كان البرد أول ما شعرت به. بعدها... الصمت. لا صوت طيور، لا سيارات، لا أنفاس بشرية غير أنفاسي المرتجفة. حين فتحت عيني، رأيت أشجارًا مائلة كأنها خُلقت تحت لعنة. والسماء... حمراء. وليست حمراء غروب... بل كأن الدم قد سُكب عليها وسُمح له بأن يتبخّر ببطء. جسدي كان سليمًا... لكن قلبي؟ خائف. خائف جدًا. ناديتهم بصوت مشروخ: "مادي؟... ثيو؟" لا أحد.،لا در. ثم نظرت إلى كفي اليمنى... ورأيت الرقم. 100. محفور... وكأنه دمي هو الذي كتبه. لا أفهم... لكنني كنت متأكدة أن شيئًا ما بدأ. شيء لن ينتهي بسهولة. همسات بدأت تتردّد داخل رأسي. لا أصوات... بل نَفَس. "لقد أيقظتِني." "أخيرًا وجدتكِ." "أنتِ... المفتاح." جفلت. نهضت. بدأت أركض. ولم أكن أعلم... أن أول موت لي كان ينتظرني على بُعد عشر خطوات ركضت. أرض الغابة كانت ناعمة بشكل غريب، كأنها مزيج من الطين والرماد. كل خطوة تخطوها قد تبتلعك، وقد تهمس لك أن تتوقف... لكني لم أتوقف. "مادي!" "ثيووو!!" صوتي كان يتردد في الفراغ، كأن الغابة تأكله ولا تعيده. وفجأة... كلاك! شعرت بشيء تحت قدمي يُكسر. ثم... طلقة واحدة. صوت انفجار اخترق أذنيّ قبل أن يخترق رأسي. جسدي طار، أو سقط... لا أعرف. كل شيء أصبح بطيئًا. الأشجار تدور. السماء تنقلب. والصمت... عاد. كنت أظن أنها النهاية. --- لكنني استيقظت. داخل كوخ صغير، خشبيّ، له رائحة العُمر… لا الوقت. ضوء أصفر باهت كان يتراقص من مصباح يتدلّى من الحبل كأنه مشنقة هادئة. قشّ قديم على الأرض… هو فراشي الآن. حاولت النهوض ببطء، رأسي يدور كأن صوت الطلقة مازال عالقًا في جمجمتي ثم سمعت الهمسة. لم تكن صوتًا خارجيًا… بل داخليًا، كأنها جاءت من آخر ضلع في صدري: "اقتربي من المرآة…" استدرت ببطء. كانت هناك، في ركن الكوخ، مرآة ذات إطار متآكل، من تلك التي تراها في بيوت الجدّات، لكنها تنظر إليك كأنها لا تريدك أن تقترب. اقتربت. كانت صورتي... مشوّهة قليلًا بفعل الغبار والضوء، لكنني كنت هناك. ثم… تسرّب ظلّ خلفي، لم أرهُ، بل شعرت به. حتى ظهرت هي. لم تكن تنعكس خلفي، بل فقط في المرآة. كأن وجودها محصور داخلها… أو أنني أنا التي أنعكس في عالمها. سوداء كليًا، لونها ليس ظلاً بل عمقٌ يتجاوز الأسود. عيناها بيضاوان، لا نور فيهما… بل ذاكرة. شعرها الأبيض يتدلّى بهدوء كأنه ضوء قمر مذاب. وقفت هناك، لم تتحرّك. ثم قالت، بنبرة هادئة… باردة، لكن ليست خبيثة: "هدّئي من روعك، جوسكا… أنتِ توترينني أنا أيضًا." ارتجف قلبي. رفعتُ يديّ أمامي، ففعلت صورتي الشيء ذاته… لكنها لم تكن أنا. كانت هي. .