مُهطعةً، كُنت لا أعدُو بَل أفُرّ اتحاشى ظِلاً يُسرع نَحوي فَيُقيدُني من كُلِ جانبٍ تاركًا لي خِيار التَقدُّم. ولم أكُن سوى أسيرةٍ لهُ فارضخُ لخياري الوحِيد لم أكن فَارّةً سوى مِن لهبٍ مُغتاظ،مُتَنفسٍ بعُنفٍ يُحرقُ الأشجار خَلفي. وَيُلهب ماداست عليهِ قدماي مِن أرضٍ. وَسط الغَابة الكثيفة،أسفل ليلٍ فاحِمٍ ،وسكونٌ يَحتشدُ داخِل صَدري ما كان يُسمع سِوى أصوات اللهب تفترس كُل مايعترض طريقها، واصوات اقدامي تَجري،لإنقاذ حياتي. رُغم سُرعتي مازال ظِلّ النارّ يَهرعُ نحوي،أسرع مني، ورغمَ صمته استطيع سماع كَلِماته تَهمسُ داخلي: 'مهما ركضتِي...فلن تهربي مني' باتت الحرارة تشتد حتى اصبحت قطرات العرق تنزل قَطرةً قَطرة،علىَ وجهي والسَيف ألذي حمىَ ظهري،بات يلسعُ من سخونته. سَحبتُه بِذراعي وَبقطعةِ قُماشٍ مِن زيّي لففتُ بِها السَيف أضُمه لصَدري كأُمٍ تَضمُ رضيعها. وَطِفلي كان بمقبضٍ ذهبي،مُرصعٌ بياقوتٍ زُمردي ،مَنقوشٍ ببراعة وكُل نقشةٍ منه تَصرُخ انتماءً للغُجر بَعد ركضٍ سلب أنفاسها وَنيرانٍ سَلبت آمالها هاهِي.. هاهِي تُبصر ضوءًا لحياة أخرى ضوءٌ يدُل على أقتراب نجاتها وفرارها مِن الغابة بدأ وجهها يغير معالمه. رمادٌ أحتضن بَشرتها، أنفاسٌ تُحبس داخِلها فتُكافح للخروج وما أن خرجت حَتّى كانت مُختنقةً. أتسع بؤبؤا عينيها فرحًا وَبهجةً فقد رَأت آخِر أملٍ لهَا، بدأت خُطواتها تتسارع...تَتبعثر،فاختلط فيها الذُعر بالانبهار فما أن كانت تلوح اطراف نجاتها حتّى تَعثرت وسقطت فانفلت مِن بَين ذِراعيها سيفُها. كأن الأرض تحاول إعادتها أليها اخبارها بان لامفرّ لها وأن هذا مصيرٌ محتوم عليها... أنسدلت عيناها هُنيهات لم تطُول حَتّى بدأت تزحف ناحِية سيفها تُعيده لأحضانها وجسدها بدأ يستقم مجددًا ينهض مِن الأرض ناكثًا تُرابها رافضةً مَصيرًا لم تختاره فَاستعارت النار غضبًا وأبت تركها تَرحل هكذا وَبلحظة وداعٍ وحُرية أرسلت لها لهبًا مَجنونًا يَلثُم أخِرَ قبلة طُبعت على كتفها حَرقٌ خُتم على بَشرتها كوشمٍ لِذكرى خَالدةٍ لاتنطفئ. بعد صِراعٍ بين الحياة والموت وَقُبلةٍ مِن النار وَهمساتٍ غاضِبة مِن الأرض هَاهِي تُغادر الجحيم تقفُ خارج الغابة المُشتعلة فتلتفت للوراء بحذرٍ ترفع وجهها ناحِيتها فما كان لها ألا السقوط أرضًا مَذعورةً مِن هَول النيران ألتي هربتُ مِنها أنفلت سَيفي مِن أذرُعي للأرض مُزامنةً مع سقوطي على رُكبتي فَلم تعُد أقدامِي تحملُني أبتَلعت ريقي بِهدوءٍ وَصعوبة أُحَدق بَتلك النِيران تَلتهم كُل ماهوَ حَيّ... هَزّزت رأسِي أُحرره مِن كُل تلك الأفكار فأستَعيد وعي، مَسحت على وجهي بظهر يدي المُخضبة بالرماد انحنيت التقط سيفي ألذي سقط من يدي من هَول المَشهد ألذي رأيته،كُل أنش من جَسدي كان يَختَزن همسات اللهب وَيطأ بِثُقله عقبات الأرض، نَهضتُ واستدرت أعطِي ظَهري للدمار ورَحلتُ فِي سَبيلي وأنا أُدرك جَيدًا أنّي تَركتُ خَلفِي داخِل تلكَ الغابة جُزءً مني تَركت رُوحي وَذكرياتٍ لاتُستاعد هَجرت مَوطني وَكُل ما أحملهُ مِنهُ معي هو ملابسي وَالمجوهرات ألتي تعتليني، شَددت بقبضتي على مِقبض السَيف وأغمضتُ عيني بقوةٍ وَكأني أحاول أسترجاع اخر ماتبقى لي من ذكريات جيدة داخل اخر ذكرى لي من قبيلتي وَهي سَيفي. بَعد هَذا اليوم أنا لستُ أميرة الغُجر فَقط مُجرد فَتاة عَادية، بَدأت أخطُو بِهدوء وأرمي كل شيء خلف ظهري أسفل تلك السماء الحالكة والطريق المُضاء بضوء القَمر مَع كُل خطوة بَدأ الدُخان حولي يتلاشى، وبدأ عَقلي يُمحِي ذِكرياتي لِيُخمد آثار الحَريق .. غَادر جَسدي تِلك الغَابة لكن روحِي وَهويتي لازَالت تحترق هُناك... ' الحَريق لَم يِطفئ بَل حُجِب بدُخان الذكرِيات' دُون أن أُدرك قَد تَمردت دموعي عَلى وَجنتاي التِي تحمل آثار الحَريق عَليهُما فَمددت يدي أمسحُ تِلكَ الدمُوع حَتّى أدركت كَم أتسَاخِي. سَيكون مِن السهل معرفت هَويتي وَما حدث لي بهذا المَظهر، نَفضت ثِيابي وَبدأت أحدق فِي الارجاء بَحثًا عَن سَبيل ماء مَهجور أو بِركةٍ تَفي لِمَحي الرَماد عَني.. تَنهدتِ فاقدةً الأمل لِأُغلق عيني أستمع لِهدوء الليل ورَقص الرياح وَمُسامرت النجوم لَعلها تُرشدُني لِطريقي وَحياتي الجَديدة، وَسط تأمُلي للأجواء بسَمعي لا ببصَري سَمعتُ همسًا خافتًا لِمياه تَعبث بِروح السَكينة لليل وَسط الظلام وَسكُون الأرواح. فتحت عَيناي ما أن أدركت مَصدر الصوت وبدأت أتجه ناحيته بِخُطى مُثقلة، ما أن وطأت قدمي تِلك الأرض حتى وقعت عَيني على بركةً مُغلقة بَين الأشجار المُلتوية فَتبدو وكأنها تَرقُص حولها مؤديةً طقوسًا ما وَلكن الحَقيقة هِي تَحمِي نقاء مَائها مِن المُدنسين تَكثف حَول الشجيرات والبركة ضَبابٌ لَكنه لَم يكِن كافٍ لِيحجُب نقاء الماء عَن أبصاري، أتجهت نَحوها مِتلهفةً لأول جرعة من الماء تُبلل ريقي وَتمحي ذَنبي عَني. جَثوت عِند أطرافها وَأخذت أغسل بِمائها الطاهر قَذارة يَدي حَتّى أستعادة نقائها، فدنوت ضامة يدي إلى بعضهما انزلهما أسفل المياه فَارفعهُما ممتلأةً بِمُطهر حُنجرتي مِن الآثام العالقة بَها أخذتُ أرتشف الماء بِهدوءٍ وَلهفةٍ كَمِثل الطِفل المِتلهف لِحُجر أُمه، فشَعرتُ وكأنه يَغسلني مِن الداخِل.. مَا إنّ رَويت ظَمأي بدأت أنظف نَفَسي مِن رَماد الغابة وَغُبار القَبيلة أمحِي هَويتي بماءٍ بَدا لِي نجاة أنزلتهُ الآلهة . طُهر جَسدي وعاد نظيفًا كَما كان،خَالي مِن الذنوب بدأتُ أخلع كُل مايِمكن بيعه مِن كُل المجوهرات ألتي أحملها وأخذت قِطعة القُماش ألتي لففت بِها السيف سابقًا وخبأة داخلها المجوهرات لأحفظها. أستَقمت أتجه ناحية جِذع شَجرة لاحظت داخلهُ شقًا عميق وبدأت أُخبأ سيفي ومُجوهراتي داخله نَزلت عيني لِثيابي ألتي تفضحُ هويتي مهما أخفيتُها فَقررتُ خَلعها وأبقاء القليل مِن البهرجة تَكسُو جَسدي. ما إن بدأتُ أخلع ثيابي، حتى توقّفتُ عن فكّ عِقد ثوبي مُدرِكةً أن همسات الرياح لَيسَت الهمسَ الوحيد الذي أسمعه. سحبتُ سيفي سريعًا واتخذتُ وضعيّة الدفاع، أُحدّق حولي بانتباهٍ شديد أبحث عن مصدر الصوت. ذَلكَ الصَوت لَمْ يكُن هَمسَ روحٍ تائهةٍ أو هَمساتٍ بَين النِجوم،كَان أنفاسًا أُخرىَ غَريبةً تُشاطرني الخُلوة لَكِنها أقربُ مما أظُن. أخذت أخطو فِي الأرجاء بِثبات أُحكم قَبضتِي عَلىَ مِقبض سَيفي أمسحُ بأبهامي عَلى يَاقوتته وَكأني أسحب الأمان مِنها، الرِياح هادئة تَتراقص حَولي تُداعب جَسدِي لا تًلاعبُني بل تَصدم بي عمدًا وكأنها تُفتش دَواخلي تُنقب عَن الأثقال لِتحملها مَعها، والنِجوم تصطف فَوقِي تُنير لي طَريقي خَطوتُ خُطواتٍ قليلة حَتّى أصبح ضوء القَمر يَسقُط علي مُباشرةً يُضِيء أخر مَعالم هُويتي، أعيُني دَاكنة الخَضار أللذان شُبها باحجار الزُمرد،ذَات الحَجر ألذي يُرصع سَيفي،وَسواد شَعري ألذِي مَاثل حُلكة الليلة، 'والأهم وَشم النَار ألذِي لَم يكُن مُجرد حَرقٍ، بَل كان صَرخة وَاضحة للعَالم بأني غُجرِية خَرجت للتو مِن أعتاب الجَحيم' بَقيتُ واقفةً فِي المُنتَصف أسْتمع لِهمسات الأرواح فأنا كغُجرِية اؤمن أن الأروَاح الضَائعة تَدُلنا الطَريق وَتِفشي لنا ماكان مُخبأ،مَا أن أحسستُ بِاختفاء كُل تلكَ الهمَسات وَكأنها تَنفِي وجُودها زَفرتُ هَواءً حُبس داخلي بِراحةٍ وَعِدت لِمكاني الأول وبدأت افكُ عُقد ثَوبي مُجددًا ✰ ˙ ✰ ˙ ✰ ˙ ✰ ˙ ✰ ˙ ✰ أعودُ مِن مَعَاركِي مُثقلاً بالنَصر، كأني أحمِل عِبء الالف عَلىَ ظهرِي. كُل ما أحصُل عليه هوَ المَدِيح والثَناء لايُمكنُني أن أنكُر حقيقة أنّي تَمنيتُ هذا حقًا مُنذ طفُولتي لكن... ليسَ وأنا ألعب بِقذارة! الجَمِيع يراني البطل المُقدر حامي الأرض المُحارب الشجاع ألذِي لايتخذ صَفّ ألظُلم.. لكن حَقيقتي أقذر مما تتخيل! انا هوَ الوحش! أنا مُدَمركم وحاميكم! أنَا المسؤول عن الدمار فِي العالم مُتنكرًا بِقناع الطِيب والبطولة أعبث بهذا العالم خلف الستائر مُستغلاً أكبر اسراركم.. واعمق ندوبكم. أستغل جُّل نقاط ضعفكم ! قَد أبدو نادمًا لكنِي لستُ بِذالك انا الشرّ المُطلق فِي هَذا العَالم وَهذا مايعجبُني، لم أُشفق بيوم على أحدهُم وَلم أنجذِب لأي كائن على الأرض. عِشتُ وَحيدًا كَما وِلدت عِشتُ بين هَمسات الشِيطان وَالأرواح التائهة بَين العَبيد وَها أنا بِتُ سيدًا عليهُم وعلى مالكيهُم بِما أحملُه مِن مَعلومات ضِد نُخبة الشَعب. لَم يُثر أنتباهي وَجود أحدهُم بِيوم كُلهم كانوا حَشرات لي مُجرد إضافة فِي قصتِي الخَاصة... لَكن فِي تلك الليلة كَانت تَتلألأ من بَعيد لم أُدرك ان كان ذاك اللمعان مِن مجوهراتها أم مِنها كانت مُلطخةً بالرماد لكنها كانت تَشدُني نَاحِيتها مع كُل نظرةٍ أُلقِيها عَليها ليس بطريقة جيدة.. بل باسوء الطرق كُنت أتبعُها من بَعيد اتبع خُطواتها المُثقلة بِنفس الثُقل وكأني أحاول مُشَاطرتها العبء كَظِل لها ظِلّ يُقيدُها بِمُلاحقته لها اتَوقف عِند وقوفها وأسِير عند سَيرها، أُسدل عَيناي عِندما تفعل وأُنصت لتلك الأصوات ألتي تسمعها همسات لَكني لا أسمع سِوى همسات الشيطان الخاص بي ذَلك الموسوس ألذِي يتربع عَلى عَرش رأسِي ويهمس لي باسوء الافعال واشنعها. أثناء سَيري خَلفها أتبعُ حركاتها وأُقلدها أستطعتُ لَمح ذاك السَيف بَين يديها تَحتضنُه كاحتضان الأُم لأبنها أخذتُ أُمعن به حَتّى هَزّ كياني تِلك الزُمردة ألتي تترأس قبضته.. لاتبدو وكأنها تُرصعه بَل وكأنها وُضعت لِتُراقب ماحولها كَحمايةً لمالكتها. ذاك الشعور بالأختلال جَعلني أُدرك فورًا إنَّ مَن تشدُني أليها هِي غُجرية لَكن، ذلك الرماد ثِيابها المُمزقه شَعرها المُبعثر وَيديها المُتسخة لاتبدُ كغُجرية هَل تعرض أحدهُم لقبيلتهُم؟ أم هَربت... كُنت أغرق في تحليلاتي ودون أن أُدرك كانت قَد وَصلت لمخبأي ذلك الكُوخ المهجور والبركة المُغلقة بين الأشجار أخذتُ اتوارى بين الظِلال أصُب تركيزي عليها، جَثوها قُرب البركة وَكأنها تتضرع تَغسل يَديها كَمن يحاول غَسل الذكريات مِن جِلدها.. ضَمُّ يديها إلى بَعضها تُنزلها داخل البركة ثُمَ ترفعُها وَترتشفها بلهفة شَديدة كَمن يأخُذ مُطهرً مِنَ الذِنوب مُتلهفًا لِمحي آثامه وَتطهير رُوحه القَذرة كَانت تَبدُو وكأنها خارجةٌ من الجَحيم للتو وأنزلت لها الآلهة بركةً تُطهر بها ذاتها وَتمحي خَطاياها أخذت تَغسل وَتُنظف ذاتها مِن الرماد لكنها لَم تبدُ لي كَذلك.. بدت لي كَمِن يُحاول إزالة حَقيقةً طُبعت على جِلده مِحاولةً مَحوى ما لايِمحى بِالماء وحده حَاوَلت الأقْتِراب أكَثر لَعلي اتأملُها بِوضوحٍ خُطوةً تِلوا خُطوة أُبعِد أغْصان الأشْجار عَني بِمهلٍ لئلا أُفسِد طقوسَها. ما أن وَضحَ لي مَظهرُها وَهي تَخلع زِينتها كَمن يَمحي اثار هَوِيتها .. تَمردت يدُها لِعُقد ثَوبِها وَكأنها تَهُم لِتهميش حَقيقتها مَا إن أدركتُ أنها سَتخلعُ ماسَترها حَتّى أسْتَدرتُ هَلعًا أتحاشى النَظر ألِيها ولكن تَسرُعي أفلَت صَوتًا يَخون هِدوئها وَيُفشِي عَن تَقاسمنا حُلكة الليل عَاودت الأسْتِدارة ناحِيتها بِبِطءٍ مَا أن سَمعت صَوت الرِياح تُقطع بَنَصل سَيفها لَم تَبدُ لِي تَحمِل مُجرد أداةٍ بَل تَحتضن شَطرًا أخر لِروحها المُهْلَكة، أخَذت تَرتد بوضعِية الدِفاع كَمِن أعتاد القَلق وَالقِتال عَيناها تَتفحصُ الظِلال عَن أي خَطرٍ حَولها.. وَلم تُدرك أنها بِعرينه. تَقدمت قَليلاً حَتّى سَقط عَليها نِورٌ هَرب مِن خدوش القَمار ليُلائم خدوشها لَم أُدرك ألا توًا أن للأنسان أن يولد مِن رَحم القَمر .. طَريقة تَجولها بالأرجاء مِن خلال عِيناها وتفحُص مابِين الظِلال.. لَم أعد أُفرق ما أن كِنت مَن يُراقبُها مِن خلف الظِلال أم أمامه داخِل النُور.. تَجمدت كُل أوصالي عَن الحراك وَلأول مرة أردتُ الهروب مِن ساحتي وجَعلي غَير مَرئي تِلك الغُجرية مَا تِبعثرُه داخلي كَان يَصرُخ مُثبتًا أنها لَيست مُجرد عابرٍ أقْتحم هَمسات الجذور وَحنين البِركة الطُهر لِضالٍ مُتلهفٍ لِبضع قطراتٍ مِنها. تَلاقت أعِيُني بِنور زُمردها وأنْسكب حِبر أفكاري فَوق الزَمان وَلعلي أوقفات كِليهُما أُطِيل التَمعِن فِي ضوئها دُونَ خَجل. 'ولأول مَرةٍ فِي تاريخ الأرض الظَلام يَرتجي النجاة مِن النور.