مُصافحة العدو

مُصافحة العدو

12 0

"السيطرة لا تعني أن تُمسك بسلاح، بل أن تجعل الآخر يظن أن السلاح في يدك حتى لو لم يكن هناك شيء."

__________________

ثمة صباحات لا تُولد من رحم الشمس، بل من رحم القلق، من صراخ المنبهات، من رائحة البن المتسربة عبر النوافذ... ومن وقع خطوات تلهث خلف الوقت.

كان الصباح الروسي متلبدًا كأمزجة الغرباء، تُسدل الغيوم رمادها على المدينة، وتلامس الرياح الباردة أرصفة الشوارع بنفَسٍ خفيف، كأنها تهمس في أذن العابرين بأن هذا اليوم لن يمر كغيره. في السماء، لا شمس تُرى، فقط ضوء باهت يتسلل من خلف ستائر الغيم، يعكس وجوه الناس المتجهمة، ويغمر المدينة بنبضٍ مائل بين الشتاء واليأس.

وسط هذا المشهد الرمادي، كانت كيم سوجين تركض، شعرها يضرب وجهها، وحقيبتها تتأرجح فوق كتفها كأنها تتوسل إليها أن تُبطئ. أنفاسها المتسارعة تتصاعد في الهواء كدخان حرب، والكعب العالي الذي أصرّت على انتعاله يقرع الأرصفة كما لو كان يوبّخها على سوء التقدير.

صعدت درجات الشركة بخطوات لاهثة، يدها ترتجف وهي تخرج البطاقة الممغنطة، ودون أن تأخذ وقتها لتلتقط أنفاسها، دفعت باب مكتبها بقوة.

فانفتح الباب ليكشف عن باولو ميليريانو، جالسًا على كرسيها، ساق على ساق، يمسك فنجان القهوة كما لو كان في نزهة صباحية لا في مكتب رسمي.

رفع نظره إليها ببرود، ثم نظر إلى ساعته السوداء .

قال بنبرة لا تخلو من تهكّم:

"تأخرتِ سبع عشرة دقيقة."

تجمدت في مكانها، تحاول تهذيب تنفسها، لكن وجهها كان يفضح لهاثها.

أضاف وهو ينهض ببطء:

"خصم سبعة عشر يورو . ثلاث دقائق إضافية، وكنتُ سأطردك، ولا نملك وقتًا لهذه الترهات. هيا بنا، العميل ينتظر."

ثم مر بجانبها دون أن يمنحها فرصة للرد. لحقت به على عجل، تمسح العرق من جبينها وتلعن في سرها الصباح، والساعة، والحذاء.

قادهما السائق إلى مقهى هادئ في أحد أحياء العاصمة، بعيد عن ضوضاء المدينة، تحيطه أشجار بتلاتها شبه ذابلة، كأنها تنسجم مع طابع الاجتماع.

في الزاوية الخلفية، جلس العميل. رجل خمسيني، ببذلة قاتمة وربطة عنق غير مهذبة، عيونه غائرة وصوته أجشّ، كأنه خرج للتو من قبو أسرار.

ألقى باولو التحية ببرود وجلس، تلته سوجين التي أخرجت دفتر ملاحظاتها وقلماً فضّيًا.

باولو: "ما الجديد في ملف دار الأيتام؟"

العميل يخفض صوته: "العدد الإجمالي للأطفال ما زال كما هو في السجلات، ولكن تم نقل خمسة منهم خلال الشهر الماضي... لا سجل واضح لنقلهم، لا أوراق رسمية، لا أسماء."

باولو بحدّة: "مَن المسؤول عن نقلهم؟"

العميل: "شخص يُدعى أناتولي. ليس في قائمة الموظفين، لكنه يظهر دائمًا في أيام النقل."

دوّنت سوجين الاسم بسرعة، ثم رفعت رأسها وسألت:

"هل لاحظ أحدكم أي علامات جسدية غير معتادة على الأطفال؟ كدمات؟ آثار حُقن؟"

نظر العميل إليها، بدت له أصغر مما توقع، لكن نظراتها كانت أكثر حدة من أسئلة باولو نفسه.

"نعم... بعضهم بدا هزيلاً، وعيناه غائرتان... كأنهم يُحقنون بشيء."

صمت قصير، ثم:

باولو: "ماذا عن التمويل؟ من يدفع لهذا المكان؟"

العميل: "هنا المعضلة. الحسابات مُموَّهة... هناك جهة ثالثة تُحوّل الأموال، تتخذ من شركة وهمية اسمها 'إيفانكور' واجهة."

همست سوجين وهي تكتب:

"إيفانكور..."

ثم سألت وهي تنظر للعميل:

"هل لديكم أي ملف عن هذه الشركة؟ عنوان؟ سجل ضريبي؟"

أجاب العميل بعد تردد:

"عنوانها موجود، لكنه مزيف. جرّبنا تتبع السجلات، ووجدنا أن كل شيء يعود لمبنى مهجور في حافة المدينة."

أغلق باولو دفتره، نظر للعميل نظرة أخيرة وقال:

"إذا ظهرت أي أسماء جديدة... نريدها قبل أن نطلبها. افهمت؟"

أومأ العميل بصمت، ثم انسحب بهدوء، كأن وجوده بحد ذاته كان تهديدًا.

خرج باولو وسوجين من المقهى، والصمت بينهما كان مشبعًا بكل ما لم يُقل.

في يدها، كانت تمسك دفترها بشدة، وفي رأسها، كانت الملفات تتراكم كجبال جليد تنتظر الانهيار.

خرج الاثنان من المقهى، والريح الباردة تتسلل بين طيات معاطفهما، تمسح الوجوه بخفّة كأنها توقظهم من خدر الحقيقة التي سمعوها للتو.

لم ينبس باولو بكلمة، كانت خطواته ثابتة، سريعة، كأن كل ما دار منذ دقائق لم يكن سوى جزء صغير من خيط طويل يُغرق ذهنه. عيناه موجهتان إلى الأمام، وجبينه متقطب في تركيزٍ واضح.

فتحت سوجين باب السيارة الخلفي وجلست إلى جانبه، حافظت على هدوئها، وأبقت دفترها بين يديها كأنها تحتمي به. دلف السائق إلى المقعد الأمامي، وأدار المحرك بصمت.

دقائق مرت، والصمت يحتل المكان. في زجاج السيارة، كانت انعكاسات الضوء تتلاشى مع حركة الشوارع، وفي داخلها، كانت الأفكار تدور بعنف لا يسمعه أحد.

نظرت إليه سوجين من طرف عينيها، ثم همست بعد لحظة تردد:

"أنا... أعتذر على التأخير، لم يكن مقصودًا."

ظل صامتًا، لم يلتفت إليها، فقط أدار وجهه قليلًا نحو النافذة.

ثم قال ببرود، كمن يلقي بحجر في ماء راكد:

"التأخير في هذا المجال ليس مجرد خطأ... بل خيانة للوقت. وللعملاء. وللضحايا الذين لا يملكون وقتًا أصلًا."

شدّت أناملها على الغلاف الجلدي للدفتر،إنزِعاجاً من نبرة صوتِه بينما أضاف بنبرة أكثر حدة:

"إن كنتِ عاجزة عن الالتزام، فربما مكانك خلف مكتبٍ تُنسّقين فيه المواعيد، لا إلى جانبي في تحقيقٍ قد ينقذ أو يودي بحياة أحدهم."

صمت.

هو أيضًا شعر بشيء في صوته... شيء زاحف، متجاوزٌ للحد.

تنهّد، ببطء. مرت لحظة، ثم استدار نحوها، ملامحه أكثر هدوءًا وإن بقي شيء من الصقيع في عينيه.

"كنتُ قاسيًا."

قالها دون أن يرمش، ثم أكمل بصوت منخفض:

"ولكنكِ لا تعرفين بعد ما الذي نخوضه. وليس لدي رفاهية منح فرص كثيرة. رغم ذلك..."

توقف، ثم نظر إلى الأمام:

"أقدّر أنكِ اعتذرتِ."

أخفضت رأسها قليلًا، وصمتت.

وللحظة، كان الصمت بينهما مختلفًا...

ليس برودًا هذه المرة، بل نوع من الهدوء الذي يسبق عاصفة أخرى، هدوء مليء بالأسئلة والتردد، ورغبة خفية في فهم الآخر دون أن يُقال شيء.

في الخارج، كانت المدينة تمضي كعادتها...

أما في الداخل، فقد بدأ شيء ما بالتشكل، لا هو ثقة، ولا هو كراهية، بل شيء ثالث... لا يُسمّى بعد.

في المقعد الخلفي للسيارة، حيث ما تزال رائحة القهوة تتلاشى، أخرجت سوجين هاتفها بصمت. حركت أناملها فوق الشاشة، حتى فتحت دردشة الفريق. كان هناك مزيج من الرسائل، بعضها يغلب عليه الطابع الجاد، وبعضها الآخر تخلّله المزاح العفوي الذي يخلق رابطًا غير مرئي بين الأصدقاء الذين جمعتهم المعركة ذاتها.

كتبت بخفة:

[ kim.s 9:42 ]

"صباح الخير يا رفاق. أعتذر لعدم ردي ليلة أمس بعد قبول الوظيفة، كنت متعبة جدًا... لكنني الآن في الميدان رسميًا، والأمور بدأت تتحرك سريعًا."

تنهدت وهي تقرأ الرسائل السابقة...

إحداها كانت من سيرجيو، يخبرهم فيها أنه اشترى المطعم و المقهى و بدأ بالتعديل عليهم قليلاً ، ليكونا ستارًا مناسبًا لمقرهم السري و الذي هو قبو منزل جو و يوجد فيه باب اخر في المقهى والمطعم.

تعليق من جو أرفق فيه صورة لمدخل المقر وهو يعلق:

[ jeo 9:56 ]

"أضفنا كاميرات مراقبة، وشفرنا أبواب الطابق السفلي.و الاجهزةالتي نحتاجها انا و سوجين لعمليات الاختراق، باقٍ فقط اشياء بسيطه ، وصرنا جاهزين."

ابتسمت بخفة، شعور بالاطمئنان تسلل إلى قلبها.

لم يطل الوقت حتى توقفت السيارة أمام مبنى الشركة. خرج باولو أولًا دون أن ينبس بكلمة، تبعته سوجين بخطوات مترددة.

دخل الاثنان إلى البهو، وصعدا في المصعد حيث انعكست ملامحهما المتوترة على الجدران المعدنية المصقولة.

وحين وصلوا، وقفت سوجين عند مدخل الطابق وسألت بخفّة:

"هل ترغب بشيء قبل أن أذهب إلى مكتبي؟"

التفت إليها باولو سريعًا، نبرته عادت إلى البرود المعهود، وإن خفّت حدّتها قليلًا:

"لا. لا أحتاج شيئًا الآن. تستطيعين الذهاب."

أومأت برأسها، لم تقل شيئًا، ثم سارت نحو مكتبها بخطى هادئة. فتحت الباب ودخلت، أغلقت وراءها بهدوء، وجلست خلف مكتبها.

أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحت دفتر الملاحظات، وبدأت في نسخ ما دار من معلومات خلال الاجتماع مع العميل.

الملف بدأ يتشكل... وبدايتها الحقيقية قد بدأت.

جلست سوجين خلف مكتبها، أناملها تعبث بالقلم دون وعي، وعيناها شاردتان في نقطة غامضة على الجدار المقابل. كانت المعلومات التي جمعوها للتو مع السابقة التي وجدتها في الملف تدور في ذهنها كدوّامة، لكنها لم تكن الوحيدة.

في داخلها، شيء آخر... شيء أثقل من مجرد ملف.

زفرت ببطء، وكأنها تحاول طرد ذلك الضيق من صدرها، ثم نهضت، سارت بخطى ثابتة نحو مكتب باولو.

طرقت الباب مرة، ثم فتحته دون أن تنتظر إذنًا، فوجدته واقفًا قرب النافذة، ينظر إلى المدينة بأسلوبه المعتاد... هادئ في الظاهر، لكنه عاصفة مكتومة.

قالت بنبرة هادئة:

"أحتاج للخروج قليلًا."

استدار إليها، رفع حاجبه بشك خفيف، ثم سأل بنبرة لم تخلُ من الجدية :

"لماذا؟"

رفعت حاجبها بدورها، وردّت ببرود:

"باي حق تسأل؟ هل أنت أبي؟ أم أخي؟ أم زوجي؟"

ابتسم، لكن بمرارة واضحة، ثم اقترب منها قليلاً وقال:

"أعتقد أنني مديرك هنا، أليس كذلك؟ ثم... رجاءً، لسانك الحاد ذاك، دعيه جانبًا. ليس لدي وقت لسخافاتك المعتادة."

رفعت رأسها، عيناها اشتعلتا بتحدٍ لم تخفه:

"وسخافاتي هذه، هل تزعجك لأنك عاجز عن الرد؟ أم لأنك غاضب بالفعل؟ أخبرني، ما الذي يحرك انفعالك؟ هل تلك القضية تعيق أعمال عائلتك النزيهة، الشريفة، المُبجّلة؟ أم أن هناك عصابة أخرى بدأت ترتكب جرائم أسوأ منكم، فشعرت بالغيرة منها... أيها المحامي الموقّر؟"

انفجرت كلمتها الأخيرة في وجهه كالقنبلة. تجمد للحظة، ثم صرخ بصوت ضخم، عميق، ملأ أرجاء المكتب:

"احترمي نفسك يا آنسة كيم!"

اقترب منها خطوة، وجهه يشتعل بالغضب، وصوته يخرج كالسوط:

"أنا أسمح لك بالكثير لأننا في مرحلة بناء الثقة، لكن لا تخلطي بين مزاحك التافه والاتهام المباشر! إن كنتِ تظنين أنك ستسيرين هنا على مزاجك فأنتِ واهمة. لستِ فوق الجميع، ولستِ أذكى من أحد، ومن الأفضل أن تضبطي لسانك قبل أن تندمي فعلًا!"

صُدمت.

تجمدت في مكانها، عيناها اتسعتا، ولم تملك حتى أن تنطق برد. لم تتوقع ردة فعل كهذه.لكنها تعترف إنها قد أفقدته أعصابه  وأخيراً و إن هذا خطأ منها

تراجعت خطوة، ورمشَت ببطء، كأنها تستوعب فجأة أنها لامست شيئًا لا ينبغي لمسه.

ساد الصمت.

والتوتر ما زال يزحف في هواء المكتب كثقل لا يُحتمل.

ظلت سوجين واقفة، عيناها تومضان بشيءٍ غريب… خليط من الغضب والاشمئزاز

ثم رفعت نظرها إليه ببطء، وتكلمت بصوت منخفض، لكنه واضح… ثابت، كأنها تقاتل رعشة داخليّة:

" لماذا تصرخ ها؟ لم  أمزح معك ، ولا إغضابك … طلبت إذنًا فقط، لا محاضرة في الأخلاق."

توقفت لحظة، ابتسمت بسخرية ، ثم تابعت:

"ظننتك معتادًا على الأسئلة القذرة… على الأقل، يجب ان تعتاد عليها يا ولي العهد  . لكن يبدو أن الحقائق تؤلمك أكثر مما توقعت."

سمعت تنهيدة عميقة صادره منه

أدارت ظهرها بخفة، دون أن تنتظر إذنه، وقبل أن تفتح الباب للخروج، قالت بصوت حاد  دون أن تنظر إليه:

"لا تقلق، سأعود في الوقت المحدد… فأنت تكره التأخير، أليس كذلك؟"

ثم خرجت، وأغلقت الباب خلفها بقوة، ترك خلفه صوتًا حاداً .

وقف باولو في مكانه، لم يتحرك، لم يتنفس حتى لثوانٍ… كأن شيئًا في كلمتها الأخيرة نزف داخله، دون أن يظهر على ملامحه.

أخفض بصره قليلًا، ثم زفر ببطء، تلك الزفرة التي تخرج لا لتُريح… بل لتُذكّرك أنك على قيد الألم.

"حمقاء وضيعة " همس لنفسه، ثم ضحك ضحكة قصيرة بلا روح، كأنها سخرية مرّة من كل ما جرى.

جلس خلف مكتبه، أراح ذراعه على المسند، وأخذ يحرك قلادة معدنية صغيرة كانت على معصمه.

"أهي تكرهني؟ بكل تأكيد"

"تحاول استفزازي، لأستدراجي ... سخيفة" تمتم وهو ينظر للفراغ، ثم أكمل في نفسه:

"لا بأس… سأعرف على ماذا تنوين ياأبنة سومان ."

مدّ يده إلى هاتفه ، ضغط رقمًا محفوظًا لديه دون أن ينظر، وما إن جاءه صوت على الطرف الآخر، حتى استعاد نبرته الجادة، لكن لم تخلُ من صرامة هادئة:

"إزرا، أين أنت الآن؟"

جاءه صوت ابن عمّه، رجوليًّا، هادئًا كعادته:

"، في فيلا مورنو. الأمور تسير كما خُطط لها."

هز باولو رأسه ببطء وقال:

"أريد تحديثًا الآن، مَن مِن العائلات تأكد حضورهم؟ وماذا عن الحراسة؟"

ردّ إزرا بنبرة عملية:

"عائلة تشيرنيفا وماليندوف وصلوا بالفعل، وأفراد من عائلة فيدوروف في طريقهم، بيساني كذلك و ديلكارلو كورشاكوف، روسيتي، ليستر    أما عائلة غرايسون، فقد أرسلوا رسالة صباح اليوم، يؤكدون الحضور بثلاثة ممثلين فقط .و فلانتينو لوسيانو هو معي حالياً "

تقلص فك باولو للحظة، ثم سأل:

"وغرايسون… هل من بينهم جايد؟"

تأخر الرد لثانيتين، ثم قال إزرا:

"نعم، جايد بنفسه سيكون حاضرًا."

ساد الصمت على الطرفين، قبل أن يقطع باولو ذلك الهدوء بعبارة أخيرة:

"جيد… اجعل كل شيء جاهزًا. لا نملك رفاهية الخطأ هذه المرة."

أغلق الخط، وأسند ظهره إلى المقعد، ينظر للسقف بعبوس غامض.

"جايد غرايسون… الأمور بدأت تزداد تعقيدًا."

في اللحظة التي همّ فيها باولو للنهوض، فُتح الباب فجأة دون طرق.

دخل آندي ميليريانو بخطوات ثابتة، وبدون أن ينطق بكلمة، جلس على الكرسي المقابل لمكتب باولو، مستندًا بظهره وكأن المكتب ملكه هو.

رفع باولو حاجبه ببرود، دون أن يستغرب، ثم قال بصوت منخفض:

"تعلم، في المرات القادمة... الطرق لا يُعتبر جريمة."

رد آندي باستهزاء خفيف:

"وفيمَ الحاجة للطرق إن كنا سنناقش ما هو أخطر من الخصوصية؟"

نظر إليه باولو بصمت.

أكمل آندي، ناظرًا في عينيه بثبات:

"أريد أن أفهم شيئًا، باولو… لماذا تريد دعوة آل غرايسون؟ أليس من المفترض أنهم في خانة الأعداء؟"

استند باولو بمرفقيه على المكتب، تقاطع أصابعه ونظر إليه نظرة تحمل الجدية كلها:

"صحيح… نحن مرتبطون مع آل لوسيانو في كثير من الصفقات والتحالفات. لكن من قال إن علينا أن نرث عداواتهم؟"

"غرايسون أعداء آل لوسيانو، لا أعداؤنا."

لوّح آندي بيده ساخرًا، ثم قال بنبرة شبه غاضبة:

"لكن هذا أشبه بإهانة... وكأننا لا نكترث، أو نُهين الميثاق بيننا وبينهم!"

صمت باولو لثانية، ثم قال بهدوء قاتل:

"لونارا بنفسها... هي من طلبت مني دعوتهم."

سقطت كلمات باولو في الجو كصاعقة.

تقلص وجه آندي، فتح عينيه بدهشة لم يُخفِها:

"هل... تواصلت معها؟"

هز باولو رأسه قليلًا:

"اتصلت بي من رقمٍ خاص قبل يومين فقط. لم تقل سوى جملة واحدة: 'ادعُ آل غرايسون لاجتماع موسكو في مناقشة التحالفات مع مورنو '... ثم أغلقت الخط."

سحب آندي نفسًا عميقًا، وأسند رأسه بيده، ثم تمتم بقلق:

"ما خطب تلك الفتاة... لقد قلقت عليها بحق."

ساد الصمت للحظات، قبل أن يتكلم باولو مجددًا، هذه المرة بصوت أقل حدة، لكن أكثر تعمقًا:

"آل غرايسون… ليسوا عشيرة عادية، آندي. إنهم يسيطرون على معظم منافذ أمريكا، من الحدود حتى المصارف، من الموانئ حتى غرف التجارة السوداء. لا شيء يدخل أمريكا دون علمهم."

أومأ آندي ببطء، وقال:

"وعداوتهم مع آل لوسيانو تمتد لقرون… دماء، خيانات، عقود تم كسرها… حتى في الحروب القديمة، كان كل طرف يدعم العدو المقابل."

ابتسم باولو بسخرية خافتة:

"لهذا السبب… علاقتهم بـ لونارا كانت دائمًا كالسهم في صدر آل لوسيانو."

نظر إليه آندي بسرعة:

"جايد غرايسون..."

أكمل باولو:

"وزين غرايسون… ابن عمّه، ويده اليمنى. لونارا جمعت النار بالبارود، وآل لوسيانو يعلمون ذلك… لكنهم عاجزون أمامها."

ارتكز آندي إلى الأمام، وقال بنبرة عميقة:

"لو حضرت غرايسون الاجتماع… فهذا يعني أن لونارا تخطط لشئ ما؟ حتى إختفاؤها غريب و لقد طال ."

رد باولو بثقة باهتة:

"ربما هذا الهدوء الذي يسبق العاصمة."

استقام باولو من مقعده، مسح بيده على سترته، ثم نظر نحو آندي قائلاً بجدية:

"هيا، علينا الذهاب الآن، ما زال أمامنا

تجهيزات عديدة قبل الاجتماع."

أومأ آندي بتكاسل وهو يتوجه نحو الباب، لكن باولو استوقفه بإشارة سريعة من يده، مضيفًا بنبرة هادئة:

"انتظرني في الأسفل، لن أتأخر… هناك أمر صغير عليّ إنجازه قبل أن أغادر."

غادر آندي دون تعليق، فيما انعطف باولو بخطوات ثابتة نحو مكتب سوجين.

كان يعلم أنها ليست هناك، لذا فتح الباب بهدوء، ودخل بنية أن يترك لها ملاحظة على مكتبها. ، لكن صوت خافت لإغلاق الحاسوب المحمول جعل يده على مقبض الباب  تتجمد.

رفع عينيه، فتفاجأ بوجودها.

كانت جالسة خلف مكتبها، شعرها مربوط للأعلى بطريقة عشوائية، تركز بتركيز كامل في شاشتها، بينما أصابعها تتحرك بخفة على لوحة المفاتيح.

رمقها بتكشيرة غريبة، خليط من الاستغراب والتساؤل، ثم سأل:

"ظننتك خرجتِ لمشوارك... لمَ لم تذهبي؟"

رفعت عينيها إليه بهدوء دون أن تترك الحاسوب، وقالت بصوت خافت:

"كنت سأخرج… لأفطر، فقط. لكن تذكّرت أن عليّ إنجاز بعض المهام. إن شعرت بالجوع… سأطلب شيئًا."

تنهد باولو بعمق،  وقال بنبرة شبه عتاب:

"لماذا لم تخبريني أنك ترغبين بالفطور؟ كان بإمكاني أن أسمح لك بالخروج دون الحاجة إلى تلك المواجهة."

ردت بهدوء، وعيناها ما زالتا على الشاشة:

"لا بأس... الأمر لا يستحق كل هذا العناء."

صمت باولو للحظة، وكأنه يحاول كبح ردة فعل ما، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا هذه المرة:

"حسنًا... أنا سأخرج الآن وسأعود بحلول الساعة السادسة مساءً. تستطيعين المغادرة إن أردتِ، لكن عندما أعود… أريد أن أراكِ هنا."

رفعت رأسها أخيرًا، التقت نظراته بثبات، وأجابت ببساطة:

"حسنًا."

أدار ظهره بهدوء، وخرج من المكتب دون كلمة أخرى، تاركًا وراءه صمتًا عالقًا بين الحزم والهدوء… وبينهما تفاصيل غير مكتملة، كعادتهما.

خرج باولو من مكتب سوجين بخطوات ثابتة،  بقيت سوجين جالسة خلف مكتبها، تواصل عملها على الحاسوب المحمول، تتابع الملفات بدقة وتركيز.

لم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى رن هاتفها المحمول. رفعت السماعة لتجد اسم "جو" يضيء على الشاشة.

رفعت حاجبها وهي ترد بنبرة هادئة:

"نعم، جو؟"

ضحك جو من الطرف الآخر قائلاً بنبرة مرحة:

"لا شيء مهم، فقط أردت أن أتأكد إنك ما زلت مشغولة. باولو خرج من المكتب، ولن يرد على هاتفه إلا بعد ثماني ساعات على الأقل."

ابتسمت سوجين وأجابت:

"نعم، لقد قال إنه سيعود نحو الساعة السادسة مساءً. كيف علمت؟ "

قال جو من الطرف الاخر في السماعة :

"جيد، إذًا استعدي، انا في الخارج لكي نذهب و نرى  القبو الخاص بي، تحت المطعم والمقهى الذين اشتراهما سيرجيو. هناك مدخل سري لا يعرفه سوى القليل."

تلهفت سوجين قائلة مع ضخكه تصدح في سماعة الهاتف :

" لا أطيق الانتظار لرؤية المكان."

ضحك جو قائلاً:

"إذا هيا إنزلي انا بإنتظارك بالخارج"

بعد لحظات، نزلت سوجين و ذهبت إلى الطرف الاخر من الشارع بعيداً قليلاً عن الشركه فوجدت جو على دراجته النارية، وركبت خلفه سوجين و أحكمت خوذتها . انطلقا عبر الطريق المؤدي إلى منزل جو ، حيث المدخل السري إلى القبو. فشعرت برياح تضربها حتى و هي ترتدي خوذتها،لكن كان للرياح تأثير قوي ليس بالشعور بالبرد فقط إنما بالراحه و السكينة و الشعور بالحرية، فأستحسنت الجو و أبتسمت إبتسامه واسعه تلقائياً،حتى وصلا إلى وجهتهم

ما أن دخلت سوجين القبو حتى استقبلتها ضجة فريق العمل بأكمله، أندريا، سيرجيو، هاري، وجيسي.مرت من رواق طويل قليلاً باللون الرمادي و أرضية سوداء و مع نهاية الرواق، استقبلها جو بابتسامة عريضة:

"أهلاً بكِ في مقر فريق 168، هنا كل شيء جاهز."

نظرت لِما حولها،كان المكان واسع تكسوه جدران رمادية و أرضية سوداء  كميرات،و أجهزة حديثة و متطورة و سبورة إلكترونية و بجانبها سبورة عادية مع خزانة و تقابلهم طاولة إجتماعات كبيرة متناثرة عليها مجموعة أسلحه و أربعة مكاتب متفرقة و  ثلاثة أبواب اخرى بكل تأكيد توجد بهم أشياء او تؤدي على أماكن ثانية،القبو كان كبير و مذهل و مجهز بالكامل، وبعد إن أطالت سوجين التحديق إنتبه لها هاري و ضيق رماديتاه بأتجاهها قليلاً كعادته و رحب بها: " أهلا بكِ هنا سوجين"

فأنتبه الجميع لها بعدها،أبتسمت نحو هاري و قالت: 

"أهلا هاري"

فسلمت على بقية الاعضاء مع إبتسامات

بدأ سيرجيو يشرح بحماس:

"القبو مجهز بكامل التجهيزات، غرفة اجتماعات، ومخازن محمية بأحدث أنظمة الأمان."

أضاف هاري وهو يشير إلى شاشة المراقبة:

"كاميرات حديثة، وأجهزة استشعار، لن يفلت منا شيء."

رفعت جيسي حاجبها قائلة بتهكم:

"لكنني ما زلت غير مقتنعة بمكان طاولة أدوات التجميل الخاصة بي. يجب أن تكون قرب نافذة أو إضاءة طبيعية، لا مكانها هنا في الزاوية."

ضحك الجميع، وقال هاري:

"يبدو أننا سنحتاج لشراء مرآة ضوئية لكِ يا جيسي!"

ردت جيسي بتحدٍ:

"لا، سأفرض رأيي مهما كلف الأمر!"

ثُم نظرت في مرآتها الصغيرة الى شعرها و عيناها الصفراء و بدأت بالتأمل و أبتسمت إبتسامتها المغرورة:

"إن لم أتأمل هذا الجمال كل ثانيه، سأصاب بسكته قلبيه بسبب تراكمات العمل المستفز"

تنهدت أندريا بخفة قائله:

" جيسي ستحول المقر إلى مركز تجميل، إلاهي أرحمني "

ضحك الجميع عليها على خلاف جيسي التي رمقتها بإنزعاج

كانت الأجواء مرحة، ثم هدأت سوجين وجلست في إحدى الزوايا، وبدأت تحكي عن تفاصيل قضية الميتم التي يعملون عليها.

قالت بجدية:

"الوضع معقد، هناك الكثير من الغموض في الأوراق، وأفعال بعض القائمين على الميتم غير مفهومة."

تقدم سيرجيو نحوها وقال:

"ركزّي على أسماء الممولين الحقيقيين، وراقبي المدير المالي عن كثب، قد يكون مرتبطًا بأمور سرية."

أجابت سوجين بثقة:

"نعم، لدي بعض الأدلة التي أحتاج إلى تأكيدها."

نظر إليها سيرجيو بزرقاوتيه و إبتسم:

"في هذه القضيه تبدين و كأنك محققة حقيقيه طريقة تفكيرك و بحثك عن الأجوبه و الأسلوب حتى ، حتماًباولو لن يشك في أمرك"

ابتسمت وقالت بنبرة خفيفة:

"سعيدة لرأيك ايها المحقق، لو علم باولو أن شهادة المحاماه التي أستخدمها مزورة، لربما جن جنونه. ثُم في هذه القضيه إستخدمت شخص أعرفه ربما سيساعد فيها و يزيد من ثقة باولو في "

وقف جو خلفها باسط ذراعيه على كتفيها:" أمر الشهادة لا تقلقي منه،حاولت بأن تكون حقيقية قدر الامكان، و بالفعل تبدوا حقيقية ستنطلي عليه صدقيني "

تثائب هاري بصوت مرتفع و قال:" نعمل في القانون و نقوم بأمور غير قانونية كاتزوير الشهائد او ماشابه، هذا تناقض ونفاق "

وقف هاري مترنحاً من شدة النعاس، مر يومين لم ينام فيهم بسبب تجهيزاته للقبو مع جو ثُم فرك شعره الرمادي ببعثره :

"لا أحد يعرض فلسفته الخاصه و يقول الوسيلة تبرر الحاجه"

عقد سيرجيو ذراعيه حول صدره:

"أثار النعاس واضحه"

ضحك الجميع، وساد الجو روح الفريق والترابط، مما أكسبهم القوة والعزيمة لمواجهة ما ينتظرهم في قادم الأيام.

_____________________

ترجّل باولو ميليريانو من السيارة بخطوات واثقة، وإلى جانبه آندي، وقد ارتدى كلاهما بذلات سوداء فاخرة، تليق بثقل الاسم الذي يحملانه. الهواء الشتوي في موسكو كان قارسًا، لكن الحدة لم تكن في الطقس فحسب، بل في العيون التي تترقبهما من خلف النوافذ، ومن بين الظلال.

لم يكن في المكان مجال للترحيب العابر. فور دخولهما باحة الفيلا المحصنة، استقبلهما لوكاس مورنو بنفسه، واقفًا بجوار فيودور وريثه  و مايك رومانوف، الذراع الروسي الأيمن لعشيرة مورنو، وإلى يساره كلارا مورنو، بكامل أناقتها المعتادة.

تقدّم لوكاس بخطوتين، صافح باولو بقوة، وقال بنبرة خالية من المجاملة: "مرحبًا بك باولو ."

ردّ باولو بإيماءة خفيفة، ولمّح ابتسامة خفيفة على طرف شفتيه: "أشكر كرم الضيافة، الزعيم لوكاس."

ثم انتقلت نظراته إلى فيودور، الذي اكتفى بإيماءة احترام متقنة، كما لو أنه قائد عسكري يحيي من يعادله في الرتبة. أما كلارا، فكانت مختلفة. تقدّمت منه بخفة أنثوية محسوبة، ووضعت قبلة قصيرة على خده، تمتمت بعدها: "تأخرت… ."

رمقها بنظرة جانبية، لم يعلّق، لكن عينيه قالتا ما لم يُنطق ، ثُم إبتسم و عانقها بتكلف.

وقبل أن ينتهي الترحيب الرسمي، استدار آندي بفضول واضح وهو يلاحظ وقوف بعض الشخصيات المألوفة في الطرف الآخر من الحديقة الواسعة.

"غريب، أين أبي " همس باولو لنفسه حين لم يلمح وجوه أبيه و المفترض أن يكون هو هنا مع لوكاس قبل الجميع.

أزرا ديباول ، ابن عمه الأكبر بعد أبيه ، يقف بصرامة بجانب فاليريو ميليريانو، الملقب بـ"ظل الليل"، رجل استخبارات العائلة وصاحب النفوذ الصامت. معهم كان رفاييل ميليريانو، أكثر أبناء العمومة دهاءً، وإلى جواره وقفت شابتان ترتديان معاطف طويلة: نيفا وكاثرين، بنات عمّ باولو من جهة الأب، وكلتاهما معروفتان بجمالهما البارد وحدّتهما في إدارة أعمال العائلة النسوية.

وعلى الجانب الأيسر، قرب النافورة، كان يقف الثلاثي الثقيل: لوتارو ميليريانو، عم باولو الأصغر، ومعه دافيد ميليريانو وفلانتينو لوسيانو، عمّان لا يُستهان بهما رفقة شريك لهم في نصف أو اغلب أعمالهم، كلاهما يشرف على الشحن والمراقبة الدولية. لم تكتمل الصورة إلا حين ظهرت ليندا ميليريانو، الأخت الصغرى لباولو، ترتدي معطفًا أبيض كعروس شتوية، ووجهها يخفي أكثر مما يُظهر.

أعطاهم باولو إيماءة خفيفة برأسه، تعني الكثير في عرف المافيا، ثم تقدّم بهدوء ليقف إلى جوارهم، في الحديقة الخلفية للفيلا، حيث تُزرع التحالفات تحت الثلج، وتُقطف الخيانات مع أوّل فجر.

كان الجو مشحونًا بالصمت والانتظار، فالعائلات الأخرى بدأت بالتوافد، والأسماء الكبيرة بدأت تتسلل إلى البوابة.

وقف باولو صامتًا، عيناه تراقبان الحضور، وذهنه يستعرض الخطوط الدقيقة بين الحلفاء والأعداء. بجانبه، وقف آندي بعد لحظات من الصمت، ثم اقترب منه وهمس:

"باولو… مالذي تفعله أبنت كيم سومان في شركتك؟"

لم ينظر إليه باولو مباشرة، بل أبقى عينيه على الجمع المتناثر أمامه، وأجاب بهدوء قاتل:

"سؤال في غير وقته يا آندي... لكن إن كنت تريد إجابة صريحة: لم تأتِ من فراغ، ولا مكانها بيننا من عبث."

زمّ آندي شفتيه، أراد أن يسأل المزيد، لكنه تراجع، فقد أدرك من نبرة باولو أن الحديث عن كيم سوجين ليس بالأمر العابر… بل هو ملف مؤجل، يحمل خلفه أكثر مما يبدو.

عاد الصمت بينهما، يتأملان فيمن حضر، وفيمن لم يحضر بعد… فيمن سيفتح فمه أولًا، وفيمن سيتلقى الطعنة الأولى.

كان صوت أقدامهم يقرع الأرض بحزم، يملأ أجواء الفيلا بصدى لا يقبل الشك. دخل جايد غرايسون متربعًا على قمة الحضور، يتقدّم بثقة لا تخفى، وعلى رأسه شعر أبيض مصبوغ، مرفوع بدقة تحاكي أشواك تاج لا يُمس. ملامحه حادة، وسيم، وعيونه السوداء الثاقبة ترقب كل حركة بعين الفارس الذي لا يهاب خصومه. عضلاته البارزة تحت بذلته الداكنة تكشف عن قوة لا يستهان بها، بينما ينحت وجهه صرامة لا تكذب.

خلفه تقدّم ثلاثة من أعمامه، رجال كل واحد منهم يحمل في عروقه دماء عائلة غرايسون، والذين وقفوا بثبات حراسًا لملكهم الجديد.

عند البوابة، استقبلهم لوكاس مورنو بجسد ممدود ومهيب، يحيط به ابنه الأكبر فيودور مورنو، الوريث القادم لعائلة مورنو، الذي وقف متأهبًا إلى جانب كلارا مورنو، التي لم تغب عنها نظرة الاستفهام والتمحيص لجايد.

تبادل الجميع نظرات تملؤها تحديات مبطنة،

تقدمت  نيفا بخطوات أنيقة مع شعرها الذي ترفعه ذيل حصان فوق و بذلتها فوقها معكف طويل يخفيها كُلياً كان منظرها يبدوا حاد و صارم للغاية على خلاف شخصيتها الحقيقية أقتربت من أندي و قالت بدهشة :

" تمنيت كثيراً أن يأتي فارس أحلامي يمتطي حصاناً أبيض، لكن لن أمانع ان كان شعره أبيض لايوجد فرق، من ذلك الوسيم بكل تأكيد تابع للمورنو، ياإلاهي الهيبه و الحضور ركزوا على طريقة مشيته او رمشته،عروق يده و رائحة سجائره تصلني إلى هنا، ياإلاهي من هذا "

عقد أندي حاجبيه على صراحة أخته و قلب عينيه قائلاً:" لا أعرفه "

أجاب باولو و هو يضع يديه في جيوبه:" إنه جايد غرايسون، وريث غرايسون "

توسعت أعين أندي و نيفا في الوقت إنه و نظرت لها كاثرين بصدمه و حتى إن كان رفاييل بعيد عنهم قليلاً لكن سمعهم و تقدم منهم مسرعاً رامي سيجارته خلفه قائلاً:

"مااللعنة الذي تقولها باولو، لماذا هو هنا، أنت تعلم ان فلانتينو لوسيانو هنا و سيأتي لاحقاً زعيم اللوسيانو مع عمي ليونيل"

لكن باولو لم يرد عليه و تقدم قليلاً حتى أصبح في وسط حديقة أل مورنو

ثم خطا جايد خطواته الواثقة نحو باولو ميليريانو، الذي كان ينتظره وسط الحديقة، وجهه يحمل هدوءًا محكومًا، لكنه لا يخلو من توتر داخلي.

مدّ باولو يده للمصافحة، فرد جايد بثقة ولمسة احترام خفية، ثم تكلم بصوت منخفض، لكنه كان مسموعًا بوضوح لمن يعرف رموز تلك العوالم:

"الوضع معقد هذه الأيام، ولكن كما تعلم... المناورات لا تتم إلا بخطوات مدروسة."

ابتسم باولو بابتسامة نصف مكتملة، وأجاب: "الوضع تحت السيطرة. لا أحد يستطيع قراءة أوراقنا بسهولة."

أومأ جايد برأسه تأكيدًا، ثم أضاف بنبرة تحمل أكثر من معنى: "سنرى من سيحرك القطع أولًا، لكن تذكّر.. نجاحنا يعتمد على التوقيت المناسب ."

اقتربت كلارا من باولو، متفحصةً الموقف، بينما وقفت العوائل الأخرى تترقب التفاعل، وكأنها تنتظر إشارة تبدأ بها المواجهة.

تلك اللحظة كانت نقطة التقاء العروش، حيث يتراقص الظل والضوء بين الكلمات، ويُرسم مستقبل التحالفات بخطوط غير مرئية.

بينما كانت أشعة الشمس تبدأ بالتلاشي خلف تلال الفيلا، اقتربت على البوابة سيّارات فاخرة تحمل عائلات فيدوروف، بيساني، وديلكارلو كورشاكوف، حلفاء ميليريانو الأوفياء، كيم،ادامز، فيتشر،ليستر ما إن انتهى استقبال عائلات فيدوروف، بيساني، وديلكارلو كورشاكوف حتى اقتربت سيارات سوداء لامعة تحمل أفراد عائلة روسو، إحدى العائلات القوية والمهمة في إيطاليا و بريطانيا  التابعة لعشيرة لوسيانو،و ميليريانو

نزل من السيارة السيد ماركو روسو، رجل في منتصف العمر، يمتاز بملامح متجعدة تعكس خبرة سنوات طويلة في ساحات الصراع، عيناه الداكنتان تنقلان ثقل القرارات التي مرّ بها. إلى جانبه شقيقه الأصغر أليساندرو روسو، الذي يحمل نظرة سريعة متقدة، لا تخلو من طموح وأناة.

تقدّم ماركو نحو باولو بإيماءة محترمة، حملت في طيّاتها احترامًا مشوبًا بقليل من التحدي، فيما وقف أليساندرو خلفه يراقب بترقب.

تبادلت الأجواء بين الحضور شعورًا بالرهبة، إذ كانت عائلة روسو رمزًا للقوة الحقيقية داخل شبكة ميليريانو، حضورهم وحده كان كافيًا ليزيد من وطأة الاجتماع.

وقف باولو بثبات وأومأ لهم، معلنًا ضمنيًا أن الاجتماع الآن يأخذ مسارًا أكثر جدية.

وقف الحراس متراصين بإحكام، فتحوا البوابات أمام القادمين، الذين نزلوا ببطء وأناقة، كل منهم يرتدي بذلة  تعكس صرامة الموقف وجديته.

استقبلهم باولو وأندي و رفاييل  برصانة، وهم يبادلون الجميع نظرات تَقديرٍ وتوتر، ثم أومأ لهم باولو بإشارة خفية

وقف الجميع على أطراف الحديقة، حيث تستمر الأنظار بالتلاقح بين الحلفاء والخصوم، وكانت هذه العوائل بمثابة أعمدة صلبة في دعائم عشيرة ميليريانو، وأذرعها الممتدة في كل الاتجاهات.

بعد دخول عائلة روسو، ارتفعت حدة التوتر في أجواء الفيلا،لحظة دخول زعيم الميليريانو ليونيل  برفقة زعيم اللوسيانو إنزاغي لوسيانو صديقه و رفيقة في كل خطوه عندما دخلوا لأرجاء الفيلا،  اقتربت على الممرّ سيارات تحمل أفراد عائلتي تشيرنيفا وماليندوف، وهما من أهم العوائل التابعة لعشيرة مورنو، كلتاهما تحظيان بنفوذ كبير في أروقة القوة.

نزل من السيارة السيد ديمتري تشيرنيفا، رجل ضخم البنية، ذو نظرة صارمة تعكس صرامة حكمه وقسوته، يرافقه ابنه نيكيتا الذي يحمل ملامح أبيه القاسية وعينين حادتين لا تفوت أي حركة.

إلى جانبه، تقدم السيد فيكتور ماليندوف، بملامح هادئة لكنه توّاقة، ومعه شقيقته آنا ماليندوف التي لم تخفِ تعبيرها القوي والحدّي تجاه الحضور.

استقبلهم لوكاس مورنو بإيماءات ترحيب رسمية، فيما راقبتهم كلارا بنظرات تشبه تقييم الفارس لخصمه.

وعلى جانب مورنو، ظهرت أيضًا:

عائلة فالديراما عائلة روكسبيري عائلة روسينتي، مارينيلو، سافيني، روساتي

جميع العوائل وقفت في مواقعها، وكلٌ منهم يحمل في عينيه تلك الشرارة التي تسبق المواجهات، وكانت الأجواء مشحونة برائحة القوة، الحذر، والتحدي.

وقف لوكاس مورنو في وسط الحديقة، مرتدياً بدلة سوداء أنيقة، يده ممسكة بكأس فودكا بارد يلمع تحت أضواء المساء الخافتة. نظراته الثاقبة جالت بين الحضور، وكانت هيمنة ملك المافيا واضحة في كل حركة من حركاته.

رفَع الكأس قليلاً، فأُصغِي الجميع بصمتٍ تام، ثم قال بصوتٍ عميقٍ وواثق:

"أهلًا بكم جميعًا... في هذا اللقاء الذي ليس كباقي اللقاءات. نلتقي اليوم ليس فقط كأفراد أو عوائل، بل كقوى مترابطة، تحالفٌ مبني على الدم، الولاء، والمصالح المشتركة."

ألقى نظرة سريعة على عائلات مورنو وميليريانو مجتمعة، ثم تابع:

"عشيرة مورنو وعشيرة ميليريانو ليستا فقط عمودين من أعمدة هذا العالم، بل هما القلب النابض الذي يُشعل مسيرة نفوذنا. تحالفنا ليس مجرد اتفاق على مصالح، بل عهدٌ متجدد لنقف موحدين أمام كل تحدٍّ أو عدو."

ثم أومأ للكبار من حوله، خاصة نحو ليونيل ميليريانو و إنزاغي لوسيانو و ستيفن غرايسون و جايد غرايسون، قائلاً:

"نعرف جيدًا أن القوة لا تُمنح، بل تُنتزع... واليوم، كل واحد منكم هنا، يحمل عبء الدفاع عن هذا العهد، والذود عن مصالحنا. فلتكن هذه الليلة بداية لمرحلة جديدة من السيطرة والتوسع."

رفع الكأس مرة أخرى، وقال بابتسامة نصفها ود، ونصفها تحذير:

"لنشرب نخب الوفاء، ولنجعل من تحالفنا قوة لا تُقهر."

أجاب الجميع بترديد هادئ لكلمة "نخب"، بينما تلاحقت أنظارهم بحدة وحرص، والشعور بأن هذه اللحظة ستغير مجرى الأمور إلى الأبد.

__________________

عاد باولو إلى الشركة بخطوات واثقة، متجهًا نحو مكتب سوجين ليجدها هناك، لكنه لم يجدها في المكان.

كان يعلم إنها ستخرج و ستتأخر، لأن من أول من يوم عرفها فيه  حتى الآن أول إنطباع أخذه عليها،هو عدم إحترام المواعيد، أخرج هاتفه من جيب بذلته السوداء و وضع رقمها ليتصل عليها   ، فسمع صوت رنين هاتفها  يصدح من على مكتبها . اقترب ليرى شاشة الهاتف التي كانت تُظهر اسم المتصل: "فينتشنزو كاسانو – النسخة الصينية".

ارتسمت على وجهه تعابير الدهشة والاستغراب، وسأل نفسه من يكون هذا "فينتشنزو" ومن أين تأتي تلك النسخة الصينية؟

أنهى الاتصال بعد لحظة، ثم التفت للنظر إلى شاشة الهاتف مرة أخرى. كانت خلفية الهاتف صورة لسوجين، تبدو فيها جميلة وظريفة للغاية، وعيناها تتلألأان ببريق خاص.

ابتسم باولو بصدق ودفء، وكأن لحظة الهدوء هذه أعادته إلى مكان أكثر أمانًا.

بعد أن تأمل الصورة قليلاً، نهض ببطء واقترب من باب المكتب، عازمًا على المغادرة، إذ دخلت سوجين في تلك اللحظة، تنظر إليه باستغراب خفيف.

قال لها  بهدوء:

"كنت أبحث عنك، هل خرجتِ أم أنك هنا طوال الوقت؟"

أجابت بسلاسة:

"خرجتُ قليلًا، ثم عدتُ قبل قليل."

ابتسم باولو وقال:

"حسنًا، تتعالي لمكتبي سأعطيك ملفاً خاصاً ببعض المشتبهين بهم راجعيه،و إن وجدنا شيء غريب سنتحقق بشأنه "

كانت تلك لحظة بداية لوقائع أخرى ستتضح فيما بعد...

أمالت سوجين رأسها قليلاً ثم خرجت و تبعها هو خلفها:

" لماذا علي التحقق أنا من شأنه، أنت أكثر خبره ربما هناك تفاصيل لن أنتبه "

أسرع باولو في خطواته قليلاً  حتى أتى بمحاذاتها و تخطاها:

"يمكنك العوده الآن و اخذه معك للمنزل، لكن الاسبوع القادم يكون الملف عندي بجميع التفاصيل و المعلومات التي كلفتك بها"

دخلت سوجين المكتب عندما فتح لها الباب، مكتبه  لم يكن بعيداً كثيراً  كانا الوحيدان في الطابق العلوي، تقدمت سوجين قليلاً من مكتبه، قائله:

" سيدي، أناتولي موظف النقل "

عقد باولو حاجبيه بأستغراب و نظر إليها، قائِلاً:

"عن أي أناتولي تتحدثين"

رمشت سوجين بصدمة، مره مرتين ثُم إنفرج شفاهُها في ضِحكة ساخره و رفعت حاجِبها:

" سيدي ... أناتولي موظف النقل...  في دار الأيتام، الذي أخبرنا بٌشأنه ذاك العميل عندما باشرت في العمل هنا "

فرك باولو جبينه بِحده، ثُم عاود النظر لها، مُستفسراً بِشأنه:

" تذكرته ... ماذا به "

وسعت سوجين عينيها، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها قائله:

" كيف تنسى أمر مهم كذها...  ثم ألم تترك كلمه لم تسمعني اياها بالأمس لأنني تأخرت قليلاً فقط، بينما حضرت سيادتك نسيت بشأن شئ مهم للغاية، ربما يكون الدليل "

رفع باولو حاجبه بتهكم، ثم أخذ الملف من على طاولته و رماه نحوها بطريقة بربرية لا تليق بنبيل، عندما قال :

"لقد نسيته لفترة وجيزة فحسب...  لا تكبري الموضوع، ثم هذا الملف يوجد به خمس أشخاص احتمالية ان يكونوا دليل او افراد مهمين تحققي منهم جيداً و دققي في كل التفاصيل و المعلومات، أريده بعد اسبوع"

نزلت سوجين تلتقط الملف  عندما وقع أرضاً رفعت أنظارها بحده أتجاهه، لتقول:

"صدقني لن تموت إذ تصرفت بقليل من الادب"

و مع نهاية كلامها غادرت المكتب مقفله الباب خلفها بقوة

____________________

الساعه 12:02 - منتصف الليل لدى منزل عائلة كيم

كانت سوجين  متمدده على سريرها ببعثره تتصفح بعض من منشورات على تطبيق الإنستاغرام ، بعد إنتهاء حديثها مع الفريق فجأة ظهرت اعلى شاشة هاتفها شريط أتصال لكن جلسة ببغته عندما نظرت لأسم هوية المتصل

Vencinzo casano - chinese copy

تأفأفت سوجين بأنزعاج واضح و قالت في عقلها

سحقاً ماذا يُريد هذا بعد منتصق الليل حتى، ماقلة الذوق هذه

لكنها أجابت و وضهت السماعه على أذنها تنتظر صوته، لم يتأخر قليلاً  حتى جمد عروقها قائلاً  :

" أنا اسفل منزلك ، أنزلي "

رمشت سوجين قليلاً لتطرد الصدمة، لكنها قالت مُسرعه:

" لم أفهم... ماذا تقصد "

سمعت سوجين من على السماعه تنهيده واضحه منه ثم استمعت لنبرة صوته المنزعجه:

" حسناً...  اكتشفت أحد الاشخاص المهمين الذي يقد يساعدنا و عندما تعقبت اثره وجدته يعمل في ملهى ليلي، لذا سنذهب لأستجوابه الآن، هذا الشخص مهم للغاية أخاف أن أفقد أثره، لذا لديك خمس دقائق و اراك هنا بالسيارة جاهزه "

وقفت سوجين من سريرها مسرعه نحو  غرفة الملابس على يسارها

وقفت سوجين أمام المرآة في غرفتها المنزلية، متفحصَةً مظهرها بدقة متناهية. ارتدت فستانًا أزرق أنيقًا، مزدانًا بلمسات بيضاء ناعمة عند الأطراف، ينساب على جسدها بخفة ورقة. ألوان المكياج التي اختارتها كانت وردية فاتنة، أضفت على ملامحها الحادة لمسة من الظرف والأنوثة، رغم أنها صاحبة شخصية صارمة وجدية.

بعد أن تأكدت من مثالية مظهرها من كل زاوية، أمسكت بمعطفها الأبيض الناعم، وحقيبتها الصغيرة ذات اللون الأبيض أيضًا، ثم أخذت هاتفها بيدها. أرسلت رسالة صوتيه إلى فريقها :

" أنا ذاهبة الآن مع باولو لملهى ليلي يترصد لشخص ما لم اعرف التفاصيل بعد"

لم تمضِ سوى دقائق حتى جاء الرد من جو:

"جيد، أنتبهي لنفسك عزيزتي شعرتي بالخطر أرسلي رساله هنا مباشرة"

تعجبت سوجين من رده السريع، وجلست تنتظر قليلاً، ثم استلمت رسالة أخرى من هاري :

" ركزي جيداً أوني سوجين كوني بخير "

ضحكت سوجين على رسالته بخفه، متى تعلم الكورية؟ مع أنه كان يكتب بالروسيه لكن كلمة أوني؟

اقتربت من النافذة تنظر إلى الخارج، فوجدت بالفعل سيارة بورش سوداء تقف في الأسفل، لكن لم تكن مثل سيارة سائق باولو الخاص المعتادة. نزلت بحذر، تحرص على ألا توقظ إخوتها، واقتربت من السيارة السوداء. فتحت الباب بجانب مقعد السائق  فركبت، واستقبلتها رائحة عطر خفيف، خشبي مُعطّر بدخان خفيف، تذكّرها برائحة الأخشاب الداكنة ممزوجة بلمسات من المسك  و الكولونيا ، رائحة رجولية جذابة تلفت الانتباه.

ابتسمت له بابتسامة خفيفة، فردّ الابتسامة وهو يدوّر عجلة القيادة ويبدأ بالانطلاق. نظرت إليه بتمعّن، فوجدته يرتدي ملابس غير رسمية على غير عادته؛ كان يرتدي سروال جينز أزرق، وسترة جلدية سوداء فوق قميص قطني أبيض بسيط، وحذاءً رياضيًا أبيض. شعره كان ممشطًا بأسلوب غير رسمي، واقعًا على جانبي جبينه، ولم يكن مرفوعًا للأعلى كما تراه في العاده و الصور المنتشرة عنه. كان منظره جذابًا بطريقة مختلفة، بعيدة عن التكلّف،

بعد أن طال نظرتها إليه، قال باولو بابتسامة ساخرة:

"أعلم أني وسيم للغاية، لكن احذري، لا يجب أن تقعي في حبي، فأنا أفضل لسانك الحاد والسليط،على أن اسمع كلاماً معسولاً منك أعتقد أنه لا يُناسبك"

ضحكت سوجين بمرح وردّت مازحة:

"إستغربت أسلوب ملابسك فحسب، ظننتك تنام بالبذل  ."

تبادلا الابتسامات، ثم تابع باولو القيادة في هدوء، بينما كان الجو داخل السيارة يعجّ بأجواء من الألفة والمزاح، رغم ثقلهما القادم.

وصلت السيارة إلى الملهى الليلي الواقع في شارع جانبي هادئ، لكن ما إن اقتربا من المدخل حتى انبعثت من داخله أجواء نابضة بالحياة. كان الملهى عبارة عن مبنى حديث، بواجهته الزجاجية العاكسة التي تعكس أضواء المدينة المتلألئة، وعند دخولهما فتح بابان أوتوماتيكيان، ليغمرهما عالم من الإضاءة الساطعة والمتحركة بألوان نابضة بالحياة: أزرق غامق، أرجواني، وأحمر ناري يتداخل مع وميض أضواء الليزر التي تقطع الظلام وتنساب فوق وجوه الحضور.

الموسيقى كانت صاخبة، إيقاع إلكتروني نابض بالحياة يملأ الأرجاء، يثير حماس القاعة الراقصة المليئة بالناس الذين يتحركون بتناغم وسط نبضات الباص القوية. صوت دقات الطبول العالية يتردد مع الموسيقى، مع أصوات المزج بين الأغاني الإلكترونية والتراك الموسيقي الحديث، يخلق جوًا من التوتر والإثارة في آن معًا.

دخل باولو وسوجين الملهى معًا، استقبلهما نسيم الهواء البارد والضباب الصناعي المتصاعد على الأرض، فتقدما داخل القاعة المضيئة حتى جلسا قرب البار المركزي، حيث ترتصّ الكؤوس الزجاجية البراقة بألوانها المختلفة، وأضواء النيون تلتف حوله بشكل أنيق.

طلبت سوجين كأسًا من الشمبانيا الخفيفة، تنهدت وهي تنظر إلى باولو وسألته بابتسامة:

"ألن تطلب شيئًا؟".

ابتسم باولو بهدوء وقال:

" أنا لا أشرب".

صدِمت سوجين من رده، قالت بدهشة:

"كيف؟! هل أنت بخير؟! من أنت حتى لا تشرب؟"

رد عليها بهدوء وثقة:

"أفضل أن أحافظ على صحتي، هذا كل ما في الأمر."

قالت له مبتسمة بتحدي، و هي ترفع كأسها عالياً:

"تفوت على نفسك الكثير، صدقني."

كان البار مزدحمًا، تحيط به الأضواء المتراقصة كأطياف هاربة، وبين الحشود، كانت سوجين إلى جانب باولو، تراقب محيطها بعين الصيّاد المدرب، بينما عقله كان يدور بخطة أخرى.

أشار باولو بإصبعه بخفة نحو رجل يرقص في الجهة المقابلة، يضحك ويتمايل مع الإيقاع:

"ذلك هو العميل ... سنحاول إستدراجه او،لحاقه عندما يُغادر "

نظرت سوجين حيث أشار، ثم انفجرت ضاحكة، ضحكة لم تخلُ من السخرية، مائلة نحوه بخفة:

"انظر وتعلّم."

ببطء محسوب، خلعت معطفها الأبيض، لتكشف عن فستان أزرق داكن التصق بجسدها التصاقًا أثار الانتباه. فستان نُسج كأنما خُلق خصيصًا لها، يرسم خصرها الرشيق كمنحوتة من الرخام، ويفضح قوامها الممشوق دون ابتذال.

وضعت حقيبتها بجانب باولو، وكأنها تُسلّمه الأمانة. رمقها بنظرة غريبة لم يعهدها في نفسه، ثم قال بنبرة هادئة، مشوبة بالدهشة:

"هل تحاولين إغرائي؟"

ضحكت دون أن تنظر إليه، وهمست:

"ابقَ مكانك، وسجّل الدرس."

ثم انطلقت. خطواتها كانت رقصة وحدها، أنثوية، واثقة، تفتك الأنظار كما السهام. دخلت ساحة الرقص واختارت لحظتها بعناية، اقتربت من الرجل، لم تحتج سوى لابتسامة واحدة ولمسة خفيفة، حتى استدار إليها كما لو كان تحت تأثير سحرها.

بدأت تتمايل، تذوب في الموسيقى كأنها خُلقت من نغم، بينما جسدها يتحرك بانسيابٍ يغري، دون أن يفقد ذكاءه. حركاتها كانت مغناطيسًا، عيناه لا تفارقها، وابتسامتها تسرقه من الواقع.

جلست معه لاحقًا على طاولة قريبة من البار، تمسك بيده بنعومة وتقترب به نحو باولو.

لكن حين حاول الرجل التقرّب منها أكثر، شعرت بتخشبٍ ينهش جسدها. لم ترد أن يتجاوز الأمر الحد.

لكنها لم تكن وحدها.

شعرت بظلٍ ثقيل خلفها… ثم بصوتٍ هادئ، عميق، بارد كالنصل، يُهمس في أذن الرجل:

"ماذا فعلتم بأعضاء الطفل روبيرتو، يا دايمون بلاديسيوني؟"

تجمّد الرجل في لحظته. توقف عن التنفّس. رأسه كان قريبًا من رقبة سوجين حتى شعرت بأنفاسه تتقطع على بشرتها. التفت نحوه برعب، ثم فجأة، انتفض واقفًا، دفع باولو بعنف وركض نحو باب الملهى كمن أصيب بلعنة.

نهضت سوجين، تراقب المشهد بذهول:

"إنه يهرب! علينا اللحاق به!"

ربت باولو على كتفها، نظر إلى الباب الموارب وقال بثقة:

"لا تقلقي… هناك من ينتظره بالخارج."

قطبت حاجبيها:

"من؟"

أعطاها معطفها وحقيبتها، ثم قال وهو يبتسم ابتسامة خافتة:

"هيا… لا نريد أن نتأخر."

خارج الملهى، في زقاق ضيق تغمره الظلال، سارت خلفه بخطى متوترة. وهناك… رأت المشهد.

دايمون، مكبّل اليدين، ساقط على الأرض، وعلى جسده ينتصب رجل ضخم الجثة، يثبّته بقوة دون أن يبذل جهدًا.

أومأ باولو للرجل، ثم جلس القرفصاء أمام دايمون، وراح يحدّق في عينيه بصمت، لحظة واحدة فقط، قبل أن ينفجر غضبه على هيئة لكمة مباشرة إلى وجهه.

صفعة مدوية، فجرّت دماء من فمه، وتبعها أنين مكتوم.

حاول دايمون الوقوف، لكن باولو لم يترك له الفرصة. ركله بقوة حتى سقط فوق براميل حديدية، أصواتها ارتجّت في المكان.

صرخ باولو بوجهه، بصوتٍ كالسوط:

"من أرسلك؟ من تعمل لصالحه؟!"

ضحك دايمون، دماء على شفتيه، وعيناه تكادان تنغلقان:

"أوه… أيها المحامي رويدك… هكذا إذًا؟ تستخدم العنف؟ كم هو ممل."

تقدّم باولو، أمسكه من كتفيه، رفعه، ثم وجه له لكمة ثالثة نحو أنفه، سُمع معها صوت تهشم واضح. سقط دايمون يصرخ، جسده يئن على الأرض.

سوجين وقفت تراقب، والذهول يملأ عينيها. لم ترَ باولو بهذا العنف من قبل.

قال بجفاف:

"هذه الطريقة الوحيدة التي تصلح مع الحثالة."

أخرج من خصره سلاحًا صغيرًا مزوّدًا بكاتم صوت، وثبته بيدٍ هادئة.

وجه السلاح نحو دايمون:

"من أرسلك؟"

ضحك دايمون مجددًا، تحدٍ أحمق يتدلى من نبرته:

"اقتُلني… لن تعرف شيئًا."

ضرب رصاصة في ساقة ثم ضغط باولو على الجرحٍ في ساقه، بقوة، فصرخ الرجل صرخة ممزقة، ثم بدأ يلهث… يهمهم… يلعثم:

"إليسا… إليسا دي كارلو…"

تجمّد باولو. رمش ببطء، عيناه اتسعتا للحظة، ثم شدّ ملامحه مجددًا.

صرخ على الرجل الضخم:

"جيم! تولّى أمره."

ثم التفت إلى سوجين:

"سأوصلكِ."

لكنها رفعت رأسها بشيء من الجفاف:

"لا… أعجبتني الأجواء، سأبقى قليلاً. حين أقرر العودة، سأتصل بإخوتي."

ضاق ما بين حاجبيه، ثم أومأ دون تعليق.

عادت سوجين إلى الملهى، ووضعت معطفها وحقيبتها على الكرسي. كانت الأغنية قد عادت صاخبة، مثيرة، فاندفعت ترقص بحماس. جسدها يتحرك بثقة، تتراقص كما لو كانت وحدها في العالم.

لكن فجأة، تبدلت الموسيقى… أصبحت هادئة، حالمة، رومانسية.

تأففت، واتجهت لتجلس، تنتظر انتهاء الأغنية.

لكنها لم تنتظر طويلًا.

شعرت بيدٍ تلتفّ حول معصمها برقة مشوبة بالقوة.

رفعت بصرها... واصطدمت عيناها به.

باولو ميليريانو.

لم يقل شيئًا، فقط سحبها بخفة، حتى تهادت خطواتها نحوه دون مقاومة.

"لماذا توقفتِ؟"

قالها بصوته الأجش، القادر على إخماد صوت الموسيقى نفسها.

أخذ يدها، وأدارها حول نفسها، لتدور كفراشة وسط الأضواء الخافتة. وعندما عادت إليه، كانت المسافة بينهما معدومة.

يده أمسكَت يدها.

ويده الأخرى استقرت على خصرها، بثبات رجلٍ يعرف ما يفعل.

بدأ يقودها بلحنٍ بطيء، لكنها لم تكن رقصة… بل اختبار، تحدٍّ، وربما أكثر.

لم تستطع الحركة. كانت كأنها حُوصرت في عاصفة عطره، وقربه، ونظراته المتفحّصة. نظراتٌ لم تحمل دفئًا… بل نارًا مشتعلة تحت الجليد.

ثم، بصوت خافت، قريب جدًا من أذنها، قال:

"كيم سوجين... ابنة كيم سومان... لماذا تعملين لديّ كمساعدة متواضعة؟"

توقفت خطواتها فجأة، لكن يده كانت ثابته، تجبرها على الاستمرار.

تابع:

"والدك أورثكم ثروة لا تُحصى... وأخوكِ محامٍ يملك نصف سيول... حجة المال لا تنطلي عليّ يا سوجين."

دارها من جديد، بشكل أبطأ هذه المرة، ثم جذبها نحوه حتى شعرت بأنفاسه تلامس خدها. عيناها اتسعتا، وشفتيها انفرجتا قليلاً دون صوت.

"ما غايتك؟

وإلى ما تسعين، كيم سوجين؟"

كان اسمه يتردد على لسانه كأنّه يستحضر لغزًا، يحاول تفكيكه، وجملته الأخيرة خرجت كسكين: ناعمة…

تخشّبت.

جسدها لم يعد يستجيب.

أنفاسها صارت ثقيلة.

هو لم يكن فقط يرقص معها…

كان يحاصرها بأسئلته، بنظراته، بشكّه… بحقيقته.

عندها، لم تبقَ سوجين تلك الفتاة العابثة في الحلبة.

كانت أمام وحشٍ يرقص معها...

لكن عينه على قلبها.

وليس على خطواتها

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

المُتواضِع | Umile

المؤلف 𝐒𝐨𝐣𝐢𝐞 || 💎"
2025/08/24 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة