ما تبقي

ما تبقي

2 0

استيقظت فيليرا في اليوم التالي قبل شروق الشمس.


لم تستعد قوتها بعد.


لم تكن قد نامت جيدًا.


كلما أغمضت عينيها، عادت إليها صور الحرب,النار والصراخ.


والسماء وهي تتحول إلى شيء لم تعد تعرفه.


نهضت من فراشها، ووقفت أمام النافذة.


كان الظلام لا يزال يغطي أفاراث، لكن خيطًا ضعيفًا من الضوء بدأ يظهر في الأفق.


وضعت يدها على حافة النافذة.


كان من المفترض أن يكون هذا أول صباح بعد نهاية الحرب.


لكنها لم تشعر بشيء يشبه البداية.


خرجت من غرفتها دون أن تستدعي الحراس.


كانت الممرات لا تزال هادئة، ولم يظهر في القصر سوى عدد قليل من الخدم الذين بدأوا يومهم مبكرًا.


كل شيء بدا مختلفًا.


حتى الجدران التي عاشت معها سنوات الحرب بدت أهدأ.


وصلت إلى الدرج المؤدي إلى الساحة الداخلية.


هناك، توقفت.


كان بعض الحراس يعملون منذ الساعات الأولى في إصلاح ما دمرته المعارك.


قطع حجرية متناثرة.


أعمدة مكسورة.


وأجزاء من أحد الجدران لم تعد موجودة.


راقبتهم دون أن تتحدث.


— لم تكوني مضطرة إلى القدوم إلى هنا.


جاء الصوت من خلفها.


التفتت.


كان سورِن.


لا يزال كتفه ملفوفًا بالضماد، لكنه بدا أفضل من اليوم السابق.


قالت:


— وأنت لم تكن مضطرًا إلى اللحاق بي.


ابتسم.


— أنا حامي العرش، تذكّري.


تفحصها سورِن بهدوء، ثم قال:


— لم تستعيدي قوتك بعد، أليس كذلك؟


تنهدت فيليرا.


— ليس بعد.


سكتت للحظة، ثم قالت:


— يبدو أن الأمر سيحتاج وقتًا أطول هذه المرة.


نظر إليها سورِن.


— بسبب الحرب؟


خفضت عينيها.


— بسبب ما تركته فيهم.


صمتت قليلًا، ثم أضافت بهدوء:


— كنت أعلم أن الأمر سيستغرق وقتًا، لكنني لم أتوقع أن يكون النقص بهذا الوضوح.


فهم سورِن ما تقصده، لكنه لم يعلّق.


تابعت فيليرا، وهي تنظر إلى السماء:


— ما زال البشر يحاولون النجاة مما حدث.


نظرت إلى الحراس في الأسفل.


— منذ متى وهم يعملون؟


— منذ ساعات.


— ولماذا لم يأخذوا راحة؟


— لأنهم لا يعرفون كيف يفعلون ذلك.


ابتسمت رغمًا عنها.


ثم قالت:


— هل بدأت عمليات إعادة البناء؟


— منذ الليلة الماضية.


— بهذه السرعة؟


— لم نكن نملك رفاهية الانتظار.


سكتت قليلًا.


ثم قالت:


— وماذا عن المناطق البعيدة؟


تغيرت ملامحه قليلًا.


— نحتاج إلى المزيد من الوقت.


— كنت أعلم أنك ستقول ذلك.


نظرت إليه.


— لهذا سأذهب إلى المجلس مرة أخرى اليوم.


رفع حاجبه.


— أهذا تهديد؟


ابتسمت.


— ربما.


سارا معًا في الممر.


وبعد لحظات قالت:


— هل كتبت شيئًا عن بحثك؟


التفت إليها سورِن.


— بهذه السرعة؟


— أنا أعرفك.


— لم يكن هناك وقت كافٍ.


— لكنك وجدت شيئًا.


ابتسم بخفة.


— وجدت أسئلة أكثر.


— وهذا ليس جوابًا.


— لكنه أفضل مما كان لدينا قبل الحرب.


سكتت فيليرا.


ثم قالت:


— لا أريد أن تتعجل.


نظر إليها.


— لن أفعل.


— حتى لو تطلب الأمر سنوات.


توقف للحظة.


— سنوات لن تكون مشكلة بالنسبة لي.


نظرت إليه.


— لا تقل ذلك وكأنها مجرد كلمات.


رفع كتفيه.


— نحن لا نملك شيئًا سوى الوقت الآن.


لم تجبه.


وصلا إلى نهاية الممر، حيث انفتح أمامهما الطريق المؤدي إلى الساحة الخارجية.


كان هناك شخص آخر ينتظرهما.


كايلِن.


كان يقف بجوار أحد الأعمدة، واضعًا ذراعيه خلف ظهره، ويبدو وكأنه كان يعرف أنهما سيأتيان.


كان طويل القامة، متزن البنية، وملامحه هادئة على نحوٍ يليق بشخص اعتاد مراقبة ما حوله أكثر مما اعتاد الحديث عنه. انسدل شعره الأشقر الرمادي الفاتح فوق جبينه، تلتقط خصلاته ضوء الصباح فتبدو كأنها خيوطٌ باردة من الفجر. أما عيناه فكانتا بلون الرماد الهادئ، ثابتتين وعميقتين، يصعب معرفة ما يدور خلفهما.


وخلف ظهره امتد جناحان كبيران ناصعا البياض، تتخللهما ريشات فضية لامعة، بدت تحت الضوء كأن طبقة رقيقة من الثلج استقرت بينها.


قال:


— مولاتي.


أومأت له فيليرا.


ثم نظرت إلى سورِن.


— اذهب.


— إلى أين؟


— لديك الكثير من الأوراق لتقرأها.


ابتسم.


— بدأتِ تستغلين سلطتك.


— متأخرًا جدًا اكتشفت ذلك.


انحنى بخفة، ثم ابتعد.


تابعت فيليرا سيرها مع كايلِن.


لفترة قصيرة، لم يتحدث أي منهما.


كان كايلِن بطبعه أقل كلامًا من البقية.


وأحيانًا كانت فيليرا تفضل ذلك.


قالت:


— كيف حال الحراس؟


— متعبون.


— أعلم.


— لكنهم لن يقولوا ذلك.


نظرت إليه.


— لماذا؟


— لأنهم يظنون أن التعب شكوى.


تنهدت.


— الحرب لم تأخذ منا الأرواح فقط.


أجاب بهدوء:


— لا.


ثم أضاف:


— أخذت منا أشياء لن نعرف أنها اختفت إلا بعد وقت.


توقفت فيليرا.


نظرت إليه.


— مثل ماذا؟


رفع عينيه نحو السماء.


— الثقة.


ظلت صامتة.


ثم قالت:


— أتخشى أن تبدأ المشاكل من الداخل؟


قال:


— أخشى أن تكون قد بدأت بالفعل.


نظرت إليه مطولًا.


— هل لديك سبب يجعلك تقول ذلك؟


هز رأسه.


— لا.


— إذًا لا تجعلني أخاف من شيء لا تملك عليه دليلًا.


أومأ.


— كما تأمرين.


تابعا السير.


وصلت فيليرا إلى الشرفة المطلة على الجزء الشرقي من السماء.


من هناك كان يمكن رؤية ما تبقى من آثار المعركة.


لم تكن السماء قد شُفيت بعد.


بعض الجزر العائمة فقدت أجزاء منها، وبعض الأبراج لم يعد لها أسقف.


قالت:


— سنعيد كل شيء.


نظر كايلِن إليها.


— حتى الأشياء التي لا يمكن إعادتها؟


نظرت إلى الأفق.


— سأحاول.


ساد الصمت.


ثم وصل صوت خطوات مسرعة من خلفهما.


التفتت..


كان إليون.


كان أصغر المستشارين سنًا، وأكثرهم وضوحًا في التعبير عن مشاعره. كان شعره فاتحًا وناعمًا، تحركت خصلاته مع أنفاسه المتسارعة، بينما بدت عيناه الواسعتان أكثر قلقًا من المعتاد. وكان وجهه يحمل ملامح شابة لم تستطع سنوات الحرب أن تمحوها بالكامل.


وخلف ظهره امتد جناحان أبيضاوان تتخللهما ريشات فضية، أقل ضخامة من أجنحة بقية المستشارين، لكنهما لم يبدوا أقل جمالًا تحت ضوء الصباح.


توقف أمامهما، يحاول التقاط أنفاسه.


— مولاتي.


— ماذا حدث؟


— وصلت رسالة من الحدود الشرقية.


مد لها الورقة.


فتحتها.


قرأت السطور الأولى، ثم توقفت.


رفع كايلِن رأسه.


— ماذا هناك؟


أغلقت فيليرا الرسالة ببطء.


— اختفت مجموعة من المراقبين.


تغير وجه إليون.


— أين؟


— قرب الحدود القديمة.


ساد الصمت.


قال إليون:


— كانوا في طريقهم لمراقبة المنطقة بعد الحرب.


ظلت فيليرا تنظر إلى الرسالة.


— وهل وُجد لهم أثر؟


هز إليون رأسه.


— لا شيء حتى الآن.


— متى وصلتنا الرسالة؟


— منذ أقل من ساعة.


رفعت عينيها إلى إليون.


— وهل حاول أحد الاتصال بهم؟


— عدة مرات.


— والنتيجة؟


— لا استجابة.


سكتت فيليرا للحظات.


لم يكن اختفاء مجموعة كاملة من المراقبين أمرًا يمكن تأجيله إلى الصباح.


طوت الرسالة ببطء.


ثم قالت:


— استدعِ المجلس.


رفع كايلن رأسه.


— الآن؟


— الآن.


أومأ دون تردد.


— كما تأمرين.


ثم التفتت فيليرا إلى إليون.


— وأريد كل ما لدينا عن آخر موقع شوهدوا فيه قبل اختفاءهم.


—امركي مولاتي.


غادر إليون مسرعًا.


نظرت فيليرا نحو الحدود الشرقية.


كان شيء ما قد تغيّر.


ولأول مرة منذ انتهاء الحرب، شعرت أن الهدوء الذي عاد إلى أفاراث لم يكن سوى ستار رقيق يخفي ما هو أسوأ.


قالت بهدوء:


— لن ننتظر حتى الصباح.


__________________________________


وفي مكان آخر من القصر، كان سورِن قد عاد إلى غرفته.


وضع المخطوطات على الطاولة، ثم جلس أمامها.


كان البحث قد بدأ منذ سنوات.


لكن للمرة الأولى...


شعر أنه اقترب فعلًا من الإجابة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Avarath:The Fallen

المؤلف Rowaida
2026/08/24 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة