كانت وقتها قد بكت من جديدٍ إثرَ أنَّ دموعَها رفعت علمَ انتهاءها في سماء الرَّماد ذات الغيوم غير المرئية.. كانت قد بكت وهي تجلس بهدوءٍ بعدما رمَتْ نفسها في تلك الحديقةِ الخالية من الشجر..كانت (شاهرة) ما تزال طامرةً رأسها بين كتِفيها وهي تجلس على ذاك الكرسي الخشبي الصغير، وفجأة !ظهرت السحب، بعدما كانت غير مرئية، وكشفَ الرعدُ الصغيرُ عن مظهرهِ الجديد، فاكتست النجوم العميقة معاطِفَ الاستعداد للمجهول، وسقطت الغيوم. سقطت بعد إصابتها بنوبةٍ حادةٍ تحت تأثير ضوءٍ ما ! ضوءٍ ظهرَ قربَ الشمس !نهضت (شاهرة) بقوةٍ صارخةً راكضةً بعيداً : "لا ! لا ! لا ! مطرٌ غزير ! فوقَ أحزاني ! لا أرجوكم ! ليس وقته ! لم أعد أحتمل !"وفجأة ! وبينما تركض واضعةً ذراعيها فوق رأسها، انكسرَ غصنٌ من شجرةٍ بعيدةٍ من الطريق الرئيسي، فرمتهُ أيدي الرياح صوبَ قدمها !في تلك اللحظة، كانت قد استسلمت بالفعل، أبقت نفسها على الأرض ملتصقٌ وجهها بالأرض الباردة الجافة، كما لم تُحرِّك يديها أبدا، أبقت نفسها على الوضعية التي حصلت عليها بسبب تعثرها بالغصن الذي سقط هو الآخر قرب عينيها المنطفئتان من الداخل والخارج ولكنّ النسمةَ التاليةَ التي تعثّرت عليها أيضا فدخلت جسدَها وأشعلتهُ برداً فوق بردِ الأرض؛ قد بثَّت في قلبها وروحها شعوراً وُلِدَ تلك الدقيقة !"لا ! لن أسقط على الأرض ! كفاكَ أيها العالم من إسقاطي بامتحاناتكَ المفاجئةَ كلَّ ثانية ! فإني بدءً من هذه الثانية :لقد وُلدتُّ من جديد !لا ! لن أدع جسدي بارداً هكذا على الأرضِ كقمامة ! سوف أنهض ! أجل ! سوفَ....ولكن !لكني سوفَ أنهضُ لغرضٍ واضحٍ وحيدٍ فقط !سوفَ أنهض لأركل !لأركلَ بقدمي كلّ التفاصيل ! كلَّ شيء ! كلَّ العذاب ! حتى...حتى إني سأبدأ ذلك حالاً ! "ونهضت من على الأرضِ بوجهها الجديد وعيناها المشتعلةِ من الداخل والخارج ! ناظرةً إلى أولِ شيءٍ أسقطَها ! إلى الغصن الذي جلبتهُ الرياح لعندها ! صرَخت مطلقةً قدمها اليسرى للوراء عالياً ثم !لقد حدثَ أمرٌ لم يكن عادياً البتة ! أمرٌ غير منطقي ! أمرٌ جديدٌ على هذا العالم ! حدثَ ذلك قبل أن تركلَ الغصنَ المكسورَ بِلُحَيظات ! إذ سرعانَ ما ارتجفَ الغصنُ قليلاً، ثم بدأ بالتحركِ يميناً يساراً إلى أن انتهى به الأمر قد صارَ إنساناً ! تحوّلَ إلى امرأةٍ مجهولةٍ تبدو ملامحُ الغموض على تفاصيل عيناها !عندما أدركت (شاهرة) كل ذلك، كانت قد ركلتها على وجهها ورقبتها بأقصى ما فيها من قوة ! سقَطت الامرأة المجهولة على الأرض على الفور، وظهرت معها نوبةٌ أخرى من الرياح العاتية !صرخت (شاهرة) : "لا ! هل من أحدٍ هنا ! يا إلهي ! ما فعلتُ أنا ؟! أرجوكم اسمعوني ! ساعدوني ! لا ! استيقظي ! استيقظي ! من أنتِ ! كيفَ ظهرتِ هكذا ! ما الذي يحدث يا إلهي ؟! ها ! ما هذا !بينما كانت الامرأة فاقدةً وعيَها؛ رأت (شاهرة) كيف تخرج دموعٌ من عينَيها ! دموعٌ عجيبة ! سرعان ما تحولت لبركةٍ صغيرة ! ثم إلى بحر ! فأخذت تصرخ "أنا لا أجيد السباحة" بينما تحاول إخراج جسدها من رداء كومة المياه العميقة الذي كان شديد الحرص إلا أن يَلبَسَها !ارتدت (شاهرة) رداء الماء بالفعل ! أحاطتها الأمواج من كل مكانٍ وحدَها...لم تستطع حتى من الصراخ ..لكنها..لكنها بسرعةٍ صارت تحاول من جديد...تنهض من جديد....حاولت النهوض من سرير الماء الملاصق...إلى أين تتجه ؟ إنها لا تعرف إلا القيام بتحريك قدميها ويديها بشكلٍ عشوائيّ ! إلى أين تتجه ؟ إلى أين تسبح ؟ وجدتها ! أخذت تناهض وتحارب وتدفع نفسها رويدا رويدا حتى تحققت غايتها ووصلت للامرأة تلك المجهولة التي وجدتها تعوم على السطح !حاولت مجددا إسكات دموعها لكن بلا جدوى...خاطرت بحياتها للوصول إليها وإيقاف دمعتها الهاطلة عبثاً ! والآن، ها هي ذا موجةٌ عاليةٌ تشكّلت سريعاً فارتطمت بهما وأدخلتهما للأسفل ! أدى هذا إلى استيقاظ الامرأة ! استيقظت في قلبِ المياه ! فأخذت تصعد للأعلى منقذةً من ضربتها معها.... وفي النهاية، ها هما وصلتا بصعوبةٍ سطح المياه من جديد وهما تشهقان تتطربان تتنفسان بشدة، ولكن...لم يتغير شيء...ما تزال الغامضةُ تبكي وتبكي طيلة عشرات الدقائق المستمرة، وما زالتا عالقتين عند حافةِ سطح البحر الواسع ! لم يكن هناك أي بشر ! لم تجدا أي شيءٍ لإسعاف حالتهما الحرجة، أخذتا تتشبثان ببعضٍ طيلة الوقت ناظرتان إلى الأعلى حيث السماء داعيتانِ الخالقَ بالنظر إليهما في الوقت الحرج هذا... _آه ! أنا..أنا أعتذر...أعتذر بشدة ! كله بسببي أنا ! أعتذر منكِ على كل هذا ! أنا.._لا تبكي يا أختاه..._ولكن...إنكِ تبكين أيضا ! لماذا ؟! لماذا تبكين ؟! من أنتِ ؟!_أنا.....هي شخصٌ ما.....انظري إلي، أنا أبكي الآنَ لأني كنتُ أود إخباركِ أمرا ما عندما كنتِ تجلسين في الحديقة قبل أن تهطل تلك الأمطار ! أتيتُ إليكِ ولكن...لكنكِ قد ضربتني بشدةٍ فلم أتمالك نفسي أبدا !_آه ! لقد...أرجوكِ ..آسفة ! ماذا عساي أفعل ! أرجوكِ قولي ما أردت قوله فإننا قد.....قد ...._لا !_ماذا ؟!_لن نموت ! إياكِ والقول بهذه الأشياء بدءً من هذه الثانية ! إياك والاستسلام ! انهضي وارفعي رأسكِ من جديد ! أجل نحنُ البشر محتّمٌ أن يصيبَنا شيءٌ من الأسى والتعرض للمعاناة وتذوق أصناف العذاب....أجل إننا قد تمسُّنا كل تلك الأشياء ولكن...ولكنّنا قد خُلقنا لذلك السبب ! أجل لقد تم خلقُ العالم هذا من أجل هذا ! لكي ندخل هذه التفاصيل...هذه الأشياء المرة والحلوة..السيئة الجيدة....هذه الذكريات التعيسةِ تارةً...والجميلةِ الممتعةِ تارةً أُخرى ! لقد خُلقنا هنا على هذه البقعة لأجل الامتحان...لقد دخلنا امتحانا منذ لحظةِ خلقنا وولادتنا هنا ! وبعد أن وُلِدنا...ها هو ذا الخالقُ يُخاطبُ أرواحنا المختلطة ! يخاطبها قائلاً "هل سوفَ نضحكُ أم نبكي ؟! هل سنقبَلُ هذه الشدائد هذا الامتحان ؟ أم أننا لن نخضع لها فنستسلمَ ونُلقي أنفسَنا من الشرفةِ فورا ؟! لا ! لن نفعل ! لن نيأسَ البتة ! لن نبكي أبدا ! سوف تهطل دموعنا ! ولكن ليست أيّ دموع ! سوف نفرحُ فنبكي ! وسوف نضحك في وجه الألم الأسود الذي يطرق أبواب آلاف منازلِ البشريةِ كلَّ يوم ! ما إن اختتمت الامرأة تلك العبارةَ الفريدةَ حتى لمحتا ذلك "الغصن" المكسور يسير بتأثير المياه أمام ناظريهما ! وبسرعةٍ أطلقتا يداهما نحوه ممسكتان إياه ومتّخِذتاهُ وسيلةً معَزّزةً لإنقاذهما !أخذتا تسيرانِ بخفّةٍ مع التيار المائي وهما تُظهِران مراسِمَ السَّعادةِ إلى بعضهما البعض، وفيما بعد تعالت القهقهات الناتجة عن موافقة (شاهرة) لتلك العبارات المُختارة لها من بين كل اللواتي في مثل سنّهن، ولكن !ظهرت فجأةً دفعةٌ من أكوامِ رياحٍ مخيفةٍ قلبت الأشياء !لقد قلبت الرياح تلك الأشياء بشدةٍ هائلة ! بشدةٍ هائلةٍ لصالحهما ! لقد أدى ذلك إلى جريِ التيار المائي بسرعاتٍ جميلةٍ مصحوبةٍ مع أشعة الشمس الدافئة ! لقد أحستا كأنهما تخترقان البحر بجسدهما الحرّان ! فكان الأمل والتفاؤل بالسعادة والخير وكل ذلك ما أسهم في حدوثِ هذا كله لهما في وقتٍ قصيرٍ فقط، ولقد كان هذا هو خِتامُ "الحلم" الأبيض الذي زارَ نومَ (شاهرة) بينما طمرت رأسها بين ذراعيها وقررت أخذَ غفوةٍ بينما تجلس على الكرسي في تلك الحقيقةِ علّها بالنومِ تَنسى مشاقها وتعاستها، أفاقت و قد وجدت نفسها سعيدةً تضحك متبسّمة، وفجأة !ظهرت السحب، بعدما كانت غير مرئية، وكشفَ الرعدُ الصغيرُ عن مظهرهِ الجديد، فاكتست النجوم العميقة معاطِفَ الاستعداد للمجهول، وسقطت الغيوم.لقد كانَ "الثلج اللطيف" ! كان مفاجئةً شديدةً لها ! إذ أنها من عشاقِ ذلك المشهد الأنيق الذي يرسمُ القطرات البيضاء الصغيرة كيف تهبطُ مخترقةً قوانين الجاذبية ! آنذاك، كان الثلج يهبطُ بشكلٍ شديدِ البطء، ومَن يكرهُ هذا ؟! اجتمع العديد من الأطفال بسعادتهم الأبدية ! ناظرين للأعلى حيث النجوم والثلوج وأشعة الشمس ! وعندها وصلت الفكرةُ إلى بطلتنا (شاهرة) ! فأصبحت منذها شاهِرَةً بالأمل والحنين، وعادت من جديدٍ إلى حياتها الشخصية التي فيها ما فيها من الآلام المتنوعة ولكن، لكنها كانت قد أدهَشَت ذاكَ الألم الأسود الذي طرقَ بابَ منزِلِها بوجهها الضحوك. ________النهاية__________