انطفأ الضوء الأزرق تدريجيًا من جسد نيرين...
وهي ترتجف بين يدي إدير...شفاهها تتحرك بلا صوت...
كأن شيئًا ما ما زال يُكمل طريقه داخلها...
الأرض اهتزّت مجددًا...
الغابة حبست أنفاسها...
الذئاب... ألفاير... إدير... توقفوا لحظة...
حين شعر الجميع بشيء يزحف بين الأشجار...
ليس من هذا العالم...
ثم...
انشقّ جذع الشجرة القديمة خلفهم...
ليس كخشب يُكسر... بل كبابٍ يُفتح من واقعٍ آخر...
ومن داخله... خرج رُهيم...
كيان طويل...يمشي بخفةٍ تُناقض عظمته... خطواته لا تُصدر صوتًا... عيناه مثل ليلٍ فضيّ... بشرته رماد ناعم مرسوم عليه وشومٌ تنبض كأنها حية...
كأنها تنفّست بعد قرون...
ملامحه هادئة... لكنها مرعبة...
هيئة من لا يعرف الموت... ولا الرحمة...
اقترب دون أن يتكلم...
كلما تقدّم... تراجعت الذئاب... حتى ألفاير نفسه أنزل تراجع خطوة للوراء...
كانت الذئاب تزمجر حوله ...
لكنه لم يلتفت حتى ...
بل توقّف أمام إدير... الذي ما زال يحتضن نيرين...
نظر إلى الفتاة التي بين يديه... ثم لجسد أخهتها الملقى بجانبها...
ليهمس... لا بفمه... بل في أرواحهن : استدعيتُ بلا نداء... حين كسر الختم....
مدّ يده...
ورغم سكون حركته...
انفجر ضباب أبيض من الأرض من تحته...
التفّ حول الفتاتين كستار حيّ... لا يُخترق... لا يُلمس...
غطّى كل شيء... بلع الضوء... ابتلع الأصوات...
إدير جفل...
جسده ما زال يحمل نيرين...لكن الهواء تغيّر.... الزمن تغيّر...
ثم...
تلاشى الضباب...
وحين اختفى... لم يبقَ شيء...
لا نيرين...
لا تسيليا...
لا رُهيم...
فقط رماد أزرق يطفو في الهواء... وعويل ذئبٍ خائف...
فقط إدير... واقف وسط الغابة...
ويداه خاليتان...
والمكان... أفرغ روحه... سوى من سلاسل الفضة التي كانت تكبل الفتاتين...
+
+
+
كان كل شيء يحدث بسرعة... لكن داخله... كان الزمن قد تحجّر...
يده لا تزال ممدودة...
كانت هناك قبل لحظة...
جسدها كان بين ذراعيه... يتنفس... يرتجف... ينبض...
الآن... لا شيء...
فارغة يداه كقلبه...
نظر إلى راحته... كأن شيئًا سيعود لو أطال التحديق...
لكن البرد تسلل إليه فجأة...
بردٌ ليس من الطقس... بل من الفقد...
الضباب الأبيض... ذاك الذي التهمها... كان حيًا...
لم يكن دخانًا عابرًا...
ورغم قوته... رغم صوته الذي أرعب الجميع...
إدير لم يستطع أن يحرّك خطوة واحدة حين ظهر ذلك الكائن...
ذاك الذي خرج من الشجرة... بنظرات لا تنتمي للبشر ولا للذئاب...
قبض إدير قبضته بقوة...
عروقه تنبض... أظافره تغوص في جلده...
عيناه لا تزالان على البقعة التي ابتلعها الضباب...
نيرين... رفيقته... اختُطفت من أمامه...
لطالما بحث عنها ... وعندما وجدها ...
فقط ضاعت من بين يده ...
ولم يستطع أن يفعل شيئًا...
كانت الأرض ساكنة... لكن روحه كانت تصرخ...
تقدم منه ريفال محاولا معرفة ما جرى له حتى يبقى جاثيا هكذا...
فهو قد وصل متأخرا ولم يشهد ما حدث...
ولم يتجرأ أحد على البوح أو شرح له...
لكن الآخر قد تجاهله...
ولم يرد على أحد ...
فقط بقي صامتا... هادئ ... ساكنا...
ليكسر ثبات جموده بهمس بصوت أجش...
كل كلمة كانت تُسلخ من حنجرته: أعادها أو لا... سأجتثه من جذره... أينما كان و كانت سوف أجدها...
ثم رفع نظره إلى السماء التي شحب سوادها ... فالفجر على مشارفه ....
كمن يُقسم أمام الكون: لن تبتلعني الأرض قبل أن أستعيدها...
في الخلف... كان ألكسندر ينهض بصعوبة...
يمسك بذراعه المكسورة وهو يتمتم بغيظ...يزفر كمن يتذوّق خيانة مريرة:
كنت أعلم... كنت أعلم أن لوكاس الخبيث يُخفي أمرًا!...
رمق الذئاب المحيطين به بنظرة مشتعلة... ثم صرخ محتدًا: أ أنتم عميان؟! هل رأيتم يومًا مستذئبًا بشعر أسود؟! هذه علامة السحرة... لطالما كانت!...
ضرب بقبضته شجرة قريبة حتى تطاير لحاؤها... ثم أضاف بحدة:
لقد خُدعنا! كنّ ساحرات! هجائن! لوكاس دسّ بناته بيننا وكتم الحقيقة!...
نهض إدير ملتفتاً نحوه... عيناه تقدحان شررًا...
صوته يخرج كالزمجرة: احذر ما تقول... أتريد أن أكسر لك حنجرتك هذه المرة بدل ذراعك؟...
جفل ألكسندر من الوحش الممتثل أمامه...
رغم ذعر اللحظة... لم يصمت...
شدّ كتفيه وتابع بنبرة جريحة متكبرة:ولِمَ عليّ؟ نحن من خُدعنا منذ اللحظة التي أتى فيها بسيلفيا وأخبرنا أنها بشرية... كنت أشك... لكننا لم نملك حتى فرصة الاعتراض... أغلق أفواهنا قبل أن ننطق...
سكت... ووجهه يميل جانبًا... كأنما يتذكّر شيئًا من زمن سلطته...
شيئًا من تلك الهيبة التي كانت له يومًا...
ثم زمجر مجددًا... بشراسة يكسوها الامتعاض:ساحرات من نسل خائن... من دم لوكاس الفاسد...
دوّى صوت تهكمي من بين الصفوف... كان أحد محاربي ذئاب الرماد الأزرق...
ذئبٌ يمتلك جسدًا مهيبًا وصوتًا غليظًا كأنّه همسة الموت في لحظة غفلة:أنظروا من يتحدّث عن الخيانة...
تبعته قهقهاتٌ متهكمة... صدرت من ذئاب قطيعه...
قهقهات تشبه ترنيمة للموت... غليظة... جافة... تخلو من كل شفقة...
تلك الضحكات... الباردة كالسكاكين...
جعلت ذئاب الظلال البيضاء ... الذين كانوا قد توقّفوا عن القتال ... يصطفّون في صمتٍ مهيب...
كانوا يراقبون المشهد... أعينهم لا تحمل ولاءً... ولا تُفصح عن حياد...
مجرد نظرات جامدة... خالية من كل انتماء...
بعضهم تجفل... والبعض الآخر أعاد تهيئة جسده بهدوء... استعدادًا لأي طارئ...
وسط كل ذلك... ساد الصمت من جديد...
ثم قطع ألكسندر ذلك الجمود... بصوت خفيض... مفعم بالخبث... وهو يخاطب ألفاير الذي بقي صامتًا يراقب... دون أن يتدخل أو يظهر انحيازًا:
الآن نمتلك سببًا قويًّا لملاحقتهم... إلى أقاصي الأرض...
لاحظ ألكسندر صمت ألفاير الطويل... تلك الهيبة التي تكمُن في الصمت أكثر مما تنفجر في الغضب...
اقترب منه بخطوات حذرة...ثم قال بصوتٍ خافت ظاهريًا...
لكنّه مشحون بالغليان :أنت... أنت بقوتك... بهيمنتك التي لا يُجرؤ أحد على الطعن بها ... تستطيع أن تحرّض جميع القطعان المجاورة على الأقل...
تراجع قليلاً... يراقب وجهه كمن يستجدي ردّة فعل... أيّ ردّة...
- إنهم هجنات من نسل ساحرات! من دم لوكاس نفسه! أتدرك فداحة الأمر؟... قد يجمعنّ جيشا ويعدن للإنتقام منا...
صوته بدأ يرتفع... وأنيابه تبرز شيئًا فشيئًا مع كلّ كلمة...
- أي تهاونٍ الآن يعني أن نسلهم سيتسرّب بيننا كالعفن... ثم ماذا؟ سنسقط واحدًا تلو الآخر تحت نبوءاتٍ لا نعلمها... وسحر لا نحتمله!... يجب البحث عنهن وإعدامهن فورا ...
لكن ألفاير... بقي جامدًا.... عيناه ثابتتان كصخور الوادي... لا تجفل... ولا تُظهر انحيازًا...
وداخله يغوص في تفكير عميق...
ما ينطق به هذا السفيه صحيح...
لكن ماذا عن رفيقة أخيه...
رغم القلق الذي تسرب لأوصاله وتدفق لعقله لم يظهر عليه سوى البرود...
مما جعل القلق يتسلّل إلى نظرات ألكسندر خِيفَةً ...
نظر حوله... فوجد ذئاب الرماد الأزرق ما زالوا في موقعهم... صامتين لكن متأهبين... وذئاب الظلال البيضاء يتنقلون بأبصارهم بينه وبين ألفاير كمن ينتظر الكفّة التي سترجح...
عندها... انخفض صوت ألكسندر فجأة ... مقررا الصمت قليلا...
مرت لحظة طويلة... كأن الزمن توقّف فيها...
ثم حدّق ألفاير في الفراغ... قبل أن ينقل نظراته ببطء نحو قطيعه... ثم نحو إدير... الذي كان يقف كالمتفرّج... باستهزاء... ينتظر هذه المهزلة لتنتهي...
شيءٌ ما في عينيه كان يشتعل... لكنه لم يُترجم إلى كلمات...
حتى أعاد الكسندر تمتمته بشتائم... متابعًا بامتعاض أن من الضروري إعدامهن...
ارتجف فك إدير... أنيابه بدأت بالبروز... وجسده يشدّ كما لو أنه على وشك التحوّل...
ثم زمجر بصوت ذئبه محذرًا:
- إياك أن تُعيد كلمة إعدام على لسانك، وإلا مزّقتك... لن تقف المعاهدات ولا الوعود في وجهي... إياك أن تختبرني. ..
توترٌ يكاد يُسمع بين نبضات الجميع...
تراجع الكسندر بخطواتٍ ثقيلة... معتزلًا الكلام أخيرًا...
عندها نطق ألفاير... أخيرًا... بصوتٍ آتٍ من عمق هاوية خفيضة:
- لكن ما يقوله البيتا صحيح... ألفا إدير...
وجّه نظراته نحوه... منتظرًا ردّه... لكنه لم يأته على الفور...
بل اكتفى إدير بالصمت... وجعل كلماته تتعانق مع الصمت...
ذلك الصمت الذي راح يخدش باطن نفس ألفاير... ويثير انزعاجه شيئًا فشيئًا...
وأخيرًا... تمتم إدير بصوتٍ غليظ... كأنّما خرج من جرحٍ قديمٍ لم يندمل:
- نحن لم نكن يومًا ندافع عن الخونة... بل قاتلنا من دمّر قطعاننا... وقتلناه بأيدينا...
رفع عينيه إلى ألفاير... نبرته مزيج من الحزن والغضب والانذار:
- لكن... لو لم تكنّ رفيقتي... لما قلت حرفًا... ولما اعترضنا على إعدامهن... رغم أنهنّ لا دخل لهنّ بأفعال لوكاس... لكنني لم أكن سأعترض...
ازدرد ريقه... والشرر لا يزال يتطاير من بين أنفاسه:
- أما الآن... فقد تغيّر كل شيء...إن لم تكن ترغب بتحويلنا إلى أعداء...فلتعرف أين تتوقّف...
مرر بصره على جموع الذئاب أمامه قبل أن ينتهي لألفاير ... قبل أن يختم بجملة زلزلت الهواء من حوله:
- إن كان هناك من يريد أن يتعرض للقتل بأشع صورة ... فليقترب من رفيقتي واللونا المستقبلية لقطيع الناب الذهبي ... وسيجد نفسه يتمرغ على أطراف الجحيم ... وسأدخله أنا بيدي لذلك الجحيم...
علت زمجرات ذئاب الناب الذهبي موافقة لكلام الألفا الخاص بهم...
بينما البقية شدت أعصابهم حد الإنهيار...
ألفاير لم يُجِب بعد...
لكن النار خلف عينيه لم تخمد بل نبضت بتحدٍ...
وكأن كلمات إدير فتحت بابًا... لا يُغلق بسهولة...
ظل التوتر مشدودًا كوتر على وشك الانفجار... قبل أن يتنحى إدير جانبًا بخطى بطيئة... نظراته لا تزال معلّقة بعيني ألفاير المشتعلتين...
قبل أن يدير ظهره بالكامل... أطلق جملته الأخيرة... ناعمة كنصل خنجر... لكنها غرست في الصميم:
- إن لم تخني حدسي... فأخوك الصغير... قد تكون إحدى الفتيات رفيقته...
تجمّد المكان... قبل أن تعلو أصوات الرماد الأزرق في تهديد للإنقضاض...
لكن تحذير ألفاهم...جعل أنفاسهم تتوقف لثواني خاطفة...
ثم اشتعلت عينا ألفاير بشررٍ أحمر فاقع...
غضب متوحّش بدأ يتصاعد في صدره كأن نيرانه استُفزت من أعمق مواضعها...
زمّ شفتيه بعنف....ولم ينطق بحرف...
لكن قبضته أُحكمت حتى ابيضّت أنامله...
وصدره ارتفع وهبط كبركان على وشك الانفجار...
في الخلف... كان القطيع التابع لإدير يتحرك بصمتٍ من خلفه...
رغم أنين فيليكس المتؤلم من بعد نيرين بعد وجدوها إلى أنه لم يظهر ذلك على ملامحه متشبثا بالجمود ...
شدّ على قبضته... ونظر أمامه فقط...
كأن الرجوع هو الطريقة الوحيدة لاحتواء النار التي بدأت تشتعل داخله...
وهكذا... عاد و قطيعه بصمت...
ينسحبون إلى أعماق الغابة...
ولا شيء خلفهم...
+
+
+
الي عجبه البارت يصوت ويكتب كمونت لو ممكن...
الى لقاء اجمل...
بسمة اللوتس