في جامعة لندن، كانت روز تُعتبر واحدة من أكثر الفتيات شهرة وجمالًا. الجميع كان يعرفها، ليس فقط لجمالها الساحر بشعرها الذهبي وعينيها الزرقاوين، ولكن أيضًا لشخصيتها اللطيفة والعفوية التي جعلتها محبوبة بين الجميع.
خرجت روز من بوابة الجامعة برفقة صديقاتها، تضحك وتتناقش معهن حول المكان الذي سيذهبن إليه بعد الدوام. كانت الشمس مشرقة، والجو لطيف، لكن شعورًا غريبًا بدأ يتسلل إلى قلبها، وكأن عيني شخص ما مثبتتان عليها.
توقفت فجأة، وشعرت بجسدها يتجمد للحظات. لم تكن بحاجة للبحث طويلًا لتعرف السبب.
على الجانب الآخر من الطريق، مستندًا إلى سيارته الفاخرة ذات اللون الأسود، كان يقف ذلك الرجل. ويليام بلاك.
كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة كعادته، ملامحه باردة كالجليد، وعيناه الرماديتان مثبتتان عليها وكأنه كان يعرف بالضبط متى وأين ستخرج.
حبست روز أنفاسها، وقلبها بدأ بالخفقان بجنون. لم يكن هذا صدفة. لا يمكن أن يكون هنا بالصدفة.
— "روز؟ هل أنتِ بخير؟" سألتها إيما وهي تنظر إليها بقلق.
لكن روز لم تستطع الرد. شعرت بأن كل شيء حولها اختفى للحظة، وكأن العالم تقلص ليصبح مجرد دائرة تضمها هي وهذا الرجل الغامض الذي لم تستطع التوقف عن التفكير فيه منذ الليلة الماضية.
رفع ويليام حاجبه قليلاً وهو يراقب تعابيرها المرتبكة، ثم دفع نفسه عن السيارة بخفة وسار باتجاهها بخطوات واثقة.
كل خطوة يخطوها جعلت أنفاسها تتسارع أكثر.
عندما أصبح أمامها مباشرة، ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها لم تكن دافئة على الإطلاق. بل كانت مزيجًا من التسلية والخطر.
— "هل كنتِ تحاولين الهروب مني، آنسة بينيت؟"
شعرت روز بجسدها يتجمد للحظات وهي تحدق في الرجل الواقف أمامها. لم تستطع تصديق أنه جاء إلى هنا، إلى جامعتها، وكأنه يرسل لها رسالة واضحة: لن يكون من السهل التخلص منه.
حاولت استجماع شجاعتها، فرفعت ذقنها قليلاً وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا:
— "أنا لا أهرب من أحد."
اتسعت ابتسامة ويليام قليلًا، وكأنه كان يستمتع برؤيتها تحاول المقاومة. نظر إليها للحظات قبل أن يرد بصوت هادئ، لكنه كان يحمل شيئًا خفيًا جعل القشعريرة تسري في جسدها.
— "حقًا؟ لأنني أذكر أنكِ أغلقتِ الباب في وجهي ليلة أمس."
شعرت روز بأن صديقاتها ينظرن إليها بذهول، لكنها لم تجرؤ على الالتفات إليهن. لم يكن عليها أن تبدو ضعيفة أمامه.
— "لأنني لا أعرفك، ولا أفهم لماذا تهتم بي إلى هذه الدرجة."
أمال ويليام رأسه قليلاً، وكأنه يزن كلماتها. ثم رد بنبرة منخفضة، جعلتها تشعر أن كل ما حولها اختفى ولم يتبقَ سوى صوته:
— "أنا رجل لا يتجاهله أحد، وعندما يلفت أحدهم انتباهي... لا أترك الأمور غير مكتملة."
ازدادت ضربات قلبها، لكنها تراجعت خطوة إلى الوراء، محاولة استعادة توازنها. شعرت بأن صديقاتها ينتظرن منها تفسيرًا، لكن ويليام لم يمنحها الفرصة.
— "لمَ لا نأخذ جولة قصيرة؟ حديث بسيط فقط."
حدقت به روز بصدمة. هل يتوقع منها أن تذهب معه بكل بساطة؟ كأن الأمر طبيعي؟
هزت رأسها سريعًا وقالت:
— "لا، شكرًا. لدي خطط أخرى."
لكنها بالكاد أنهت جملتها حتى اقترب منها أكثر، ليهمس بصوت بالكاد تسمعه سوى هي:
— "روز... تعلمين أنني لا أطلب الأمور مرتين."
شعرت بقلبها يسقط في معدتها. كان في صوته شيء جعلها تفكر للحظة... هل لديها خيار بالفعل؟
حدقت روز في ويليام، قلبها ينبض بسرعة، تحاول إقناع نفسها بأنها قادرة على رفضه، على تجاهل التحذير الواضح في نبرته. لكنها لم تكن ساذجة، الرجل الذي أمامها لم يكن ممن يسمعون "لا" بسهولة.
ابتلعت ريقها، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن ترد بثبات مصطنع:
— "إن كنت لا تطلب الأمور مرتين، إذن أظن أنني أعطيتك إجابتي بالفعل."
راقبها ويليام بصمت، عيناه تلمعان بشيء يشبه التسلية، وكأنه كان يتوقع ردها هذا تمامًا. ثم، وبكل هدوء، استدار عنها وسار ببطء نحو سيارته. للحظة، اعتقدت أنه استسلم، أنه سيتركها وشأنها.
لكن قبل أن يفتح باب السيارة، التفت إليها مجددًا، وقال بنبرة حملت معها وعدًا خفيًا:
— "سنرى إلى متى ستستمرين في رفضي، روز."
ثم ركب السيارة وانطلق مبتعدًا، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا، وأعين صديقاتها المتسعة التي كانت تلاحقها بأسئلة لا نهاية لها.
استدارت إليهن بسرعة، محاولة التظاهر بأن شيئًا لم يحدث:
— "فلنذهب، لا أريد الحديث عن هذا الآن."
لكنها كانت تعلم أن الأمر لم ينتهِ بعد، بل على العكس تمامًا... لقد بدأ للتو.
حاولت روز أن تتجاهل المشاعر المتخبطة بداخلها بينما كانت تمشي برفقة صديقاتها. لكن عقلها كان لا يزال عالقًا مع كلماته الأخيرة "سنرى إلى متى ستستمرين في رفضي، روز."
لماذا تشعر أن هذا الرجل لا يعرف الاستسلام؟ ولماذا يهتم بها أصلًا؟ لم تكن شيئًا مميزًا بالنسبة له، مجرد طالبة جامعية عادية. ومع ذلك، هناك شيء في طريقته، في نظرته، جعلها تشعر وكأنها أصبحت هدفًا له... وكان ذلك مخيفًا بقدر ما كان غامضًا.
— "روز؟ هل ستخبريننا من هذا الرجل الوسيم الذي يبدو وكأنه خرج من فيلم مافيا؟" سألت إيما بفضول، تقطع حبل أفكارها.
توقفت روز للحظة، ثم زفرت بتعب:
— "لا أعرفه جيدًا، لقد حدث موقف بسيط ليلة أمس، لكنه لا يستحق الحديث عنه."
— "لا يستحق الحديث عنه؟ رجل مثله يقف أمام جامعتنا فقط ليتحدث معك، وأنتِ تقولين إنه لا يستحق الحديث عنه؟" قالت سارة بدهشة.
— "بالتأكيد هناك شيء أكبر من مجرد "موقف بسيط"، لا تكذبي علينا!" أضافت ليزا وهي تضيق عينيها بشك.
تنهدت روز وهي تمرر أصابعها في شعرها، تشعر بالإرهاق النفسي من كل هذا.
— "صدقوني، لا أعرف لماذا يهتم بي. بالكاد أعرف اسمه حتى!"
لكن رغم كلماتها، كان هناك إحساس داخلي يخبرها أن هذا لم يكن سوى البداية، وأن محاولة الهروب منه قد لا تكون بتلك السهولة التي تتخيلها.
---
في مكان آخر، جلس ويليام في مكتبه، يدير كأس الويسكي في يده وهو يحدق عبر النافذة الزجاجية الضخمة.
— "هل جمعت كل المعلومات التي طلبتها عنها؟" سأل بصوت هادئ لكنه حاد.
وقف إيثان بجانبه، يحمل ملفًا وضعه على المكتب أمامه:
— "نعم، روز بينيت، 19 عامًا، طالبة جامعية، تعيش بمفردها منذ وفاة والديها في حادث قبل ثلاث سنوات. لا تاريخ إجرامي، لا ارتباطات مشبوهة... مجرد فتاة عادية تمامًا."
ابتسم ويليام ابتسامة صغيرة وهو يفتح الملف، يتصفح المعلومات والصور التي جُمعت عنها.
— "فتاة عادية؟ لا أعتقد ذلك، إيثان... هناك شيء مميز بها، شيء يجعلني لا أستطيع التوقف عن التفكير فيها."
أغلق الملف برفق، ثم نظر إلى مساعده بنظرة تحمل معنى خفيًا.
— "راقبها عن قرب. أريد أن أعرف كل شيء عنها... وأريد أن أعرف متى ستدرك هي أيضًا أن الهروب لم يعد خيارًا لها."
كانت روز تظن أن الأمر قد انتهى، أو على الأقل أن ويليام سيفقد اهتمامه بعد رفضها. لكن الأيام التالية أثبتت لها أنها كانت مخطئة تمامًا.
كلما خرجت من الجامعة، شعرت بتلك النظرات تراقبها، غير مباشرة، لكنها واضحة بما يكفي لتجعلها تشعر بعدم الارتياح. لم ترَ ويليام بنفسه، لكنه لم يكن بحاجة للظهور حتى تشعر بوجوده.
وفي إحدى الليالي، بينما كانت روز عائدة إلى شقتها بمفردها، رن هاتفها برقم مجهول. ترددت للحظة قبل أن تجيب.
— "مرحبًا؟"
جاءها صوته العميق والواثق على الفور، دون أي مقدمة:
— "هل ما زلتِ تحاولين التظاهر بأنني غير موجود؟"
تجمدت روز في مكانها، قبضتها تشتد حول الهاتف.
— "كيف حصلت على رقمي؟"
ضحك بخفة، وكأن سؤالها كان مضحكًا بالنسبة له.
— "إذا كنتِ تعتقدين أن رقم هاتفك هو أصعب شيء يمكنني الحصول عليه عنك، فأنتِ أكثر براءة مما توقعت."
شعرت بقلبها ينبض بقوة، لكن الغضب بدأ يتسلل إليها مع خوفها.
— "هل تراقبني؟ هذا غير قانوني، يمكنك أن—"
— "يمكنني ماذا، روز؟" قاطعها بصوت هادئ لكنه محمل بالسلطة. "قدمت لكِ فرصة، وأنتِ رفضتها. لا أحد يرفضني، روز. لذا، قررت أن أتعرف عليكِ بطريقتي الخاصة."
ضغطت على أسنانها، تحاول ألا تدعه يشعر بالخوف الذي بدأ يتملكها.
— "أنتَ مريض."
لم يبدُ عليه التأثر بكلماتها، بل رد بنبرة مسلية تقريبًا:
— "وأنتِ مثيرة للاهتمام أكثر مما ظننت."
ثم، قبل أن تتمكن من الرد، أنهى المكالمة.
وقفت روز في منتصف الشارع، تمسك هاتفها بيد مرتجفة، وعقلها يصرخ بسؤال واحد...
كيف ستتمكن من الهروب منه؟
يتبع ....
Aski Malisa