Chapter 2
في الليل
كان الهدوء كثيفًا يخيّم على القصر، غير أن الحذر كان يتغلغل في زواياه كالدخان. وقف ميان قرب كلاوس في ردهة الطابق العلوي، بينما كانت نظرات كلاوس مركزة نحو الباب المغلق خلفه.
— "أظنّ أنّها ستحاول الهرب،" قال ميان بصوت خافت.
— "تلك الفتاة... آنابيلا، ليست سهلة كما توهّم الجميع."
نظر إليه كلاوس بصمت، دون أن يُبدي أي رد فعل.
— "لقد تأملت نظراتها، وحركاتها، وحتى نبرة صوتها حين تحدثت عن عمليتها الجراحية. إن كان حدسي صائبًا، فهي مستعدّة لفعل أي شيء كي لا تُفوّت الموعد... حتى لو كان ذلك يعني ضرب الحرس والهروب."
أخذ كلاوس نفسًا عميقًا، ثم أدار وجهه نحو رجاله الواقفين خلفه، وقال بصرامة:
— "شددوا الحراسة. لا يُفتح باب غرفتها دون إذني. ولا أحد يقترب منها."
أومأ الرجال برؤوسهم، ثم توزعوا كما أُمروا.
لكن ما لم يكن في حسبان أحد... أن آنابيلا، في ذلك الوقت بالذات، كانت قد بدأت بالفعل خطتها.
—
عند آنابيلا
بهدوء مريب، وبتوقيت محسوب بدقة، استدرجت الحارس الأول إلى زاوية مظلمة من الممر، ثم أسقطته بحركة خاطفة جعلته يرتطم بالجدار ويفقد وعيه على الفور.
الحارس الثاني لم يمهله الوقت ليدرك ما حدث... سقط كذلك بضربة متقنة على عنقه.
والثالث، حاول الصراخ، لكن ضربة في معدته، ثم ركلة سريعة على وجهه، كانت كفيلة بإسكات صوته للأبد.
هربت.
ركضت بخفة بين ممرات القصر الخلفية التي حفظتها خلال الأيام الماضية. لم يكن في عينيها أي تردد.
كانت تعرف تمامًا إلى أين تمضي.
—
في منزلها
وصلت إلى بيتها قبل أن تُدركها الشمس. دخلت بسرعة، خلعت ملابسها الملطخة، واستحمت بماء بارد أيقظ أعصابها من جديد.
ارتدت ملابس نظيفة، مشّطت شعرها بعناية، ثم جلست أمام مرآتها لإكمال روتينها الصباحي.
لم تكن تتصرف كفارة أو هاربة... بل كامرأة تمارس طقسها اليومي بهدوء تام.
وضعت حقيبتها على الطاولة، فتحتها، وتأكدت من وجود كل الأدوات.
السماعة، الأقنعة، القفازات، أوراق المريضة... كل شيء في مكانه.
ثم خرجت، وأغلقت الباب خلفها.
—
في المستشفى
وصلت آنابيلا إلى المستشفى في الوقت المحدد تمامًا. لم تكن تلهث، لم تكن متوترة.
دخلت من البوابة الرئيسية، متجاوزةً الطوارئ، متجهة نحو جناح العمليات.
كان سام واقفًا هناك، يذرع الممر بعصبية ظاهرة. وما إن رآها، حتى اتّسعت عيناه، وتقدّم نحوها بسرعة.
— "أين كنتِ؟! لقد حاولت الاتصال بك عشرات المرات. هل تعلمين كم أقلقتِني؟"
اكتفت آنابيلا بالنظر إليه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، خفيفة، لا تُفصح عن شيء، لكنها كانت كافية لإخماد كل غضبه.
لم تُجبه، واكتفت بالسير إلى غرفة العمليات.
وقف سام مكانه، يراقبها تمشي، وقلبه يهمس في صمت:
— "كم أعشق تلك الابتسامة... رغم أنّها لا تقول شيئًا."
—
داخل غرفة العمليات
المريضة، امرأة خمسينية، كانت على طاولة العمليات، ووجهها غائب تحت تأثير التخدير العام. حالة قلبها المتدهورة تقترب من مرحلة الخطر، فقد أظهرت الصور الطبية انسدادًا مزدوجًا في الشرايين التاجية، مع ضعف في الصمّام التاجي.
ارتدت آنابيلا مريولها الأبيض، شدّت قفازيها، وتقدّمت إلى الطاولة بثقة. إلى جانبها، كان سام قد بدأ التحضير بالفعل.
أشار سام إلى الفريق قائلاً:
— "نبدأ بشق الصدر، تحضيرًا للوصول إلى القلب. آنابيلا، أنتِ جاهزة؟"
أومأت له بصمت، ثم تولّى هو تنفيذ الشقّ الأول بدقة على طول عظم القص، مستخدمًا المشرط، ثم قال للطبيب المساعد:
— "المنشار العظمي."
أمسك الجهاز، وقام بقطع عظم القص وسط صمتٍ ثقيل لا يُكسره سوى صوت الجهاز. أنابيلا كانت تراقب المؤشرات الحيوية باستمرار، بينما تُعدّ أدواتها بعناية.
ما إن انتهى سام من فتح القفص الصدري، حتى قالت آنابيلا بثبات:
— "دعني أتولّى الأمور من هنا."
أزاح سام جسده قليلاً، وأبقى يده على أحد الأنابيب المتصلة بآلة القلب والرئتين، مراقبًا الضغط والتنفس. كانت يدها تغوص داخل صدر المريضة، تنقل الشرايين بلطف، وتثبت المشابك الجراحية في مواقعها، كأنها تعزف على آلة موسيقية لا تحتمل الخطأ.
استخرجت القثطرة الخاصة، وبدأت بإزالة الترسّبات داخل الشريان الرئيسي، ثم وضعت رقعة من الوريد المأخوذ سابقًا لربط التجاوز. التوتر كان متصاعدًا، والأنفاس محبوسة.
وفي لحظةٍ حاسمة، قالت آنابيلا:
— "الآن... الصمام."
أعطاها سام الأداة المناسبة، ففتحت مكان الصمام التاجي المتآكل، واستبدلته بصمامٍ ميكانيكي، وثبّتته بدقة لا تُخطئ.
مرّت دقائق طويلة.
ثم... عادت الأجهزة تُصدر إشارات إيجابية. النبض بدأ بالاستقرار. الضغط ارتفع تدريجيًا.
قال الطبيب المساعد بدهشة:
— "أعاد القلب العمل... لقد استجابت."
نظر سام إلى آنابيلا وهمس:
— "كأنها صنعت معجزة."
رفعت آنابيلا رأسها، نظرت إلى المريضة للحظة، ثم خلعت قفازاتها بهدوء، وخرجت من غرفة العمليات بصمتٍ يشبه انتصارًا لا يحتاج إعلانًا.
داخل غرفة العمليات — بعد نجاح العملية
خلعت آنابيلا قناعها ووقفت للحظة تنظر إلى المريضة، فيما كان الفريق الطبي لا يزال مذهولًا من براعتها.
وقف أحد الجراحين يهمس للممرضة:
— "هل رأيتِ كيف استخرجت الصمام؟ لم ترتجف يدها لحظة واحدة."
ردّت الممرضة بدهشة:
— "إنها... نادرة. تشبه أولئك الذين نقرأ عنهم في الكتب، لا من نراهم في المستشفيات."
أما سام، فكان يراقبها وهي تغسل يديها وتعيد ترتيب أدواتها بدقة. صمت للحظة، ثم فكّر في نفسه:
— "كم من الجراحين شهدتُ... وكم من الأطباء عملتُ معهم... لكن هذه الفتاة؟ إنها مختلفة. لا يهم كم تؤذيني، كم تغيظني، كم تتجاهلني... أنا... لا أملك إلا أن أُعجب بها."
كانت آنابيلا قد أتمّت عملها، وأمام نظرات الفريق المنبهرة، خرجت من غرفة العمليات بصمت، كأنها لم تنقذ حياة، بل أنهت واجبًا روتينيًا فقط.
—
العودة إلى القصر
تسلّلت آنابيلا إلى القصر من حيث خرجت، مستخدمة المسار الخلفي المهجور خلف الحديقة الصغيرة.
خطواتها كانت ثابتة، لكنها مرهقة، وعيناها تحملان ظلّ التعب الطويل، غير أن ملامحها بقيت باردة كالجليد.
صعدت إلى الطابق العلوي، تفادت الحرس الذين كانوا قد أُعيد نشرهم بعد الحادثة.
لم يلحظها أحد.
فتحت باب غرفة كلاوس بخفة، وأغلقته وراءها بصمتٍ شبه مقدّس.
خلعت حذاءها، أسندت حقيبتها الطبية إلى الجدار، وسحبت غطاء السرير الكبير بلطف.
تأمّلت الوسادة للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة لا تحمل في طيّاتها سوى الإعياء والرضى.
استلقت على السرير، لا تزال ترتدي المريول الأبيض، الملطخ ببقع دم جاف من العملية التي أنقذت فيها حياة امرأة غريبة.
أغمضت عينيها... وغرقت في نومٍ عميق.
—
كلاوس
كانت الضوضاء تعمّ القصر.
الجنود ينتشرون، ميان يصرخ، والخدم يتبادلون النظرات الخائفة.
دفع كلاوس باب غرفته بعنف، ودخل بخطى حادّة.
لكنه توقف.
هناك، على سريره، كانت آنابيلا نائمة بثيابها الطبية، الملطّخة بالدماء، وكأنّها لم تهرب، لم تُقاتل، لم تُنجِ حياة بشر، ولم تُهدر قطرة من عرقها.
نظر إليها مطولًا.
صوت داخلي بدأ يهمس:
— "ضربت رجالي، خدعتني، خرجت من تحت عيني، ثم عادت لتنام هنا... وكأنها لم تذهب يومًا."
— "لم أفهمها بعد... لكنني أعلم يقينًا أنّ لا أحد يشبهها."
— "أظنّ بأنّي... وقعت لها."
كلاوس – من عند الباب
تقدّم بخطى هادئة، ناظرًا إليها كمن يرى طيفًا لا يُفسَّر.
عيناها مغمضتان، أنفاسها متّزنة، والمريول الأبيض لا يزال يحمل بقع الدم.
كم من الأسئلة كانت تدور في رأسه، وكم من الأوامر تلاشت حين رآها بهذا الهدوء.
وقف عند طرف السرير.
مدّ يده قليلاً، ثم توقّف في منتصف الطريق.
كان يُريد أن يوقظها، أن يصرخ، أن يلومها، لكنه لم يفعل.
اكتفى بالجلوس على الكرسي الجانبي، واضعًا كوعه على فخذه، وذقنه على يده، يراقبها بصمت.
صوته الداخلي:
— "لماذا لم تخفْ؟"
— "كان يمكنها الهرب، والاختفاء، وعدم العودة... لكنها عادت."
— "لم أعد أفهم من يُسيطر على الآخر في هذه اللعبة. أنا... أم هي؟"
— "هذا السرير لم يعرف من قبل من ينام عليه بمثل هذه البراءة."
— "آنابيلا..."
— "أنتِ خطر. هادئٌ، وناعم، وذكي، وعنيد... وكلّ ذلك يروق لي على نحوٍ مقلق."
— "أظن بأنّي... وقعت لكِ أكثر مما اعترفتُ لنفسي."
**
مرّت دقائق، ربما ساعات، قبل أن تتحرّك يدها الخفيفة على الوسادة.
فتحت عينيها ببطء.
وجدته هناك، يُحدّق فيها بصمت، لا نظرات غيظ، ولا سخط، بل شيء آخر... شيء لا تعرف اسمه.
قالت بصوت ناعس:
— "أنت هنا؟"
ردّ بصوت منخفض، أقرب إلى الهمس:
— "أين كنتِ؟"
رفعت رأسها قليلاً، ثم استندت إلى الوسادة:
— "أتممتُ ما بدأتُه."
صمت.
هو يعرف ما فعلته. يعرف تمامًا.
قال بعدها:
— "ضربتِ أربعة من رجالي."
ابتسمت بخفة:
— "أجل... لكنّني تأكّدت أنهم بخير قبل أن أغادر."
أغلق عينيه للحظة، ثم تنفّس بعمق:
— "أنتِ مجنونة..."
نظرت إليه، ثم قالت:
— "ربما... لكنني لا أتراجع عمّا أؤمن به."
لم يُجب. بقي ينظر إليها.
مرّت لحظة صمت، ثم قال:
— "ارتاحي... حديثنا لم ينتهِ بعد."
أشاحت بوجهها عنه، وهمست:
— "ولا عملي أيضاً..."
كلاوس – داخل الغرفة، في صمت الليل
جلس على طرف السرير، وراح يُحدّق في وجهها بهدوء لا يشبهه.
النور الخافت المنبعث من المصباح الجانبي كان يلقي ظلالًا ناعمة على ملامحها.
وجهها مسترخٍ، أنفاسها هادئة، وشعرها الفوضوي ينسدل على الوسادة، يُحيط بملامحها كإطار لعملٍ فنيّ لا يُوصف.
صوته الداخلي:
— "ما هذا الهدوء الذي يغلفها؟ كأنها لا تنتمي لهذا العالم... لا تنتمي حتى لنفسها."
— "رائعة... بشكل مربك."
— "هذه العيون، هذا الأنف، الانحناءة الخفيفة لشفتيها... رأيتُها من قبل."
— "أين؟"
— "أين رأيت هذه الملامح؟ في صورة؟ في حلم؟ في ماضٍ بعيد...؟"
اقترب قليلًا، يُحدّق أكثر، كأنّ عينيه تبحثان عن ذاكرةٍ مفقودة بين ملامحها.
— "لا شيء فيها يشي بأنها هاربة... ولا بأنها قاتلت، ولا بأنها دخلت غرفة عمليات."
— "كأنها خرجت من لوحةٍ قديمة... ثم قرّرت أن تربك واقعي."
— "آنابيلا... ما الذي تفعلينه بي؟"
**
في لحظة صامتة، تحرّكت جفونها ببطء، وفتحت عينيها.
لم تتفاجأ. لم تنطق.
بل رفعت بصرها إليه، ونظرت في عينيه مباشرة... نظرة هادئة، ثابتة، لا تحمل خوفًا ولا دهشة، بل برودًا يحترق في عمقه.
هو لم يتحرك.
دام التبادل البصري طويلًا، ساكنًا، كأن الزمن توقّف بينهما.
**
أخيرًا، همس بصوت خافت، دون أن يبعد عينيه عنها:
— "أنتِ لغزٌ يفتنني... ويُخيفني."
ولم تُجبه.
اكتفت بالتحديق... ثم أغلقت عينيها من جديد، وكأنّ وجوده لا يعني شيئًا، أو كأنّها ارتاحت لوجوده أكثر مما تريد أن تعترف.
صباح اليوم التالي – قصر كلاوس
كانت الشمس تتسلّل بخجل من بين ستائر النوافذ الواسعة، تنثر ضوءًا ذهبيًا خفيفًا على أرضيّة الغرفة، حين فتحت آنابيلا عينيها ببطء.
لحظة صمت خالصة، كأنّها لا تزال بين الحلم واليقظة.
نظرت حولها... السرير الكبير، الأغطية الثقيلة، رائحة القماش النظيف، والصمت المترف...
تذكّرت كل شيء. كيف عادت، كيف نامت في هذا السرير تحديدًا... وكيف كان هو يحدّق بها.
**
نهضت بهدوء، جلست على طرف السرير، مدّت ذراعيها لتتخلّص من آثار النوم، ثم نزعت المريول الطبي بعناية، وارتدت قميصًا أبيض كانت قد وجدته في إحدى خزائن الغرفة.
فتحت النافذة، واستنشقت هواءً عليلًا، ثم همست لنفسها:
— "هدوءٌ لا يشبه ما اعتدتُ عليه... لكنّه جميل."
**
في الخارج، كان كلاوس يقف في إحدى الشرفات العالية للقصر، فنجان قهوته بيده، ونظره يتجه نحو الحديقة الخضراء.
لم ينم طويلًا. قضى الليل في تقليب الأفكار، ومحاولة ترتيب تلك الفوضى التي أحدثتها آنابيلا في رأسه.
فجأة، لمحها من بعيد. واقفة عند إحدى النوافذ، تتأمل السماء.
بلا قصد، ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، سرعان ما أخفاها برشفة من قهوته.
صوته الداخلي:
— "كيف يمكن أن تملأ حضـورها هذا المكان، رغم هدوئها؟"
— "ماذا أفعل بكِ، آنابيلا؟... هل أترككِ ترحلين؟ أم أُبقيكِ لأراكِ تُفككينني أكثر؟"
**
مرت بعض الدقائق قبل أن تدخل "ميليسا"، إحدى الخادمات، إلى غرفة آنابيلا، تحمل لها صينية إفطار فاخرة.
ابتسمت بلطف وقالت:
— "السيّد كلاوس أوصى أن ترتاحي اليوم... وأمر ألّا يُزعجكِ أحد."
رفعت آنابيلا حاجبها بتعجّب:
— "أوصى؟"
أجابت ميليسا بهدوء:
— "قال: اليوم عطلة في المشفى... دعوها تأخذ عطلتها هنا."
**
جلست آنابيلا إلى الطاولة الصغيرة في ركن الغرفة، تناولت كوب الشاي بهدوء، وعقلها يعمل بهدوء شديد:
— "لماذا يهتم؟ هل لأنه منزعج؟ أم لأنني أربكُه؟"
— "وإن كان بدأ يعجب بي... فهل هذا خطر؟"
**
في مكان آخر من القصر، كان ميان يتحدث مع كلاوس في قاعة الاجتماعات الصغيرة:
— "صباح الخير، سيدي. هل عُثر على نقاط الضعف في حراستنا بعد الحادثة؟"
— "نعم، والكل يخضع للمساءلة. لكن ليس هذا ما يشغلني الآن."
نظر إليه ميان باستغراب:
— "ماذا إذن؟"
ردّ كلاوس، وهو يرفع نظره نحو النافذة مجددًا:
— "قل لي، ميان... هل يُعقل أن فتاةً، هربت، وأجرت عملية قلب مفتوح، وعادت بكل هذا البرود... تكون عابرة فقط؟"
صمت ميان للحظة، ثم قال مبتسمًا:
— "لا أظنّ يا سيدي... ويبدو أنك بدأتَ تُدرك ذلك بنفسك."
**
صمتٌ جديد خيّم على المكان، لكنّه لم يكن ثقيلًا.
بل كان مشبعًا باحتمالات جديدة... وربما، بداية صراع آخر، لا يدور حول السلطة، بل حول من يربك الآخر أكثر.
في غرفة المعيشة بالقصر – بعد الظهر
كانت آنابيلا واقفة بهدوء، عينها تتلفت بلا مبالاة، بينما كلاوس يجلس على الأريكة يراقبها بعينين مشتعلة.
فجأة رن هاتفها المحمول، وظهر على الشاشة اسم: my sam.
التقطته آنابيلا، وملامحها التي كانت جامدة وباردة بدأت تتغير تدريجيًا إلى ابتسامة خفيفة ودفء في الصوت.
قالت بهدوء أمام كلاوس:
— "مرحبًا، سام."
ضغطت على زر السبيكر، لتملأ الغرفة صوت سام العذب.
سمع كلاوس صوت سام الواضح، ودفق الحنان في نبراته وهو يقول:
— "أنا سعيد جدًا أنني تمكنت من الوصول إليك، آنابيلا. كيف حالك؟"
ابتسمت آنابيلا، ورقتها تعلو حديثها:
— "أنا بخير، شكراً لك."
تنهد سام بود:
— "كنت أفكر... ما رأيك أن نتناول العشاء الليلة؟"
نظرت آنابيلا إلى كلاوس بدون أن تخفي ابتسامتها، وقالت:
— "لقد وعدتك، سام. سأكون معك."
كانت عينا كلاوس تشتعلان غيرة، يراقبها وهي ترد عليه بابتسامة تنبض بالدفء، بعيدة كل البعد عن البرود الذي كانت تظهره قبلاً.
همس في نفسه بغضب:
— "كيف تجرؤ على أن تكون أنت هذا الذي يملأ قلبها دفئًا، وأنا هنا مجرد ظل؟"
سكتت آنابيلا، وأنهت المكالمة بهدوء، وأعادته إلى جيبها.
ظل كلاوس جالسًا، عينيه تلاحقها كأنها نيران لا تنطفئ.
في غرفة المعيشة بالقصر – بعد المكالمة
ظل كلاوس يجلس، عيناه لم تفارقا آنابيلا، التي وضعت هاتفها في جيبها بهدوء.
تقدم كلاوس ببطء نحوها، وصوته منخفض لكنه مثقل بالإصرار:
— "آنابيلا..."
التفتت إليه، عينيها تلمعان بالتحدي، تنظر إليه ببرود لكنها ساكنة:
— "ماذا تريد، كلاوس؟"
اقترب أكثر، حتى كانت المسافة بينهما بالكاد تُشعر بهما.
قال بنبرة شبه أمر:
— "لا تظني أنني أسمح لكِ بأن تلهبي قلبكِ لأي أحد غيري... مشاعري ليست لعبة، ولن أتركك تبتعدين هكذا بسهولة."
ابتسمت آنابيلا ابتسامة هادئة، تنم عن ثقة وحزم:
— "وأنتَ؟ هل تعتقد أنني لعبة في يدك؟ أني أُذعن لأوامرك؟"
التقت نظراتهما في صمت ثقيل، كأن الكلمات أصبحت زائدة عن الحاجة.
رفع كلاوس يده وكاد يلمس وجهها، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة، وقال بنبره أخف قليلاً:
— "أريد فقط أن تبقي هنا... بجانبي."
ردت بهدوء وبقليل من اللطافة:
— "سأبقى حيث أريد، كلاوس."
وقف كلاوس ينظر إليها للحظة، قبل أن يهمس في نفسه:
— "ربما... ربما بدأتُ فعلاً أقع لها."
تبادلا النظرات مرة أخيرة، وعاد الصمت، لكنّه كان مشحونًا بأكثر مما تحمله الكلمات.
اقترب كلاوس منها بنظرة حادة، وقال بصوت مثقل بالإصرار:
— "أريد فقط أن تبقي هنا... بجانبي."
ابتسمت آنابيلا ابتسامة باردة، تحدّثت بنبرة لا تخلو من استهزاء خفيف:
— "آه صحيح... ومن قال لك أنني سأبادلك المشاعر؟ حتى أخضع لك؟"
ارتفع صوت كلاوس فجأة، فقد سيطرته، وتقدم نحوها بسرعة.
أمسك بها بحزم، حملها دون أن تمانع، ورافقها إلى غرفته.
دخل الغرفة وأغلق الباب خلفه بقوة.
اقترب منها، وصوته أصبح منخفضًا لكن مملوءًا بالتهديد:
— "لن تغيبي عن ناظري... ولن تذهبي إلى سام ذاك."
تمتمت آنابيلا في نفسها، نظراتها لا تزال باردة، لكن في عينيها بريق مختلف.
في غرفة كلاوس – بعد أن أغلق الباب بقوة
جلست آنابيلا على الكرسي بقرب النافذة، وبكل برود بدأت تقلب صفحات رواية بين يديها، غير مبالية بوجوده في الغرفة.
كان كلاوس واقفًا بجانب الباب، يراقبها بنظرات ملتهبة، تحترق فيها الغيرة والقلق.
مرّت دقائق صمت ثقيلة، ثم نهضت آنابيلا بهدوء.
اقتربت من خزانة الملابس، وبدأت تتجهز بعناية؛ اختارت ملابسها بعناد واضح، رافضة أن تظهر أي أثر للخضوع.
رفع كلاوس صوته بنبرة غاضبة:
— "أنتِ تعاندينني... هل تظنين أنكِ تستطيعين أن تفعلي ما تشائين دون أن أعلم؟"
نظرت إليه آنابيلا بلا مبالاة، تضع آخر قطعة من ملابسها، وردّت بحدة:
— "أنا لست تحت أمر أحد، ولن أخضع لتهديداتك."
اقترب منها كلاوس، وحاول الإمساك بيدها، لكنها سحبتها بسرعة.
قال كلاوس بنبرة مكبوتة:
— "لن أسمح لكِ بالذهاب إلى ذلك اللقاء... لستُ على استعداد لأن أفقدك."
نظرت آنابيلا له بعينين جليديتين، وقالت ببرود:
— "حريتي ليست ملكًا لك، ولا يمكنك أن تمنعني."
توقف كلاوس للحظة، وجثم على الأرض، كأنه يحاول السيطرة على غضبه، ثم قال:
— "ربما... ربما لا أعرف كيف أحتفظ بكِ، لكني سأحاول."
تركت آنابيلا الغرفة، متجهة نحو الباب بحزم، وعيني كلاوس تتبعها بلهفة وغيرة.
توجهت آنابيلا نحو الباب، محاولة فتحه، لكنها وجدته مقفلًا بإحكام.
وقفت أمام الباب، نظرت إلى كلاوس بثبات، ثم التفتت إليه وقالت بصوت هادئ لكنه حازم:
— "هناك ثلاث احتمالات الآن، يا كلاوس: إما أن تعطيني المفتاح بإرادتك، أو آخذه بنفسي، أو أكسر الباب."
وقف كلاوس في مكانه، تتلاعب به نظرات آنابيلا الجريئة، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يرد:
— "لن أعطيك المفتاح... لكنني لن أسمح لك بكسر الباب."
ابتسمت آنابيلا بسخرية خفيفة، وقالت:
— "هذا ما سنراه."
تمتم كلاوس بصوت منخفض، والغيرة واضحة في عينيه:
— "لن أدعك تذهبي."
اقتربت آنابيلا بخطوات واثقة نحو كلاوس، حتى أصبحت ملاصقة له، تشعر بنبضات قلبه تتسارع من شدة الموقف.
توقف كلاوس للحظة، متأثراً بقربها المفاجئ.
مدت يدها بسرعة نحو خصره، أمسكت به، ثم سلّلت يدها الأخرى إلى جيبه، وأخرجت المفتاح بهدوء وسط سكون كلاوس.
ابتسمت ابتسامة هادئة، ثم توجهت نحو الباب.
وقبل أن تفتح، التفتت له بنظرة ثاقبة، وقالت ببرود وثقة:
— "سام مجرد صديق، وليس كما تظن."
ثم خرجت من الغرفة دون أن تلتفت إليه مرة أخرى، تاركة كلاوس واقفاً في صمت ثقيل، وأحاسيسه تتلاطم بين الغيرة والارتباك.
وقف كلاوس في وسط الغرفة، الباب مغلق خلفها، وصدى كلماتها لا يزال يرن في أذنيه:
"سام مجرد صديق، وليس كما تظن."
غاص في صمت عميق، تنهد ببطء، وأحس بغصة لا يعرف لها سببًا واضحًا.
حاول أن يستجمع قواه، لكن الغيرة لم تترك له مجالًا.
همس في نفسه بنبرة متألمة:
— "هل حقًا هي صديقة فقط؟ أم أن قلبي يرفض الحقيقة؟"
مسح بيده وجهه، ثم اقترب من النافذة، ينظر إلى الخارج وكأنه يبحث عن إجابات لا يجدها.
لكن شيئًا ما بداخله قد تغير... شيء بدأ يُحدث ارتباكًا في مشاعره.
كان يعلم أن المعركة لم تنته بعد، وأن آنابيلا ليست كما ظن.
Joulyana Arnold Vill