بـدايـة

بـدايـة

22 0

الألم تشعرُ بسائلٍ دافئٍ ينسكبُ على ظهرِ يدِها، يُوقِفُ الصخبَ المتضارِبَ في رأسِها\. بدأت يدُها تتحوّلُ إلى لونٍ ورديٍّ فاتح، وهي لا تزالُ تُحدِّقُ بها دون ردّةِ فعل، تُركِّزُ على الألمِ الحارِقِ فقط\. تعضُّ على خدِّها دون أن تصرخ، أو تُصدرَ حتى أنينًا مُتألِّمًا واحدًا\. حتى تناهى إلى سمعِها صوتُ صراخِ زميلتِها الراكضه نحوها، رغمَ تعالي أصواتِ الزبائنِ والأكواب، أستطاعت سماعها\. رمشت عدّة مرّات، ثم نظرت إلى يدِها التي كانت ترتجفُ بخفّة\. "جريس، هل أنتِ بخير؟\! حمقاء\! حمدًا لله أنَّ المياهَ ليست حارّةً جدًّا، كنتِ ستحرقينَ يدكِ\!" وبّختْ تلك الفتاةُ جريس، وهي تأخذُ إبريقَ الشاي شبهَ الفارغِ من يدِها وتضعُه على الرُّخامِ في المكانِ المُخصَّصِ له\. ثم أمسكتْ يدَ جريس تُفحِّصُها للتأكّدِ من عدمِ وجودِ أيّ حرق بحاجبين معقودين انعقدَ لسانُ جريس، تشعرُ بالألمِ ولكنّه شعورٌ جميل\! لم تبكِ أو تصرخْ أو تنهارْ،علي العكس أرادت الضحك\. "سأجلبُ لكِ مرهمًا للحروقِ من حقيبةِ الإسعافاتِ الأوليّةِ المتواجدةِ بالمقهى، لا تتحرّكي من مكانك\." قالتْ تلك الفتاة، ثم ذهبتْ إلى غرفةِ العُمّال\. بعد لحظاتٍ عادتْ وفتحت أنبوبَ المرهم، ومرّرتْ أصابعَها التي تحملُ القليلَ منه فوقَ يدِ جريس بخفّة تتأكد من وضعه علي مكان الحرق الطفيف "لا تسرحي مجددًا، الوضعُ أصبحَ صعبًا\.\.\.تسرحين كثيراً أثناء العمل" نبست بيلا، ثم تنفّست الصعداء، ووضعت الأنبوبَ في جيبِ مئزرِ جريس\. قهقهت جريس وهي تنظر نحو النافذه التي تتطل علي الشارع العام لم تكن السماءُ مُتلألئة، بل كانت كاحلةً ككُحلةِ الهمِّ على قلبِها، ساكنةً كأنها حجبتْ عنها النجومَ عمدًا، كأنها تبعد الأمل عن حياتها\. "ستحتاجينَه، خذيه\. سأذهبُ أنا لتحضيرِ باقي الطلبات، يمكنكِ أن تأخذي الطلباتِ من تلك الطاولة هناك\." قالتْ بيلا، قاطعةً شُرودَ جريس، وأشارتْ بيدٍ رشيقةٍ إلى طاولةٍ خشبيّةٍ في الجانبِ الأيسرِ من المقهى، تجلسُ حولَها ثلاث فتيات "حسنًا، بيلا\. أنا آسفةٌ على إقلاقكِ\. ولكنّني بخير\.\.\. لقد كنتُ أفكّرُ في شيءٍ ما" سكتت، ثم اتّجهت نحو الطاولةِ بخُطىً ثابتة، ووقفت أمامَها لحظة، قبل أن تحمحِم بخفّةٍ محاولةً جذبَ انتباهِ الفتيات\. "ما هي طلبا\.\.\.تكن؟" تحدّثت جريس، ترسمُ ابتسامةً لطيفةً على وجهِها، رغمَ ارتجافِ ابتسامتها، فهي لا تستطيعُ التحدّثَ مع أحدٍ لم تمضِ معه وقتًا أو لا تعرفه\. "الجوُّ بارد جدًّا، ما رأيكنَّ بالكاكاو؟" اقترحت إحداهنَّ، تلتفتُ إلى رفيقاتِها، وهي تعدل وشاحها الأحمر علي كتفيها همهمت احداهن دون أن تتحدث\. "حسنًا إذن\! واطلبي لي معها تشيز كيك بالفراولة\." قالت الأخري أعادتِ الفتاةُ نظرَها لجريس\. "ثلاث أكوابٍ من الكاكو الساخن، وقطعةُ تشيز كيك بالفراولة، من فضلك\." سارعتْ بتسجيلِ الطلب، وهي تهزُّ رأسَها بخفّة\. "آه نعم، كاكو ساخن وتشيز كيك بالفراولة\.\.\. هل\.\.\. هل هناك طلبٌ آخر؟" تلعثمت جريس للحظة وابتسامتها لا تزالُ ترتجف "لا شكراً" ذهبتْ للداخل، واستنشقتْ رائحةَ القهوةِ والمخبوزاتِ الطازجة التي تملأُ المكان، مُغمِضةً عينيها\. "هي، جريس\! هل أحضرتِ الطلب؟" قالت بيلا، مُخرِجةً جريس من عالمِها المليء بالقهوة "أوه، أجل\! ثلاثُ أكوابٍ من الكاكو الساخن وقطعة تشيز كيك بالفراولة\." تحدّثت جريس، تتّجه نحو الثلاجةِ التي يتواجدُ بها الكَعك، مُخرِجةً قطعةَ تشيز كيك، ووضعتْ عليها صوصَ الفراولة، ثمّ وضعتْها في طبقٍ مخصّصٍ للحَلْوى\. "هل أساعدُكِ في إعدادِ الكاكو، بيلا؟" قالت جريس متّجهةً ناحيةَ بيلا، وأخرجت الأكواب من الرف الخشبي العلوي "لا لا، ألم ينتهِ دوامُكِ الجزئيّ؟ من المُفترضِ أنْ يأتي ماركوس الآن للعمل، عودي إلى المنزل لترتاحي، أنا سأكمل تحضير الطلب حتى يأتي ماركوس\." "حسنًا إذًا، إلى اللقاء\." ذهبت جريس إلى حمّام المقهى بخطى مُرهَقة، وأعادت ارتداء زيّها المدرسي\. نعم، فهي تعمل في المقهى عملًا جزئيًا ثلاثة أيام في الأسبوع بعد المدرسة\. وضعت مئزرها في حقيبتها المدرسية، ثم نظرت نحو المرآة\. كانت بشرتها شاحبة قليلًا، وعيناها البُنِيتان مطفأتين من التعب، وخصلات شعرها مبعثرة حول وجهها\. مدّت يدها إلى وجهها، وأغمضت عينيها ببطء وهي تتنهّد\. خطَت خارج المقهى ليصفع الهواءُ الباردُ وجهَها\. تمشي إلى المنزل بخطواتٍ بطيئة؛ فهي لا تريد العودة إلى المنزل على أيّ حال\. أخرجت هاتفها من حقيبتها وفتحته، فسطع ضوؤه على وجهها الساعة الآن التاسعة والنصف\. أسرعت في مشيها حتى توقّفت أمام باب منزلها\. نظرت إليه طويلًا، ثم أخرجت مفاتيحها، وفتحت الباب ودفعته دون إصدار صوت\. قلبُها ينبض بسرعة، وأنفاسُها بدأت تضطرب\. أصبح الجو مكتومًا فجأةً خانقًا لها؛ تتمنى من كلّ قلبها ألّا يكون مستيقظًا، لكنّ آمالها تحطّمت عند سماعها صوت التلفاز العالي\. كانت ستصعد إلى غرفتها مباشرةً كي لا يلاحظها، ولكنه لاحظ\. "أنتِ يا سافلة\! تعالي إلى هنا\!" هدر صوته الثائر في الصالة\. أدارت جريس رأسها إلى الخلف لتجد والدها ممسكًا بقنينةِ خمرٍ بيده اليمنى، بينما عيناه محتقنتان بحُمرةٍ مُخيفة\. بدأ يتقدم نحوها وهي تتراجع إلى الوراء؛ كان هذا هو المعتاد\. سحبها من شعرها على غفلةٍ بقوة، وبدأ يرفعها عن الأرض ويهزّها بعنف\. "كم مرة أخبرتكِ ألّا تتأخري؟\!" قالها بصوتٍ حانق، ثم رماها على الأرض\. زحفت جريس مبتعدةً عنه قليلًا بخوف، وحاولت النظر إلى وجهه قدر المستطاع\. "موعد خروجي من العمل التاسعة والربع، وقد عدت بعدها بربع ساعة فقط\.\.\. لم أتأخر\!" قالت جريس بصوتٍ مهزوز، وأمسكت بالسجادة على الأرض بقوة\. رفع والدها قدمه ودهس بها بطنها، لتُطلق صرخةً متألمة\. تلوّت على الأرض من شدّة الألم، واضعةً يدها على بطنها\. "آسفة\! آسفة\!\!" "دائمًا تعاندينني\! دائمًا يا جريس\!" قال والدها وهو يترنّح في محاولته الوصول إليها، ورائحة الخمر النفّاذة تنبعث منه بقوّة\. أمسكها من ذراعها وسحبها بعنف، لدرجة أن مفصل كتفها كاد أن ينخلع من مكانه\. أصبحَ كل شيء غير مفهوم بالنسبة لها، كأن عقلها توقف عن الاستيعاب\. صوته، ضوء المصباح الخافت المسلّط عليها، أنفاسها المتقطعة\.\.\. كلّها اختلطت لتكون ضوضاء بلا معني\! بقيت ملقاةً على الأرض، تحاول التقاط أنفاسها بصعوبة، بينما هو يعود إلى الأريكة، يتهاوى فوقها متأففًا، وكأن شيئًا لم يحدث\. استقامت بصعوبة، وركضت إلى غرفتها، ثم جلست على الأرض، تضمّ قدميها إلى ذقنها، وبدأت ملامحها ترتجف\. أنفاسها اضطربت\. لا تستطيع التنفّس\. هواء\.\.\. هواء\.\.\. هواء\! تريد هواء\! أذناها تُصَفِران، ورؤيتها مشوشة، أطرافها أصبحت باردة\. بدأت تحرّك رأسها يمينًا وشمالًا، شهقاتها صارت صاخبًا، ثم تحوّلت إلى صفيرٍ عالٍ بسبب عجز الهواء عن الوصول إلى رئتيها\. تحجرت الدموع في عينيها وبدأت تخبط برأسها في الحائط الذي خلفها "لا لا\!\! لا لا\!\!" حرّكت يدها الضعيفة إلى صدرها، وبدأت تضربه مرارًا وتكرارًا\. ثم شهقت شهقةً حادة ثم\.\.\. يتبع\.\.\.\.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الحفلُ القرمزي

المؤلف Melan_oF
2025/07/16 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة