قَريـةٌ مُحتَـرِقة.

قَريـةٌ مُحتَـرِقة.

28 3

-

{أبـي..أخبِرني، لِمَ يُطلَقُ عَلى قَريتِنا اسمُ قَرية اللَهب؟}

{بُـني، فِي حُكـم أجدَادِك لَم يَكـُن هُنالِكَ وِد بَيننا وبَيـنَ مُسَخـِّروا النَّار، هَذه القَرية إحتَرقت آلاف المَرات}

{مَخلوقاتُ النَّـار؟}

حَل الصَّمتِ بَينهُما كَمن بَرك التَّاريخُ الثَّقـيل بِسَنميه المُذنِبَتين فِي ذَاكِرته القَاحِـلة، شَيءٌ لَـا يَعلَمه إلا قِلة مِن النَّاجِـين فَكـيف لَه أن يَفتح جُروح المَاضي؟،

{هِي التَّنانين..}

صَوت الفَأس يَقطع خَشبـةً صَلبَة، تَوقف الأبُ لِـ ثَوانٍ مَعدودة، يُحدِق بِـ ابنِهِ الذِي بَلغ العَاشِرة مُنذ وَقتٍ لَـيس بِطَويل، لَكـنَّه بَدَأ يُلاحِظ بِالفِعل آثَار الماضي المحترق ،

{إذا..قدمك هي؟..}

تنهد الأب وأعاد نظره لقدمه الحديدية التي فقد جزء منها بين مخالب أحدهم تلك الليلة

{أتعلم؟ أباك ليس بنادم لانه لم يحقد على ما حدث له، حتى وإن كانت الخسارة شيء عانيت به، كنت سأندم أكثر إن سلكت طريق الانتقام}

علق الفأس بالتربة، يحمل أنصاف الخشب المتقطعة ويشير لابنه بلحاقه فـ فعل، مجرد خطوات متتابعة والهواء يصبح أشد ثقلا كلما تعمقا في الغابة المظلمة،

في نهاية هذا الطريق هنالك مكان محترق.

أشجار مرتفعة تغطي السماء، تعكس ظلالها على الأرض المبللة بمياه الأمطار،

{هنا يا بني..فقد والدك الحياة في عينيه، نحن كبشر ضعفاء نخطئ، وربما نحمل أخطاء اسلافنا على ظهورنا كما حدث معي}

بالرغم من أن الابن لم يكن ذا قناعة تامة بما يقوله،لكنه أكمل سيره و وقف بجانبي ينظران الى السواد الحال في المكان، الشمس الدموية التي كانت كأميرة تطل بألوانها الزاهية في الأفق مستأذنة للخروج قبل أن يحل الأمير الأبيض ونجومه يحومون حوله، تعكس أشكال الخشب الملقاة جانبا من أشجار كانت لا تزال صامدة حتى قطعت، وتتكئ على السماء المبهرجة بأشكال الغيوم

{بني، هذه هي قرية اللهب، هنا حيث أقمنا أبراجاً وحياة لنا، وإن كانت قد دمرت فنحن لم نتخذ الانتقام طريقا لإحياءها}

ثم التفت الأب لابنه و وضع كف على كتفه والأخرى يسندها على قدمه المنحنية نحو طوله

{تذكر هذا دوما ڤيرنون، فهذه القدم الحديدية رمز الولاء وليس ندبة الحرب،}

بدت ملامح ڤير ترتخي مع كلمات والده، ترددت هذه الكلمات في صدره أولا قبل أن يحفظها عقله..هكذا كان يقتدي بأبيه،

حكم عاطفتك، تَقُـد عقلك

فلا فائدة من تخطيط محكم إن كانت المشاعر هائجة، بدأ ڤير يحمل الخشب الملقى على الأرض، والده يلقي بأبصاره على ذكرياته، خمسون سنة.. وكأنها كانت البارحة،

{أبتي..لنعد إلى المنزل}

إبتسم الأب في وجه إبنه وخطى خطواته العرجاء نحوه، يبعثره خصلاته المائلة للون الأحمر..كأنه لهب مشتعل، لم يرى الأب في إبنه سوى صورة والدته المبتسمة،

{أجل..هيا بنا}

في أثناء سيرها سمع الأب صوت أغصان قد تحطمت من بين الأشجار أجبرته على الالتفات، إلا أنه لم يكن هنالك أحد قط، أثار ذلك ريبة الأب لكنه دفع النه وتقدم كذلك..

1

وبالرغم من أنهم في منتصف أكتوبر، إلا أن المكان أصبح حارا بشكل خانق،

وضع ڤير الخشب في المستودع ثم لحق بـ أبيه ما أن حل الليل وسكنت الاصوات يغلقان باب كوخهما الخشبي ويخلد كل منهما إلى نومه الطويل..

1

___________________________________________

جميعنا نحلم بما نرغب، لكن الواقع أشد قسوة من أن يحقق لنا ما نرجوه، ربما يحطم أقدامنا وربما يعطينا مفتاح لباب ليس ملكه، تقول لنا بعين جريئة

"سِر نحو خطاك" أو "فلتصنع مفتاحك"

لكنك لا تملك سوى مفتاح لا يخصك

وعظام محطمة، فما هي قدرتك؟

تتوالى الأحلام على عيني الصبي، نار ملتهبة، أناس يصرخون، وهو لوحده امام أبيه، ثم تنقضي الليلة الاولى

وتظهر ملامح كرات من النار

ثلاث كرات مشتعلة تضيء الغابة السوداء وتحول ما تبقى منها من اغصان الى رماد..وهو لا يستطيع لمسها، ثم يستيقظ بعد أن يحترق في بيته، يخبر والده ويرد الآخر بأنه أطال التفكير في أمر القصة التي تلاها عليه لكنه لم يصدقه بعد،

ثم عاد الخطى نحو الغابة حيث إلتقى تلك الكرات، فلم يجد أثر لأي حريق فظن أنه سراب!

{لكنني متأكد من رؤيتي لهم هنا..}

تمتم بين أنفاسه بصوت مختنق، ازال ڤير الوشاح عن عنقه فكلما خطى نحو هذه الغابة إرتفعت الحرارة وكأنها قريبة من بركان مشتعل، الشمس مختبئة وراء الغيوم، والمطر يرتش من حين الى آخر ، فكيف ترتفع الحرارة هنا؟

عاد الى القرية والتفكير لا يفارقه، لكن ذلك لم يمنعه من التحدث هنا وهناك، او اللعب واللهو مع أقرانه، ثم يحل الليل ليقبع الصغير في فراشه الدافئ، يحتضن وسادة والدته الراحلة ويغرق برائحتها العطرة،

تأتي المشاهد وتتوالى، والصغير يتعرق في سريره.. أمه على صارية خشبية وابيه مقيد اليدين، بينما يمسك أحبائه من قريته العزيزة مشاعل وألسنتهم تنطق بكلمة ساحرة، ثم يختفي الحلم وكأنه لم يكن..فتقرع كرتين من اللهيب أمامه والثالثة منطفئة، يقودانه الى ذات المكان في الغابة، إلا أن الكرة الرمادية قد تقدمت الى منعطف آخر فذهب يلحقها حتى توقف في منتصف مكان مجهول

ينتهي الحلم ويحل الواقع بطلته الباردة، عدا عن الطفل الذي بقي في سريره لارتفاع حرارته فجأة

{ربما عليك تناول بعض الحساء اليوم..لا تخرج من المنزل سأتولى العمل}

ربت الاب على رأس ابنه ثم نهض، والوقت يتسارع، ڤير ينظر لكتاب له ولعائلته..كتاب صورهم، لا زال يتساءل عن حقيقة موت أمه من بعد ذلك الحلم، لكن أمه ليست بساحرة!

امه تشبهه كثيرا، ذات شعر احمر متموج، وابتسامة زاهية، عينين عسليتين، كانت زهرة بما تحمله الكلمة من معنى، لازال يحب إحدى صورها التي كان بها بعمر الثانية..تحمله بين يديها بفستان أبيض بين حقول من الورود، بينما تبتسم بإشراق لإلتقاط الصورة، نظر ڤير إلى الحساء بجانب سريره..وصفة امه المعتادة جعلته يبتسم بثقل يحرق كاهله الصغير، وضع الكتاب في درجه وأغلق عليه بالمفتاح..ثم غط في نومه

شعلة واحدة مشتعلة واثنتين رماديتين، الاولى تلاشت امام عينيه..والثانية اكملت الطريق من منتصف الغابة، ثم مرت عليه..صورة التنين الأسود يبتلع جيش مملكة سيڤرال والتي قادها أباه في يوم من الايام

كل شيء يحترق..وكانها الجحيم امطرت على بلاده الخضراء، الساحرات يلقين بتعاويذهن على التنانين، لكنه رأى شيء لم يستطع فهمه، شق في جبينهم..في منتصفه جوهرة حمراء لامعة ملتهبة الاطراف، وأمه تضع أباه على كتفها وتحمله الى خيمة العلاج..تتمتم بكلمات جعلت دائرة شفافة تحيطهم..منعا لشظايا القتال أن تصيب أحدهما

ثم ينتهي الحلم، ويستيقظ ڤير بنوع من الارهاق، كأنه خاض ثوانٍ من المعركة جعلته متعب الذهن والجسد..وحرارته لا تنخفض، لكنه خرج من المنزل في أمل أن يحصل على هواء بارد فقد كره الكمادات وشعورها الرطب على جبينه، والفضول قاد قدميه ليذهب اين الكرات كانت تقوده، لكن الغابة كما هي مهما تعمق في السير داخلها، وشعر كأنه ينقاد إلى مصير خاطئ لذا عاد أدراجه، ولازالت الغابة ترتفع حرارتها كلما سار بها،

{أوه ڤيرنون! أهلاً أيها الصغير، هل تشعر بتحسن؟}

قال عجوز كهل لڤير في أثناء مسيره للقرية، صديق والده القديم والذي كان بمثابة جد له، إرتفعت شفتي ڤير بإبتسامة صغيرة نحو العجوز ،

{بخير جدي، هل أثينا ترهقك مجددا؟ أراك تحمل زهور الجوري}

ضحك العجوز على طريقة حديثه وأومأ برأسه

{إنها تستضيف صديقاتها الليلة، قالت أنها ستحتاج الزهور لحفلة الشاي}

أثينا هي حفيدة هذا الجد من إبنته التي ما أن قامت الحرب حتى جعلها وزوجته يغادرون إلى

مكان أكثر أمنا، وعند عودتهم، كانت زوجته قد وفاتها المنية إثر مرض لم يحتمله جسدها الهش، والان إبنته تعمل معه هي وزوجها

عائلة ذات دفئ خاص، رحبوا بـ ڤير في عائلتهم، حتى أثينا تلتصق بقدميه كلما رأته،

{دعني آخذ عنك هذه جدي، أعلم أن لديك عمل آخر ،بالاضافة إلى أنني أردت رؤية أثينا فلم أزرها منذ مدة وستكون حزينة مجددا.}

أخذت باقة الزهور من يده وأشار لي بالتقدم، يودعني تحت دعواته بأن تحفظني الآله وأنني رجل طيب، ثم إختفى عن ناظري،

وعند وصولي إلى المنزل ، إخترق أنفي رائحة الكعك، إذا أمها لم تذهب للعمل اليوم، لكن دراجة أبيها غير موجودة، طرقت الباب ثلاث مرات، وسمعت أثينا تصرخ

{عاد جدي! أمي أتت باقة الورد!}

ثم فتحت الباب بسرعة وأخفيت وجهي وراء باقة الورد الحمراء ، من بين أغصانها رأيت أثينا تميل برأسها وعلامات الرضا لا تبدو على وجهها،

{أعلم أنني أميرة لكنني طلبت الورود من جدي، اغرب إلى مملكتك أيها الفارس الوقح}

{حتى وإن كان الفارس هو ڤيرنون؟}

أخرجت رأسي من وراء الورود بإبتسامة سعيدة لكلامها اللطيف، فارس ها؟ ربما علي قراءة قصص الجنيات لها كي لا تفتح الباب بتهور مجدداً ،ما هي إلا ثوانٍ وشعرتها تلتصق بقدمي،

{أثينا، أين ذهـ... آوه! مرحباً بك ڤير تفضل بالدخول!}

رحبت بي أمها بينما تربت على ظهري وكأنها أمي..بصدق أحب هذه العائلة، دخلت المنزل بعدما حملت أثينا بين ذراعي والورود في يديها، تخبرني بخططها لحفل الشاي والفتيات اللواتي سيأتين إليه ، حتى أنها ذكرت أسمائهم..بحق لما هم كثر؟

{أثينا دعيه يتناول طعامه ثم أكملي حديثك، لا بد وأنه لم يتشافى بعد}

نزلت أثينا من بين احضانه بعدما طبعت قبلة على وجنته وذهبت إلى غرفتها في الطابق العلوي كي تضع الورود في إبريق الماء، يبدو ان خبر مرضي إنتشر بين أركان الحي

{شكراً لك خالتي لكنني تناولت الفطور مسبقا}

{ليس وكأنني سأصدق، أنت تكره الفطور وتخدع والدك المسكين}

كانت أصابع ڤير تنقر على الطاولة الخشبية بينما يميل برأسه، يفكر بمدى معرفتها عنه

{صدقاً، تناولته تحت التهديد}

ضحكت وهي تتحرك هنا وهناك ،كانت تعد له عصير من الفواكه ثم وضعتها امامه، غسلت يديها وجلست في كرسي يبعد عنه قليلا

{أثينا تريد اللعب معك من وقت إلى آخر، متى ستتفرغ؟}

{لا أعلم، ربما إن تحسنت غدا سآتي}

{و والدك؟}

أخذ ڤير نفس عميق ثم هز رأسه بالنفي، ارتشف من العصير امامه وهو يحدق في الفراغ من النافذة

{سيدة جرسيا، منذ يومين وانا احلم بشيء غريب}

عدلت السيدة جرسيا جلستها واخذت تنظر له بإهتمام، وهو يسرد عليها أحلامه الماضية، وفي كل حلم يظهر التفاجؤ على ملامحها ثم الحزن بين فينة وأخرى، كانت السيدة جرسيا إذا أرادت أن تخفف من توترها تمسح على قلادتها الفضية ثم تنهدت بعدما إنتهى من سرد الاحداث

{أفضل ان تنحدث عن هذا في وقت آخر ڤيرنون، هل يناسبك؟}

نظرت السيدة جرسيا إلى الخارج حيث أباه يبتسم ويلوح له بينما يستند على عكازه الحديدي، وضع الصغير كأسه جانبا ثم نهض يستعد للخروج،

{ڤير، لا تنسى موعدك غدا مع المدرس اتفقنا؟ لن اعطيها اعذار كل يوم!}

ضحك الفتى على توبيخها ثم ودعها هي وأثينا ليغادر مع والده إلى المنزل ، إلا أنه رأى إحدى الشعلات بمفردها تقف في مقدمة الطريق للغابة ثم تختفي داخلها، كان الأمر مخيف له حتى أنه لم يلحقها بل سارع للعودة إلى منزله،

في تلك الاثناء كان الصغير يستعد للذهاب الى فراشه لكنه..قرر أن يرسم هذه الشعلات الثلاث ،إثنتين رماديتين والأخيرة مشتعلة ثم وضعها في درجه وخلد للنوم،

الاحلام رسم من الخيال..قد تكون مفرحة فنستيقظ مبتسمين، وقد تكون كابوس نجزع منه، لكنها في كل الاحوال مجرد ضرب من اللاواقعية ،ترينا ما نريد واحيانا ما لا نريد، ثم تختفي ما أن نفتح أعيننا

لكن بالنسبة لهذا الصغير فأحلامه شابهت الواقع حتى أنه بدأ يرى الساعة تتحرك في أحلامه..هل هذا حلم ام واقع؟..

الكرة الأخيرة إنطفأت وقادته نحو كهف مظلم لا حياة به، حتى الهواء هناك مشبع بالغبار والدخان الذي جعله يسعل،

نظر لمن بداخله ورأى طفل صغير ينظر له..عينيه تلتهب والجراح تثخن جسده الهزيل،

{أنت..ستجدني..}

{ألا تظن أنك إستحققت هذا؟}

لساني يتحرك بغير إرادتي، ثم نظرت إلى ردائي وقدمي..هذا جسد أبي وليس أنا

{أقسم..أنني سأجدك، وحين أفعل سأنتقم منك}

{لست الذي قطع جناحك لنصفين، ثم سينمو في كل الأحوال ،فلتنس الانتقام هذا يا فتى وعد لـ مملكتك،}

ثم انحنى هذا الجسد إتجاهه يمسك بجناحه المصاب ويتكلم بصوت منخفض

{أنت افعى سلستيا، تلتف حول عنقها دوماً ،وهي تسمح فقط للاستفادة من سمك، لكن..في يوم ما ستدرك أنك تكرهها}

ثم نهض والدماء من الاصابة تنزل من كف يده

{هيا انهض، ولا تبق في هذه القرية..هذا ليس مكانك}

إرتفعت الحرارة في الكهف واصبح الهواء ثقيل بجدية،النيران تبتلع جسده الضعيف وعينيه تحتد بشرارة كره قاتم

{سأعود..وستندم كريس، أنت وطفلك الذي لم يولد}

وجدت النيران تحرق جزء من عنقي واصرخ طالبا النجدة لكن الحرب لم تخمد بعد، إنحنيت بعدما أختفى ذلك الطفل بين النيران وأخذت اضع التراب مكان النار حتى إنطفأت،

في مكان ما آخر كنت أرى نفسي..طفل صغير بين يدي أمي، على عنقي وصمة على شكل شعلة، لكن ابي إبتسم فحسب ظنا منه انها وحمة عادية،

{ڤيرنون...سيكون إسمه ڤيرنون}

قالت أمي بإبتسامة تعلو شفتيها جعلت أبي مسح على رأسي، ثم ينحني لأيخذني نحوه ، أغمضت عيني على وميض الأحلام هذا ثم وجدت نفسي أقف أمام جسد أسود لا يظهر منه شيء

{أهلاً بعودتك ڤيرنون، ابن الأثيرة الكبرى، ورئيس المرتزقة} إقترب هذا الجسد وأشعل الوحمة على عنقي..إنها تحرق! لا..إن كان هذا حلم فأنا أستطيع التحكم به..لكن لما بحق السماء أشعر بالألم!

{سأجدك، وستجدني في الغابة} ثم إختفى، جاعلا مني أشهق في إستيقاظي، وأمسك حلقي بين كفي بإختناق، نظرت للخارج وكانت الشمس في منتصف السماء..تأخرت في النوم وأبي لم يوقظني،

تأخرت على المعلم! أثينا! آوه تبا!

سارعت على النهوض أغير ثيابي إلى أخرى مريحة أكثر ثم خرجت هرولة إلى المدينة حيث منزل المعلم، حتى دخلته وكأنني أقتحمه، وجدت عدد من التلاميذ ينظرون لي نظرات عجيبة جعلتني اجلس صامتاً، ثم اكمل المعلم شرحه..

في منتصف النهار وعند إنتهاء الشرح خرجنا للقرية ، ثم وجدنا كبار القرية يجتمعون حول أحدهم..جسده صغير جداً حتى أن اجساد الكبار يغطونه، تقدمت أكثر حتى وصلت ، كان أبي يمسك بطفل بين يديه..طفل مجهول بشعر أسود وعينين سوداوية، ينظر للجميع حوله بحقد بالغ

ما أن رآني حتى أنفكت العقدة من بين حاجبيه ونزل من حضن والدي يلتصق بي في المقابل،تعجبت لأمره..فلم يرد تركي حتى وإن أردت إبعاده،

{ڤير!}

نطق بإسمي؟ أو مختصر إسمي..ڤير ؟ نظرت لأبي بإستنجاد لكنه..كان غارقا في تفكيره، ينظر لنقطة عمياء والبقية من حولنا يتساءلون

{حسنا..أقسم أنني لا أعرف هذا الطفل، هل من أحد يأخذه من فضلكم؟}

والجميع تراجع خطوة للخلف، حتى أتى الجد ونظر له بتمعن، لكن الطفل كان هجومي بشكل شرس..يرفض الابتعاد عني او عن والدي، طفل غريب..

{هل يمكنك الاعتناء به كريس؟ لا يبدو وكأنه يريد الابتعاد عنكم بطريقة ما، ربما أحبك لأنك من وجدته،}

أومأ أبي بالموافقة وأخذه بين يديه مجددا يبتعد عني بضع خطوات

{ڤيرنون، إلحقني}

إرتفع حاجباي بشيء من التعجب..ابي غاضب..هرولت بخطواتي أين تبعته، كان سريع الخطوات رغم انه أعرج القدم ،والطفل يحاول لمسي بكل طريقة

{ما اسمك؟}

رمش الطفل وراسه يميل لجانبه الأيمن كأنه لم يفهم ما قلته

{..مثل ڤير! هل لديك مثله؟}

{لا إسم له..ولا تحاول معرفته ڤيرنون}

مرة أخرى ابي يثير ريبتي بتصرفاته هذه، بحق إنه طفل مالذي يمكنه أن يفعل؟ ومالذي اغضبه به الى هذه الدرجة!

دخلنا المنزل بعد بضع لحظات ثقيلة وكان الطفل يتجول هنا وهناك، يمسك هذا وذاك ويعبث بالارجاء..هو طفل في النهاية لكن..انا فضولي لمعرفة إسمه، إنتظرت حتى غاب أبي عن ناظري وسمعي وانحنيت نحوه هامسا

{أيها الفتى، سأكرر سؤالي، هل لديك اسم مثل خاصتي؟}

أومأ الفتى برأسه ثم تسلق رقبتي، يحيط ذراعيه حولها ويتمسك بي

{ما هو؟}

صمت لثوانٍ يفكر بها..ثم أردف بصوت ثقيل لا يناسب حجمه أو عمره

{آيثر..كيوس آيثر}

رددت اسمه على لساني عدة مرات ثم إبتسمت له

{إسم لطيف..كيف تعرف اسمي آيثر ؟}

نزل الطفل عني ثم وقف امامي..بعينين حماروتين يتوسطهما بؤبؤ أسود حاد كالأفاعي..ملامح سوداء مكفهرة وهالة حارقة تحوم حوله..هذا ليس ببشري، رمشت عدة مرات وعاد للطفل الذي أعرفه

{سمعته من أبتك!}

ثم أعاد ركضه في الارجاء..مريب، هل بدأت أهلوس؟

عاد أبي يقف في منتصف المنزل وينظر لـ آيثر بشيء من الغرابة التي لم أفهمها، كأن حقد دفين عاد ليحييه هذا الفتى، وإن كان فتى لا يمت القرية بصلة..لكن تصرفات أبي لا مبرر لها!

{لا تقترب من هذا الصعلوك، إنه خطر.}

تنهدت أمسد ما بين حاجبي بشيء من التعب..مالذي يحدث؟

{من هذا أبي، ولم تتصرف معه بهذا الشكل؟}

{كائن من كان لا تقترب منه!}

نهرني أبي للمرة الأولى..لكنني أومأت له بصمت بالغ، هناك أمر يحدث حتما، وعلي معرفته، خرجت من المنزل ثم اكملت الطريق الذي بدأته البارحة، ربما أجد ذلك الكهف الذي رايته في احلامي..عدة خطوات وأصوات، صوت الطيور وحفيف الافاعي

وفي النهاية وجدته،كهف صغير لا يكاد يرى بين هذه الاشجار، مظلم وشديد البرودة، ويذكر البرودة ألم تكن الغابة منذ مدة ذات حر خانق؟ أم أن الحرارة أثرت على رأسي فبدأت بالهذيان، قادتني قدماي إلى داخل الكهف، الراىحة هناك نتنة..مثل الدماء المتعفنة،

لكنه قصير..بضع امتار وانتهى،لكن لم حلمت به؟

{مالذي تفعله هنا؟}

إلتفت لأرى والدي خلفي، وهذه المرة غضبه كان مني..لكن كيف وجدني..لا بل كيف يعرف بوجود هذا الكهف؟ ثم الم أرى أبي في حلمي الليلة؟ إذا لم أراه هنا؟

{أبي..مالذيـ، لا بل كيف أتيت؟ ولم أنت هنا؟ هل تبعتني؟}

تقدم أبي بعرجته متعجلا ثم امسكني من كتفي، عينيه تروي غضبا حارقا..لكنني لم أرتكب أي خطأ..

{من أخبرك عن هذا المكان؟ كيف أتيت له أجب!}

{رايته في أحد أحلامي وتبعته..لم؟}

{لا تعد إلى هنا!}

دفعني للخارج ثم امسك بيدي يجرني إلى المنزل...

هذا. ليس. والدي. الطبيعي.

نظرت له ويدي بدأت تؤلم لذا سحبتها من بين أصابع يديه ثم توقفت، ليس الأمر وكأنه توقف على كونه غاضب من طفل غريب، بل الآن غاضب لوجودي في كهف معزول حتى الافاعي لا تدخله!

{تفسير..أريد تفسير لغضبك هذا؟}

قلت وانا أنظر إلى عينيه، لأن كل ما يحدث غير منطقي، وظهور طفل يعرف إسمي غير منطقي أكثر، كل شيء يتداخل في بعضه البعض وأحتاج إلى تفسير!

{هذا المكان..أنت بالذات ليس عليك الدخول إليه، ولا الاقتراب منه! هل تعلم إلى أي وكر تجر نفسك؟ ألم تفكر بإخبار أباك للحظة عمَّ رأيته في ذلك الحلم السخيف! عد إلى المنزل ولا تفكر في الولوج إلى هذا الكهف مجددا! }

هذا..نذير شؤم، وأبي ليس بعقله السليم، اجل ڤيرنون، هو فقط متوتر من أمر ما صحيح؟ هو ليس بغاضب مني..لا،

جررت خطاي الخائبة نحو المنزل، ولكنني لم أجد سوى الطفل نائم على الأريكة فحملته و وضعته على سريري، من أين أتى؟ لا..كيف يعرف بي وبـ أبي وبهذه القرية أساسا، لكن هذا لا يهم..هو لطيف بشكل ما يذكرني بـ أثينا

ربما يجب علي ان اضعهم معا؟ سيكون أمر لطيف له أن يكون أصدقاء في هذه القرية ريثما نجد والديه ،مسحت على خصلاته لكن جبينه..حار، هل هو مصاب بحمى؟ نزلت مسرعا نحو المطبخ الصغير إحضر منشفة ماء باردة ثم أعود وأضعها على جبينه،

سرعان ما جفت حتى ازلتها..لكنه إستيقظ وعاد حرارته للطبيعية، ما هذا الان؟ عقدت حاجباي وهو ينظر لي بإبتسامة، من هو بحق الخالق؟

وكأي يوم يمر..إنتهى هذا اليوم والصغير في غرفتي يلعب ويلهو لكنني لاحظت على عنقه من الخلف شيء ما كلما حاولت الاقتراب منه زجرني وحاول خدشي، لذا وحتى إنتهاءه أمسكت قلمي واكملت رسم الشعلة الثالثة التي إنطفأت بدورها، جاعلة مني أتنهد..الامور تصبح أعقد وأعقد كأن احلامي تسخر مني الان، لم ألحظ آيثر يقف بجانب السرير وينظر الى الرسمة بتركيز..هل أعجبته ؟

{لست جيدا في الرسم..لكنني أحلم بالهراء منذ أيام لذا قررت رسمها لعلني أجد إجابة، بالمناسبة غدا لن أكون في المنزل لذا حافظ على بعض الآداب هنا، يبدو أن أبي لن يتحسن مزاجه في وقت قريب..}

أومأ لي ثم تمدد بجانبي وخلد إلى النوم..بسرعة لم أستطع مجاراتها، هل يسخر مني؟ لكن أنفاسه بالفعل إنتظمت، حصني ذلك على النوم أيضا..فغدا علي البحث عن بعض المعلومات عن هذه الشعلات، لربما قادتني إلى أمر ما،

في صباح اليوم التالي، إستيقظت مبكرا واخذت أمشي نحو مكتبة القرية، كل كتاب سواء خيالي او غيره يحتوي على شعلة سأقرأه..فكل الاحتمالات واردة وتاريخنا قد عاصر ذلك الخيال..أول كتاب ظهر امامي كان التنين القرمزي..تنين؟

يمتلك التنين قرونًا تمتد للخلف فوق الرقبة، التنين الأسطوري له آذانًا مكشكشة، مع صفوف من القرون فوق الحاجب، أما الأنف يشبه المنقار لكن بشكل عريض يسمح لانفه بأن ينفث انفاسه اللاذعة وله قرن صغير، يبدأ الرتوش خلف الرأس ويمتد بطول الذيل،

تفوح رائحة التنين في كل مكان من الدخان والكبريت، وتتلألأ حراشفه بظلال اللون القرمزي ، وتفضل تنانين النار الاختباء في قمم الجبال العالية أو التلال العالية، أو العيش في الكهوف الطبيعية تحت القمم المغطاة بالثلوج، أو داخل قاعات عميقة من المناجم المهجورة والمخابئ القزمية،

لكن هذا يختلف عن وصف أبي لهم في الماضي.. لربما انتهت فصيلة هذا التنين وأصبح يذكر بين الكتب فحسب؟ لكن هذا ليس مهم الآن علي التركيز مع..نظرت إلى تلك الكتب المكدسة بجانبي والتي جعلتني أغرس اصابعي بين خصلات شعري وأتنهد..نهاري طويل،

_______________________________________

{سأكون ممتن لك..}

أخبرت امين المكتبة بعدما حل المساء وغربت الشمس،أردت أن أبقي كتبي التي إخترتها في مكانها كي اعود لها في وقت آخر، وحمدا لله لم أجد آيثر يجول طرق القرية لذا لم يطرده أبي، لذا علي المسارعة في العودة قبل أن يطردني أنا..،عندما فعلت وجدت أبي وآيثر يجلسان قبالة بعضهما البعض وكل واحد منهما متكتف لكن الطفل وبطريقة ما هو أول من لاحظني وسارع للإختباء خلف قدمي

{شرير!}

1

قال الصغير يشير بإصبعه نحو والدي مما أضحكني، وما زاد ضحكي هو وجه أبي الذي ينظر له بتفاجؤ

{انا الشرير ايها الصعلوك الرافض للجميل!}

نهض أبي بقدمه الحديدية وبدأ يركض خلفه في المنزل، حسنا..ساتركهما يستمتعان وأسرق بعض الطعام،

وهذا ما فعلته..

توالت الايام ثم الشهور..والتي أصبحت سنين وأصبحت بعمر السادس عشر والقرية عرفت وجه آيثر وعدته منهم حيث أن والديه لم يظهرا، وهو لم يطالب برؤيتهما، لكن حجمه لم يتغير فلازال هزيل وصغير الجسد..قال الطبيب ربما يعاني من ضعف نمو، لذا سمح له أبي بالخروج أكثر،

اعدت أنظاري إلى أثينا التي تربط شعر آيثر بقرنين فوق رأسه

{أعرفك بالاميرة آيثريا! والتي لن تكون الملكة لانني هنا}

قالت بتعجرف و وضعت تاج لونه ذهبي من الورق على رأسها،

{حسنا هل يمكنني انا والاميرة آيثريا العودة لقصرنا؟}

قلت بقلة حيلة لكنها تمسكت بآيثر أكثر، ولاحظت أنه يدير عينيه في محجريهما..هل تعلم هذا من ابي؟ لأنني ساقتله إن كررها خصوصا امام الكبار،

{هل تحبين آيثر أكثر مني أثينا؟}

{كلا!}

ثم قفزت إلى أحضاني وتمسكت بي جاعلة مني أضحك على منظرها اللطيف

{سآمر بقطع يدي آيثريا لانها ستأخذ ملكي الى قصر آخر!}

قالت والعبوس حل على ملامحها، لكن ما أثار ريبتي هو ملامح آيثر الفارغة نحو أثينا،

{آيثر إنتظرني هنا، سآخذ أثينا إلى غرفتها ثم نغادر، لكنه بقي صامتا يفك قرني شعره..وآيثر صامت أي أنه آيثر غاضب، هذا ما تعلمناه مع مرور الأيام في حضرته، ما أن وضعت أثينا في غرفتها وقلت لأمها حتى غادرنا المنزل..

{هل أنت غاضب؟}

أومأ لي، لكنه لم يقل سبب غضبه، حملته على كتفي ثم إتجهت نحو طريق آخر إكتشفته منذ بضع شهور يقود نحو بحيرة مليئة باليراعات الصغيرة لكنها لا تضيء إلا في الليل،

{لنبق هنا قليلا..وفرغ عن غضبك قبل أن تتشاجر مجددا مع والدي}

تركته يلعب حول البحيرة لكنني، في بعض الاحيان يتهوم لي برؤية أجنحة لـ آيثر، أجنحة سوداء لامعة ثم تختفي بلمح البصر، أو قرون تغطي وجنتيه ثم تختفي ما أن يبتسم و ينظر لي، مع مرور الدقائق حملنا بأيدينا باقة ورد، واحدة لي والاخرى الاصغر له

{التي بيدي للخالة جرسيا وأنت ؟}

{أثينا..}

تمتم ببعض من الخجل الذي جعلني ابتسم رغم ما أشعر به من إرهاق، في طريقنا إصطدم آيثر برجل في أربعينياته ثم وقع أرضا، ينظر للرجل بشكل لم أفهمه لكنني سارعت للاعتذار منه.. رائحة الكحول تنبعث من جسده لكن نهوض آيثر الصامت وتحطم الورود في يده شدت إنتباهي، بدأ الرجل بشتمي وشتم آيثر وذلك أغضبني لكن..لن احدث فوضى

{عديمي فائدة! هل اعينكما زينة في عقلكما الفارغ؟!}

نظرت له بإحتقار ثم تراجعت للخلف خطوة وجعلت آيثر بجانبي، لكن كل شيء يتحول للأسوء

{لقيطين مثلكما بلا أم تنشئهما مالذي علي توقعه!}

هذه المرة تحكم الغضب بي ويجعلني ألكمه ثم آخذ بيد آيثر واسرع للمنزل..

لا تفقد أعصابك ڤيرنون، إهدأ

دموع لعينة هل هذا وقتك؟

{هل..أحزنك كلامه؟}

سألني الصغير بنبرة كانت أقرب التهديد لكنني نفيت ومسحت دموعي

{في بعض الاحيان، يدوس الاخرون على ذكريات عزيزة، كلامه لم يبكيني بقدر إدراكي أنه شتم أمي الراحلة}

قلت وتوقفت عن عتبة المنزل أدخل آيثر وأنحني نحوه

{إذهب للنوم أيها الصغير، وغدا سيطلع شمس مشرقة فالشتاء إنتهى}

إضطررت للإبتسام له ثم إغلاق الباب والهرولة نحو الغابة..حيث طيف أمي ونزهاتنا، ولن اكذب فقد إشتقت لها بعد كل تلك السنين ،

اخذت وقتي في التفكير و كانت الشمس قد غربت، عدت للمنزل وإتجهت نحو غرفتي، كان آيثر نائماً، فاستلقيت كذلك وذهبت إلى عالم آخر..

في الصباح كان خبر قد أذيع بين رجال القرية، الرجل الذي شتمنا بالأمس وجد قتيلا وعينيه خارج محجريه،

1

هذا..مستحيل، نظرت لآيثر الذي لم يبدي أي خوف على ملامحه، سحبته خلفي نحو المنزل ولم اتمالك نفسي

{قتلته!! بحق الخالق هل قتلته؟!!}

{لا أعلم مالذي تتحدث عنه}

{تعلم جيدا..أنت الذي يعلم، هل تريد أن تطرد من هذا المنزل؟!}

{لقد شتمنا ڤيرنون.}

نظرت له بغير تصديق.. إذا هو بالفعل يعترف، هذا..لا لا أصدق

{شتمنا تقتله؟ كيف قتلته اساسا؟! أتعلم لا اريد أن أعرف فقط أخرج من هذا المنزل!}

صرخت به وانا اشير الى الباب خلفي لكنني وجدته يبتسم، متى إزدادت أنيابه طولا وحدة؟

1

{ظننتني كسبت حليفا، إذا حان وقت إنهاء هذه المسرحية}

1

ثم خرج صافعا الباب خلفه، حليف؟ مسرحية؟ مالذي؟!

اردت أن أتبعه لكنه إختفى بالفعل، هل هرب الى قريته؟ هل نبذ لانه قاتل؟ جلست على الكرسي والصداع داهم عقلي..لا جدوى الان

لقد رحل،

في المساء وبعد غروب الشمس لم يعد أبي بعد مما أثار ريبتي لأنه لا يتأخر هكذا في العادة، لن أتعجل..سيعود قريبا،.

دقائق مرت والسماء المزينة بالنجوم أصبحت ذات لون لهيب حارق، القرية تشتعل بالنيران وهذا ظاهر من النافذة! خرجت من المنزل أنظر حولي..عيني توسعت بصدمة لم أسيطر عليها، جسدي تصلب وكأن الدم توقف مجراه في شراييني، تحرك.. احضر الماء تحرك!

السكان يركضون هنا وهناك لكن..ما أن يبتعدو حتى يسقط كل واحد منهم قتيلا، الارض تصبغت بالدماء واول جثة رأتها عيناي. السيد جرسيا

راسه منفصل عن جسده، شعره قد لامس النيران وأحترق، تقدمت أكثر وكان الجد يتبعه..الجد جسده متفحم..لم اعرفه إلا من قلادة زوجته، بدأت الأرض تدور تحتي وكلما إقتربت وجدت رجال القرية متساقطين كأوراق الخريف

اوه يا اللهي..

تصاعد الغثيان الى معدتي عند رؤيتي لجثة السيدة جرسيا مشوهة، أثينا..أين أثينا؟؛ بدأت أركض بين الجثث التي نالت حتفها بابشع الطرق..رائحة الدخان تختلط مع الدماء والصدأ، عند وصولي إلى بيت السيدة جرسيا الذي لم يصبه شيء لكن..كيان أسود ضخم هبط بأجنحته على المنزل وحطمه..ثم حلق بعيداً..

{أثينا..لا!}

صرخت بكامل صوتي بينما أزيل كل الحجارة التي يمكنني إزالتها، نظرت خلفي تحديدا إلى إتجاه البحيرة..أستنجد بطيف أمي لكن النار تندلع من هناك كذلك، لم أستطع التنفس وأكملت البحث تحت الركام كشخص فقد عقله

دمية أثينا..مع يدها الممتلئة بالدماء..كلا

كلا!

نهضت اتراجع للوراء ثم أركض بملء قوتي نحو الغابة ، لا يمكنني النظر للخلف..قدمي ضعيفتين جعلتني أتعثر مرارا وتكرارا

كل الاصوات تسكن والرائحة تصبح أنقى كلما توغل في الغابة

إلا أنه رأى ذلك المنظر المهيب، بجناحيه العظميتين يكسوهما جلد أسود رقيق،الى حراشفه التي بدت وكأن رسام نقش جواهر على أجنحته، عريضتين تغطي ظهره بالرغم من صغر جسده، لكن الحرارة حوله لا تنخفض..كأن الشتاء قرر ألا يحل في حضرته،

قرنين من فوق أذنيه تتعرجان الى وجنته مثل تاج روماني، وفي منتصف جبينه شق أسود تظهر منه جوهرة حمراء.. تبث من نفسها النيران، جسده تضاعف حجمه وأصبح بحجم رجل في أوج قوته

رائحة متمردة لبشري متهور جعلته يلتفت، بعينين حمراوتين زمرجديتين، ينتصفها خط رفيع أسود اللون، ومخالبه التي كشرت عن أنفسها عند حضور الدخيل..

كرهت رؤيته.. فهو نذير للشؤم، لا بل هو أحد أسباب إحتراق قريتي العزيزة،

هو تنين..ولأول مرة يقابله،

آيثر تنين..

{اوه، أهلا ڤير! هل أعجبتك الخاتمة لتلك المسرحية؟}

عندما إلتفت بكامل جسده كان يحمل كريس والده بين مخالبه يرفعه عن الارض بضع مترات، صوته الخشن..سام يحمل من الخبث ما لا يحتمل

{أترك..أبي}

قال بصعوبة وأنفاسه تتسارع للخروج عل الهواء النقي تجدد لكن بلا جدوى

{لدي بعض الحسابات لأصفيها مع والدك المرتزقة!}

إعتلت ملامحه نظرات خبيثة نحو والدي، ثم ظهرت شعلة من خلفه نزلت على الارض وأحرقتها..

{والدك..في يوم من الايام مزق جناحي الأيمن ، ألا يحق لي القصاص منه؟}

حل الصمت لدقائق وأصبح الهدوء يتلوث بضحكاته

{هذا صحيح..هو ميت على كل حال}

لم ألحظ كيف ومتى..نزعت ذراع والدي الأيمن وأمتلأت الغابة بصراخه، ثم ألقى يده في النيران المشتعلة..أشعر وكأن الأرض تقيد قدمي..لم أستطع الحراك وأنا أرى والدي يلقى بكامل جسده نحو النيران،

{ها قد نلت إنتقامي كريس،}

صمت ثم نظر نحوي،

{وتركت إبنك كما رجوت، الان إعذرني..فلتحترق بسلام.}

نظر آيثر لي بدنيوية ثم إلى وحمتي التي ما أن إشتعلت حدقتيه حتى إحترق عنقي بلا نيران، أمسكت مكان الوحمة ثم صرخت من الالم بكامل قواي..

{لم أعد بحاجتك ڤيرنون، شكرا لإحضاري إلى والدك، الان هو مع تلك الأثيرة يتعفنان بخطاياهما}

كان هذا آخر ما سمعته..وجناحيه ترتفعان هو آخر ما رأيته..لم أستطع مساعدة احد، لا..

الجميع قتل بسببي،

أغمضت عيني أستسلم لمصيري المحتوم..لكن صوت إخترق أذني قبل أن أغيب عن هذا الواقع المرير..

{هل لازال حيا؟}

{أجل.}

هل لازلت حيا؟.. ما الفائدة؟..

______________________________________

مَرحـبا!

إعذِرونِي لِتَأخر الفَصل أنهَيت إختِباراتِي مُنذ بِضعَة أيام، أرجَوا أنَكـم قَد إستَمتعتُم بِقِـراءَتِه!

أوَد مَعرِفة رَأيكُـم؟🤍

1

ألقَاكُـم فِي فَصل حِكـايَتنا الثَانِ! ⁦(⁠✯⁠ᴗ⁠✯⁠)⁩

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صخب التنين.

المؤلف دُجَـى.
2025/07/21 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة