ليلٌ لا يشبه سواه

ليلٌ لا يشبه سواه

14 2

رمزُ السُلالة العظيمة يمشي في قُلوبنا!. . . . "في الليلة التي تتوقف فيها قلوب الضعفاء عن النبض، تولد الأرواح التي لا تنتمي لعالمٍ واحد... ويُكتب التاريخ بيدٍ لا تذكر اسمها." "من سجلات فاليمير" ______ كانت سيرافين في طريقها إلى الجناح الخارجي حيث تنقل الأغطية النظيفة إلى غرفة الهيبة العُليا، تمر عبر الرواق الطويل المؤدي إلى الساحة الداخلية، حين رأت رجلًا يقف بجوار إحدى البوابات المزخرفة، يحمل لوحًا خشبيًا صغيرًا ويدوّن شيئًا بسرعة. توقفت. عيناها اتّسعتا فجأة، كأن شيئًا انخلع من قلبها، الهواء اختفى من رئتيها. كان... هو. ذلك الظهر. شعره البني الغامق، المائل للرمادي، ملامحه الهادئة، الخط المستقيم لأنفه، انحناءة فكه، يده اليسرى التي يرفع بها القلم... كل شيء كان يشبهه. كان يشبه دانيال. جسدها تجمّد. سقطت الأغطية من يديها. ثم... ببطء، وارتجافٍ، وضعت يدها على فمها. وانفجرت بالبكاء. كأن الغربة، والندم، والفقد، والرحيل، ومذاق الرصيف البارد في المدينة القديمة، كلها عادت في لحظة واحدة وسكبتها في عينيها، فسالت دموعها بلا إذن، بلا نهاية. جلسَت على الأرض، تحت عمود حجري، ودفنت وجهها في ركبتيها، تبكي كطفلة ضائعة. انتبه الرجل إليها، اقترب بحذر، ثم جلس القرفصاء أمامها. "آنسة؟ هل أنتِ بخير؟" رفعت عينيها، رأته عن قرب. لا، لم يكن دانيال. لم تكن فيه تلك النظرة التي كانت تقرأها في ليل غرفتها، لم يكن فيه ذلك الدفء المكسور، ذلك الحنان الخائف. لكن... كان يكفي. "أنا آسفة..." تمتمت، تمسح وجهها بكمّها، خجلة، محطّمة. "لا عليكِ، لا شيء يستدعي الأسف. هل تودين شيئًا؟" هزّت رأسها. "أنا فقط... ظننته شخصًا آخر." ابتسم بلطف، ووضع اللوح جانبًا. "يحدث كثيرًا في هذا القصر، خاصة عندما يأتي أحدهم من مكان بعيد...." رفعت حاجبيها. "ما اسمك؟" قال، ببساطة. "اسمي ميكاه. أحد المخصيين في القصر. أنا المسؤول عن اختيار الجواري وإدخالهن لجناح السلطان." تجمّدت نظراتها. نظرت إلى وجهه من جديد. كيف قادها الشبه إلى هذا الألم؟ وكيف كتب القدر أن يكون مسؤولاً عن مفترق طرق حياة كثيرات كما كان دانيال في حياتها مفترقًا لكل شيء؟ "تشرفت، آنسة..." "سيرافين." "آه، أنتِ الجارية الجديدة في خدمة الهيبة العُليا... لقد سمعنا عنكِ." ابتسم، ووقف، ثم أشار بلطف نحو البوابة. "إن احت جتِ شيئًا، ستجدينني هناك. وإن احتجتِ يومًا أن تتذكّري من رحل... يمكنكِ البكاء، فقط لا تدعي أحدًا يراكِ تفعلين." ابتعد، وتركها وحدها، تتنفّس ببطء، ثم جمعت الأغطية... ومضت . ⸻ في اليوم التالي، استدعيت سيرافين من قِبل إحدى المشرفات على جناح الهيبة العُليا. "سيرافين، تعالي. الهيبة تُريدك أن تحضّري مجلس الشاي لجلالة السلطان." جمّدت قدماها. السلطان؟ كايليون أورين فالمير؟ ذلك الذي ترسله كتب التاريخ كإعصار من نار وثلج؟! خافت، لكنها لم تُظهر شيئًا. اتّبعت المشرفة إلى الجناح الشرقي، حيث الجناح الخاص بالهيبة. هناك، جلس السلطان على أريكة منخفضة من المخمل الأسود، يلبس ثيابًا بسيطة على غير عادة الملوك، سروال داكن، وقميص حريري، وشعره الأسود مربوط للوراء، بعينين تزن كل من حوله بلا رحمة. دخلت سيرافين، وانحنت بصمت. لم يتكلم. وضعت صينية الشاي أمامه، وهي لا تزال تنحني واتجهت لتقف خلف والدته وهي منزلة الراس ووقفت تنتظر. أشار إليها وقال. "ما اسمك؟" "...سيرافين، مولاي." "من أين أنتِ؟" "...لا أعلم." نظر إليها، لثوانٍ، نظرة لم تكن فضولًا ولا تهديدًا... بل تحليلًا. ثم قال. "أخبرتني والدتي عنكِ. تقول إنكِ تذكرينها بنفسها حين كانت في سنكِ. لست متأكدًا إن كان هذا مدحًا أم تهديدًا." ابتسمت ابتسامة خافتة، لكن لم تردّ. نظر إلى الشاي، تذوّقه، ثم أومأ. "جيد." ثم أشار للمرافقة أن تُخرجها. خرجت سيرافين، ونبضها يضرب صدرها كالطبول. هذا الرجل... يشبه الظلام. هادئ، لكنه مشحون. لا يُبدي شيئًا، لكنه يُخيفك من كل شيء. ⸻ في اليوم الذي يليه، استُدعيت سيرافين مجددًا لمجلس الهيبة. كانت جالسة في حوض الرخام، تُصفّف شعرها إحدى الجواري حين دخلت سيرافين. "أحضري لوح التدوين. عندنا تجهيز لحفلة غنائية لجلالة السلطان." "حفلة؟" "نعم، مساء الغد. السلطان بحاجة إلى ترفيه... وربما اختيار مرافقة جديدة. ثلاث جوارٍ سيرقصن له. نحتاج لمكان، إضاءة، موسيقى، وكل شيء." ثم نظرت إليها بعينين باردتين. "وأنتِ... ستُشرفين على الحفلة بالكامل." تراجعت سيرافين خطوة، مصدومة. "أنا؟" "نعم، مولاتي تمنحكِ فرصتكِ لتظهري ولاءك... أو تخسري كل ما منحتْهُ لكِ." ابتلعت ريقها، وانحنت. "كما تأمُرون." ⸻ منذ شروق الشمس حتى مغيبها، لم تتوقف سيرافين عن الحركة. زارت قاعة العرش، اختارت أن تُقام الحفلة في الساحة الزجاجية، رتّبت الستائر، طلبت الموسيقيين، اختارت الجاريات الثلاث من لائحة ميكاه، طلبت زينة خفيفة، وأمرت بإضاءة خافتة تُلقي ظلًا على وجوه الراقصات... لكنها تبرز السلطان وحده في العتمة. وفي اليوم التالي، حين حلّ المساء، بدأ كل شيء. ⸻ دخل السلطان بموكبه البسيط. جلس، أمامه شراب فاكهة داكن، والموسيقى تعزف بنغمة شرقية حزينة، تتصاعد ببطء. ثم بدأت الجاريات الثلاث يرقصن، حركاتهن ناعمة، وجوههن هادئة، وثيابهن من الحرير الأحمر والأسود. سيرافين وقفت جانبًا، تراقب كل التفاصيل، تصحّح لأي خطأ، تنبه على الراقصات بالصمت، وتتنفّس بصعوبة. وحين انتهت الرقصة، أشار السلطان إلى إحداهن، بصمت. كانت فتاة تُدعى "لياريا"، شقراء، رقيقة. ولكنها ليست غريبة فهي مُفضلته منذ فترة. ثم التفت إلى الهيبة العُليا، وقال. "هذه... أريدها للخلوة غدًا." الهيبة ابتسمت، ثم نظرت إلى سيرافين. "عملٌ جيد." ⸻ في الصباح التالي، كانت سيرافين تُحضّر مغطس الورد، ترتب الوسائد، وتقصّ أوراق الشاي. خدمة الهيبة أصبحت روتينًا صارمًا، استيقاظ قبل الشروق، تحضير كل شيء دون كلمة، إدراك ما تحتاجه السيدة قبل أن تنطق. لكنها في كل يوم... كانت تتعلّم. تتعلّم ملامح السلطان من انعكاس عيني والدته، وتفهم أن الحب هنا لا يُمنح بل يُنتزع. ⸻ مرت الأيام، وفي صباح اليوم السابع، جاء ميكاه إلى قاعة الجواري. "إلورا." رفعت رأسها، بابتسامة متوقّعة. "نعم، سيّد ميكاه؟" "السلطان... طلبك." غمغمت الفتيات بدهشة، بعضهن حسدنها، وأخريات خفن لها. أما سيرافين، فجلست قرب وسادتها، تنظر إليها بصمت. إلورا اقتربت منها وهمست. "هل رأيتِ؟ قلت لكِ إنه سيطلبني مجددًا." ثم ابتسمت ابتسامة منتصرة، وغادرت. ⸻ في تلك الليلة، عادت سيرافين إلى سريرها، تفكر. من هي؟ من كانت سيرافين ديراسيلّيس؟ وهل كانت تملك أمًا تُدعى إيرينا فعلًا؟ أو أبًا كان ملكًا فعلًا؟ أم أنها قالت ما ظنّت أنه يُقال؟ لم تكن تعرف. كل ما تعرفه أنها كانت سيليسيا. فتاة من عالم آخر، تركت قلبها في مدينة غريبة، وقبرًا حفرته لحبيبٍ لن يعود. والآن... هي جارية. ماذا تكون سيرافين فعلًا؟ ومن ستكون؟ لكنها فقط... نامت. ______ مر اسبوعين سريعان. كان المساء يميل بثقله إلى أحضان الليل حين أُضيئت قاعة القصر العليا بألف قنديل وقنديل، عاكسة وهجها على الجدران المرصعة بالفسيفساء الزجاجية التي تحكي تاريخ السلالة الفاليميرية عبر قرونٍ من الحكم والنار والذهب. تناثر العطر في الأرجاء، خليط من العنبر والياسمين، وكأنما الليل قد تزيّن لعرسه. في تلك الليلة، لم يكن الاحتفال مكرّسًا للسلطان، بل لأجلِ لياريا، الجارية التي حملت منه بطفلٍ يُنتظر أن يكون وريثًا للدم الإمبراطوري، وربما إن كان ذكرًا وريثًا للعرش ذاته. كانت "أمّ العرش" الأولى منذ أربعة أعوام ولكنها انجبت فتاة فتم نسيانُها، واحتفالات كهذه لا تُقام إلا لأجل مناسبة تتعلّق باستمرار السلالة. اصطفّت الجاريات في ركن القاعة، يرتدين أثوابًا رقيقة تُظهر أكثر مما تُخفي، ألوانهن تتدرج من العنّابي القاتم حتى أرجوان المساء، وبينهن كانت سيرافين تقف كزهرة ناريّة وسط باقة صيفية. أمرتها "الهيبة العُليا" أن تكون من ضمن من يرقصن في هذا الحفل، رغم اعتراض نيرينا التي همست لها قبل البدء. "الهيبة لا تأمر إلا إن كانت تنوي شيئًا." لكن سيرافين أطاعت. منذ أن دخلت هذا القصر، أدركت أن الرفض لا يُقال صراحة، بل يُختبأ تحت أقنعة الخضوع والصمت. انطلقت الموسيقى، طبول ناعمة تُصاحبها نغمات الناي الفاليميري الحزين، وصعدت ثلاث فتيات إلى دائرة الرقص، وكنّ قد تدربن لأيام، إلورا، فتاةٌ أخرى تُدعى ميرايا وسيرافين. كانت رقصة طقسية لا تخلع وقارها رغم ما فيها من الإغواء المتعمد، أشبه برقصة المطر في التقاليد القديمة، حيث لا يُرقص للرجال بل للطبيعة. كانت حركات الأيدي تنساب كأجنحة طيور، وأقدام الفتيات تلامس الأرض بخفة أشبه بالهمس. سيرافين لم تكن راقصة، لكنها أدّت الدور باتقان غريب، لا لأنها أرادت، بل لأنها كانت مدفوعة بشيءٍ خفي، ربما كان القهر، أو العزلة، أو حنينًا مكسورًا لرجلٍ من عالمٍ آخر... رجلٍ يشبه دانيال. كانت عينا السلطان تراقب من بعيد، من مقعده المرصّع عند رأس القاعة. بدا جالسًا بهدوء، متكئًا بذراع واحدة، تعلو وجهه نظرة محايدة كأنما لا يرى شيئًا مما يدور أمامه. لكن في اللحظة التي تحركت فيها خصلات شعر سيرافين مع انحناءة جسدها، شبّت نظراته فجأة، وتبدلت إلى تركيز عميق. انتهى الرقص، فصفّق الجميع، وقامت "الهيبة العُليا" تشير بيدها إلى لياريا لتقف إلى جانبها، تعبيرًا عن مباركتها لها. كان يُفترض أن ينتهي الحفل بذلك، أن تُعاد الجاريات إلى أجنحتهنّ، أن تنطفئ الأضواء تدريجيًا... لكنّ السلطان نهض. صمتت القاعة. اقترب بخطوات واثقة من والدته، صوته هادئ لكنه نافذ حين قال. "أريدُها للخُلوة الليلة." وأشار... إلى سيرافين. شهقت إلورا، وكادت ميرايا تسقط أرضًا من وقع المفاجأة. أما سيرافين، فقد جمُدت في مكانها. لم يكن اسمها في هذه الليلة، لم تكن ضمن لوائح المفضلات، ولم يكن الرقص يُقصد به أكثر من الترفيه. حدقت فيه بعينين مرتجفتين، لكنها لم تقدر أن ترد. قَبّل السلطان كايليون جبين والدته التي وقفت لتبادله الحضن وعندما التفت ليذهب لجناحه انحنى له جميع من وُجد بالقاعة. اقترب ميكاه، ذاك الرجل الذي يشبه دانيال في ملامحه، وهو أحد المخصيّين الذين يعملون على تنظيم دخول الفتيات إلى جناح السلطان، وقال بصوته الهادئ. "مولاي يريدك الليلة. تعالي لتستعدّي." هزّت رأسها نفيًا، خطوة للوراء. همست. "لا... لا أستطيع." تنهد ميكاه، ونظر حوله، ثم اقترب منها وهمس. "تعالي قبل أن تتدخّل الهيبة بنفسها. الأمر ليس بيدك." لكن الأوان قد فات، فقد وقفت "الهيبة العُليا" عند قوس القاعة، عيناها تلمعان ببريقٍ خطير. "خذها إلى جناحي، ميكاه." انحنت رؤوس الجميع، وبدأت خُطى سيرافين تُقتاد إلى مصير لم تخطط له. ⸻ جناح الهيبة العُليا دخلت سيرافين تتبع ميكاه بصمت، وعندما دخلت جناح "الهيبة"، وجدتها واقفة أمام مرآة كبيرة، تراقبها كما لو كانت تنتظر اللحظة. "موفّقة، يا جميلة." قالتها ببساطة، ثم أضافت وهي تشير إلى الخادمات. "جهّزنها. أريدها كما لو أنها منسوجة من لهب." "لكن مولاتي...انا لا استطـ..." لم تِكمل حتى سيرافين كلامها كونها تلقت نظرة مخيفة من الهيبة العُلية فانزلت راسها بصمت وتجمعت الدُموع باعينها، هي لا تريد ان تكون مِلك رجل غير دانيال. تجمعت حولها خمس جوارٍ، بدأت كل واحدة مهمّتها. خُلعت عنها الثياب بسرعة، ولم تُعطَ وقتًا للاعتراض. جسدها غُمر بالزيوت المعطرة، اللافندر، الورد، والعود الفاخر. إحداهنّ بدأت بتمشيط شعرها البرتقالي الطويل، تشكّله إلى خُصل ملتفة تتدلّى على كتفها الأيسر، وتُزين بخيوط ذهبية دقيقة. وضعت أخرى كحلًا بلون زمردي في عينيها، ومرّرت فرشاة خفيفة على وجنتيها، ثم زيّنت شفتيها بلون التوت الداكن. "اختاري لها الثوب الكريمي المطرّز بالعقيق الأحمر" قالت نيرينا، التي وقفت تراقب العملية بصمت. جاء الثوب، خفيفًا حريريًا، ينسدل على جسدها بانسيابية، وفي منتصفه زخرفة بشكل شمس سوداء تتوسّطها نجمة مع اجنحة نسر. رمز لشعار السلالة الفاليميرية. خُطّ عليه من الخلف بخيوط ذهبية جملة قديمة. "الجسد هبة، لكنه ليس المَهر." جُملة خرجت من احدى أُمهات العرش وبدا الجميع يعمل بها. كان هذا شعار النساء فقط. كانت سيرافين عابسة، تحدق في الأرض، ترفض النظر إلى المرآة. الجواري من حولها يتهامسن، وإلورا التي وقفت عند الباب تحدّق بها بعينين مشتعلة بالغيرة. "لم يكن من المفترض أن تكوني أنتِ..." همست إلورا، لكن نيرينا قاطعتها بنظرة. ⸻ كان الليل قد انحنى بثقله فوق قصر أستاريا، حين توقّفت خُطا الحرس عند باب جناح السلطان. فتحت إحدى الأبواب المصقولة بالعاج، لتُعلن عن وصول الفتاة التي اختارها بنفسه، بلا مقدمات، من وسط الجاريات، كما لو أنه التقط نجمة من سماء الحفلة فجأة. أحنوا رؤوسهم وقال بصوت هادئ احدهم. "مولاي، سيرافين التي أمرتم بإحضارها... وصلت." من داخل الجناح، صدر صوت السلطان، رخيمًا بطيئًا. "فلتدخل." كانت سيرافين تقف خلفهم، تتردّد أنفاسها، مضمومة الكتفين، والروب الأبيض الطويل الذي أُلبِسَتْه يعانق جسدها الخفيف كأنّه من نسج الضباب، يكشف أكثر ممّا يستر، وتغمره رائحة العنبر واللافندر. دخلت. خطوتها الأولى بدت وكأنها تخطو إلى مصير لم تختره، إلى موتٍ جديد أو حياة لا تعرف ملامحها. عيناها التقطتا صورته بسرعة. كان واقفًا قرب المدفأة، يرتدي رداءً حريريًا داكنًا، مفتوحًا من الصدر، يظهر تحته قماشًا ناعمًا من لباس النوم الداخلي. ارتفعت أنظارها نحوه، ثم هبطت بسرعة. لم تجرؤ على التحديق كثيرًا. فجثَت على الأرض أمامه، ثم انحنت، وطرف رداءه قُبّل بلطف. لم يحرّك ساكنًا، بل تقدّم خطوة، وانخفض قليلًا، ورفع ذقنها بين أصابعه القوية. أجبرها على النظر في عينيه السوداوين. "انهضي؟" قال بصوتٍ خافت. هزّت رأسها بلا كلمة. "أتبقين هكذا؟" "إن أذن لي مولاي، نعم..." كانت نبرتها ناعمة، واهنة، تحمل رجفة، رجفة الروح لا الجسد فقط. "أنا لا أريد الخُلوة، جلالتُك." قالتها وهي تحدّق بعينيه السوداوين بثبات. "وهل تظنينني سأحزن؟ ، أنتِ في قصري، داخل مملكتي...انا السُلطان!...وهذا يعني شيئًا واحدًا، يا بوسيسّا، أنكِ تخصينني، شئتِ أم أبيتِ." قالها بصوت ثابت ومستفز. أطلق تنهيدة طويلة، ثم ابتسم باقتضاب، وكأنّه يقرأها. "أردتُ أن أعرفك. لن أبدأ ليلتي مع امرأة تكون ابنة عَدُوي." همست. "اسمي... سيرافين، مولاي." "ومن تكون سيرافين؟" سأل، وهو لا يزال يُمسك بذقنها. أرادت أن تهرب بنظراتها، لكنه لم يسمح. همست بتردد. "جارية أُرسِلت لخدمتكم." ابتسم. "بل أُرسِلت لليلةٍ في جناحي... وهذا يختلف." سحب يده فجأة من ذقنها، فارتجفت كأن شيئًا انكسر فيها. قام، واستدار، ثم قال بهدوء وهو يراقب ألسنة اللهب تتراقص في الموقد. "أخبريني، هل أخبرتكِ والدتي أن ترفضي السُلطان؟" "لا، مولاي..." همست. "إذن؟" استدار، نبرته الآن مشوبة بجفاف قاتل. تنهدت. "لستُ قادرة، مولاي..." اقترب منها مجددًا، حاجباه معقودان، وقال. "على ماذا لستِ قادرة؟" "أن أكون لرجلٍ غير من أحببت، وتُوفاه الرّب..." ساد الصمت. ظلّ واقفًا أمامها، يحدّق فيها، كأنّ كلمتها أخرجت منه كل حرارة النار خلفه. ثم قال ببرود. "منذُ دخول أي فتاة إلى هذا القصر، تُصبح مُلكًا للسلطان... وإن فكرَت بغيره، يُقطع رأسها." ارتجفت شفتاها، لكنها لم تتكلّم. "اختاري،" قال، "الخروج... والموت. أو البقاء، والولاء." مرّت لحظة. لحظة طويلة كأنّها دهر. ثم رفعت رأسها قليلاً، وهمست. "سأبقى، مولاي." رفعها من ذقنها ببطء، وأعاد النظر إلى عينيها الخضراوين الغارقتين بالحيرة والخوف. لمعت ابتسامة باهتة على زاوية فمه، ثم اقترب منها فجأة، وقبل أن تلتقط أنفاسها، كان قد دفعها برفق للخلف، حتى ارتد جسدها فوق الفراش، يعلوها بثقله، ويُطبق شفتيه على شفتيها في قبلة عميقة، رافقتها شهقة مكتومة منها ويدَاها تتشبثان بخجل واضح بطرف ردائه. همس قرب أذنها. "جميلة... كجمال سطوع الشمس." خجلت. لم تعرف بماذا ترد. راح يُمرّر يده على فخذها الأيسر برفق، يتفحّص بشرتها بنظره قبل لمسها، وعيناه تقولان ما لا يُقال بالكلمات. ____ مرّت ساعات... حتى منتصف الليل، حين كانا مستلقيَين على السرير. هو، بثباتِ الملوك، وهي، تلتقط أنفاسًا دافئة، ترتدي الروب الأبيض الطويل والخفيف الذي أُلبسَته، وشعور بالحرارة يغمر وجنتيها المحمرّتَين من الخجل والتعب. حين تحرّكت لتنهض، أمسك بصوتٍ حازم. "إلى أين؟" توقفت. "إلى القاعة... كما تفعل جميع الجواري بعد الخُلوة، مولاي." هزّ رأسه. "أنا السلطان، ومن يخرجك هو أمري، لا عادتهم." ثم أشار إلى السرير، فعادت وجلست، بصمت، ثم استلقت، فاقترب، جلس عند طرفها، مدّ يده، وأعاد خصلة من شعرها خلف أذنه، بعناية لم تتوقعها. "ربما... الجمال سيكون حليفك." نهض، وتوجّه إلى الشرفة. لحقت به بخجل، وجلست على الوسادة المجاورة لكرسيه الكبير. كانت تُراقبه بصمت، ثم همست. "هل تريد أن أملأ كأسك، مولاي؟" أومأ. أخذت الإبريق الفضي، وبدأت تصبّ في الكأس التي بجانبه. كان ينظر إليها، ثم عاد لينظر إلى السماء بعد منتصف الليل، حيث النجوم خافتة، والقصر نائم. ثم اقترب أكثر من حافة الشرفة، فابتسم بجانبيّة وهو يلمح من بعيد ظلًّا يُراقبه من شُرفة والدته. إنها نيرينا... خادمة "الهيبة العُليا". خادمة والدته المُخلصة. كانت تتأكّد أنّ سيرافين ما تزال في جناحه. سيرافين لم تلاحظها. اقتربت، وقدّمت له الكأس. فأمسك بخصرها، ورفعها فجأة، وضعها على حافة الشرفة، فتشنّجت، وارتعبت. "مولاي؟!" ابتسم، وأحاط خصرها بيده اليسرى، واليمنى تحمل الكأس. "هل أتيتِ إلى هذا القصر... لتنتقمي؟ لأنني قتلت عائلتك؟ أم ماذا؟" هزّت رأسها سريعًا، ثم قالت بسرعة. "لا... لا أذكر شيئًا عن عائلتي." توقّف. نظر في وجهها، تمعّن فيه، ثم قال. "أتمنى أن يكون كلامكِ صحيحًا." ثم اقترب منها أكثر. "تشبهينها..." "من؟" "أمك." نظرت إليه بارتباك، وسألت بصوت مرتجف. "هل هذا... شيء جيد؟" ضحك بخفة، لكنه لم يجب. بخفة، دفعها من كتفيها لتنزل عن الحافة، لكنها نزلت وحدها بلا مساعدة، وهو أنهى كأسه ودخل الغرفة قائلًا. "تعالي." دخلت. رأته جالسًا على كرسي مكتبه الداخلي، يُمسك بورقة، فعقدت حاجبيها واقتربت بفضول. قلب الورقة، وأخفى محتواها، ثم أمسك بورقة فارغة، قدّمها لها وقال. "ارسمي لي رمز عائلتك." جلست على الأرض، وأمسكت الريشة. بدأت ترسم خطوطًا طفولية لا ترمز لشيء، مزيج من زهور، قلوب، أشجار، أجنحة... كأنها طفلة تلعب لا فتاة وُلدت من سلالة نبيلة. ضحك بسخرية، ثم قال. "الرمز محفور على جسدك، في الجانب الأيسر من الخصر." شهقت. "مكتوب هناك: Deracellis... اسم عائلتك، وهذا رمزها." ارتبكت أكثر. "ولِمَ أردتِ مقابلتي؟ لماذا هذا الولاء المفاجئ؟ وأين اختفيتِ... رغم أنكِ كنتِ مخطوبة؟" نظرت إليه بصمت، ثم قالت ببطء. "لا أذكر... صدقًا لا أذكر شيئًا قبل وصولي إلى السفينة." في الجهة المقابلة، كانت نيرينا قد أسرعت في صمت إلى داخل لجناح "الهيبة العُليا". دخلت الغرفة، انحنت، وقالت. "مولاتي... سيرافين لم تغادر جناح السلطان. ظلّت هناك حتى الان." رفعت "الهيبة العُليا" رأسها، وقالت بابتسامة باردة. "جعلتُها ترقص، فاختارها... كما أردتُ تمامًا." ثم أردفت موجهة حديثها لنيرينا. "سيرافين جميلة. ولن تبقى جارية عادية. اجعليها... من المُفضلات." ثم أضافت، بلؤم خافت. "ثلاثتهن الآن: لياريا... وإلورا... وسيرافين." _____ كان الليل قد أرخى ستائره بالكامل حين خفتت أنفاس القصر، وذابت أضواءه في صمتٍ مُترف. لم تكن سيرافين تعرف كيف انتهى بها الأمر بين ذراعي السلطان، لكنها كانت هناك، ممدّدة قربه، تُنصت إلى نبضاتٍ لم تعتدها، وإلى حرارةٍ لا تشبه دفء الموقد بل دفء الجسد، لا خوف فيه... بل شيء آخر. شيء حميمي لم تفهمه بعد. كان ينام بصمتٍ على جانبه، فيما كانت هي تنكمش بين ذراعيه، رأسها على صدره العريض، الأملس، الذي كان ينبض كأنما ينبض بالحياة كلها. ذراعه تحيط خصرها برفق، براحة كفٍّ دافئة كُتب عليها أن تُخدّر فيها خوفها لوهلة. لم يكن هذا صدر دانيال، لكنها شعرتُ به كذلك. وكأنّ قلبه يشبه قلب من فقدته. وأرادت، ولو للحظة، أن تنسى. "هل هو أيضًا... سيفقدني؟" خطر في بالها وهي تتنفس ببطء، كأنها تستمع إلى أنفاسه أكثر من أنفاسها. أغلقت عينيها على الدفء، على النبض، على اليد التي لا تشدّ وإنما تحمي. وسرعان ما انجرفت إلى نومٍ لم تعرفه منذ رحيل دانيال. ____ استيقظت على همسة الهواء الذي مرّ عبر الستائر الحريرية، وشمس الصباح تتسلل بلطف عبر النوافذ الكبيرة. فركت عينيها، لتجد نفسها ما تزال بين أحضان السلطان. كانت رأسها على صدره، ويده ما زالت تحيط خصرها... كما تركها ليلًا، كأنّه لم يتحرّك طوال الليل. فتحت عينيها ببطء، محاولة النهوض، لكنها ما إن تحرّكت حتى شدّ ذراعه حولها قليلًا. صوته الخافت، المُخدَّر بالنوم. "إلى أين، بوسيسّا؟" شهقت، احنت ظهرها وكانها تنحني له وهمست. "مولاي... لم أقصد إزعاج جلالتُك..." فتح عينيه، حدّق فيها للحظة، ثم ابتسم تلك الابتسامة الصغيرة التي لا تعرف هل تحمل تهديدًا أم حنانًا. "أنتِ ثاني فتاة تنامين في جناحي." حدّقت فيه بدهشة. "من كانت الأولى؟" "امرأة كانت مُفضلتي الاولى أنجبت لي طفلة منذ أربع سنوات..." تنهد، ثم أضاف، "نسيتها بعد عام." سكت قليلًا، ثم تمتم وكأنه يحدّث نفسه. "لكنكِ... لن تُنسي بهذه السهولة." تسمّرت مكانها، لا تدري أهو وعد أم تهديد. لكنها قرأت في عينيه ما يُشبه الوعد. "أتُخبر هذا لجميع جارياتك مولاي؟" سالته ببلاهة. ضحك بخفة وامسك فكها وسحبها نحوه ، لحضنه. ____ بعد وقت، دعاها إلى الإفطار. جلس كلاهما على السرير، وقد فُرشت مائدة صغيرة بينهما، من الخشب الفاخر، تتناثر فوقها أطباقٌ مذهبة، وفواكه طازجة، وخبز ساخن، وقوارير نبيذ أحمر كالعقيق. أراد أن يمد يده ليأكل، فسبقته. قطعت قطعة صغيرة من الخبز، غمستها في العسل، ثم قرّبتها من شفتيه. "دعني أخدمك يا مولاي،" قالت بخفة، وابتسامة لطيفة. رفع حاجبًا، كأنّه فوجئ. "أتعلمين أن لا أحد يجرؤ على إطعامي بيده؟" "أرغب في كسب حنانك وعاطفتك، مولاي... لا أكثر." نظر إليها مطوّلًا، ثم فتح فمه، تناول الخبز بهدوء، وأخذ منها قطعة الفاكهة التي عرضتها لاحقًا. ثم أمسك يدها برفق، وغمّس إصبعها في العسل، وقبل أن تدرك، أدناها من فمه، وقبّل طرف إصبعها ببطء. شهقت. ضحك بخفة. "عسلٌ على العسل،" تمتم وهو يتأمل ارتباكها. "كأنك تحاول إرباكي، مولاي" قالت وهي تحاول إخفاء ارتباكها. "أنا؟ لا، فقط أتذوّق الفطور... والبعض أجمل من الطعام بكثير." ضحكت بخفة، ثم مدّت يدها، فقابلها بمثلها. أطعمها قطعة من التمر، وعيناها لم تفارقهما. هل حقًا هذا الرجل الجالس أمامها، السلطان الذي يُقال إنه أسقط ممالك كاملة، وذوّل شعوبًا؟ كان... يبتسم لها، ويُطعمها، ويجلس معها على ذات الفراش. هل هذا الرجل... قادر على الحب؟ أم أنها محض نزوة؟ ____ كان الوقت يقترب من الظهيرة، حين ارتدت رداءها الرسمي، وهي تستعدّ للعودة إلى القاعة. "هل تريدين البقاء؟" سألها فجأة. ارتبكت. "أخاف أن تغضب والدتك السُلطانة... الهيبة العُليا..." ابتسم. "هي تعرف أنكِ هنا. وربما... هي من أرادت أن تكوني هنا." توقفت في مكانها. "مولاتي؟" "أجل. لا تتفاجئي... أمي تُدير القصر أكثر مني." همست. "إذن... لن أكون أكثر من قطعة شطرنج في لعبة أكبر مني." "ربما..." أجاب، لكنه كان ينظر إليها بنظرة لم تفهمها. وغادرت الغرفة... ببطء، كأنها تغادر حُلمًا. ____ وصلت قاعة الجواري وقد اضحى منتصف النهار. وما إن دلفت من الباب، حتى توقّف كل من في المكان عن الحركة. عشرات العيون التفتت إليها. بعضهن كدن لا يصدقن. "سيرافين؟! ما زلتِ على قيد الحياة؟!" "هل فعلاً... نِمتِ في جناحه؟!" "أخبرينا... ماذا حصل؟!" التفّت حولها وجوه متلهفة، متشوّقة لسماع أي كلمة. لكن قبل أن تنبس بحرف، جاء ميكاه، كعادته، بصمتٍ ووقار. وراءه، مساعدان يحملان صندوقًا فخمًا من الخشب الأسود المطعّم بالذهب، وعليه رمز سلالة فالمير، شمس سوداء تتوسّطها نجمة مع اجنحة نسر. اقترب منها، انحنى انحناءة خفيفة. "من السلطان... هديةٌ لكِ." فتح احدى المساعدان الصندوق. في داخله، رداءٌ فاخرٌ بلون العقيق الأحمر، مزيّن بخيوط فضيّة تنساب كأنها جداول ماء، وعلى صدره وُشِم بخيطٍ أسود صغير. "من مُفضّلات السلطان." شهقت الفتيات. صمتُ مشوب بالدهشة، بالغيرة، بالضجيج المختنق. تابع ميكاه بصوته الرسمي. "من هذا اليوم... تُصنّف سيرافين ضمن فئة المُفضلات. بأمرٍ مباشر من السُلطان كايليون." استدارت سيرافين نحو الجواري. للحظة، أحسّت أنّها باتت بعيدة عنهن جميعًا. عيون مشدوهة، نظرات غير مفهومة. لكنها لم تُظهر شيئًا من اضطرابها. فقط... ابتسمت بخفة. بعد قليل، اختلت بإلورا عند النافذة، متوقعة أن تكون أول المهنئين. لكن وجه إلورا كان مشدودًا، وعيناها تشتعلان بمرارة. قالت بصوتٍ بارد. "كنتِ الأذكى بيننا، أليس كذلك؟" تفاجأت سيرافين. "إلورا... توقعتكِ تسعدين لأجلي." ضحكت إلورا بسخرية. "أسعد؟ وأنا أراكِ تتسلقين فوق أكتافنا جميعًا؟" اقتربت منها سيرافين، وحدّقت في عينيها. "أنتِ تتصرّفين بأنانية، إلورا. إن لم أكن أنا، فستكون غيري. وأنتِ تعرفين هذا." شهقت إلورا، ثم تمتمت بغضب. "ظننتكِ مختلفة... لكنكِ لستِ سوى منافسة أخرى. مثلنا جميعًا." سكتت سيرافين للحظة، ثم همست. "ربما... لكنني لم أطلب هذا. أقسم." ثم استدارت، وابتعدت، بينما ظلّت إلورا واقفة، تتأمّل الرداء الأحمر، والصندوق الفخم، وعيناها تمتلئان بما لم تُصرّح به. _____ في الزاوية، كانت إحدى الجواري تهمس لأخرى. "أترين؟ كانت غريبة لا تتكلم... والآن أصبحت مفضّلة." فأجابت الثانية. "ربما الغريبات هنّ من يفزن في النهاية." _____ كانت الشمس قد بدأت تميل إلى الغروب، والسماء تزدان بخيوط من ذهبٍ وقرميد حين أتت واحدة من الخادمات إلى جناح المفضلات. اقتربت من سيرافين وهمست بخشوع. "الهيبة العُليا... تطلبكِ في جناحها الخاص." انقبض قلب سيرافين، وسرت في أوصالها رجفة لا تعرف إن كانت خوفًا أم قلقًا. ارتدت ثوبها الأحمر القرمزي، ذاك الذي وُشِم عليه شعار المُفضلات، هدية سُلطانها لها، وربطت شعرها البرتقالي على عجل، ثم تبعت الخادمة في ممرات القصر المعتمة التي بدأ الليل يكسوها بسكونه. أمام باب خشبي ضخم محفور عليه زهرة الزنبق، وقفت. انحنت انحناءة عميقة أمام خادمة الهيبة العُلية، نيرينا التي رحبت بها، وحين فُتح الباب بان الجناح الملكي، أرضية من الرخام الأسود، وستائر داكنة من المخمل المطرّز، وأعمدة من العاج الأبيض تنبثق منها شموع تضيء بنور خافت يشبه ضوء القمر. دخلت سيرافين ببطء، ورأسها منكس. في منتصف القاعة، كانت تجلس الهيبة العُليا، في ثوبٍ رمادي بلون الليل، وعلى حجرها كانت فتاة صغيرة ذات شعر فاحم ناعم، وعينين سوداويّتين واسعتين، تنظر إلى سيرافين بفضول لم يُدنّسه الخوف بعد. كان المشهد غريبًا، وصادمًا. لم تتوقّع أن ترى الطفلة التي ذكرها السلطان... أمامها. ولم تتوقّع الأغرب. "اقتربي،" قالت الهيبة العُليا بنبرةٍ ساكنة. انحنت سيرافين واقتربت بخطوات محسوبة. رفعت الهيبة يدها، تربّت على شعر الصغيرة. "هذه هي السُلطانة إيرينا... ابنة كايليون." أدركت سيرافين الآن، من النظرة الأولى، الفتاة نسخة مختلفة تمامًا عن والدها. من عينيها شديدة الزراق وشعرها الذهبي الناعم، حتى السكون الملكي في وقفتها الصغيرة. لكن شيئًا في عيني الطفلة لم يكن سلطويًا، بل مزيج من الشوق والهدوء. "تبدين مذهولة،" قالت الهيبة، متأملة وجه سيرافين. "اعتقدت أن السُلطان... لم يكن مهتمًا." ضحكت الهيبة العُليا بخفة ساخرة، لا تصل إلى عينيها. "هو يعشق ابنته أكثر من أي شيء في هذا القصر. لكنه يحتقر والدتها." سكتت، ثم تابعت. "وحين تحتقر فالحل بسيط، تُنسى يا سيرافين." نظرت سيرافين إلى إيرينا الصغيرة. كانت الفتاة تضع إبهامها في فمها، وتحدّق في سيرافين بهدوء غريب، كأنها تحاول تحليل مَن تكون هذه الغريبة صاحبة الشعر الناري. "أتعلمين، يا سيرافين؟ كُلما أنجبت واحدةٌ من المُفضلات طفلاً أو وريثًا، يتم إبعادها بهدوء. ولا أحد يسأل. لكن الأطفال يبقون. ويحتاجون لمن يعتني بهم...هكذا كانت تمرُ السنوات،...منذ استلام كايل بني للعرش في سن الثالثة عشر هو لم يستقبل اي جارية، عازمٌ على بناء الامبراطورية بشكل افضل وتحسينها وتقويتها! وبدا باستقبال الجواري عندما ارسلتُ اليه ميليندرا،...حسناء وجميلة للغاية ولكن عيبُها الوحيد هو إنجابُها لفتاة." هنا، رفعت الهيبة يدها، وأنزلت الفتاة عن حجرها بلطف. "اقتربي، إيرينا." تقدّمت الفتاة الصغيرة بخطى خجولة، ووقفت أمام سيرافين. "انحني للسُلطانة، يا سيرافين!...ثم اركعي." قالت الهيبة بهدوء. انحنت سيرافين باحترام ثم ركعت حتى وصلت إلى مستوى الفتاة، وسرعان ما مدت الصغيرة يدها، تلمس شعر سيرافين الطويل. "أنتِ... شعرك نار." ضحكت سيرافين بخفّة، همست. "وأنتِ... عينان من ليل صيفي." "أحبّها،" قالت ايرينا. رفعت سيرافين رأسها ببطء نحو "الهيبة العُليا". "هل... هل تريدونني أن...؟" "ستعتنين بها." تجمّدت ملامح سيرافين. "لكن... أنا مجرد مفضّلة، لم اربي طِفلًا من قبل. لا أعرف كيف..." قاطعتها الهيبة بنبرة حاسمة. "اخترتكِ. لأن إلورا فتاة عاطفية لا تُفكّر إلا في نفسها. ولأن لياريا حامل ولا يُمكن تعريضها لثقل المسؤولية. ثم... أنتِ المفضّلة الثانية التي قضت الليل بجناحه. وهذه مرتبة لم تصلها سواك منذ أربع سنوات." صمتٌ طويل. "ستكونين حاميةً لها... ومرافقةً. لا تُهم الألقاب. نحن نبتكرها في الوقت المناسب." سيرافين لا تدري ما الذي جعل الكلمات تثقل ككتلة حجر فوق صدرها. ربما لأنها لم تكن مستعدة. وربما... لأن شيئًا في عيني الصغيرة جذبها دون أن تدري. بعد دقائق، وجدت نفسها في حديقة الجناح الخلفي، تمسك يد السُلطانة الصغيرة، وتسير معها ببطء تحت ظلّ الأشجار. "ما اسمكِ؟" سألت الفتاة. "سيرافين، سُلطانة." "سيرا..." كررتها الفتاة بخفّة. ابتسمت. "سيرا، هل تحبين اللعب بالكرة؟" ضحكت سيرافين. "لم ألعب منذ سنوات. لكن... إن أردتِ، نجرّب." جلستا على العشب الأخضر، والهواء ناعم يحرّك خصلات الشعر كأنها راقصة. ركلت إيرينا الكرة الصغيرة، فضحكت ضحكة نقيّة. كانت مختلفة عن كلّ من في القصر. لا يعرف الغلّ قلبها. لا الحقد. مجرد طفلة... ابنة السُلطان. لكنها أيضًا وحيدة. مثلُها. _____ في صباح اليوم التالي، وقفت سيرافين أمام مرآة جناح المفضلات، وهي تسرّح شعرها البرتقالي المتموج، وقد بدا أكثر إشراقًا تحت أشعة الشمس التي انسدلت على خصلاته من نافذة واسعة. انفتح الباب بخفة، وظهرت السُلطانة الصغيرة، إيرينا، بثوب أبيض حريري، عيناها تلمعان ببراءة. "أوه، هل أنتِ مشغولة؟" سألتها بصوت مرتفع قليلًا، وقد دخلت دون استئذان. ابتسمت سيرافين، ووضعت المشط جانبًا. وإنحنت باحترام. "أبدًا يا سُلطانة. تعالي." تقدّمت الفتاة، ورفعت يدها الصغيرة، تكشف عن مشبك فضّي على شكل فراشة دقيقة التفاصيل. "جئتُ لأضع هذا في شعرك....وجدته في صندوق مُجوهراتي...هدايا بابا السُلطان..." انحنت سيرافين بخفة، ورفعت إحدى خصلات شعرها الطويل نحو الطفلة. وضعت إيرينا المشبك بلطف وثبّته، ثم نظرت إليها كأنها ترى عملاً فنّيًا مكتملًا. "الآن أنتِ... جميلة جدًا." ضحكت سيرافين همسًا، وهمست بدفء. "وأنتِ، سُلطانة القلب... أكثر من جميلة." لكن اللحظة لم تدم. ____ "يالها من مسرحية مملّة!" جاء صوت حاد من زاوية الجناح. التفتت سيرافين لتجد إلورا واقفة، متكئة على الحائط، بذراعيها المتشابكتين، ونظرة سخرية مرسومة على ملامحها. "منذ متى أصبح مشبك شعر كافيًا لتكسبي قلب السُلطانة؟ أم أنكِ تحاولين حجز مكانكِ التالي في سلسلة الولاءات؟" رفعت سيرافين حاجبيها، ثم ابتسمت بلطف، وأجابت بصوتٍ منخفض. "صباح الخير يا إلورا. لا شيء مما تقولينه صحيح. السُلطانة إيرينا فقط فتاة رقيقة القلب." إلورا تقدّمت خطوة، ويدها ترتفع لتزيح خصلة عن وجهها. "طبعًا، كل شيء بريء في عينيكِ. مثل كل ما تفعلينه. مفضّلة في ليلة واحدة، ثم أمّ بديلة في صباح اليوم التالي؟ ألا تشعرين أنكِ... سريعة بعض الشيء؟" شحب وجه سيرافين، لكنها تماسكت. "لا أعلم لماذا تقولين هذا، إلورا. لستُ في منافسة معك. وما يحدث... ليس باختياري." ضحكت إلورا بمرارة. "طبعًا، ليس باختيارك. كما لم يكن باختيارك أن تبقي معه حتى الصباح؟ أو أن تتلقّي صندوقًا فاخرًا أمام الجميع؟ حتى أنا لم أحصل على ذلك بعد أول خلوة!" تغيّر وجه سيرافين. شيء ما فيها انفجر، رغم نعومتها المعتادة. اقتربت، ووقفت أمام إلورا وجهًا لوجه. "ظننتكِ ستسعدين لأجلي، يا إلورا. كنا في السفينة معًا. ضحكنا، بكينا. حسبتُكِ أختًا... لكنكِ فقط... غيورة." شهقت إيرينا الصغيرة من التوتر، وركضت إلى الزاوية تختبئ خلف الستارة. "غيورة؟!" قالت إلورا، وعيونها تبرق. "نعم!" قالتها سيرافين أخيرًا، بنبرة لم يعرفها أحد منها من قبل. "أنتِ تتصرّفين بأنانية. إن لم أكن أنا، ستكون غيري، وأنتِ تعرفين ذلك!" قالت تُعيد جُملتها السابقة صوت خطوات فخم انقطع معه الهواء. التفت الجميع، فظهرت الهيبة العُليا على مدخل الجناح، ثوبها الطويل يجرّ خلفها بخطى رصينة. سكتت الجواري. تراجعت إلورا قليلًا، ووضعت يدها خلف ظهرها. وانحنت كلتا الفتاتين. تقدّمت الهيبة، ونظرت إلى سيرافين. "مَن رفع صوته؟" تقدّمت سيرافين خطوة، وانحنت بخفّة. "أنا، مولاتي." رفعت الهيبة حاجبها، ثم نظرت إلى إلورا. "الغيرة مرض قاتل، خاصة حين يُخفي العقل خلف القلب." ثم تابعت، ناظرة إلى سيرافين. "سيرافين تؤدي ما يُطلب منها. وأكثر. أنا من كلفها برعاية السُلطانة، وأنا من أرسلتها إلى الخلوة. وأي اعتراض على ذلك... اعتراض على أوامري." أخفضت إلورا رأسها، وتراجعت دون كلمة. همست الهيبة، قبل أن تغادر. "أحسنتِ، يا سيرافين. لكن في المرّة القادمة... لا تجادلي الغربان. بل حلّقي فوقها." ثم غادرت، مخلفةً وراءها سكونًا مهيبًا. في الزاوية، خرجت السُلطانة الصغيرة من خلف الستارة، عيناها دامعتان. "سيرا... لا تتشاجري مجددًا، من فضلك." جثت سيرافين أمامها، وضمّتها إلى صدرها. "لن أفعل، سُلطانتي... لن أفعل." همست إيرينا بدموع. "لو رأتني جدتي الهيبة العُلية كانت ستجعلني اذهب للدروس!" ضحكت سيرافين بعُلو. ____ مرّ أسبوع. كل صباح، كانت إيرين تذهب مباشرة إلى جناح سيرافين، تشرب الحليب بجانبها، وتخبرها عن أحلامها. في الظهيرة، تتنزهان معًا في الحديقة الملكية. وفي المساء، تطلب الصغيرة أن تسمع قصة قبل النوم... وسرعان ما أدمنت صوت سيرافين، الذي لم يكن يروي القصص فقط، بل يبعث الطمأنينة. ذات ليلة، بعد أن غفَت الصغيرة على حجرها، سألت سيرافين نفسها. هل هذه الطفلة... هي فرصتي؟ فرصة لأُحَبّ... من جديد؟ أو لأُكفّر عن ذنبي؟ أو لأعيش حياة أخرى... داخل هذا القصر؟ ___ جلس السلطان في الجناح الملكي، يتصفّح أوراقًا رسمية. دقّ الباب. "أُدخل" قال كايليون وهو لم يرفع راسه. دخل الحارس وانحنى باحترام. "السُلطانة إيرينا هنا مولاي." "أَدخلها" قال كايليون وهو يرفع راسه بابتسامة. دخلت إيرينا تركض، تتعلق برقبة والدها. "أبي! أريد أن يكون شعري برتقاليًا مثل سيرا!" ضحك كايليون، رفع حاجبه. "سيرا؟" "أجل! سيرا، ماما الجديدة!" توقف للحظة. ثم ابتسم ابتسامة حقيقية. "إذن سيرا... بدأت تُغيّر هذا القصر أكثر مما ظننتُ." _____ وسرعان ما شاع في الأرجاء، المفضّلة سيرافين... أصبحت قريبة من قلب الأميرة. وبالنتيجة... أقرب من قلب السلطان. لكنها لم تكن تفكر في ذلك. كانت فقط، كل صباح، ترى الصغيرة تركض نحوها، فتفتح ذراعيها. وتقول في نفسها. "ربما... هذه بداية حياتي الجديدة." ______ مرّ أسبوع ونصف منذ تلك الليلة التي تُركت كأنها أثر نار على الجلد، محفورة في داخلها بصمت، لا يُمحى. كايليون لم يطلبها طوال تلك الأيام، ولم يُقِم أي خلوة، لا معها ولا مع غيرها. صارت الهمسات في قاعة المُفضلات تتحدث عن انشغاله، عن زوّارٍ سياسيين، عن رسائلٍ مشفّرة تصل مع الفجر وتُحرق قبل الظهر. لكن في تلك الليلة، الهادئة، دخلت نيرينا جناح المُفضلات ومعها وجهٌ لا يشي بشيء. نظرت إلى سيرافين فقط، ثم قالت بصوت لا يُناقَش. "السلطان طلبكِ الليلة، يا سيرافين. استعدّي." لم تسأل، فقط نهضت. قلبها خفق، ليس خوفًا... بل شيء أعمق. ربما ترقّبٌ لم يُجربه قلبها من قبل. ⸻ في غرفة التجهيز، وقفَت عارية أمام مرآةٍ نحاسية، جسدها يتلألأ في ضوء الفوانيس الدافئة. الجواري يتحركن حولها بخفّة، خبيرات، يُحضّرنها وكأنها قطعة من خزف ملوكي. ارتدت فستانًا أزرق سماوي، ناعمًا كأنه نُسج من السحاب. الخصر مشدود بخيوط فضية، والصدر محاط بتطريز هادئ يُظهر أنوثتها دون أن يصرخ بها. شعرها البرتقاليّ الناريّ تُرك ينسدل بحرية، إلا خصلتين تمّ تجديلهما بأناقة إلى الخلف، وثُبّتا بدبوس من العقيق الفضيّ. "العِطر؟" سألت إحدى الجواري. هزّت سيرافين رأسها. "لا. أريده أن... يشعر بي، كما أنا." ⸻ رافقتها نيرينا حتى باب جناحه. كان الصمت يسبق كل خطوة، كأن حتى الهواء ينتظر. طرقت نيرينا، ففتح أحد الحرس الباب. لم يُظهر شيئًا. فقط أومأ لها بالدخول. دخلت وحدها. وخرجوا جميعًا. ⸻ الإضاءة خافتة. كان كايليون واقفًا عند إحدى النوافذ الطويلة، يرتدي رداءً حريريًا داكنًا يكشف جزءًا من صدره، وسروال نوم بسيط. لم يلتفت. بدا كأنه لا ينتظر أحدًا. فهمت. انحنت بهدوء، جثَت على ركبتيها وقبّلت طرف ردائه. همست، بصوت مرتجف. "مولاي." لم يرد. رفعت رأسها، ببطء، لتراه يحدّق بها. عينيه سوداوين، لكن فيهما شيء مختلف الليلة صمت مشوبٌ بالتفكير. امسك بيدها وساعدها لتقف. حين وقف أمامها، لم يلمسها في البداية. فقط نظر. ثم فجأة، مدّ يده إلى خصرها وسحبها إليه. ارتبكت، احمرّ وجهها، لكن الابتسامة ارتسمت رغماً عنها. همست بخفوت، بخجل. "مولاي..." صوته كان أهدأ من المرة السابقة، أعمق. "سيرافين... أو لعلّني أُفضّل أن أناديكِ بوسيسّا." رمشت. "ماذا يعني بوسيسّا؟" سألت فجأة، تنظر في عينيه. توقف، ثم قال. "هي كلمة قديمة، بلغة النبلاء الأولى. معناها المملوكة." ارتجفت قليلاً. "وهذا ما أنا عليه بالنسبة لك؟" أمسك ذقنها، وقال. "أكثر من ذلك. أنتِ ملكي، لكنكِ لستِ عبديّة. أنتِ اختياري. وهذا يجعل كل شيء مختلفاً." ثم اقترب، وقبّل جبينها. احمرّت وجنتاها، لكنها لم تبتعد. كانت أقرب مما يجب، لكنه لم يكن مخيفًا هذه المرة. كان... دافئًا، على نحوٍ خطير. "هل أصبحتُ... بوسيسّا إذًا؟" همست، لكن السؤال كان أقرب إلى اعتراف. ابتسم، أخيرًا. "منذ الليلة الأولى، كنتِ كذلك." ثم جلس على أريكة طويلة من المخمل، وأشار لها. "تعالي." جلست بجانبه، لكنه جذبها بخفة إلى حضنه، فارتبكت. جسدها كان متوتّرًا، لكنه لم يدفعها، فقط وضع ذراعه حول خصرها بإحكام. "كيف مرت الأيام؟" سألها، كأن السؤال عادي. "...هادئة. أحيانًا طويلة." "هل اشتقتِ لي؟" رمشت، ثم قالت، بصدق. "ظننت أنني سأشتاق لدانيال فقط... لكنني اشتقتُ إليك." رفع حاجبيه، وقدته جرأتها للحظة من الصمت. "...دانيال؟" "الرجل الذي أحببته... ومات." لم يُظهر ردة فعل، فقط قال. "كثيرات يدخلن القصر قلوبهنّ مشغولة. قليلًا ما يخرجن بقلب واحد فقط." ثم، بهدوء، قبّل أعلى جبينها. "ستنسينه." أرادت أن تقول شيئًا، لكنه وضع إصبعه على شفتيها. "هذه الليلة... لكِ. دون أشباح." ⸻ استيقظ الصباح التالي ببطءٍ على جناح السلطان. ستائر الحرير الزرقاء ترتجف بهدوء مع نسائم أول النهار، وعبير الورد القادم من الشرفة المفتوحة ملأ الغرفة بنعومة خفية. كانت سيرافين قد استيقظت قبله، أو هكذا اعتقدت، حتى فتحت عينيها ووجدت نظرته تسبقها، يحدّق فيها وكأنه يقرأ شيئًا أعمق من الملامح. "لم تنامي جيدًا؟" سألها، وهو يرفع خصلة من شعرها الناريّ خلف أذنها. "كنتُ أحلم..." همست. "كابوس؟" "لا. كنتُ أحلم أنّني ما زلتُ في عالمي الآخر... وكنتُ أهرب." أمسك بخصرها وجذبها أقرب. "عالم آخر؟،....الآن، أنتِ بوسيسّا. لن تهربي." ابتسمت، لكنها لم ترد. كانت تستمتع بقربه، برغم ما يشوبه من رهبة ما. لم تعد تعرف هل تحبه أم تخشاه. _____ قضيا الصباح معًا في جناحه. جلسا سويًا في الشرفة. كان يرتدي رداءً بسيطًا، وهي ما تزال بثوب النوم الازرق الفاتح الطويل. قدّمت له كوبًا من الشاي المعطر، لكنه سحب يدها، وأجبرها أن تجلس في حجره. "أطعِميني." قالها كأمر، وهو يُقرب وعاء الفواكه. ضحكت، ووضعت قطعة تين في فمه، ثم أخذ منها واحدة بيده ووضعها في فمها. "أتعرفين يا سيرافين..." قال، وهو يراقبها تمضغ ببطء، "فيكِ شيء لا يشبه أيّ امرأة عرفتها." "رُبما الجمال" اجابت بشكل مضحك. _____ طرقٌ على الباب قاطع اللحظة. "ادخل." قالها بصوته العميق. دخل الحارس، ركع، ثم قال. "مولاي... إلورا مُفضلة حضرتك تقول إنها حامل." ظلّ كايليون صامتًا للحظة، ثم أومأ برأسه بهدوء، كأن الخبر لا يعني له شيئًا، بينما أصابعه كانت ما تزال تلعب بخصلات شعر سيرافين. "أخرج." قال للحارس، الذي انسحب فورًا. سيرافين اتسعت عيناها، همست. "لن... تذهب لتهنئها؟" نظر لها بابتسامة ساخرة. "تهنئتها؟ لا أحد يهنئ النار على اشتعالها." ثم أمسكها من خصرها، ورفعها، وسار بها نحو السرير. "لكن... لكنك علمت للتوّ أنها..." ضحكت وهي تحاول إبعاده، "كأنك تُعلن انتصارًا بي." "وهذا ما أفعله بالضبط." _____ قضيا الليل في مزيد من التقارب، مزيد من الكلمات التي تُقال بلا صوت، مزيد من النَفَس المشترك. وحين كانت تمدد على صدره الصلب، يده تحيط خصرها، تذكرت دانيال، فجأة. شيء في ملمس جلده، والحنان في نبرة صوته حين همس لها بالشكل الحقيقي... "دانيال كان يقول نفس الشيء." تصلّب جسده. رفع وجهها فجأة من ذقنها. "بوسيسّا..." قالها بحدة. "توقفي عن مناداتي باسم غيري." "مولاي، أنا لم أقصد، فقط—" "أنتِ بوسيسّا لي. وجاريتي أنا." أخفضت رأسها، صمتت، واحمرّت وجنتاها. همس بعد لحظة. "لا تُدخلي أشباح الموتى إلى سريري. إن عادوا، سأقتلهم مرّة أخرى." ____ منتصف الليل. عادت إلى جناح المُفضلات وهي تبتسم، تمشي بخفّة كأن الليل منحها جناحين. لم تكن ابتسامتها للذة ما حصل، بل لتلك المشاعر الرمادية التي بدأت بالتشكّل، كأنها تنسى شيئًا لتفسح مكانًا لشيءٍ آخر. نيرينا رافقتها بأمر من الهيبة العُليا، كما دوماً. وبينما تمرّ قرب قاعة الجواري، سمعت همسة. "السلطانة الصغيرة ترفض النوم. تقول إنها لن تنام إلا بعد أن تقرأ لها 'سيرا' حكاية." توقفت. نظرت إلى نيرينا. نيرينا أومأت. "اذهبي. لن ينام القصر كله إن بكت تلك الصغيرة." . . . . . . . . . . ما رايكم؟ بوسيسّا- Possessa تعني "المَملُوكة" شو رايكممم؟ تعليق؟؟؟ الاجواء؟ سيرافين؟ كايليون؟ تنبيه مهم: فارق العمر + عمر سيرافين هو امر خيالي، حيث تذكروا ان سيرافين بالاساس عُمرها هو عُمر سيليسيا وليس عُمر سيرافين وبهذا البطلة واعية وتعرف كيف تتصرف ويُمكنها تقرير مَصيرُها!. تابعوني هنا على نوڤلار بحيث التنزيل هناك سيكون افضل من وستنزل روايتي هناك قبل نزول اي فصل هنا! elara nya اسم حسابي او يكفي كتابة اسم روايتي ادخلوا صفحتي لُطفًا وتابعوني، يوجد رابط به حساباتي بمواقع التواصل🌹. تابعوني انستا لاساعدكم بالتخيل؟ يوجد صور وفيديوهات مساعدة. أي استفسار أو سؤال، لا تترددوا في كتابته في التعليقات، أو التواصل معي عبر الرسائل او: 📩 Instagram: @elara.nnya 🎥 TikTok: @elara.nya شكرًا من القلب لكل من يساندني ويشجعني دائمًا 🫀🦋!. سينيورينا ايلارا كانت معكم🤍🌹!.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Astaria | أسْتاريا

المؤلف elara nya
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة