إدير...
بينما كان في ساحة المعركة يمزق أجساد أعداءه دون أن يرف له جفن ...
لا يتردد ولا يرحم ...
حتى إنتفض ذئبه فليكس داخله مزمجرا...
رمى ما بين يديه مستشعرا إضطراب ذئبه ...
التفت يمنة ويسرى باحثا عن شيء لا يعلم حتى هو ماهيته...
لتسلل رائحة جميلة تشبه رائحة العشب الندي في صباح صيفي جميل...
أخفت كل روائح الدم والدخان والموت ...
لتستقر هي فقط في رأته لتنعش خلايا قلبه الذي كان يعتقد أنه لم يعد موجود...
خدرته الرائحة هو وذئبه ليتبعها ... يسير خلف مصدرها مسيرٍ غير مخير...
كان كل من يعترض طريقه يتحول لجثة في ثواني معدودة ...
أسرع في سيره ليتحول لركض عندما إشتدت الرائحة ...
لتتباطء خطواته ما ان إتضح أمامه المشهد...
كان ألفاير يقف مشتتا يلتفت يمنة ويسرى...
جفل عندما وصله نغمة صوتها التي جعلت خلياه ترتجف في سرور رغم أن صوتها كان حزينا متألما عاجزا لكنه اعترف هو وفليكس أنه أجمل صوت اسمتعا له ...
مر بجانبه فارين يجر فتاة بملامح طفولية وشعر أسود طويل بقسوة وهي تنتحب محاولة الإفلات من يده ...
اخرجه من سرحانه مجددا صوتها المنادي بحزن وألم : زارينا ...
انتفض هو وفليكس عندما رآها ليزمجر ذئبه بسعادة : رفيقة انها رفيقتها اذهب لها بسرعة...
لكنه لم يخطوا ولو بشبر ... فقط تسمر واقفا يدقق في ملامحها المسكرة أحس بعظامه تذوب تحت جلده ...
أحبها هذا أول ما فكر به ... وهو يتأمل تفاصيلها بنهم ...
شعرها الأسود وعيناها التي اتخذت نفس اللون...
سمار بشرتها ... طولها ... قوامها الرشيق والمثير ...
كل صفاتها جعلت أمعاءه تتقلب في سرور ...
إرتجفت أوصاله غضبا ... وارتفعت هالة القتل الصادرة منه ...
+
+
+
ما زال الصمت يخيّم على المكان...
ثقيلًا... خانقًا... كأنّ الجدران تكمّم أنفاس الحقيقة...
زمجر ألكسندر... وصوته يجلجل بين الجدران:أين هي إيلنورا؟...
لم تجبه نيرين... لم تعد تملك القدرة على النطق...
قلق ينهش عقلها وقلبها وأخواتها ...
لا ترى سوى السواد في مستقبلهن ...
أرحم ما سيفعله هذه الوحوش بهن هو قتلهن ...
شهقت وقلبها ينفطر حزنا ...
الدماء تلطّخ شفتيها... تنزلق ببطءٍ على ذقنها...
تسقط نقطةً حمراء على الأرض الباردة... تتبعها أخرى...
رأسها مائل للأسفل... كأنّ عنقها لم يعد يقوى على حمله...
عيناها نصف مفتوحتين... شاحبتين... نظراتها معلّقة في الفراغ...
كأنّها ترى شيئًا لا يراه أحد... أو لا ترى شيئًا أبدًا...
ضربات ألكسندر لم تكن سريعة... بل محسوبة...موجعة...
يضربها... ثم يصمت... يراقب انهيارها ببطء...
ثم يعيد الكرة مع تسيليا التي بدأت تفقد الوعي...
يتلذّذ بلحظة المقاومة الأخيرة حين يوشك الجسد أن يستسلم...
منذ أن غادرتهم زارينا...
وهو ينهشها بالسؤال ذاته: أين إيلنورا؟...
كأنّه يحاول انتزاع الإجابة من أنفاسها المتقطّعة...
أو من نظرة ضعفٍ تمرّ على وجهها حين لا تنتبه...
يده لا تزال ممسكة بشعرها بقسوة...
يشدّه للخلف فجأة... فتشهق نيرين بصوتٍ مبحوح...
كأن الهواء لم يعد يكفي رئتيها...
أو كأنها ترجوه أن ينهي الأمر...
سقط خصلة مبللة بالدم على وجهها...
وامتزج لونها بلون عينيها الغائبتين عن الواقع...
لكنها رغم كلّ شيء...
لم تقل شيئًا...
وألفاير يراقب... بصمتٍ يشتعل...
واضطراب ذئبه يشتت تركيزه...
ثم اهتزّت الأرض...
خطوات ثقيلة... واثقة... لا تُخطئها آذان الذئاب...
كأن الغابة ذاتها انقسمت لتفتح طريقًا لهذا القادم...
جسدٌ ضخم كجدار...
بشرةٌ متوّهجة بندوب قديمة... وعضلات مشدودة كأنها وُلدت من الحرب...
عينان... بلون الذهب الناري... تتّقدان كجمرةٍ حُرّرت توا من جمرها...
إدير...
خرج اسمه من فم أحد الذئاب همسًا... كمن رأى الأسطورة تمشي بين الأشجار...
لم يتكلم...
اقترب بخطوة... ثم ثانية...
حتى أصبح خلف ألكسندر تمامًا...
وقبل أن يستدير الأخير...
أمسك إدير بذراعه... وانكسرت....
"آآآاه!"...
صرخة شقّت الغابة... بينما تفلت يد ألكسندر من شعر نيرين...
وهي تندفع للخلف... أنفاسها متقطعة... وركبتاها على وشك السقوط...
وهنا...
ما إن اقترب إدير منها أكثر... حتى اختفت ومضة عينيها...
كأن الروح انطفأت للحظة...
ثم...
شخصت أبصار تيسليا ونيرين معًا...
لا نحو ما حولهما...
بل إلى الداخل...
حيث ارتسم في عقولهنّ صوتٌ خافت... كأنّه قادم من عمق الذاكرة أو من عالمٍ آخر...
كان صوت والدهما...
يهمس... يتمتم... يردد كلمات مبعثرة لا يفهمن منها شيئًا...
ضبابيّة... متقطعة...
كأنّها قادمة عبر سديم الزمن...
ثم...
تغيّر صوته فجأة...
صارت نبرته دافئة...
مشبعة بشيءٍ غريب من الحنان والحزم معًا...
كأنّه يلفظ الوصية الأخيرة من الأعماق:اتبعن قدركن... يا أميراتي... لا تهربن إن الهرب لن يغير شيء...
وانتهى الصوت كما بدأ...
لكن أثره ظلّ عالقًا كوميضٍ في القلب...
كأن الزمن نفسه توقّف لحظةً عند عتبة النداء.... كأن الزمان توقف عندها...
وكأن تلك الكلمات كانت المفتاح الأخير...
الذي فكّ القيد...وفتح الباب أمام شيءٍ لا عودة منه...
وفي لحظة السكون الثقيلة تلك...
كانت نيرين ترتجف...
اهتزازٌ خافتٌ في البداية...
ثم عنيفٌ كأن قلبها يُنتزع من مكانه...
شهقة...
ثم خارت قواها دفعة واحدة...
أما تيسليا... انكمش جسدها دون إرادة... واهتزّ برعشةٍ غامضة...
كأن برودة الموت سرَت فيها دفعة واحدة...
فلم تقوَ قدماها على حملها أكثر...
كأن شيئًا ما اخترق أعماقها فجأة...
ثقل غير مرئي سحب أنفاسها من صدرها...
وارتخت أطرافها بلا مقاومة...
وتهاوتا معًا...
تيسليا تسقط بلا وعي...
ونيرين تتداعى نحو الأرض كظلٍّ يتلاشى...
لكن إدير كان هناك...
تحرّك بسرعة...
وتلقّى جسد نيرين بين ذراعيه قبل أن ترتطم بالأرض...
ضمّها إلى صدره... كمن يحاول منع الانهيار من أن يتمّ...
كانت خفيفة...
أخف من الخوف ذاته...
كأن شيئًا بداخلها سبقها إلى السقوط...
انبثق ضوءٌ أزرقٌ ناريّ من جسد نيرين...
انطلق من صدرها...عينيها... راحتيها...
واخترق الغابة كلها في ومضة واحدة...
صُعق الجميع...
حتى إدير نفسه... الذي مدّ يده بحذر...
كما لو أنه لا يريد أن يوقظ شيئًا أقدم من الألم...
الغابة خافت... الذئاب تراجعت...
حتى ألفاير...
ذلك الذي لا يتزحزح بسهولة...
تراجع خطوة إلى الوراء...
وعيناه تتّسعان بدهشة ممزوجة بشيءٍ من الذعر...
+
+
+
فضلا متابعة ... تعليق ...فوت ...
اتمنى تستمعتوا بالبارت ...
بسمة اللوتس