chapter 1

chapter 1

9 0

Chapter 1

فتحت عينيها على نغمة البيانو الهادئة المنبعثة من المنبه الصغير على طاولة السرير، تلك النغمة التي اختارتها خصيصًا لِما فيها من سكينة ونعومة، كأنها تشبه صباحاتها الهادئة. مدت يدها لتطفئه، ثم جلست بهدوء على طرف السرير، ونسمة الصباح الباردة تتسلل من الشق الصغير بين الستائر. كانت تلك الفتاة التي تقف الآن في بداية يوم جديد، ذات شعر بندقي طويل مموج، ينساب برقة على كتفيها، وعينين عسليتين خلف نظارات طبية دقيقة الإطار لا تفارق وجهها أبدًا. ملامحها ناعمة، وبشرتها البيضاء تُكمل هدوء حضورها. كل شيء فيها كان مرتبًا، محسوبًا، وكأن الفوضى لا مكان لها في عالمها.

رفعت الرواية التي تركتها على الطاولة في الليلة الماضية، وبدأت تقرأ من حيث توقفت. لم تكن تلك القراءة عادةً للتسلية فقط، بل كانت طقسًا صباحيًا يمنحها نوعًا من التوازن، وكأنها تجد في صفحاتها المألوفة بعضًا من ذاتها. جلست بصمت، تقلب الصفحات، تحتسي كوبًا من الشاي الأخضر الذي أعدّته بنفسها، دون استعجال.

مرّت ساعة تقريبًا، أنهت خلالها فصلًا جديدًا من الرواية. أغلقتها بهدوء، ثم نهضت لتبدأ روتينها الصباحي بدقة بالغة. حمام بارد، تصفيف شعر بسيط، ولمسات خفيفة من العطر، ثم ارتدت معطفها الطبي الأبيض، حملت حقيبتها، وغادرت الشقة بهدوءها المعتاد.

في طريقها إلى المستشفى، مرّت كالعادة بالعجوز الذي يبيع الزهور على ناصية الشارع، رجل في منتصف العمر يضع قبعة صوفية، وابتسامة دائمة لا تفارقه. لم تتحدث كثيرًا، فقط أشارت إلى وردة بيضاء صغيرة، دفعت ثمنها، ومضت في طريقها تحمل الوردة في يدها كأنها مفتاح يومها.

دخلت المستشفى بخطوات ثابتة. كانت تعرف هذا المكان جيدًا، تحفظ أصواته وروائحه، حتى تنهدات المرضى بدت مألوفة لها. توجهت مباشرة إلى مكتبها، وهناك، وجدت سام، زميلها الوحيد الذي يمكن أن يُقال عنه صديق. شاب أشقر، بشعر مجعد وعينين خضراوين، يملك تلك الروح المرحة التي تُكسر صمتها دون أن تزعجها.

– صباح الخير، أيّتها الدكتورة المنعزلة،

قالها ممازحًا وهو يرفع حاجبه بطريقة مسرحية.

– صباح النور، سام،

ردت بابتسامة خفيفة، جلست على كرسيها، وضعت حقيبتها جانبًا، ثم نظرت إليه.

– أخبريني، هل أنقذتِ العالم اليوم أيضًا قبل الإفطار؟

قال ضاحكًا وهو يضع ملفًا على مكتبها.

– ليس بعد... لكن ما زال أمامي وقت،

قالتها بهدوء، وفتحت الملف بنظرة سريعة.

استمر الحديث بينهما قليلًا، خفيفًا ومرِحًا، يتخلله صمت لا يزعج أحدًا، بل كأنهما اعتادا عليه.

فجأة، انطلق صوت إنذار الطوارئ عاليًا، يتردد في أرجاء المستشفى. تبادلت أنابيلا وسام النظرات لثانية، ثم نهضت على الفور وتوجهت نحو غرفة الطوارئ.

عند الباب، استقبلتها إحدى الممرضات على عجل.

– المريض وصل للتو... إصابتان ناريتان قريبتان جدًا من القلب. النزف حاد، والنبض غير مستقر.

– جهّزي غرفة العمليات فورًا، واطلبي فريق التخدير.

ترددت الممرضة خطوة للوراء، وقالت بصوت خافت:

– لكن… وصلت تعليمات من الإدارة بعدم التدخل نهائيًا، الحالة مصنّفة تحت "إشراف خارجي خاص".

رفعت أنابيلا عينيها من الملف الذي كانت تقلبه، وحدّقت في الممرضة بنظرة مباشرة:

– أنا رئيسة قسم جراحة القلب، وأُصدر الأوامر هنا.

ساد لحظة صمت مشحونة بالتوتر، ثم أضافت أنابيلا، بصوت هادئ لكنه قاطع، وكأنها تحسم نقاشًا داخليًا أكثر من كونه أمرًا خارجيًا:

– لستُ قاتلة… بصمت.

نظرت إليها الممرضة بذهول للحظة، ثم هزّت رأسها وقالت بامتثال:

– أمرك.

دلفت إلى غرفة العمليات بخطى ثابتة، والكمامة تغطي نصف وجهها، لكن عينيها كانتا كافيتين لبث الطمأنينة أو بث الرعب، حسب الموقف. كانت نظراتها حادة، مركزة، خالية من أي تردد. ارتدت القفازات المعقّمة، ثم اقتربت من المريض الذي كان مستلقيًا على السرير الأبيض، جسده شاحب، والتنفس يتباطأ مع كل ثانية تمر.

كان الفريق الطبي في حالة ترقب، وصوت الأجهزة يملأ الفراغ بترددات الحياة الهشة.

قال طبيب التخدير، وعيناه على الشاشة:

– ضغطه ينخفض بسرعة... لدينا أقل من عشر دقائق قبل الدخول في صدمة قلبية.

ردّت أنابيلا بنبرة حاسمة وهادئة:

– لن نحتاج إلى عشر.

نظرت إلى الممرضة المساعدة، ومدّت يدها:

– شفرة، رقم 10.

قدّمتها الممرضة بسرعة، وإن كانت يدها ترتجف قليلاً. لكن أنابيلا أمسكت بالأداة بثقة، وبدأت بالشق دون تردد. بدت وكأنها تعرف طريقها في جسد الإنسان كما يعرف العازف نوتاته.

قال أحد الأطباء:

– هناك نزف داخلي من الرئة اليسرى!

ردّت بسرعة دون أن ترفع عينيها عن موضع العملية:

– تجاهل النزف الآن، لدينا رصاصة على بعد ميليمتر من البطين الأيسر.

كانت تتحرك بدقة مذهلة، تستخدم أدواتها بخفة يد استثنائية، كأنها لا تعمل بل ترقص رقصة محسوبة بين الحياة والموت. الجو في الغرفة كان مشحونًا، ولكن صمت الجميع احترامًا لما يرونه يحدث أمامهم.

– الملقط الدقيق... الآن.

أمسكت به دون تردد، واستخرجت الرصاصة الأولى دون أن تسمح بقطرة دم واحدة زائدة. أطبقت أنفاس الجميع، إلا هي، التي ظلت تعمل بصمتٍ محكم.

ثم قالت بنبرة منخفضة:

– الثانية قرب الشريان الأبهر... أي حركة خاطئة تنهي الأمر.

سادت لحظة من السكون المشحون، ثم وبحركة دقيقة أخرى، التقطت الرصاصة الثانية.

لحظات... وعاد نبض الأجهزة إلى وتيرته الطبيعية. دقّ قلب المريض من جديد.

تنفّس الفريق أخيرًا بارتياح واضح، فيما كانت أنابيلا تخلع قفازاتها بهدوء.

وبينما تهمّ بالاستدارة للخروج، لفت نظرها رمزٌ غريب على كتف المريض، حيث انزاحت آثار الدم قليلًا بفعل العملية. كان نقشًا دقيقًا على شكل شعلة سوداء.

تجاهلته كأنه غير موجود، وكأنها لم تره، واستمرت بمسيرها خارج الغرفة، متجاوزة ما يمكن أن يثير الشك أو التساؤل.

كانت أنابيلا تسير بخطى ثابتة نحو مكتبها، الأفكار تدور في رأسها عن العملية الناجحة التي أنجزتها، وحالة المريض التي باتت مستقرة. فجأة، توقفت عند الزاوية حيث قابلت أحد الموظفين الذي بدا عليه التوتر.

سيدتي، قال بصوت منخفض: مدير المشفى يود حضورك الآن إلى مكتبه.

رفعت أنابيلا حاجبها باستفهام، وأجابت بهدوء:

أخبره أنني في طريقي.

تابعت سيرها، ولكن شعوراً غريباً تسلل إلى أعماقها، كأن شيئاً ما على وشك أن يتغير في هذا اليوم الهادئ.

في قلب الضباب الكثيف، يرتفع القصر الرمادي شامخًا كحصن لا يُقتحم، تحيط به أجواء غامضة كأنها تحرس أسرارًا لا يعرفها إلا القليل. الجدران العالية والنوافذ المظلمة تخلق هالة من الظلال تحيط بالمكان، بينما تندمج الأضواء الخافتة مع ألوان الغسق لتزيده وقارًا ورهبة.

داخل القصر، في غرفة عميقة معتمة، كانت الهيبة تتجلى بكل تفاصيلها. الغرفة، كبيرة ولكنها تخلو من الزينة الفارغة، تحتوي فقط على أثاث داكن اللون، وطاولة مكتبية ضخمة مغطاة بملفات جلدية سوداء مكدسة بعناية فائقة. على كل ملف صورة، وأرقام، ومبالغ مالية ضخمة، تُوثق صفقات وأسرار مملكة المافيا التي يحكمها.

وقف هناك، يحيط به صمت ثقيل، رجل يعكس برودة الزمان، اسمه كلاوس. شعره الأسود المزرق يخطف الأنظار، وعيونه الزرقاء الجليدية تلمع بنظرة لا تعرف الرحمة. وجهه الوسيم لم يكن إلا قناعًا يخفي عمقًا من القوة والغموض، وسكونه كان أكثر فتكًا من أي كلمة قالها.

كلاوس لم يكن مجرد زعيم مافيا، بل كان أسطورة حية. الخدم في القصر كانوا يتحركون كأشباح تحت نظره، يخشونه حتى في صمتهم. لا يُسمح لأحد بالاقتراب منه إلا بعد تخطي جدران الحذر التي وضعها بحنكة لا تُضاهى.

على صدره الأيسر، كان وشم لافعى سوداء تلتف حول صدره، تكاد تُشعر بأنها تنبض بالحياة، رمز القوة والسيطرة. هذا الوشم لم يكن مرئيًا إلا لمن يقترب منه جدًا، كسر سرّي يضاف إلى هالته الغامضة.

كلاوس، القاتل البارد، زعيم العالم السفلي الذي لا يرحم، يحكم مملكته بلا منازع، وصمته كان هو السلاح الأكثر فتكًا بين أيدي خصومه.

دخل رجل طويل القامة، ذو شعر بني داكن وعيون بنية حادة، يتمتع بهيبة لا تخفى على أحد، إلى الغرفة بخطى واثقة. كان ذا عضلات بارزة ووجه يحمل ملامح صارمة تعكس سنوات من المعارك والخبرة. تقدّم نحوه زعيم المافيا، كلاوس فودلاف، الذي جلس في مكانه المعتاد، يراقب الملفات المكدسة أمامه بصمت قاتل.

– الضحية على قيد الحياة، قال الرجل بصوت هادئ، رغم جدية الموقف. رغم أوامرك بعدم التدخل، الفريق الطبي نجح في إنقاذها.

رفع كلاوس عينيه صوب الرجل، نظراته الجليدية تثقل الأجواء.

– من هي؟ سأل بصوت بارد.

– طبيبة جراحة قلب ماهرة، اسمها أنابيلا غريس، تبلغ من العمر ٢٤ سنة. ماضيها غامض تمامًا، لا أحد يعرف عنه شيئًا. يُقال إنها درست في جامعة مرموقة في بريطانيا، وليس لديها أصدقاء سوى شخص واحد مقرب يُدعى سام، يبلغ من العمر ٢٥ سنة، اختصاص جراحة عظمية. هذا سام، حسب الشائعات، قُتلت عائلته في جريمة غامضة حين كان في الحادية والعشرين، وتم اعتباره مشتبهاً في الحادث، لكنه خرج بريئًا، والجريمة ما زالت مجهولة الهوية.

تنهد كلاوس ببطء، ثم قال:

– تبدو قصتها معقدة أكثر مما توقعت.

مد الرجل الملف الجلدي الكبير الذي يحوي كل المعلومات التي جمعها عن أنابيلا، وسلمه لكلاوس.

فتح كلاوس الملف ببطء وأمعن النظر في الصور المرفقة. كانت صورة امرأة شابة ذات شعر بندقي طويل وعيون عسلية، ملامحها هادئة لكنها تخفي شيئًا عميقًا.

قال كلاوس وهو يحدق بها:

– ملامحها مألوفة جدًا... لكن لا أستطيع أن أضع يدي على السبب بعد.

ترك الملف جانبًا، ورفع عينيه إلى الرجل.

– لا تفلتها من يديك.

وقف كلاوس، وتوجه نحو النافذة المعتمة حيث الضباب يغلف القصر الرمادي، وصوته كان باردًا وحاسمًا:

– اختطفوها فورًا. لا أريد أن أترك أحدًا يهدد مملكتي، مهما كان الثمن.

خرج الرجل من الغرفة على الفور، يعلم جيدًا أن أمر زعيمه يعني بداية عاصفة لا تهدأ.

بعد دقائق من خروجها من غرفة العمليات، عادت إلى مكتبها بخطوات هادئة وثابتة. لم يكن في ملامحها ما يشير إلى التوتر، وكأن ما جرى قبل لحظات في غرفة الطوارئ لم يكن أكثر من تفصيل عابر في يوم طويل.

ما إن وضعت ملف الحالة الطارئة على الطاولة، حتى سمعت صوتًا مألوفًا خلفها، مفعمًا بالهدوء والدفء:

– لا أصدق أنك خرجتِ من عند المدير بهذه السرعة، قال سام بابتسامته المعتادة وهو يستند إلى الباب.

رفعت رأسها تنظر إليه بهدوئها المعروف، وقالت دون تردد:

– وبّخني كأنني ارتكبت جريمة... لكنني لم أكن بصدد الاستماع لكلماته طويلاً، أخبرته بأنني لن أتردد في فضحه أمام وسائل الإعلام إن استمر في وضع القيود أمام مهنتي.

ضحك سام بصوت خافت، وهزّ رأسه بإعجاب:

– دائمًا كنتِ تعرفين كيف تضعينهم عند حدودهم. على كل حال... دعينا ننسَ أمره الليلة. ما رأيك بعشاء هادئ؟ أنتِ تحتاجين لشيء مختلف بعد هذا اليوم.

أمالت رأسها قليلاً، ونظرت إليه بعينين ثابتتين:

– لا، لدي عملية حساسة صباح الغد. يجب أن أراجع التفاصيل وأستعد لها من الآن.

اقترب سام خطوة للأمام، وقد ظهرت الجدية على وجهه:

– إذًا، دعيني أوصلكِ إلى المنزل على الأقل. الوقت تأخر.

هزّت رأسها بلطف، ورفعت حاجبًا كعادتها حين ترفض بلباقة:

– أنت تعرف أنني أفضل السير وحدي... ثم، لديك مناوبة ليلية، أليس كذلك؟

تنهد سام، واضعًا يده في جيبه:

– نعم... لا مهرب منها.

ثم ابتسم مجددًا، وقال بنبرة أقرب إلى المزاح، لكنها مغلفة بشيء من الشعور العالق:

– لكن، لن أقبل بالرفض المرة القادمة... يا سندريلا.

رمقته بنظرة خفيفة، ولم ترد، فقط حملت حقيبتها وغادرت المكتب بهدوء، تترك خلفها صديقها الوحيد يتأمل خطواتها الصامتة.

ثم ابتسم مجددًا، وقال بنبرة أقرب إلى المزاح، لكنها مغلفة بشيء من الشعور العالق:

– لكن، لن أقبل بالرفض المرة القادمة... يا سندريلا.

لم ترد مباشرة، بل اقتربت منه بخطوة خفيفة، ورفعت يدها لتنقره بلطف على رأسه بأطراف أصابعها، كما اعتادت أن تفعل حين تمازحه.

– كم مرة قلت لك... لا تناديني بسندريلا، يا أشعث.

ابتسم سام بمرح، ورفع حاجبيه كما لو أنه تلقّى توبيخًا معتادًا:

– ولكنها تليق بكِ.

– وأنا أقول لا، ردّت بهدوء ساخر، ثم استدارت خارجة من المكتب، وشعرها البندقي يتماوج خلفها بخفة.

بقي سام واقفًا مكانه، يراقبها بصمت لحظة، ثم تنهد مبتسمًا، قبل أن يعود أدراجه نحو قسم الطوارئ.

خرجت من بوابة المشفى، والهواء الليلي البارد يلفح وجهها برفق، تنفّست بعمق، تعدّ خطواتها بصمت على الرصيف الرطب، متجاهلة صخب المدينة خلفها. بين يدَيها، الوردة البيضاء التي اعتادت اقتناؤها كل صباح من تلك العجوز... لكن هذه المرة، كانت تقبض عليها بقوة غير معتادة.

استمرت بالمشي، بخطواتها المنتظمة، والنظارات التي تحجب بعضًا من بريق عينيها العسليتين، إلى أن توقفت فجأة عند زاوية شارع خافت الإضاءة. دون أن تلتفت، قالت بصوت بارد، هادئ كأنه مجرّد تفصيل في الهواء:

– أنتم تلاحقونني منذ خروجي من المشفى... ماذا تريدون؟

سكت كل شيء. حتى الريح كأنها تراجعت خطوة للوراء.

من الظلال، تحرّكت ثلاث ظلال بشرية. أظهرت المفاجأة على وجوههم بوضوح، واحدهم همس بصدمة:

– كيف...؟ لم نصدر أي صوت، ولم تُنشر أي صورة. كيف عرفت؟

رفّت جفونها ببطء، ثم استدارت أخيرًا، بملامح جامدة، باردة، كأنها لا تنتمي للواقع.

لكنهم لم يمنحوها فرصة الحديث.

أحدهم تحرك أولاً، ثم الثاني... وقبل أن تفتح شفتيها، داهمتها رائحة غريبة، وكل شيء انقلب.

أظلمت الأضواء، تشوّش كل شيء، وآخر ما رأته قبل أن يتهاوى جسدها، هو الوردة البيضاء تسقط من يدها، وتتناثر بتلاتها على الرصيف...

صمت.

ثم... اختفاء.

في عمق الليل، انطلقت السيارة السوداء بسرعة صامتة عبر طرقات جانبية مهجورة، تُخفيها الأشجار وتُظلّلها الغيوم المتلبدة. داخلها، جسد ساكن لأنثى ترتدي معطفًا طبيًا، يغفو بلا حراك على المقعد الخلفي، بينما قناع التخدير لا يزال ملقى بجانبها.

قادت السيارة وجهتها نحو الضباب... نحو القصر الرمادي القابع وسط السكون، خلف أسوار عالية وحدائق غارقة في الظلال، كأنه قطعة نُزعت من زمن آخر.

بوابات القصر فُتحت دون صوت، كما لو كانت تعرف من يأتي. ودون أي توقف، دخلت السيارة الساحة الأمامية، وتوجهت نحو الجناح الجانبي حيث وُجدت غرفة معزولة تنتظر.

هناك، نُقلت أنابيلا، دون أن يشعر أحد، إلى الغرفة المجهّزة داخل القصر، وغُلقت الأبواب خلفها كما تُغلق أسرار قديمة في خزائن لا تُفتح.

في الطابق العلوي، خلف الباب الفخم الموشّى بالرموز، جلس كلاوس فودلاف، في عتمة مكتبه، يُقلّب صفحات الملف من جديد، ملامحه لا تفصح بشيء، سوى عينين كالجليد تتأمل صورة أنابيلا بصمت عميق.

طرق خفيف على الباب.

دخل رجل بملامح حادة وشعر بني، وقامة منتصبة بصرامة العسكريين، عيناه تحملان الاحترام... والخطورة.

– "سيدي... الطبيبة وصلت."

رفع كلاوس عينيه ببطء، ونظر نحوه دون أن يغيّر جلسته.

– "أين هي؟"

– "في الغرفة المجاورة... كما أمرت."

أغلق الملف بهدوء، وأسنده إلى صدره.

– "أبقوها تحت المراقبة... لا تفعلوا شيئًا حتى أقرر أنا."

انحنى ميان برأسه، ثم خرج بصمت.

بقي كلاوس وحيدًا، يُحدق إلى النار الهادئة في الموقد، وصدى الأفكار يشتعل في عينيه. همس لنفسه:

– "لماذا تبدو ملامحك مألوفة يا أنابيلا...؟"

توجه ميان إلى الغرفة الجانبية حيث احتُجزت الطبيبة. كانت خطواته حذرة، والحراس المتمركزون أمام الباب تبادلوا نظرة قصيرة معه، ثم فتح الباب بهدوء.

لكن ما رآه في الداخل لم يكن ما توقعه على الإطلاق.

جلست أنابيلا على الكرسي الخشبي قرب النافذة، ساقاها متقاطعتان، تقرأ رواية بهدوء وكأنها لم تُختطف قبل ساعات. كانت ملامحها جامدة، عيناها خلف نظارتها الطبية تتابعان السطور دون انفعال. لا ارتباك، لا ذعر، لا أثر لصدمة.

رفعت عينيها عندما شعرت بوجوده، أغلقت الرواية بهدوء، ووضعتها جانباً.

قالت بصوت بارد خالٍ من أي توتر:

– "لماذا أنا هنا؟"

وقف ميان مذهولاً للحظة، قبل أن يتمالك نفسه، يرد بنبرة جامدة:

– "لقد لعبتِ بأشدّ من النار... والآن، حان وقت العقاب."

نظرت إليه بملل، وقالت:

– "بدأتُ أشعر بالملل. عجّلوا بالأمر، لديّ عملية باكراً."

قبل أن يتمكن ميان من الرد، فُتح الباب مجددًا، ودخل رجلٌ غريبُ الحضور.

الصمت خيّم على الغرفة، والجو ثقُل فجأة، كأن الهواء بات أكثر كثافة.

رجل طويل، عريض المنكبين، شعره الأسود المزرق بدا كظلٍ داكن يغلف هيبته، وعيناه الزرقاوان كجليدٍ لا يذوب. خطواته كانت هادئة، لكنها تحمل رهبةً غير معلنة. كان يلبس قميصًا أسود يُخفي وشماً يتلوى على صدره، وشماً لا يظهر إلا لمن اقترب أكثر مما يجب.

تقدم بخطى ثابتة، ثم وقف أمامها ونظر إليها مباشرة، وابتسم ابتسامة خافتة أشدّ برودة من صمته.

قال بنبرة رخيمة لكنها تحمل كل السطوة:

– "لقد جئتكِ."

لم تُجبه. حدّقت به لوهلة تنتظر تفسيرًا. فما لبث أن أضاف:

– "كلاوس فودلاف... زعيم العالم السفلي."

صمت ثقيل ساد، قبل أن ترمش مرة، وكأنها تستوعب وقع الاسم.

رفعت ذقنها قليلاً، وقالت ببرودها المعتاد:

– "أنابيلا غريس. طبيبة."

نظراته لم تفارقها، وكأن شيئاً فيها يعرفه... يعرفه جيدًا، لكنه لا يظهر بعد.

حدّق كلاوس في عينيها، في انكسار الضوء على عدسات نظارتها، في ملامحها الهادئة الغريبة… شيء ما لم يستطع تحديده، كأنها وجهٌ رآه في حلمٍ قديم أو في كابوس مدفون.

قال بنبرة منخفضة، لا تخلو من تهكّم:

– "لم أسمع عن طبيبة تتعامل مع الخطف بهذه اللامبالاة."

أجابت، وهي تعيد ترتيب خصلات شعرها البندقي خلف أذنها دون أن ترفع عينيها:

– "ولم أسمع عن زعيم عصابة يقدّم نفسه بهذه اللياقة."

ارتفع حاجبه قليلاً، كأنها باغتته… لكنها راقبت وجهه بتلك اللامبالاة الهادئة، التي عادةً ما تسبق العاصفة.

– "تعرفين من أكون…؟"

– "قدّمت نفسك منذ لحظة، لم أفقد سمعي بعد."

تقدم خطوة، حتى بات واقفًا أمامها مباشرة، جسده يحجب الضوء الآتي من المصباح الخافت المعلّق في السقف.

– "أتعرفين لماذا أنتِ هنا؟"

أجابت دون تردد:

– "لأنني أنقذت حياة رجل، لم يعجبك بقاؤه حيًّا."

تأملها لثوانٍ… عقلُه يلتقط كلمتها الأخيرة: "أنقذت حياة رجل". لا خوف، لا دفاع، فقط سرد هادئ للسبب.

قال بهدوء مخيف:

– "وهذا يُكلّف الكثير أحيانًا، دكتورة."

ابتسمت باقتضاب، وأجابت ببرود:

– "إذا كنتَ تنوي قتلي، فدعنا ننتهِ من الأمر. أما إن كنت تنوي المساومة، فابدأ الحديث."

لم يُجِب فورًا. بدلًا من ذلك، اقترب أكثر، حتى كاد يشعر بأنفاسها… لكن نظراتها لم تتهرب.

تأمل ملامحها مجددًا، تمعّن في تفاصيل وجهها، ثم تمتم وكأنه يحدث نفسه:

– "ثمة شيء فيكِ... مألوف بشكل مزعج."

– "ربما رأيتني في كوابيسك."

لم يستطع كتم ضحكة قصيرة، لكنها كانت أشبه بطعن خفيف في هدوئه. كم مرة واجه مثل هذا التحدي؟ نادرًا... بل ربما لم يحدث.

تراجع خطوة للخلف، وأشار بيده لميان:

– "راقبوها جيدًا… لا أريد مفاجآت."

ثم نظر إليها مرة أخيرة، قائلاً:

– "سنلتقي مجددًا قريبًا يا دكتورة… آمل ألا تكرهي الأسئلة."

– "وأنا آمل ألا تكرَه الأجوبة."

غادر الغرفة، يرافقه ظلّه الثقيل، وبقيت أنابيلا وحدها… أو هكذا ظنّ من راقبها. لكن في داخلها، لم تكن وحيدة أبداً.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Her name was janet

المؤلف Joulyana Arnold Vill
2025/08/26 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة