الفصل 1

الفصل 1

11 0

الهدوء كان خانقًا تلك الليلة...

كأن العالم توقف عن التنفس.

في إحدى أركان "المصنع" أو بالأحرى النظمة المخفية "كود دارك"، خلف أبواب فولاذية صدئة، وداخل غرفة باردة ذات جدران مكسوّى بالكاميرات والأنابيب، كان هو هناك... مقيّدا بسلاسل معدنية تلتف حول معصميه وكاحليه وعنقه، وذراعاه مشدودتان بسلاسل في الهواء، كما لو أنه وحش لا يُسمح له بالحياة.

S-001

الرمز الذي نُقش على جلده منذ أن كان طفلا.

شعره الأسود الطويل يتدلى على وجهه، يخفي عينيه الزرقاوين اللتين خبا فيهما النور منذ زمن. على ذراعيه آثار حقن، والندوب والرقع الباردة التي وضعها العلماء لسنين طويلة وهو يصرخ من الألم... بلا رحمة، بلا صوت.

لكن هذه الليلة...

كان يُخطط للانفجار بصمت.

هدأت أنفاسه.

ثم انخفض رأسه قليلا، كأنه ينوي فعل شيء. وفجأة، تخللت يده المقيدة مخالب سوداء طويلة... انبثقت من جلده كأغصان شوكية على أطراف أصابعه...

بلمسات دقيقة، بدأ بنحت السلسلة ببطء، كي لا تلتقطه أجهزة الإنذار.

لم يسمع أحد شيئا.

حتى عندما تحررت يده الأولى... ظلّ ساكنا. ثم الثانية. ثم قدماه. ثم الرقبة.

نهض ببطء، كما لو أن وزنه ثقيل من الذكريات والدماء. حدّق في الجدران التي سجنته لسنوات. في البقعة التي كان فيها، صرخ، ضُرب فيها، وأُهين.

وابتسم... لأول مرة.

اقترب من زاوية الغرفة حيث فُتحة تهوية صغيرة، بالكاد تُرى. انحنى أمامها...

ثم تحول إلى قط أسود داكن. خفيف كالظل، مرن كالدخان.

زحف عبر الأنابيب بصمت قاتل، كأن روحه تُغلقه بالحذر. صعد، زحف، زحف أكثر... حتى وصل إلى السطح.

وهناك...

رأى شيئا نسي أنه موجود...

القمر.

عيناه الزرقاوان اتسعتا، تنعكسان بالضوء الفضي كوميض موجٍ بعيد.

عاد إلى هيئته البشرية. تنفس بعمق.

ثم...

ظهر جناحان أسودان خلف ظهره.

ارتفع في السماء...

و رحل، دون أن يترك أثرا سوى بقايا الظلام.

**

هبط S-001

في مدينة هادئة على أطراف الغابة. الليل كان لا يزال طويلا، والأنوار في الشوارع خافتة. البيوت نائمة، والناس في أعماق أحلامهم، لا يُدركون أن مخلوقا غريبا وطأ أرضهم للتو.

هبط على أحد الأسطح، ثم أطفأ جناحيه بهدوء، حتى اختفيا تحت جلده كأن لم يكونا.

عينيه الزرقاوين مسحتا المكان... ثم قفز إلى زقاق جانبي ضيق، بين جدارين مبللين. هناك... انكمش على نفسه، ونام.

لأول مرة منذ سنتين، لم يكن في قفص. لم يكن تحت الضوء البارد.

لم يكن يصرخ.

**

عندما فتح عينيه، كانت الشمس قد تسللت إلى المدينة. الناس بدؤوا يخرجون إلى أعمالهم.

هو... كان جائعا.

جائعا بطريقة لا تُوصف.

ليتجنب الانتباه، تحول مجددا إلى قط أسود، شعره ناعم ولامع، وعيناه كبحر هادئ... لكن داخله كان اعصارا.

مشى بين أرجل المارة بخفة، دون أن يثير الريبة. كان يتنقل من ظل إلى ظل، يراقب يشم، يفتش عن رائحة طعام.

لكن لحظة...

قطع الطريق دون أن يعرف.

و صوت محرك سيارة اقترب بسرعة...

بوق!

صرير فرامل!

صرخة!

وفجأة...

يد امتدت نحوه بسرعة البرق ورفعته عن الأرض قبل أن تدهسه السيارة بثوان.

"هيي! توقف أيها الأحمق! كدت تدهس القط!"

صوت أنثوي، قوي، لكنه ناعم.

فتح القط عيناه، ووجد نفسه بين ذراعي فتاة شابة ذات شعر ودي غامق قصير، وعينين زرقاوين لامعتين، ووجه لطيف ومشرق رغم الغضب.

نظرت اليه وقالت بابتسامة صغيرة:

"لحسن حظك أنني كنت هنا، أليس كذلك؟"

ثم ضحكت بخفة وهي تنزله.

كان القط سيتحرك، يرحل فورا...

لكنه تجمد حين سمعها تقول:

"هل تريد أن آخذك إلى بيتي؟ لدي الكثير من الطعام..."

"طعام..."

الكلمة رنّت في رأسه كأجمل موسيقى.

لم يأكل منذ أيام. لا يتذكر حتى آخر مرة شعر فيها بالشبع.

نظر اليها... بعينين لامعتين، مندهشتين.

لكنها لم تنتظر جوابه.

ضمته فجأة بين ذراعيها وقالت بحماس:

"رائع! سأطعمك، و أخيرا صار عندي قط!"

ضحكت برقة، و راحت تمشي به نحو حي سكني جميل.

أما هو...

فقد بقي ساكنا، لا يُقاوم، فقط... يسمع دقات قلبها.

و كان في داخله سؤال غريب يتسلل لأول مرة:

"هل يمكن أن يكون هناك... حياة؟"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

S-001 SHADOW

المؤلف The blind doll
2025/08/05 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة