحديد واللعنة، مجدداً.
لذا وبإرتباك إبتعدت عنه، تجلس على الأرض قربه، كما تتحس شفتاها من الموضع الغريب للقبلة، قبل أن تتلفظ بكلمات إعتذارٍ بسيطةٍ،
في ما كانت أفكر؟.. لما لم تنهض بعيداً؟ تشبه هنا البطلة الغبية الخجولة، وهي تكره هذا بحق خالق السماء.
في هذا الوقت جلس هو كذلك ومرر يده خلف رأسه متألماً حتى رفع نظره تجاهها، ثم تلاقت أعينهما.
لحظه درامية، صحيح؟
ستظنون أنهما وقعا بالحب، وغير رأيه لأجلها وبلا بلا بلا.. لكن هو قال شيئاً فاجئ حتى أنا الكاتبة شخصياً معها.
"تباً، أيتها ال**.. الا تنتبهين؟"
هاه؟ هي والمصطلح الخفي؟ مالذي قاله هذا الوغد تواً؟ أعني، هي لا تنكر حقيقة انها كذلك، لكن الوحيد المسموح له مناداتها بذلك هي بنفسها، واللعنة الكاتبية.
"هاه؟"
"إبتعدي.."
"مالذي تفهوت به أيها الوغد؟"
"قلتُ **؟ هل كذبتُ؟"
"كلا لكن لعنة الجحيم عليكَ!"
رفع حاجبه ببعض 'أنا حقاً لا أفهم هذه المرأة'..
"سافل حقير"
"سافلة حقيرة!"
وللأسف قالاها فالوقت ذاته.. لايهم ما حدث تالياً فكانا مشغولين بشتم بعضهما البعض، حتى لو أن رائحة عطرها فواحة تجعله يتشتت قليلاً، حاول هذا الوغد أن يبقي تركيزه على ما يريد الوصول إليه..
حتى فجأة:
"هل تريد أن أريك ال** اللعينة التي تتكلم عنها، ها؟"
ماذا؟ لما تحول الأمر أن إلى هذا الوضع؟
لا أعلم بماذا كانت تفكر صدقاً، ولأنها كانت بوضعية جالسة بين قدميه، تشتمه قررت أن تظهر تلك الشخصية الفاسدة داخلها، وتحاصره بيديها على الأرض.
ملامحه الباردة لم تتغير بل قال ؛
"هيا إذاً.."
لتكون صادقة بشكل بحتي هي لم تكن تخطط لفعل شيء غير أخلاقي هنا.
كانت فقط تريد ضربه، حسناً؟
أعلم، أعلم لم تصدقوها..
لا أحد يصدقها على كل حال.
في هذه اللحظة بالذات التي قربت فيها شفتيّها لشفته تحاول خداعه، فُتح باب السطح وسمعت صوت هيلينا يقول ؛
"ايما؟ هل أنتِ هنا؟ ظننتُ أنك ذهبتِ للمنزل وتركتِ..ني.."
وتباً كانت هيلينا وحبيبها خلفها وكزاندر، و بيلا زملاء الصف، كلهم كانوا خلفها وشهدوا الموقف وأفواههم مفتوحة لصدمتهم.
وعندما بدأت التبرير بأنهما حقاً لم يفعلا شيء، سمعتها تُتمتم قبل أن تدير ظهرها كما فعل الآخرون وأغلقت الباب؛
"أعتذر عن المقاطعة.."
رمشت تدرك الدراما التي وضعت فيها نفسها.
ما كان عليها الهروب للسطح بالذات، صحيح؟
مختبر الكيمياء في المبنى الثاني والمهجور كان حلاً أفضل.
لعنت بصوتٍ مسموعٍ وأعادت حدقتيها للسيد راندال ومازال ينظر لباب السطح بملامح خاوية لذا صرخت تأمل أنهم موجودون في مكان ما.
"تباً! ليس كما تظنون! ماهذا الموقف اللعين؟يا اللهي!.."
"أذنيّ.. أريدهما أُقسم"
"إخرس أيها التافه!"
سحب نفسه من عندها ؛
"سأذهب.."
"آهٍ، لو يعطني الرب قدراً من برودك لكانت مشاكلي كلها محلولة الآن.."
"فاليُعنّي الرب، على ملكة الدراما هذه.."
رغم تلاوته لدعواته بصوت منخفض إلا أنها سمعتها،
"هل دعيت أن يعينك الرب علي الآن؟ لما هل أنا سيئة لتلك الدرجة؟ أنا على وشك البكاء الآن من الموقف، وأنتَ، تقوم بالدعاء عليّ، ونعتي بملكة الدراما بدل مساعدتي!"
"لا تبكي إذاً، حسناً..؟"
"هذا تعبير مجازي لعين!"
"وماذا أفعل به؟"
"اللعنة عليك يا إبن روكفلر!"
"حسناً، حسناً.. اللعنة علي..فهمت.."
كان يُعدل ثيابه المبعثرة بسببها وسقوطه.. وكانت تحدق به.
لحظات صمت مرت، بعد تمتمته لذلك الهراء، ولتكون صريحة:
كل هذه الدراما حدثت بسببها. هو فقط أراد أن يخفف عنها إحراج القبلة فإفتعل مشكلة.
أعني، هي تدرك ذلك، لكن السؤال هو:
لما يهتم هذا الوغد؟
و للأسف، لأنها كنت غارقة جداً بالتفكير، لم تنتبه حقاً أنه كان يحدق بها كذلك وقتها.
"أخرجي من عالم أحلامك الوردية، هانغتن، لديك إختبار بعد قليل.."
"إختبار؟ إختبار ماذا؟"
"توقعت نسيانك فكنت تودين الخروج على أي حال.. لدينا إختبار لمادة الكيمياء بعد.. أقل من عشر دقائق..؟"
"ما اللعنة..؟ كيف نسيت..تباً..تباً!!"
"أسرعي لطفاً؟"
________________________________________
Marceline