حين نُطِق اسمي

حين نُطِق اسمي

19 0

في ليلةٍ لم يُولد فيها قمر، صرخ الهواء، وتلوّى الزمن من الألم.

كانت الأرض تبتلع أنينها، بينما الغابة تُنجب الموت.

في أعماق السواد، على مذبحٍ حجري، تمدّدت فتاة...

ذراعاها مكبّلتان بقيود من عظام الموتى،

وعيناها الزمرديتان تحدقان في وجه من لا يرحم.

"الدم… هو الطريق."

قالها الكاهن العجوز، وصوته أشبه بنصلٍ يجرح الصمت.

رفع الخنجر عالياً، وانعكس على نصلِه ظلّ المذبح،

كأنّ القدر نفسه تراجع خطوة، خائفًا مما سيحدث.

طعنة واحدة.

ثم صمت… كأنّ العالم كله توقّف ليسمع نبضًا قديمًا يعود.

الدم تدفّق… وسقطت النبوءة في أحضان الليل.

منذ تلك اللحظة، و"هي" تُلاحق…

"لونارا! أيتها المجنونة، أبطئي قليلًا!"

ارتفع صوت "مارغريت" خلفها وهي تلهث، محاولة اللحاق بها وسط أروقة المسرح الكبير.

لونارا كانت تطير، لا تمشي. خطواتها ناعمة كأنها على أطراف السحاب، وفستانها الأبيض القصير المصنوع من طبقات التول يتراقص مع كل حركة كأنه عاشق لا يريد أن يفارق جسدها.

استدارت برشاقة، والشمس المنسكبة من الزجاج العلوي غمرت عينيها الرماديتين ببريق سحري.

ضحكت، وضربت الهواء بذراعيها كما لو كانت تسبح فيه، ثم قالت:

"لو أبطأت، سأفقد الشعور بجسدي، وأنا أكره الجمود. تعرفين أنني أتنفس بالحركة!"

اقتربت منها مارغريت، تلتقط أنفاسها.

"أحيانًا أشك أنكِ من عالم آخر... هل تعلمين أنكِ لم تتغيري أبدًا؟ منذ عرفتكِ، لا زلتِ تملكين ذات البهجة... نفس الجنون."

أجابت لونارا بابتسامة ساحرة:

"ربما لأني لا أعيش كما يعيش الناس يا مارغريت. أنا أرقص لأبقى على قيد الحياة. كل نَفَس أتنفسه... هو رقصة."

ثم ابتعدت عنها، وأدارت جسدها برشاقة مذهلة في دائرة واسعة، فردت ذراعيها ورفعت ساقها بخفة راقصة محترفة، واستقرت على أطراف أصابعها برشاقة باليه ساحرة.

ثم سمعت صوت تصفيق أحدهم من بعيد.

"رائع."

قالها صوت ذكوري، عميق، لم تسمعه من قبل.

توقفت لونارا ببطء، واستدارت.

رجل طويل، يقف في عتمة الممر، كأنّ الضوء يرفض أن يلمس وجهه. كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا، وصوته بدا كأنّه خرج من كتاب قديم نفض الغبار عنه لتوّه.

"هل أنتِ إحدى راقصات الفرقة؟"

سأل وهو يقترب، خطواته بطيئة، لكنها تحمل ثقلًا غريبًا، كأن الأرض تشكو منها.

لونارا عقدت ذراعيها ورفعت حاجبها:

"ومن أنت؟ لم أرك من قبل هنا."

ابتسم، وكانت ابتسامته أشبه بخدعة.

"لنقل أنني مهتمٌّ بما ترقصين... مهتمٌّ بكِ."

تدخلت مارغريت سريعًا، بشيء من القلق:

"المسرح مغلق حاليًّا على الجمهور. إذا كنت تبحث عن إدارة المكان، عليك التوجه للاستقبال."

لكنه لم يُحوّل نظره عن لونارا، كأنّه لا يرى أحدًا سواها.

قالت لونارا وهي تحاول الحفاظ على نبرتها المرحة:

"إن كنت هنا لمجرد المجاملة، فدعني أختصر عليك الأمر... نحن في منتصف تمرين، وهناك وقت للعرض لاحقًا."

أجاب بنبرة غامضة:

"أنا لا أُشاهد العروض. أنا أبحث عن الحقيقة خلف الرقصة... وعن الدم الذي يختبئ تحت خطوات الراقصة."

نظرت لونارا الي مارغريت وكأنهم يفكرون في نفس الشئ

"ما الذي تقصده؟"

سألت وهي تحدّق فيه، والبرد بدأ يتسلل إلى أطرافها رغم حرارة القاعة.

لكنه لم يجب. فقط اقترب أكثر... حتى كادت تشم رائحة الليل في ملابسه. ثم اردف:

"أراكِ قريبًا... آنسة ڤالينتا موراي."

ثم استدار واختفى في الممر.

لونارا جفلت، واستدارت إلى مارغريت.

"هل... هل قلتِ له اسمي؟"

مارغريت هزّت رأسها، وجهها شاحب.

"لم أفتح باب المسرح حتى... ولا أظنني رأيت هذا الرجل من قبل..."

"لكنه... نطق اسمي كما لو كان يعرفني... منذ زمن طويل."

تنهدت ثم سحبت نفسًا طويلًا محاولةً تصفيه ذهنها لأنها تعرف انها اذا فكرت في الامر لأكثر من خمس دقائق لن تنام طوال الليل، ثم زفرته ببطء وهي تمسح العرق عن جبينها. حاولت تجاهل الشعور الثقيل الذي تركه الرجل في قلبها، لكنها سرعان ما صفقت بكفّيها وقالت:

"حسنًا! انتهى وقت الرعب، فلنعد للواقع! لقد كنتِ على وشك السقوط يا مارغريت من الدهشة."

ضحكت مارغريت وهي تضع يدها على صدرها:

"ومن لا يندهش؟ بدا كأنه خرج من فيلم قديم عن مصاصي الدماء!"

رفعت لونارا حاجبًا:

"هيي! لا تبدأي يا مارغريت، أريد أن أُركز في تماريني، لا أن أفكر في الغرباء."

ثم أدارت جسدها بمرونة ورشاقة، وعادت إلى منتصف القاعة، حيث الموسيقى بدأت تعلو من جديد. صوت البيانو المألوف كان بمثابة جرعة حياة بالنسبة لها. وقفت أمام المرآة الطويلة، رفعت ساقها اليمنى برشاقة، وبدأت تدور حول نفسها، ببطء، ثم بسرعة متزايدة.

كانت هناك راقصات أخريات في القاعة، كلٌّ منشغلة بجسدها، بتفاصيل خطوتها، بتعديل ذراعها أو ضبط مركز الثقل في دورانها. لكنّ عيونهن لا تخلو من النظر إلى لونارا. شيء ما في طريقتها يجعلها دومًا في المركز، حتى إن لم تكن هي القائدة.

"لونارا!"

نادتها المدربة “السيده ڤيولا” بصوتها الجهوري، وهي تدخل بعباءتها السوداء الطويلة وحذائها الصارم.

توقفت لونارا فورًا، واعتدلت وهي تبتسم:

"صباح الجمال يا سيده ڤيولا."

ردّت المدربة بنظرة فاحصة:

"رأيت كيف تحركين جسدك، جيد... لكنك تتسرعين في المرحلة الثانية من الحركة. ركّزي على التوازن، لا تسرعي لمجرد أنكِ تشعرين بالقوة."

أومأت لونارا برأسها بخضوع طفولي:

"اوامرك يا ماما ڤيولا."

قهقهت مارغريت من الخلف:

"ستبقين الطالبة المفضّلة دائمًا!"

ردّت لونارا وهي ترمش عينيها بخبث:

"من يلوم ڤيولا؟ أنا ساحرة."

ثم أدارت جسدها بخفة، وأطلقت ضحكة ناعمة وهي تعود للتمرين. كانت تلمع وسط الضوء، عيناها الرماديتان تحملان تحديًا طفوليًا، وجسدها يتحرك برشاقة لا يُمكن تعليمها. وكأن الرقص خُلق من أجلها، أو خُلقت لأجله.

بعد ساعة، كان العرق يغمرها، وفستان التمرين القصير التصق بجسدها، جلست على الأرض وهي تلهث، ومدّت ساقيها لتبدأ في تمارين الإطالة.

اقتربت منها زميلتها "كارولين"، وهي تمسك بزجاجة ماء:

"لونارا، هل أنتِ ذاهبة معنا اليوم للمقهى بعد التمرين؟ أم ستبقى كالعادة ترقصين حتى تُغمى عليكِ؟"

ضحكت لونارا وهي تشرب من زجاجتها:

"كفِّي عن التهويل! فقط أحب أن أظل هنا قليلاً... أعرف أنني لست طبيعية، لكنني لا أؤذي أحدًا، أليس كذلك؟"

قالت مارغريت وهي تربت على كتفها:

"أنتِ مخلوقة من قمر وسكر! لكننا نحبك رغم جنونك."

ردّت لونارا بعينين لامعتين:

"لا، بل بسببه!"

عاد الضحك يدور بينهم، وتناولت كل واحدة شيئًا من طعام خفيف كانت قد أحضرته معها. لونارا أخذت تفاحة وبدأت تأكلها ببطء، وهي تراقب زميلاتها بعينين ناعستين.

كانت تحب هذا الجو. دفء العلاقات، الموسيقى، التعب الجسدي، رائحة الأرضية الخشبية القديمة. هذا مكانها. هنا تشعر أنها تنتمي.

أثناء ذلك، دخل الفتى المسؤول عن تنسيق الموسيقى – شاب في أوائل العشرينات يُدعى “ليو” – وقال بصوت عالٍ:

"هل نسيتن شيئًا؟ اليوم لدينا جلسة تصوير للبوستر الرسمي للعرض الجديد، والمديرة تنتظركن في القاعة الثالثة!"

قفزت مارغريت من مكانها:

"اللعنة! نسيت تمامًا! أين قبعتي؟ أين الكحل؟ أين…؟"

ردّت كارولين وهي تضحك:

"تبدين وكأنك ذاهبة للقاء حبيبك، وليس مصورًا عجوزًا!"

أما لونارا، فقد نهضت ببطء، ربّطت شعرها البني المموّج في كعكة مرتخية، ونفضت الغبار عن فستانها الأبيض، ثم قالت بهدوء:

"فلنذهب... ربما أبدو رائعة في الصور، من يدري؟"

رد ليو وهو يفتح الباب لهن:

"ربما؟ لا تكوني متواضعة، المديرة قالت إنها تريدكِ أنتِ في منتصف البوستر... كأن العرض كله يدور حولكِ."

توقف الجميع، ونظرن إلى لونارا ببعض الابتسامات المشجّعة، وبعضها من الغيره.

ابتسمت هي، لكن بابتسامة خفيفة، فقط ذاك التوهج الجميل في عينيها الرماديتين.

••••••••••••

في غرفة صغيرة مخصصة للاستعداد، كانت المرايا تحيط بالجدران من كل جانب، تتراقص عليها الأضواء الدافئة وتنعكس ظلال الفتيات المتحمسات.

وقفت لونارا أمام مرآتها الخاصة، تضع لمسات خفيفة من المكياج بينما مارغريت تجلس خلفها تمشط شعرها الكثيف ثم اردفت.

"لونارا، ارفعي ذقنك قليلاً، بشرتك تلمع وكأنك تضعين هايلايتر طبيعي!"

تمتمت مارغريت، وهي تحاول كتم إعجابها.

ضحكت لونارا:

"أظن إن التوتر هو سر الإشراقة.هذه المرة أولي نتصوّر للبروشور الرسمي وأنا بالمنتصف..."

"مستحقة تمامًا."

قالتها كارولين وهي تمرّ من خلفهن، تحمل فستانها المخصص للتصوير، بلون أزرق سماوي.

"أنتِ بطلتنا، حتى وإن ما قلناها بصوت عالي."

"لست بطلة ، انا فقط ارقص اكثر قليلاً، هذا كل ما في الأمر."

أخرجت فستانها الأبيض الجديد من غلافه. كان أثيريًا كأنه ضوء، بخامة خفيفة تكاد لا تُلمس، وتفاصيل من الشيفون المطرز عند الخصر.

ساعدتها مارغريت في ارتدائه، ثم عدّلت لها الكتفين بينما كانت هي تثبّت قرطًا صغيرًا على شكل نجمة.

"جاهزون؟"

سأل ليو من عند الباب، ينظر إليهن من فوق نظارته السوداء.

"دائمًا."

قالتها لونارا بخفة، ثم استدارت نحو صديقاتها.

"هيا لنجعل الكاميرا تعشقنا."

وبعد نصف ساعة من التصوير، خلال وقفات متتابعة وضحك خفيف وتعليقات المصوّر المتحمس، كانت لونارا قد قدّمت أجمل ما عندها. كاميرا تلاحقها، إضاءة تلاحق حركتها، وفستانها يتحرك كأن له وعيًا خاصًا، يرقص معها.

لكن داخلها... رغم كل هذا الانبهار، كان هناك ظلّ من التعب يتسلّل ببطء.

وبعد انتهاء الجلسة، وبينما الفتيات يهمسن عن شكل الصور وما إذا كان شعرهن بدا جيدًا في اللقطات، انسحبت لونارا بهدوء إلى خارج القاعة.

سارت في الممر الطويل الذي يربط المسرح الرئيسي بأجنحة السكن الداخلي، حيث تعيش هي وعدد قليل من الراقصات المقيمات.

فتحت باب غرفتها الصغيرة، تنفست بعمق، ثم أغلقته خلفها.

الغرفة كانت بسيطة لكن دافئة... جدران بلون عاجي هادئ، سرير صغير مغطى ببطانية من الكشمير الرمادي، نافذة طويلة تطل على فناء خلفي فيه أشجار ناعسة، وخزانة خشبية قديمة تعلوها بعض الكتب والزهور المجففة.

ألقت بنفسها على السرير بتنهيدة طويلة، وشعرت بالراحة وهي تدفن وجهها في الوسادة الناعمة.

على الطاولة قرب السرير، كانت هناك صورة قديمة... بالأبيض والأسود... لطفلة صغيرة ترتدي فستانًا من التول، وتبتسم بخجل.لفت الصوره وكان يوجد خلف الصورة، خط أنثوي باهت:

"إلى لونارا، فراشة قلبي. لا تتوقفي عن الرقص أبدًا، حتى لو رحل العالم كله."

كانت تلك كلمات والدتها... قبل أن تختفي من حياتها إلى الأبد.

مرّت أصابعها بلطف على حواف الصورة، ثم وقفت وسارت إلى النافذة. فتحتها قليلًا، ودخل نسيم الليل البارد فحمل معه شيئًا من السكون.

جلست على حافة النافذة، تحمل كوبًا من الشاي الدافئ الذي أعدّته من ماكينة صغيرة قرب خزانتها، وسرحت بنظرها نحو الحديقة الهادئة.

في دار الباليه هذا، كانت تجد السلام. هنا لم يسألها أحد عن ماضيها. لم يحكم عليها أحد. الجميع منشغل بجسده، بحركته، بألمه. وكأنهم جميعًا يرقصون للهروب، لا للعرض فقط.

لكن رغم كل شيء... لم تستطع نسيان الرجل الغريب.

صوته، طريقته في نطق اسمها... البرودة الغريبة في حضوره.

همست لنفسها، بصوت خافت:

"من أنت بحق الجحيم؟... ولماذا شعرت أني أعرفك؟"

ثم وضعت الكوب جانبًا، ورفعت ساقيها على حافة النافذة، تتأمل القمر الذي بدأ أخيرًا في الظهور. نصف دائرة خجولة من الضوء في سماء موحشة.

وفي أعماقها، كان هناك شعور يتسلل كنسيم الليل...

شعور بأن هذه الليلة، هي الأخيرة من نوعها

كان المسرح غارقًا في أضواء خافتة، تغمر جدرانه الملكية المنقوشة بزخارف من زمن بعيد، فيما صدحت الموسيقى الكلاسيكية بنعومة، كأنها تهمس في أذن المكان نفسه. ستار العرض انسدل منذ دقائق، وصفّق الجمهور حتى خُدّرت أكفُّه، وظلّ بعضهم واقفًا مبهورًا بتلك الراقصة ذات الفستان الأبيض، التي بدت كأنّها خُلقت من الضوء لا من لحم ودم.

لونارا كانت تقف خلف الكواليس، تتنفس بعمق، وقطرات العرق تنزلق من جبينها إلى عنقها بينما قلبها يخفق بإيقاع لا يقل حدة عن تصفيق الجمهور قبل قليل.

"لقد فعلناها!"

صاحت مارغريت بسعادة وهي تُمسك بيديها.

ابتسمت لونارا، وهي تمسح جبينها بطرف كمّها:

"ولأول مرة لم أرتكب أي خطأ في العرض."

"ولأول مرة لم تطيّري قلب المخرج من الخوف،" قالت مارغريت بضحكة صغيرة، ثم أضافت: "المكان ساحر، أليس كذلك؟ أشعر أن الجدران تتنفس معنا."

"لكن الآن دعينا نستكشف هذا المسرح من الداخل، نحتاج بعض المرح."

خرجتا من كواليس المسرح إلى الردهات الداخلية. لم يكن هناك أحد تقريبًا، فالمكان بدأ يخلو بعد انتهاء العرض. كانت الأنوار باهتة، تشبه إضاءة الشموع، وتنساب بهدوء على السجاد العتيق وأعمدة الرخام.

تقدمت مارغريت نحو أحد الأبواب الجانبية.

"لنكتشف المكان!"

لونارا اتبعتها بفضول. عبرا ممرًا ضيقًا تنبعث منه رائحة الخشب القديم والغبار، حتى وصلا إلى باب صغير نصف مفتوح.

"هل ندخل؟"

سألت مارغريت.

"هل هناك إجابة غير نعم؟"

أجابتها لونارا بابتسامة مشاكسة.

دفعَتا الباب ببطء، فصدر عنه صرير خافت. وراءه، ظهرت لهما غرفة صغيرة تكاد تكون قبوًا، بها سلم يؤدي إلى أسفل.

نظرت مارغريت إلى صديقتها وقالت:

"يبدو هذا المكان مخيفًا بعض الشيء."

لونارا رفعت حاجبها وقالت بخفة:

"أنتِ خائفة من سلّم؟ أيتها الشجاعة!"

أطلقت مارغريت ضحكة قصيرة، ثم قالت:

"حسنًا، تقدّمي أنتِ إذًا، أيتها الجريئة!"

نزلتا الدرجات معًا، حتى وصلتا إلى قبو حجري ضيّق، مضاء بمصباح قديم يتدلّى من السقف، يتمايل قليلاً كما لو كان يتنفس.

في الزاوية، كانت هناك علبة زجاجية صغيرة، مغطاة بطبقة رقيقة من الغبار.

اقتربت لونارا أولًا، وأزالت الغبار بيدها، فكُشف عن عقد مذهل الشكل، دقيق التصميم، تتدلّى منه حجارة زرقاء شاحبة، كأنها ضوء القمر مُجمّد.

شهقت مارغريت وقالت:

"واو! لا بد أنه تحفة قديمة. هل هو حقيقي؟"

فتحت لونارا العلبة ببطء، وأمسكت بالعقد بين أناملها:

"إنه خفيف للغاية... وغريب...."

نطقت مارغريت، وهي تمد يدها نحوه:

"دعيني أجرّبه!"

لونارا أبعدته بلطف وقالت مازحة:

"آه لا، وجدته أنا!"

"لكنني رأيته أولًا!"

"أنا أزلت الغبار!"

تبادلت الفتاتان الضحك والتراشق بالكلمات، وتحوّل الأمر إلى مشاجرة طفولية مليئة بالدوران والقهقهة، حتى كاد العقد يسقط من يد لونارا.

توقفت فجأة، وقالت وهي تلتقط أنفاسها:

"أنتِ تعرفين ماذا؟ ارتداؤه سيليق بفستاني الأبيض أكثر من فستانك الأزرق."

تظاهرت مارغريت بالعبوس، ثم ابتسمت وقالت:

"فقط لأنكِ تُتقنين استخدام جمالكِ لصالحك!"

"الأنوثة، يا عزيزتي، سلاح لا يُقدّر بثمن."

رفعت العقد، وأغلقته حول عنقها.

وفور أن استقر على بشرتها... شعرت بقشعريرة باردة تسري في عمودها الفقري، لكنها لم تُعرها انتباهًا. فقط قالت:

"جميل... أليس كذلك؟"

مارغريت نظرت إليها وابتسمت:

"جميل جدًا... يبدو كأنه صُنع لكِ."

لونارا لم ترد، فقط وضعت يدها على الحجر الأزرق، وشعرت كأنه ينبض بخفة تحت أصابعها.

ما لم تعرفه... هو أن العالم تغيّر منذ لحظة ارتدائها له.

أن قلبًا قديمًا استيقظ من سباته الطويل...

وأن شيئًا في العتمة... بدأ يتحرّك نحوها.

ولأول مرة منذ ألف عام... نُطقت وُعود الظلام مجددًا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Blood Dance/رقصة الدم

المؤلف R_OYA_22
2025/07/21 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة