مر شهر طويل، تورمت يداه الناعمة واسمر جلده الصافي، اكتسبت ذراعاه قوة وأصبحت وقفته شديدة.
الشمس ما تزال ملتهبة، والحرارة كأنها قادمة من الجحيم، خلع قميصه الكتاني وأفرغ الماء البارد فوق شعره فانسلت المياه فوق جلده المسمر وتساقطت على الرمال الصفراء. قدم بلهار من خلفه بيده منشفة قطنية، رفع أثير شعره المبلل عن عينيه وحدق بخادمه بهدوء. سقط نور الشمس على الجرح القديم في صدره، فبصفته ولي العهد تعرض للاغتيال وهو بعد في الثانية من عمره ونجى منها بفضل الله.
سمع صفيرا عاليا، حط النسر على ذراعه المبللة وغمر رأسه في لحيته.
كان الخيط الجلدي ما يزال مربوطا في قدمه لكن الرسالة اختفت، ابتسم ساخرا، فقد كان يعتريه فضول من الشخص الذي كتب له الرسالة فوضع رسالة أخرى للنسر وأطلقه، لكنه عاد إليه فارغ الوفاض.
«إذا عدنا للعبتنا المعتادة يا صديقي؟ وأنا الذي ظننتك ستشرك طرفا ثالثا فيها؟»
رفع الطير رأسه وكأنه فهم كلام سيده، حدق به ثم صاح وارتفع للسماء
«يا له من طير غريب، إني أتعجب من احتفاظك به يا مولاي»
«صحيح!»
أخذ المنشفة ودخل لخيمته، حدق في عدة الكتابة التي أحضرها معه من القصر، نهض إليها وشعره يقطر ماءا، اخر رسالة كتبها كانت مجرد لعبة والآن يشعر أن قلبه يكاد ينفجر بالكلمات. حمل الريشة وغمسها في الحبر ثم سحب ورقة وبدأ يكتب.
لف الورقة الصغيرة في النهاية وتنهد، نهض ووقف على طرف الخيمة، وضع اصبعه تحت لسانه وأطلق صفيرا عاليا، سقط ظل ضخم فوقه فرفع نظره للنسر الذي أخذ يدور فوق رأسه.
مد يده فحط عليها، وضع اللفيفة في ساقه وربطها ربطة رقيقة، كفيلة بأن تسقط من نقرة واحدة، ثم أطلق طيره وعاد لخيمته.
…….
حدقت غيث مندهشة في الطيرا الذي أخذ يحك ريشه على طرف نافذتها، قربت الفانوس المشتعل منه، تبينت ريشه المحمر وعيونه الحادة فأطلقت صيحة تعجب صغيرة.
«أنت ذاك الشرير؟»
وضعت الفانوس واقتربت منه فربتت على رأسه، ابتعد عنها خطوة ثم اقتحم غرفتها وحط فوق فراشها، ثم عاد ليحك ريشه.
لاحظت بسهولة الورقة في قدمه اليمنى، تذكرت رسالتها المتهورة فاضطربت أنفاسها.
اقتربت بحذر من الطير وانقضت عليه فطار وبقي يرفرف في السقف. التوت شفتيها غيظا ثم عادت تمشط شعرها وعينيها عليه.
نزل الطير من جديد ووقف قربها، وضعت اصبعيها على رأسه وداعبته، أحنى رأسه لها بخضوع، مدت يدها فاختطفت الرسالة منه، انتفض حدق بها ثم بالرسالة، فرد جناحيه وحلق عائدا لصاحبه.
حدقت غيث بالورقة التي بين يديها بدهشة، فضتها وقرأت جملها:
«حمل لي نسري رسالة من مجهول، فهل لهذا المجهول أن يعرف عن نفسه؟»
قرأت الكلمات مرة واثنان، لقد وصلته!
رمت الرسالة في صندوقها وأغلقت عليها، أجبرت نفسها على النوم وتجاهلت اضطراب أنفاسها.
كان النسر يعود لها كل بضعة أيام طوال شهر كامل، لم يحمل لها رسالة أخرى ولم تجرؤ هي على تحميله بواحدة. تطعمه وتداعبه وتتركه يحلق حرا في الواحة كيفما يشاء، إنه طير علمه صاحبه الحرية، فلم تقيده هي؟
وظنت أنه ما عاد يحمل لها رسائل صاحبه منذ انقطع شهرا كاملا، لكنها تفاجئت بعودته إليها ذات نهار مشمس وبقدمه لفيفته المعتادة.
اطعمته وسحبت اللفيفة منه، أقبل النسر على الحبوب يلتهمها ولم يبال بالرسالة التي بين يديها.
«رجائي في خالق هذه الأكوان، موزع هذه الأرزاق. رضيت يارب بقدري، رضيت يارب بقيدي، رضيت يارب بدموعي، ورضيت بالثقل الكبير فوق كتفاي. وكيف لا أرضى وقد أعطيتني أبهى النعم، وجعلتني عزيزا في هذه الدنيا! فاللهم بردا وسلاما على قلبي، بردا وسلاما على قلب لا ينفك عن ذكرك»
شعرت بيديها ترتجفان، خبأت الرسالة في صندوقها وتسللت خفية لحجرة والدها فاختطفت الجلد، أحضرت قربتها المصنوعة من الخشب ووضعت فيها التراب والزيت، ثم أمسكت بريشة النسر وبدأت تكتب.
حدقت في الكلمات مرة واثنان، احمر وجهها، فهي تقبل على شيء خطير، إنها ترد على رسائل مجهول، لا تعرف إن كان حقا ملكا كما ذكر في رسائله أم لصا يجوب الصحراء.
ربطت الرسالة في ساق النسر، وراقبته وهو يرتقي السماء ويختفي خلف الشفق.