لم أُخطئ، فقط جئتُ إلى هذا العالم في التوقيت الخاطئ... لعائلة خاطئة."
.* . *. *. * .* . *.
كانت تمشي بخطواتٍ واثقةٍ وهادئة، تُعلن كل حركة فيها عن هيبة لا يجرؤ أحد على المساس بها لغة جسدها وحدها كانت كافية لتُرهب القلوب؛ رأسها مرفوع كأنها لا تنحني إلا للقدر، وكتفاها مستقيمان كالسيف، أما عيناها، فتلك النظرات الحادة المشتعلة خلف أهدابها الطويلة، فكانت تخترق السكون كالسهم.
تتدلّى عباءتها القرمزية كجناح شيطان مغمور بالدم، يرافقها صمتٌ ثقيلٌ، وريحٌ خافتة تتلاعب بحواف ثوبها كأنها تُهمس بأسرارٍ لا يعرفها سواها وعلى رأسها، يعلو تاج من الألماس الأسود، يشعّ بوميضٍ باهت كأنه يتغذى على الظلمة من حوله.
توقفت... أمامها كانت المتاهة لم تكن مجرد بناء حجري... بل كيان حيٌّ يتنفس السحر والدم .
الممرات تتحرّك كالأفاعي، تتبدّل باستمرار، كأنها تبتلع كل من يجرؤ على التقدّم ؛ الجدران العتيقة تلمع بنقوشٍ غامضةٍ تنبض بإيقاعٍ كأن الأرض نفسها تئنّ تحته، تنبعث منها رائحة الأعشاب القديمة المخلوطة بعبق الرماد... كأنها ذاقت احتراق الأرواح قبل قرون.
هذه ليست متاهة... بل فخٌ أزليّ.
الطريق إلى قلب المملكة يمر من هنا، لكنه ليس طريقًا يُسلك إلا بأمرٍ ملكيّ... وبإحداثيات سحرية دقيقة لا يعرفها إلا الحاكم نفسه
من دونها، تتحول المتاهة إلى ساحة إعدامٍ، تنفجر فيها الأفخاخ، تُطلق اللعنات، وتبتلع الأرواح دون أن تترك لها حتى أثرًا يُبكَى عليه.
وكانت ألطَف الميتات ما تقدّمه لك المتاهة: ألا تقتلك، بل تتركك تائهاً بين جدرانها إلى الأبد.
ورغم ذلك، لم تتردد.
مدّت يدها بثبات، وحين لامست أصابعها جدار المتاهة، انشقت الحجارة من المنتصف، بهدوءٍ قاتل، كأنها تعرفها.
كأن المتاهة نفسها انحنت أمامها... لا حبًا، بل خشيةً.
ومع أول خطوةٍ لها داخل الظلام، تغيّر الهواء... كأن شيئًا قد استيقظ.
توقفت حين وصلت عند بوابة المملكة، والسكون يلفّها كعباءةٍ خفيّة
أمامها، كانت الأنوار تتوهّج في قلب مملكة السحرة... ألسنة الضوء تتراقص فوق الأبراج، والظلال تتمايل على الجدران القديمة، كأنها تحتفل بما لا يدركه أحد.
لكنها كانت تعلم...
تعلم أن اليوم ليس احتفالًا، بل نبوءة تنبض في صمت السماء ؛
اليوم هو اليوم الموعود ولهذا... هي هنا.
لم تأتِ بدعوة، ولم تطلب إذنًا جاءت لأن الوقت قد حان لأنها الوحيدة التي تعرف النهاية إن سلكوا نفس الطريق.
جاءت لتخبرهم... لتحذرهم...
كانت هنا، تقف بين ماضٍ لم يغفر، ومستقبلٍ يتشكّل من رمادها جاءت لتُحذّرهم من أنفسهم جاءت لتمنحهم الخيار... قبل أن يُجبَروا على دفع الثمن، كما دفعته هي.
في قلب المملكة، كان القصر الملكي ينهض من الأرض كأنه نُحت من المجد ذاته، شامخًا بهيبته، تُعانق أبراجه السماء كأصابع ممدودة نحو القدر.
الليلة، لم تكن ليلةً عادية فالهواء نفسه كان ينبض بالحركة، والظلال ترقص على وقع الاستعدادات الكبرى ، الطبول تُقرَع في كل ركن، بإيقاعٍ متسارع كأنها تُنذر بولادة حدث لا يُنسى.
الأضواء السحرية تنبثق من الأعمدة والقباب، تتلألأ بألوان لا تُرى في الأيام العادية، كأنها تُستدعى فقط حين تفتح الأقدار أبوابها
الحُرّاس اصطفّوا بأبهةٍ لافتة، يرتدون دروعًا مطرّزة برموز قديمة محفورة من عصورٍ سحرية مضت
أما القاعات، فكانت تردد صدى الترانيم القديمة، أصوات كأنها خرجت من أفواه الأسلاف، تمجّد النور وتحذّر من الظلّ.
وفي قلب هذا الصخب، وقف الملك...أمام الغرفة الملكية، منتصبًا كتمثالٍ حيّ، عيناه الداكنتان تتأرجحان بين الترقّب والحذر
كان طويل القامة، وهالته تسبق حضوره، يرتدي رداءً أرجوانيًا ملكيًا تنساب خيوط الذهب فوقه كالشلالات، وعلى رأسه تاج مرصّع بأحجار كريستالية تتوهّج بتناغمٍ غريب مع نبضات قلبه.
ورغم وقاره، كانت أصابعه تقبض على طرف عباءته بخفةٍ لا تُرى، كأن داخله يخوض حربًا لا يسمح لها أن تظهر على السطح
كان يعلم...أن هذه اللحظة لا تخصه وحده بل تخص المملكة بأكملها لحظة قد تغيّر كل شيء، أو تُعيد كل شيء إلى رماد.
من الطرف الآخر للرواق الطويل، بدأت الخطوات تُسمَع ببطء... صوتها يُلامس الأرض كهمس قديم خرج من باطن الزمان
ظهر رجلٌ عجوز، منحني الظهر تحت وطأة القرون، لكن خطواته كانت ثابتة، وملامحه تشي بعزّة لم تنكسر رغم الزمن.
كان يرتدي عباءة سوداء ثقيلة، تنسدل حتى الأرض، تزدان بخيوط فضية ورموز غامضة لا يفك طلاسمها إلا القلائل.
عيناه... آه من عينيه !
كانتا تلمعان بضوءٍ أخضر شاحب، كأنهما تخزنان في داخلهما نبوءات لا تحتملها الكتب، ولا يتجرأ أحد على سماعها.
تقدّم العجوز حتى وقف أمام الملك، ثم انحنى ببطء، بخشوعٍ لا يُقدَّم إلا للعرش وحده.
"جلالتك..."
خرج صوته هادئًا، لكنه عميق... كأنه لا يتحدث، بل يُوقِظ شيئًا كان نائمًا.
رفع الملك أدونيس حاجبيه باستغراب، عاقدًا ذراعيه، وصوته الجهوري حمل نبرة حذرة:
"ما الأمر يا شيزار؟ ما الذي يدفعك للمجيء في هذه اللحظه؟"
رفع العجوز بصره إليه، وفي عينيه شيء من الرهبة واليقين:
"أسطورة الخمسة آلاف عام... لقد عادت نجمة الملك قد ظهرت، مولاي."
تجمد أدونيس في مكانه حدقتاه اتسعتا وكأن الزمن توقف داخلهما، وارتجف صوته حين نطق، بتردد غير مألوف عليه:
"مـ... ماذا تقول؟"
شعر فجأة بأن كل ما عرفه، كل ما حكمه، قد يكون على وشك أن يتغيّر... إلى الأبد
.ي تلك اللحظة، كان الكون من حوله يضيق، كأن العالم بأسره ينتظر أن يستوعب ما قيل.
لكن قبل أن ينطق شيزار بكلمة أخرى... شق صوت ثالث الصمت.
"هناك ساحرٌ عظيم... سيُولد."
استدار الاثنان فورًا نحو مصدر الصوت، وكأن الريح نفسها انحرفت لتفسح الطريق لمن جاء.
كانت هي... بريسيكا.
السيدة الأولى لأرض الخوارق، وقفت عند حافة القاعة، سكونها لا يشبه السكينة، بل يشبه العاصفة التي تسبق الانفجار.
نظرت إليهما بعينين لا ترمش، بجمودٍ قاتل، لكن عينيها حين وقعتا على شيزار... تحوّلتا إلى شيء أعمق من الظلام.
توترت ملامح العجوز، وانخفض بصره للحظة.
هو يعلم...
مهما بلغت قوته، فإنها لا تُقارن بقوتها.
هي ليست مجرد ساحرة، إنها كيان، ماضٍ وأسطورة ومصيرٌ يتقدّم بثوب امرأة.
أما الملك، فابتسم...
ابتسامة نادرة، كانت تحمل بين طيّاتها دهشة وطمأنينة.
التفت ببطء إلى الغرفة الملكية، وقد بدأ قلبه ينبض بإيقاعٍ جديد:
"إذن... أحد أبنائي سيكون هو الأسطورة."
"لِنأمل أن يكون الولد هو الأول..."
قال شيزار بصوتٍ منخفض، لكن كلماته حملت بين طياتها بذور نزاعٍ خفي.
تغيّر وجه الملك أدونيس، وانعكست الصلابة في عينيه، ثم قال بصوتٍ حاد كالسيف:
"وماذا إن كانت ابنتي هي الأولى؟ أليست من دمي؟ الاثنان من صلبي، والاثنان ملوك يا شيزار."
نبرته كانت حازمة، تكاد ترتفع من شدة الغضب، إذ لم يرق له ما سمعه من وزيره.
تقدّمت بريسيكا خطوة للأمام، ونظرت للملك بجمودٍ غامض، وقالت:
"إذا أرادت حاكمة القمر أن يكون الصبي هو صاحب الأسطورة، فستجعل منه ذلك. وإن لم تُرِد، فلن تكتمل النبوءة إلا إذا اعترف الملك نفسه بصاحبها... أكان ذكرًا أو أنثى وإن أُخفيت الحقيقة، فالعواقب لن ترحم أحدًا."
صمت أدونيس لوهلة، ثم تمتم شيزار بنبرة ثقيلة:
"الأسطورة لها نصفٌ آخر... والشعب بأسره يعرفه. إن كانت الابنة أولًا، لن يقبلوا بها سيرفضونها."
ردّت بريسيكا بهدوء لا يخلو من اللوم:
"الشعب لا يناقض حُكم ملكه ... ان اعترف الملك، فعلى الجميع أن يخضع."
ثم نظرت إليه نظرة مطوّلة... كانت تحمل في طيّاتها سؤالًا صامتًا: تبا... إنها ابنتك، فلمَ كل هذا التردد؟
قال أدونيس بعد لحظة:
"سيؤدي ذلك إلى الكثير من النزاعات..."
"لكن الرفض... والهروب من القدر، سيكون الهلاك بعينه." ردّت بريسيكا.
قاطعه شيزار بصوته الحذر:
"مولاي، إن حدث هذا الشقاق، فسوف يستغله أعداؤنا قد يطمعون بالحكم، وقد يسحبونه منا."
استدارت بريسيكا نحوه، ورفعت حاجبًا بسخرية حادة:
"أقول لك إنني سأقف بجانبها، وأنت تخبره أن يخشى أعداءه؟
أيّ عدوٍ يجرؤ على مواجهتها وأنا معها؟"
كانت نبرة صوتها قاطعة، لا تقبل النقاش.
هذا الوزير... كان يتدخل دومًا، يتجاوز حدوده.
أيّهما الملك بحق الرب؟ فكّرت بيأس مكتوم.
قالت بصوتها الحاد:
"حين يتحدث الملوك، فعلى من دونهم أن يصمت."
رد شيزار ببرود متماسك:
"أتحدث في شؤون مملكتي ومصلحتها، وهذا من حقي."
اقتربت منه بريسيكا، نظرتها كالسكاكين:
"وأنت، واللعنة التي تحكمك، تقرران مصير فتاة لم تولد بعد؟ تحكمان عليها بالهلاك، بالنبذ، وكأنها لعنة في حد ذاتها؟"
قال شيزار بشراسة:
"وأنتِ لا تملكين الحق للتدخل في الأقدار... لكلٍّ منا حدود لقوّته."
هل كان يهددها؟
هل تجرأ أن يضعها في كفةٍ مقابلة له؟
كان يستفزها عمدًا... وكانت تعرف لعبته جيدًا.
لكن عينيه اتسعتا، حين رآها تبتسم.
قالت، بصوت خافت... لكنه أخطر من كل تهديد:
"يمكنني أن أسحب قوتك... أن أجعلك منفيًّا، منسيًّا في طرفة عين، وهذه... يا شيزار... هي القوة الحقيقية."
كانت تعلم ما تملك.
كانت تدرك أن لا ساحر على هذه الأرض يجرؤ على الوقوف في وجهها.
ومع ذلك، كانت تعلم أيضًا حدودها.
هي لن تتدخل.
ستترك القرار لأدونيس.
إن أراد أن يعترف بابنته، أن يمنحها الحق، أن يواجه العالم لأجلها... فستكون خلفه، تسند ظهره، وتكسر له كل من يعترض.
وإن اختار أن يُخفيها...
فستتركه يذوق ثمن قراره.
لأنها، رغم عظمتها، تعرف جيدًا أن هناك أمرًا واحدًا لا تتجاوزه:
القدر.
كان أدونيس على وشك الرد، لكن الباب فُتح ببطء...
ظهرت القابلة الملكية، وجهها شاحب من الإرهاق، لكن عينيها كانتا تحملان بشرى منتظرة.
قالت بصوت ناعم، خافت، لكنه هزّ قلب الملك:
"مبارك يا مولاي... قد رُزقتَ بابنة."
ارتجف صدر أدونيس للحظة، شعور غريب اجتاحه، امتزج بين الحُب والخوف والرهبة.
إلى جانبه، انحنى شيزار هامسًا:
"مولاي... في حال وُلد صبي، اجعله هو صاحب النبوءة... لأجل حماية الشعب... ولأجل حماية ابنتك أيضًا."
رمقه أدونيس بنظرة حادة وقال بصوت خافت:
"لكن هذا... ظلم، شيزار."
لم تمضِ لحظة، حتى عادت القابلة مرة أخرى، وعلى وجهها دهشة لم تستطع إخفاءها.
قالت بذهول:
"مبارك، مولاي... لقد رُزقتَ بولد أيضًا."
تراجع أدونيس خطوة للخلف، وكأن كلمتها سُحبت من بين شفتيه الهواء.
توترٌ خفيّ ساد الغرفة.
اقترب شيزار منه، صوته أشبه بسمّ يتسلل خلف النوايا:
"إنها مصلحة المملكة، مولاي... مصلحة ابنتك ؛لن يعرف أحد الحقيقة... قلب الأدوار هو طريقنا الوحيد لإبقاء السلام قائماً."
لكن صوت بريسيكا قاطعه بقوة، وهي لا تزال واقفة بثبات كجبلٍ شامخ:
"إن استمعت له... ستكون أول الخاسرين، يا أدونيس."
"ولكن... مملكتي..." همس الملك كمن يغرق في أفكاره.
"أنت لا تخاف على المملكة... بل تخاف منها،تخاف أن تصبح ابنتك وحشًا إن اعترفت بها،لكن لا تعلم... أنك الآن تصنع الوحش بنفسك.ومن يقف إلى جانبك اليوم، سيكون أول الهاربين غدًا."
ساد صمت ثقيل... كان أدونيس غارقًا في صراع مرير،
صراع بين الأب، والملك، وبين النبوءة والواجب.
ثم جاءت كلمات بريسيكا، كنصل سيف:
"عليك أن تتخذ قرارك... لأتّخذ قراري أنا أيضًا."
رفع رأسه ببطء، نظر إليها بنظرة خالية من الحياة،
ثم همس:
"اجعلوا الصبي هو النجم..."
انحنى شيزار، وانصرف بهدوء، لكنه ابتسم ابتسامةً باهتة وهو يتجه نحو شرفة القصر، حيث اجتمع الناس في الساحة الكبرى.
رفع يده عاليًا، وصوته صدح وسط المملكة:
"أيها الشعب!
اليوم، وُلد لنا ساحرٌ عظيم... وليّ للعهد، حامل الأسطورة...
فلنحيِّ الأمير أوليفر!"
ارتفعت الهتافات، وارتجّت الجدران من حدة التصفيق،
أما بريسيكا، فقد كانت واقفة هناك، في الظلال، تنظر إلى أدونيس نظرة اختلط فيها الغضب بالخذلان.
استدارت لتغادر، لكن صوت الملك أوقفها:
"بريسيكا... ماذا ستكون عواقب ما اخترته؟"
توقفت، دون أن تلتفت إليه، وقالت بهدوء قاتل:
"ستعلم قريبًا... فالسنوات تمرّ بنا سريعًا، أدونيس."
ثم اختفت في الظلال، كما جاءت.
في تلك الليلة، وبينما تعالت أصوات الفرح والصيحات في أرجاء المملكة،كان الملك أدونيس يقف وحده أمام مهدهما...
ينظر إلى ابنته النائمة بعينين مملوءتين بالندم.
انحنى فوقها، وقبّل جبهتها، كأنما يطلب غفرانًا يعرف أنه لن يُمنح له.
ثم همس:
"سامحيني... لما حدث، ولِما سيحدث."
.* . *. *. * .* . *.
يــــتــــبــــعــــ 🤎
ليليث
lilith🍒