ذكريات طفولة

ذكريات طفولة

12 0

أقدام صغيرة تضرب الأرض بخفة، وضحكات تتطاير في الهواء، كما لو كانت الرياح نفسها تلهو معهما\. في شوارع جزيرة "سيريل"، تحت وهج الشمس الذهبيّة، كان طفلان يركضان بأقصى ما لديهما، يختلسان لحظة من الحرية\. كايل، فتى أشقر في 12 بعينين زرقاوين لامعتين، وملابس ممزقة من فرط الاستخدام، يمسك بيد فتاة أصغر منه بسنتين ، ذات شعر أسود طويل مربوط بإهمال، وملامح شرقية صينية جميلة رغم النحافة الواضحة على وجهها\. – «أسرعي، لين\!» – «كايل، هو لا يزال خلفنا\!» صاحت وهي تضحك، أنفاسها تتلاحق من الركض\. وراءهما، كان رجل ضخم البنية يركض بجنون، وجهه محتقن وهو يصرخ: – «أعيدوا ما اخذتموه، أيها اللصوص الصغار\!» في لحظة خاطفة، ووسط هدير السوق وصياح الباعة، كادت عربة خيول أن تدعسهما\. لكن كايل، بخفة من تعوّد الشوارع، قفز بها ولين من أمام العجلات، يجرها معه إلى زقاق ضيق\. ظلمة الزقاق ابتلعت جسديهما الصغيرين، واختفى الصوت، واختفى الرجل الغاضب\. كلاهما انحنى، يلتقط أنفاسه، ثم انفجرا ضاحكين\. – «كنا على وشك أن نصبح فطيرة تحت عجلات الحصان\!» قال كايل وهو ينهار جالسًا على الأرض\. – «لكنك وعدتني أننا لن نُطارد اليوم\!» قالت لين، وذراعاها متشابكتان بعناد، قبل أن تبتسم وتجلس بجانبه\. كايل أخرج من تحت سترته كيسًا صغيرًا بالٍ، فتحه بحذر وكأنه كنز وهو كذلك بالنسبة للطفلان، ثم عرضه أمامها\. – «غنيمتنا\.» كان الكيس يحتوي على ثلاث تفاحات حمراء، ورغيفي خبز صغيرين، وقطعة جبن مثلثة الشكل بالكاد تكفي لوجبة واحدة\. – «واو\!» اتسعت عينا لين\. «لم نأكل بهذا الشكل منذ\.\.\. متى؟» – «منذ أسبوع كامل\.» قالها كايل وهو يمدّ لها واحدة من التفاحات\. «لكن اليوم، نشبع\.\.\. معًا\.» تناولا الطعام ببطء، وكأن كل قضمة تحتاج احتفالًا خاصًا\. لا مقاعد، لا طاولة، لا معالق\.\.\. لكنّ المكان بدا كأنه مائدة ملوك في عيونهم الجائعة\. بين قضمات الخبز وضحكات الطفولة، نسوا للحظة أنهم يتيمان\.\.\. مجرد رقم في دار الكنيسة على أطراف الجزيرة\. نسوا القسوة، نسوا الجوع، وتذكّروا فقط أن لديهما بعضهما البعض\.\.\. وسرًا صغيرًا اسمه "الحلم"\. بعدما اكملا وجبتهما سارا معا الى خارج المدينة الى مبنى يسميانه منزلهما كان المبنى العتيق الذي يضم دار الأيتام أقرب إلى هيكلٍ منهار منه إلى مأوى للأطفال\. جدرانه تتقشر، وسقفه يئن مع كل نسمة ريح\. في الزاوية، موقدٌ صغير بالكاد يمنح الدفء، أما الرائحة فخليط من رطوبة، وخشب قديم، وذكريات باهتة\. الأخت مارغريت، وهي راهبة شابة لا تتجاوز الثلاثين، تُعدّ من القلائل الذين بقوا في الجزيرة لخدمة الأطفال\. وجهها شاحب، لكنه مفعم بالحياة حين تبتسم\. وحين رأت لين تعود ومعها كايل، رفعت حاجبيها وقالت بلطف: – «لين، أيمكنك مساعدتي؟ وصلتنا تبرعات اليوم، وسنُعدّ بعض الحساء \.» ابتسمت لين، ولم تُمانع\. فبالنسبة لها كانت مساعدة الأخت مارغريت شيئا عظيما فسارعت الى المغسلة لغسل يديها و البدأ في تقطيع الخضار بينما اقتربت الأخت من كايل و قامت ببعثرت شعره و هي حركة يكرهها ظاهريا و يعبس عندما تقوم بها لكن داخله كان يحبها – «ماذا فعلتم اليوم نظر لها و ابتسم فان كان هناك شيء لا يستطيع اخفاءه عنها هو شكوى التجار من شقاوته هو ولين و التي يعتقد الاغلبية انها صبي بسبب اجبار كايل لها التنكر لانه في رايه لا يمكنك الثقة في أي رجل \.\.\.اي كانت مرتبته أو خلفيته او عائلته\. – «لا شيء مميز \.\.\. ما قصده بحديثه أنهم لم يفعلوا شيئا \.\.\.على الرغم من تأكده ان احد نساء القرية سيخبرون الأخت مجددا في الكنيسة عن اللصوص الذين تربيهم في الميتم وكيف يجب عليها بيعهم او تاجيرهم لرجالهن \.\.و كالعادة سترفض الأخت مارغريت تصديق اي اشاعة عن كايل و لين لانهما و بكل بساطة ملائكتها الصغار و هنا المفضلان عندها لانها تتذكر اليوم الذي عثرت على كايل امام عثبت الكنيسة وهو مجرد رضيع اما لين فكانت والدتها سيدة راقصة مشهورة تقدم عروضا في مختلف البلدان لكنها توفيت بسبب مرض و تركت ابنتها التي لا يتجاوز عمرها 6 سنوات و كل ثروتها التي تركتها لابنتها تم الاستيلاء عليها من قبل مديرها و رمى الفتاة في كنيسة اقرب جزيرة  صادفها\. او هكذا تم اخبارها لكنها لم تشكك في الرواية يوما كونها تتذكر الفتاة الجميلة ذات الثياب المزخرفة الباهضة و قدرتها على القراءة و عرف البيانو رغم صغر سنها\.\.\.فتاة مميزة ذات مستقبل مشرق لولا كونها دون عائلة \-\-\- في وقتٍ لاحق من المساء، كانت لين تجلس وسط غرفة النوم الجماعية، وكتاب كبير على ركبتيها، وعيون الأطفال تتلألأ وهم يستمعون \. – «\.\.\.ورفعت الأميرة مروحتها وقالت بلطف: "أتمنى لك يوما لطيفا ، أيها الفارس الشجاع\.\.\."» ضحكات خافتة تتخلل السرد ، فمن النادر ان تكون هناك فتاة تستطيع القراءة في هذا الزمن الا اذا كانت من عائلة غنية لكن مثلما قلنا لين مميزة بينما كايل في الزاوية، يزحف على الأرض، يحاول إصلاح ثقب في الخشب بقطعة خشب وطرقات مترددة بمطرقة صغيرة\. كان يسترق السمع، يبتسم كلما سمِع كلمة "الأميرة" أو "القصر"\. \.\.\. مرت الساعات، خمدت الأنفاس، وهدأ الدار\. لكن لين لم تجد كايل في سريره\. صعدت بهدوء إلى السطح، وهناك وجدته كالعادة جالسًا على حافة الخشب المهترئ، ينظر إلى السماء وكأنها وطنه\. جلست بجانبه، وسألته: – «ما الذي تفكر فيه؟» – «أحلم\.\.\.» – «بماذا؟» – «أن أغادر هذا المكان\. أعيش في مكان جديد\.\.\. مختلف\. حيث لا يوجد سقف مكسور ولا طعام يأتينا تبرعًا\.\.\.» سكتت لحظة، ثم قالت: – «لن يطول الأمر، كايل\. بمجرد بلوغك السادسة عشرة، سيُجبرونك على المغادرة\. ستصبح حرًا واصلا تستطيع الذهاب ابكر عديد من التجار والبحارة سيرحبون بمساعد بثمن بخس\.» التفت إليها، وقال بهدوء: – «وأنتِ؟ اي إضافة لحلمك؟» ابتسمت، وقالت وكأنها كانت تنتظر ان يسألها شخص ما هذا السؤال منذ الصباح: – «نفس الحلم\.\.\. أن أكون أميرة\.\.\. لكنني أضفت شيئًا جديدًا\.» – «ما هو؟» – «شجرة تفاح أمام قصري\. أستطيع أن آكل منها متى أردت\. دون أن أهرب، أو أُطارد، أو أُعاقب\.» ضحك كايل: – «بهذا ستصبحين بدينة\.» ضربته بخفة على كتفه: – «لا يهم\! سأمتلك عشرات الفساتين\.\.\. ولكل فستان مروحته الخاصة\. سأرقص طوال الليل في حفلات القصر، وأتحدث مثل السيدات\.» \_«من الجيد انك تعرفين انك تتحدثين مثل الصبيان الان وقفت، وحاولت تمثيل إحدى الرقصات وهي ترفع قدمها بخفة، لكن اللوح الخشبي لم يحتمل، فانكسرت قطعة منه، وسقطت قدمها في الفراغ\. – «آه\!» – «لين\!» أمسك بها، وساعدها على الخروج، ثم جلسا يضحكان \. – «سأحقق لكِ هذا الحلم\.» همس\. – «ليس عليك أن تقلق بشأن ذلك \. زوجي سيهتم بذلك\.» – «زوجك؟\! ومن سيقبل الزواج بامرأة مثلك؟» – «أميري الشهم، طبعًا\!» ردت وهي ترفع رأسها بفخر\. عبس: – «توقفي عن قراءة تلك الكتب واذهبي للنوم\. علينا التوجه للميناء صباحًا\.» \.\.\. صباح اليوم التالي ارتدت لين سترة كايل القديمة، وربطت شعرها، ودهنت وجهها بالقليل من السخام، متنكرة كصبي\. كانت صغيرة كفاية لتبدو كذلك\. أعمالهم؟ حمل صناديق من قوارب الشحن إلى المستودعات، من الفجر حتى الغروب، تحت شمس حارقة أو أمطار مفاجئة، مقابل بضعة قطع نحاسية بالكاد تكفي لشراء رغيفين\. وفي طريق العودة، توقفت لين فجأة أمام متجر فساتين\. كان العرض الخلفي للزجاج يحمل دمية ترتدي فستانًا أزرق سماويًا، عنقها يزينه عقد ذهبي يتلألأ تحت ضوء الشمس\. تأملت للحظة، ثم تنهدت وغادرت دون كلمة\. لم تقل شيئًا، لكنها لم تكن بحاجة إلى ذلك\. كايل، الذي تبعها بعينيه، كان يعلم بالضبط ما الذي نظرت إليه\. وكم تمنى في تلك اللحظة\.\.\. أن يُهديها ذلك العقد\. \-\-\- بعد بضع سنوات : كانت السماء تمطر بخفة، والهواء في دار الأيتام رطبًا، كأن الجدران القديمة تتنفس تعب السنوات\. النوافذ تهتز مع كل نسمة، والسقف يصدر أنينًا خافتًا، وكأنّه يشكو من كِبَر سنّه هو الآخر\. في المطبخ، كانت الأخت مارغريت تحاول عصر بعض القيمة من تبرعات اليوم: حساء خفيف، وكسرة خبز لكل طفل\. صوت الطرق خفيف قاطع دندنتها لاغنية ركض احد الاطفال الى الباب وقامت يفتح الباب بسعادة لأنه يعرف تماما لمن يعود كانت لين  في عمر الثالثة عشرة، أشبه بلوحة فنية نُسجت بخيوط من الضوء والسكينة\. فتاة صينية الملامح، تمتلك جمالًا ناعمًا لكنه آسر، كما لو أنه يحمل سرًا أعمق من سنوات عمرها القليلة\. شعرها الأسود الطويل انساب خلفها كالستار المخملي، يتراقص مع رياح العاصفة خلفها أما عيناها، فكانتا أعجوبة بحد ذاتهما؛ ضيقتان سوداء ، لكن فيهما عمقًا خلّابًا، كأن البحر قد سكنهما، وفي كل رمشة سرٌّ دفين\. وجهها، رغم نعومة ملامحه، كان يحمل شيئًا من النضج، من الحكمة التي لا تليق إلا بأرواح عرفت المعاناة باكرًا\. كانت ترتدي معطفًا رماديًا طويلًا يشبه الرداء الكنسي، خيط بأطراف بسيطة من الدانتيل الباهت، تعلوه آثار الزمن\. ورغم بساطته، أضفى على حضورها هيبة خفيفة، كما لو أنها ابنة لمعبد قديم\. كانت قد عادت من الكنيسة ، حاملةً في يدها حقيبة قماشية صغيرة، فيها نوتاتها الموسيقية\. لقد عزفت اليوم للقديسين كما طلب منها البابا، عزفت بقلبها، فصمت الجميع\. حتى الأجراس توقفت وكأنها تستمع\. دفعت لين باب الميتم الخشبي، فصدر عنه صوت خافت، مألوف\. الجو كان دافئًا في الداخل حين دخلت، وجدت الأخت مارغريت في المطبخ، ترتب بعض الخضار على الطاولة، ووجهها المعتاد يبدو مرهقًا لكن هادئًا\. "أهلاً، لين\. عدتِ باكرًا اليوم\." قالتها دون أن ترفع رأسها\. "نعم، لم يكن هناك عزف إضافي هذه المرة \." ردّت لين وهي تخلع معطفها وتعلقه بجانب الباب\. رفعت الأخت رأسها، وابتسمت بخفة\. "قالت لي السيدة جولي من الكنيسة إنك عزفت مقطوعة جديدة\. الجميع أحبها\." هزّت لين كتفيها وهي تغسل يديها: "أظنهم فقط يحبون وجود موسيقى\. ولأني الوحيدة التي تعرف العزف، لا خيار لديهم\." ضحكت مارغريت بخفّة وقالت: "أعتقد أنهم يحبونكِ أنتِ أيضاً، وليس فقط العزف\." سكتت لين، ثم سألت بصوت منخفض: "هل تحتاجين مساعدة في الطهو؟" قالت الأخت مارغريت وهي تناولها سكينًا\. "نعم أحتاج \.\.\.قطّعي هذه، وسأحضر الخبز\." جلستا تعملان في صمتٍ مريح لبعض الوقت، إلى أن قالت مارغريت فجأة: "لم أركِ تذهبين مع كايل منذ فترة\. هل اختلفتما؟" توقفت لين للحظة، ثم عادت للتقطيع: "لا… فقط لم يعد يطلب مني أن أرافقه\." نظرت إليها الأخت مارجريت بهدوء: "هل قال لكِ لماذا؟" هزّت لين رأسها دون أن تنظر: "قال إن الميناء لم يعد آمنًا لي\. وإنه من الأفضل أن أبقى هنا\. ربما لأنه\.\.\. لم يعد من السهل أن أتنكر كصبي كما في السابق\." قالت مارجريت بتفهم: "هذا طبيعي\. أنتِ تكبرين، وهو يرى ذلك\." رفعت لين عينيها وقالت ببساطة: "كنت أستمتع بالعمل معه\. هذا كل شيء\." ثم أضافت وهي تبتسم ابتسامة صغيرة: "حتى لو كنا نتشاجر نصف الوقت\." ضحكت مارغريت وهي تضع الغلاية فوق النار\. "هذا لا يعني أنكما لن تكونا قريبين\. ربما هو يحاول فقط أن يحميكِ، بطريقته الخاصة\." صمتت لين للحظة، ثم قالت: "أحيانًا… أشعر أنني لم أعد أعرفه كما كنت\." أجابت الأخت مارغريت بلطف: "ربما لأنكما تكبران، وتتغيران\. لكن هذا لا يعني أنكما لا تهتمان ببعضكما\." أومأت لين ببطء، ثم عادت تتابع تقطيع الخضار\. الغروب صار ينعكس على النوافذ الخشبية القديمة، و الميتم غارقًا في هدوء المساء\. رائحة الحساء تملأ المكان، والأخت مارغريت تقلب ما في القدر ببطء\. صوت المطر بدأ يتساقط بخفة فوق السقف المهترئ\. ثم… طرق\. لم يكن الطرق عاديًا\. طرق ثقيل، عنيف، جعل الجدران الخشبية ترتجف كأنها تنذر بالعاصفة\. تقدّمت الأخت مارغريت نحو الباب، قلبها يسبقها، وفتحته ببطء\. كان هناك… شيختا\. جسده الضخم يسد نصف المدخل، بطنه يعلو وينخفض مع أنفاسه الحادة، ووجهه الأحمر لا يوحي بشيء سوى الخطر\. قال بصوته الخشن الجاف: – «جئتُ لأخذ الضريبة\. لا أعذار\.» حاولت الأخت أن تبقي نبرتها هادئة، لكنها لم تخفَ رعشة صوتها: – «التبرعات تأخرت هذا الشهر… الكنيسة وعدتنا أن ترسل المال قريبًا\. أرجوك، امنحنا القليل من الوقت\.» ضرب الباب براحته، فاهتز، وصرخ: – «أسبوعان\! أسبوعان وأنا أسمع نفس الكلام، وأطفالكم لا يموتون جوعًا إذن عندكم ما تدفعونه\!» في الزاوية، كانت "لين" ، تقف بصمت قرب الباب، تحاول أن لا يراها\. لكن صوت شيختا أزعج طفلًا صغيرًا، فركض نحوها وتمسّك بطرف ردائها، يرتجف خوفًا\. رفع شيختا نظره… فرآها\. وصمت\. تبدلت ملامحه\. الغضب انسحب فجأة، وحلّ مكانه شيء آخر… شهية قذرة\. اقترب منها بخطى بطيئة، وابتسامة تتسلل إلى وجهه\. عيونه تجولت على ملامحها و جسدها دون احترام\. وقف أمامها وقال بنبرة لزجة: – «من هذه الجميلة؟» ثم التفت إلى الأخت مارغريت، قال: – «بإمكاني أن أقدّم عرضًا مناسبًا\. لديّ رجال… يدفعون بسخاء لأجل خادمة صغيرة جميلة مثل هذه\.» مدّ يده، ولمس ذراعها\. لين ارتجفت، لكنها لم تتحرك\. لم تكن خائفة… كانت جامدة، كأن جسدها يرفض التصديق\. قال بصوت وضيع: – «سأجعلها تُعامَل كأميرة\.\.\. في البداية على الاقل\.\.\.» لكنّه لم يُكمل\. بوم\! لكمة مباشرة على فكه جعلته يتراجع نصف خطوة\. كان هناك، ظل شخص يقف امامه… كايل\. نحيل لكن عضلي، في الخامسة عشرة من عمره، بثياب مبللة من المطر، وعينين لا تتزعزعان\. قال بهدوء: – «ابعد يدك عنها… الآن\.» شيختا بصق الدم، وانقضّ عليه، لكن كايل تفاداه بمرونة، وردّ بلكمة أخرى\. ترنّح الشرطي أكثر، فزأر وأشار لمرافقيه\. رجلان ضخمان أمسكاه، وبدآ بضرب كايل بعنف\. – «كااايل\!» صرخت لين، تركض نحوه، تحاول دفعهم، تبكي وتصرخ، لكنهم كانوا أقوى\. ضحك شيختا وهو يمسح الدم عن فمه، قال وهو يلهث: – «توسلاتك جميلة، يا صغيرة\.\.\. حافظي عليها، ستحتاجينها قريبًا\.» ثم نظر للأخت مارغريت: – «لديكم أسبوع\. فقط أسبوع\. وبعدها… لن أكون رحيمًا\.» وقبل أن يغادر، توقف لحظة… نظر إلى لين\. نظرته كانت كالسُّم\. وابتسم\. ثم مضى، وترك خلفه صمتًا ثقيلًا، ركعت "لين" بجوار "كايل" الذي ألقوه هناك بعد أن أوسعوه ضربًا\. الأرض من تحته مبلّلة بدمه، ووجهه مزرق، وعيناه نصف مغلقتين\. لكن رغم كل شيء، لم تبكِ\.بينما سارعت الأخت تحضر بعض القماش النظيف و بعض الماء المغلي لتطهير الجرح ثبتت نظرها في وجهه، وكأنها تحفظ ملامحه في قلبها\. مدت يدها برفق، ومرّرت أصابعها المرتجفة على خده المتورم، تمسح الدم بلطف \. – «كايل\.\.\. لماذا؟» همست، كمن يحادث قلبه لا شخصًا أمامه\. فتح عينيه بصعوبة\. شفتاه المتشققتان تحركتا قليلاً، ثم خرج صوته ضعيفًا، متعبًا، لكن فيه عناد مألوف: – «لأني\.\.\. لن أسمح لهم\.\.\.» تنفس بعمق، وتأوه بصوت خافت\. ثم شدّ على أسنانه، وقال بصوت بالكاد يُسمع: – «لن أسمح لأي أحد\.\.\. أن يلمسكِ بسوء\.» رفّت جفونها، لكنها لم تسمح لدمعة أن تسقط\. كانت تحدق فيه بثبات، بعينين فيهما حريق هادئ\. ثم همس، وكأن كلماته الأخيرة تخرج من صدر أثقلته الأحلام والدماء: – «حتى لو\.\.\. كلّفني ذلك حياتي\.» وضعت جبهتها على جبهته، وتنفست صعداء \-\-\- ليلاً، بعد أن هدأ الميتم وغرق في السكون، كان كايل ممددًا على الفراش القديم، آثار الضرب لا تزال واضحة على جسده، لكنه لم يشتكِ\. في الزاوية الأخرى من الغرفة، كانت لين تجلس على الأرض، ساقاها تحتها، يداها في حجرها، وعيناها على الشمعة الوحيدة التي تنير المكان\. الصمت بينهما لم يكن ثقيلاً، بل ناعمًا، كما لو كانا يحاولان تذوق لحظات الأمان القليلة قبل أن ينهار كل شيء\. «كايل\.\.\. يجب أن تغادر الجزيرة\.» ادار رأسه ببطء امكان جلوسها، لكن لم يجب\. «بعد ما فعلته اليوم\.\.\. بعد أن ضربت شيختا\.\.\. لن يتركوها تمر بسلام\. سيجدون طريقة لإلحاق الأذى بك\. ولن أتحمل رؤيتك تتألم مجددًا\.» أغمض كايل عينيه، زفر بصوت مسموع، ثم قال بهدوء: « بعدما ضربته لن يستطيع لمسكِ مجددًا لمدة على الأقل \.\.\. هذا كل ما يهم\.» « لكن \.\.\.» « لا يوجد لكن \.\.\.لن تغادر الجزيرة او الميتم و اتركك \.\.\.نهاية النقاش من فضلك غير الموضوع \.\.فرأسي يؤلمني » نظرت إليه، نظرة طويلة، ثم حولت وجهها نحو الشمعة، وقالت تغيّر الموضوع مثلما طلب: «اليوم\.\.\. وأنا عائدة من الكنيسة، مررت أمام متجر الفساتين والمجوهرات\.» نظر إليها، عينيه تبحثان في ملامحها عن شيء ما\. «تلك القلادة الذهبية\.\.\. التي كانت في الواجهة\.\.\. بيعت\.» «أي قلادة؟» اجابته بابتسامة حزينة «واحدة جميلة، صغيرة، لامعة\.\.\. كنت أحب رؤيتها كل مرة أمر من هناك\.» صمتت لحظة، ثم تابعت: «لا تقلق، لست حزينة\. لم يكن لي أن أمتلكها\. لم أملك يومًا مالًا لشراء شيء كهذا\. في الحقيقة\.\.\.» نظرت نحوه، وابتسمت ابتسامة صغيرة\. لين: «كنت فقط أتخيل كيف ستكون لو كانت لي\. لكن لا بأس\.» اقترب كايل منها، وببطء، جلس بجانبها على الأرض، ثم مرر ذراعه حول كتفيها، وجذبها إليه بلطف\. «لا تحزني \.» بهمس وهي تميل إلى جانبه «لست حزينة\. فقط\.\.\. كانت مجرد حلم\.» مرت لحظة طويلة من الصمت، لم يقولا شيئًا\. فقط جلست هي في دفء ذراعه، وعيناها على الشمعة، اما عيناه تحملان شيئًا مختلفًا… سكون رجل يحمل سرًا\. كايل في داخله، يبتسم بخفة لأنه للتو اخفى سرا عليها \.\.\.سرا سيسعدها جدا

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لحن الامواج

المؤلف _assi_
2025/07/19 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة