عبدة

عبدة

2 0

✧• ━━━━━━━━━

صوت عزف العود الهادئ....

بالفعل....يبدو المكان صامتاً....حزيناً...

صمتٌ بدى أزلياً....

و رغم ازدحام المكان....

إلا أن أعين الجالسين لم تلتقي...

كانت فقط تنظر للأرض بيأس و حزن....نظراتٌ تخللتها دموعٌ منهمرة.....

أصوات الانين....أصوات البكاء المكتوم....

ذلك الصمت الطاغي على الزنزانة الضخمة الواسعة، اغتشاه خوفٌ عميق....

خوف من الموت....

من العقاب المنتظر !!....

عقاب الهروب !!..

خلال ذلك الجو الحزين الكئيب...

جلست فتاةٌ تسند رأسها لحائط السجن، بدى أن حزن العالم اجتمع بعيناها التي احتفظتا بالدموع بين أجفانها....

تجلس و تمسك بيدها منديلاً داكن اللون مبللٌ بالدماء....

و قد أجتمع حولها العديد من الاشخاص ممن عانقوها....و جلس الاطفال بصمتٍ عند أقدامها....

كانت جميلةً فاتنة الوجه !!...ذات شعرٍ أسودٍ متوسط الطول ، و أعين صفراء لامعة و أجفان كثيفةٍ ساحرة....

لها ندبةٌ واضحةٌ على جانب عنقها كما امتلك جميع العبيد حولها ...

و قد تواجدت بقع دماءٍ داكنةٍ على ثوبها الاسود الطويل...و بعض الكدمات بمناطق متفرقةٍ من جسدها....

لم يعلم أحدٌ كم مر من الوقت على جلوسهم بذلك الحال....لقد مر الكثير بالفعل على لحظات الصمت الطويلة، غط خلالها جميع المتواجدين بالنوم واضعين رؤوسهم بين أيديهم.....

كانت الذئاب تعوي حولهم، و نباح الكلاب التي تحرس الزنزانة الخارجية الضخمة.....

أما الفتاة، فقد وقفت من مكانها، لتسير مبتعدةً عن الاشخاص الذين تجمعوا حولها، و قد كانت بطيئة السير، تعرج من قدمها اليمنى التي تجدد نزيفها بسيرها ......

و قد ابتعدت عن الناس لتجلس وحدها أرضاً، لتنظر ليدها التي أمسكت بها المنديل حيث جفت الدماء عليه....

و قد تذكرت.......

تذكرت....

القفص الصغير....و بقايا العظام و الدماء....و كفه التي نجت من المذبحة التي حصلت، حيث بقيت عالقة بالاصفاد ولم تنهشها الكلاب.....

تلك الذكريات الحديثة القليلة....التي كانت كفيلة بجعلها تصل حد الجنون !! و قد هاجمت رأسها لتمزق شعرها بعنف و اخفضت من رأسها المثقل بالدموع لتضعه على الارض.....

" لا أريد تذكرك هكذا ....!!! لا أريد !!!!...."

كررت هذه الكلمات بهمس بينما تحاول أن تنتزع شعرها غير مدركةٍ لما تفعل !! و قد كررت ذلك مراراً و تكراراً ، وقد أرادت بالفعل نسيان ذلك المشهد البشع الذي رأته...

كانت فكرة خسارتها لشخصٍ تحبه بتلك الطريقة ، تفقدها عقلها بالفعل!!....

لكن....من ذلك الشخص !!....

ولما يحدث كل هذا !!.....

" لما يحدث كل هذا !!...لما تموت أنت من بين الجميع !!!...."

قالت الفتاة ذلك بينما ترفع رأسها و قد سقطت الدموع من عيناها بغزارة و بللت وجهها، و قد احترق صدرها بصراخٍ حبيس به....لم يكن كفيلاً بجعلها تعبر عن مدى فقدها....

و بينما هي تنظر للأمام خلف أعمدة الزنزانة الخارجية....

رأته !!....

و قد جلب كلابه الشرسة معه !!....

بابتسامة سادية.... و أعين حادةٍ مرعبة....نظر لها بسعادةٍ غامرة و هي تحترق الف مرةٍ على ما فعله بها....كان يرتدي الاسود ليختبأ بظلام الليل و يراقبهم.....و لم يكشفه سوى لمعان الفضة على ملابسه و صوت كلابه

لتقول بنفسها :

_ الز....الزعيم.....!!...

قالت ذلك لتخفض رأسها أرضاً له ببطئ....ليس إحتراماً...بل خوفٌ منه!!...رغم كل ما فعله !! رغم كل الالم !! عليها الانحناء له !!...رغبتها...مشاعرها...

ليست مهمة!

فهذه هي......العبودية !!!....

#الجنة_الباكية

✧• ━━━━━━━━━

"العبودية...."

أسوء من الموت !!!....

أن تكون عبداً....

يعني أنك لست إنساناً، بل شيئاً !!... أجل شيء!! وليس حيواناً

فالحيوانات تمتلك رغبة...و تمتلك شعوراً....

و العبد لا يمتلك ذلك الحق...

لا إسم لك...

لا شعور....لا رغبة..لا إرادة...

أنت مجرد شيء !!

" تحركي أيتها الاشياء الغبية !!!....."

صرخ بذلك شخص قوي البنية، ذو رداء أسود رسمي ، يحمل بيده سوطاً شائكاً غليظاً..و قد أخذ بضرب مجموعةٍ من الاشخاص ساروا أمامه، يرتدون الملابس ذاتها رجالاً و نساءً...

ملابس سوداء مهترئة و التزمت نظراتهم الارض غير مهتمين بالضربات التي انهالت عليهم...كما لو انهم اعتادوا الامر فقط، لكن شعور الالم هو ما يتجدد فقط...

و قد التزم صاحب السوط الصمت بينما ينظر لهم يعبرون بهدوء، فقد أراح حجنرته اللعينة قليلاً ، لكي يصرخ على أي مسكينٍ تتعثر قدمه او يميل خلال سيره...

كان الوقت باكراً من الصباح و الجو أقرب للبرد، و قد وصل العبيد أخيراً لمنطقة العمل التي استغرقتهم ساعةً من السير، و قد كانوا يقومون ببناء و تأهيل منطقةٍ فارغةٍ للسكن...

فقط أخذ البعض بحفر الابار و آخرون بالعمل بالبناء، و الباقون باستصلاح الاراضي الزراعة و السقاية....

و كان من بينهم....تلك الفتاة ذات الشعر الاسود بالبداية ، حيث كانت تعاني من حزنٍ أقل، بل ارتسمت بعض ملامح السعادة عليها...و قد أخذت بالحراثة مستخدمةً فأساً أثقل منها...و قد اهتمت بالاضافة لباقي السيدات بأمور الزراعة بينما قام الرجال بالاعمال الثقيلة، أما الاطفال من العبيد، فقد أخذوا بإزالة الاعشاب الفاسدة من الارض...ما يهم هو عدم جلوس أو راحة أي أحدٍ منهم...

و قد امتلكوا جميعاً حرقاً بجانب عنقهم و ذراعهم اليمنى، بشارة " إكس"...كما لو أنهم ماشية......

لا بأس بالعمل على كل حال....فهو أفضل جزءٍ باليوم...رغم الارهاق!...

هذا ما فكرت به الفتاة و هي تقوم بالحراثة...و قد استرقت أنظارها للحراس المتواجدين بالمكان مع أسواطهم المرعبة، لتعيد نظرها حيث العمل ، لتكمل بنفسها :

_ كم أكرههم !!...

قالت ذلك لتضرب مجرفتها بحجرٍ أبى أن يكسر، لتمد يدها لتزيل الحجر من التراب، لتجد أنه ليس كما باقي الحجارة....

بل حجرٌ لامع أسود اللون، و قد أدركت بسرعةٍ أنه مميز و ثمين، لتقوم بالتقاطه و إخفاء بكمها دون أن يراها أحد، لتكمل بنفسها بابتسامةٍ لطيفة:

_ أظنني وجدت فرصةً جيدةً لأكلمه !!...

بالنسبة لعبد....

راحة نهاية اليوم، هي أعظم مكافئة يمكن الحصول عليها...

بعد يومٍ طويلٍ من الشتم و الضرب و الاعمال الشاقة، لا شيء افضل من الاستلقاء و النوم لجمع طاقةٍ ليومٍ رتيبٍ آخر..

كان عددهم كبيراً، بمختلف الأعمار و الاحجام، فهناك الرضع و العجائز و الفتيات و النساء و الرجال، و كلهم عبيد !!...

و قد كانوا كذلك بسبب نزعةٍ حدثت منذ عقود، جعلتهم أقليةً مستعبدةً بهذه المدينة الضخمة، التي تخضع لحكم زعيم قوي مرعب...

و قد خصصت لهم منطقة جرداء بأحد أجزاء المدينة القاحلة، اختيرت لهم بعناية حيث لا ينمو الشجر ولا توجد ينابيع للماء، بل اكتفوا ببناء سجنٍ لهم بأقل الامكانيات الممكنة....

مجرد غرفٍ فارغةٍ و حشائش للنوم عليها....فالاشياء لا تحتاج لما يحتاجه البشر!!..

و قد اقتنع اولئك العبيد بتلك الفكرة نوعاً ما...

أما فتاتنا الجميلة....

فقد رتبت شعرها بقدر ما تستطيع لتختلف قليلاً عن باقي الفتيات ، و أخذتها أقدامها لأحد الممرات المعتمة حيث تسير متحسسة للجدار كي لا تسقط او تخطأ السير...

و قد اعتادت دوماً رؤية بصيص ضوء خافت، من باب لم يغلق تماماً ..... كان شبح الضوء ذاك، كفيلاً بجعلها تنسى العبودية وما يحدث لها طول اليوم ...

كان ذلك، هو الضوء الوحيد بحياتها....

و قد سارت له بابتسامة دافئة، لا تتطيق صبراً حتى تصل له لتطرق الباب المفتوح بخجل، لتقول :

_ إعذرني.....ألم تنم بعد؟...

قالت الفتاة ذلك بينما تفتح الباب أكثر لتنظر لداخل الغرفة، لترى شخصاً يجلس على طاولةٍ و يقوم بالكتابة، ليتلفت لها ليجيب :

_ ليس بعد....هل تريدين شيئاً؟

أجابته الفتاة قائلة :

_ الدخول.....اذا سمحت لي...

تبسم ذلك الشخص بدفءٍ بدوره و قال لها :

_ هه...بالطبع، ألم تأتي لذلك الامر ؟...

دخلت الفتاة للغرفة بسعادة غامرة كما العادة و اغلقت الباب خلفها، كان يبقى باب غرفته مفتوحاً عمداً... يعلم أنها ستأتي لتفقده....و يشاطرها جلسةً قصيرة بنهاية اليوم !!

كان هادئ الوجه، رمادي الأعين ، لديه كما جميع العبيد هنا ، رمز العبودية على يده و وجهه، و بعض الندوب القديمة على يداه و أماكن متفرقة أخرى، شعره أسودٌ داكن اللون بقصةٍ مبعثرة عشوائية....و قد جلست الفتاة بقربه تراقب ما كان يكتب به، لتقول له :

_ وجدت شيئاً جميلاً اليوم...لكن لا أعلم ما هو....

أجابها الشخص ليقول :

_ هل هو معكِ؟

مدت الفتاة يدها لجيبها، لتخرج الحجر الاسود الثمين لتعرضه عليه، لتقول :

_ راڤا....أتعلم ما هذا؟....

تناول راڤا الحجر الاسود منها، و قد كان لامعاً شفافاً و نقياً، يلمع بشدةٍ بمجرد اقتراب النور منه، ليقول لها :

_ هذا ياقوت أسود....أين وجدته؟

أجابته الفتاة لتقول و قد كان اسمها "لاسينا" :

_ وجدته بالحقل اليوم و خبأته...أظن أنني سأعيده لهناك...؟

أجابها راڤا ليقول :

_ لا تعيديه، ستصنعين لكِ عقداً منه...

تبسمت لاسي بسخريةٍ عندها و قالت:

_ عقداً ؟....هل أنت جدي بذلك !! تعلم أن ذلك ممنوع !

أجابها راڤا ليقول :

_ لكن ليس للأبد !...

لم تفهم لاسي مقصد كلامه، ليضع الحجر الثمين أمامها لتقول له :

_ اليوم....أخذ الحراس ثلاثة فتيات أخريات...

قالت لاسي ذلك ليعم الهدوء المكان و قد توقفت عن الكلام عندها....و خجلت من إكمال ما بقي ببالها....الا انها فعلت لتقول بترددٍ واضح:

_ كي ينجبن العبيد.....و خلال ذلك.....تلفت لي أحدهم وقال....أنني الت....

قاطعها راڤا ليقول بفورية :

_ لا ، لا تفكري بالامر.....

ليتلفت لها ليكمل :

_ لن يحدث ذلك، لا تقلقي...

لم تجبه لاسي على ذلك و اكتفت بالصمت بخجل، فما دفعها لقول ذلك هو خوفها فقط !...

و قد كانا يعلم كلاهما، ان سبب تواجد الفتيات من العبيد، هو الا ينقطع نسلهم..و الفتاة التي لا تستطيع الانجاب....ينتهي بها الامر بالقتل !!!...

أما راڤا فقد استرق نظرةً سريعةً للاسي بينما تجلس بجانبه، و قد كانت تريح القلب و العين رغم أنها بأيدٍ خشنةٍ و جسدٍ نحيل و ندوب متفرقة....كانت جميلةً و هادئة، تستمتع فقط بالجلوس بقربه حتى لو لم تتكلم او يتبادلا الحوار، كان حباً صامتاً هادئاً قلقاً من أن يكشف !....

و قد كان ينتهي بها الامر دائماً تغفو على مكتبه بينما يكمل عمله،و قد كان مسؤولاً عن جيش العبيد هذا، و كان مميزاً عن الباقين بالمعاملة، بالطبع ان تكون الزعيم على عبيدٍ ليست مهمة رائعة و مميزة، لكنها كبيرةً و ثقيلة.....فعليه تحمل مسؤولية أخطاءهم إن اقترفوها...و عليه إحصاء عددهم، ومن يموت و يقتل منهم، وكان هذا هو الامر الاسوء !!....

فعليه رؤية كل عبدٍ يقتل!! مهما كانت شناعة الجثة....عليه رؤيتها....

و بسبب كونهم عبيداً و أشياءاً....لا تمنح لهم قبور، بل ينتهي بالجثث طعاماً للكلاب و الطيور الجارحة....

و رغم أنه رأى جثث و قطع العبيد مئات المرات.....إلا أنه لم يعتد المشهد....

إنها العبودية بأشد ساديتها....

ولا بد لهم بالهرب......من هذا الجحيم !!....

أعمال العبيد الرتيبة لا تنتهي....

بعد عدة أشهر.....

و قد تواجد يومٌ دون عمل بمعجزة !! جلس خلالها العبيد بساحة سجنهم الواسعة العشبية، و قد أستمتعوا بها كأنها جنةٌ نعيمٍ وافر، و زاد النعيم بيوم عطلة دون عمل و دون شتائم !!

هذا أفضل يوم بحياةٍ عبدٍ لا يعرف الا لغة العنف و الضرب...

كانت السماء مليئةً بالغيوم القطنية البيضاء، و كان نسيم الهواء البارد اللطيف الذي شعر به المساكين للمرة الاولى دون تعبٍ و شتائم ثميناً !!...

و قد جلست لاسي بجوار راڤا يستمعون لبعض القصص من العبيد، و قد كان اولئك الاثنان كملك و ملكة العبيد....

ولم يزد الامر تعاسةً الا وصفي لهم!!...

" ملوك العبيد".... إن حصلت على لقبٍ كهذا مت فوراً !!!

أما لاسي، فقد تبسمت مجاملةً بينما تستمع لأحدهم و الذي كلم راڤا لتقول :

_العبيد الاغبياء !! فجأة أحبوا راڤا لانني أحاول الاستمتااع معه لوحدنا !!

قالت ذلك لتتلفت له و الذي كان يجيب بهز الرأس و الابتسام فقط

و قد كانت لحظاتٍ هادئة سعيدة نوعاً ما....

قاطعها عبدٌ أتى يصرخ بقوة :

_ الحرااااس أتواااا !!!!

انقشع العبيد من أماكنهم عندما سمعوا ذلك كما لو أنه يوم البعث، و تناثروا هنا و هناك و اصطدموا ببعضهم، ليجلسوا كما يجب قبل أن يصل الحراس و يجدوهم فرحين ليعاقبوهم....و قد بقيت لاسي بجانب راڤا جالسين لتقول له :

_ لما أتوا؟...

أجابها راڤا ليقول :

_ ليس لشيء جيد بالطبع...اذهبي للبقية سأرى ما يريدون....

وقفت لاسي من مكانها لتذهب لتجلس بقرب الناس و أخفضت رأسها، و راقبت راڤا الذي ذهبت ليكلم الحراس الذين نزلوا عن أحصنتهم ليسروا نحو سور السجن الشائك..و قد كانوا خمسةً بلباسٍ موحد، يرتدون أقنعةً بيضاء بها ثقوبٌ مكان العينين، و معطفٍ أسود طويل بلباسٍ ابيض أسفله، بالاضافة للسيوف و السياط طبعاً....

و قد اقترب أحد الحراس ليكلم راڤا الذي اتكئ على السور ليقول :

_ زيارةٌ مفاجئة أيها الحارس....ألم تعلم أن اليوم عطلة ؟...

أجابه الحارس ليقول :

_ راڤا...الجميع يقسم أنك اصبحت عبداً عن طريق الخطأ...

تبسم راڤا عندما سمع ذلك و قال له :

_ الجميع؟ أظن انني مشهورٌ بمكان ما عندكم

أجابه الحارس بصوته المتين الثقيل :

_ أنت أقل سوءاً من الاشياء خلفك فقط...تبدو كإنسان قليلاً، و لست مقرفاً مثلهم...

كان الحراس دائماً يرددون تلك الافكار لراڤا لكي يثيروا غضبه و اشمئزازه.....الا ان الامر ينتهي دائماً بالفشل و تجاهله لذلك...ليقول للحارس :

_ هل أتيت لانك تشتاق للعبيد ؟

أجابه الحارس قائلاً :

_ بالطبع لا هذا مقرف....قل للأشياء خلفك بالوقوف سنذهب للمدينة...

تعجب راڤا من ذلك قليلاً و قال له :

_ هل لي أن اعرف السبب ؟...

أجابه الحارس قائلاً:

_ لا تتعجل يا راڤا....ستعرف السبب بكل الاحوال !!...

قال لحارس ذلك ليلقي نظرة عشوائية على العبيد بالخلف، حيث جلسوا بصفٍ واحد يخفضون رؤوسهم، إلا أنه لمح لاسي التي اخفضت رأسها سريعاً بعدما كانت تنظر لهم، و قد ارتعدت بعدما التقيت عيناه بعين الحارس الذي قال بغضب :

_ أحضروا لي تلك العبدة !!...

تلفت راڤا ليعلم أياهن قصدها الحارس ، و قد صرخ الاخير على لاسي لتقف من مكانها و قد فعلت بتردد، ليقول راڤا له :

_ ماذا فعلت ؟...

أجابه الحارس بعدما أخرج سياطه :

_ تتجرأ و تنظر لي !! يا لهذه العاهرة الجريئة !!...

قال الحارس ذلك ليشير لها بالتقدم ، لتفعل، ليقول راڤا له :

_ بربك أيها الحارس !! إن تأخرتا فلن نعاقب لوحدنا...أهذا وقت القصاص برأيك !!...

عبر الحارس خلف سياج  ساحة العبيد بالفعل، و قال له :

_ هذه ليست مرتك الاولى بالدفاع عنها !! تظن أننا لا نلاحظ تصرفاتها ! تتجرأ و تنظر لنا، و تتكلم خلال عملها بالحقل!

تبتسم لوحدها !!...

أجابه راڤا ليقول :

_ لا أدافع عنها، يمكنك فعل ما تريد، لكن ذلك سيؤخرنا فقط عن الذهاب للمدينة...أنت تعلم الزعيم، دقيق المواعيد و سأقول له أنك السبب !

أجابه الحارس بغضب :

_ بل تلك العبدة هي السبب !!!

تنهد راڤا بغير مبالاةٍ ليقول :

_ ستتحمل أنت غضب الزعيم إن تأخرنا...أنتم تدركون غضبه جيداً !!...

توقف الحارس الغاضب عندها و بادل لاسي نظرة غضبٍ مرعبة، ليقول بعدما دفع راڤا للخلف :

_ قل للأشياء أن تتجهز بسرعة!!! لقد أضعنا وقتاً بالفعل بسبب العبدة !!..

بالفعل أعطى الحراس للعبيد ملابس خاصة لهم، و قد كانت معاطف طويلةٍ حمراء بنهاياتٍ مخروطية، تغطي كل أجسامهم و وجوههم، ولا يوجد بها الا ثقبين للرؤية منهما...

و قد ارتدوها جميعاً ما عدى راڤا حتى يتم تمييزه بينهم...

و بطريقٍ استغرق ساعتين من المشي سيراً دون راحة ...

وصلت القافلة أخيراً لمركز المدينة، و التي كانت كبيرةً ضحمة،ذات منازل خشبية و أخرى حجرية سوداء اللون، و قد كانت أرضية الشارع عبارةٌ عن حجارةٍ ناعمة متراصة بقرب بعضها البعض، يطغى الجو الضبابي على المدينة التي تواجدت بين الجبال، و للتوضيح لم تكن مدينة، بل حضارةٌ كاملة منفردة، لديهم زعيمٌ و أراضيٍ شاسعةٍ تحت سيطرتهم....

و قد سار العبيد خلال الشوارع وسط نظرات العامة لهم، وتقرف بعضهم....منهم..أخذ بعضهم بإلقاء الحجارة..

لكن كان لا بأس بذلك....فهم عبيد....وهذا ما كان يدور ببالهم .....فهذه هي حقيقة وجودهم التي اقتنع معظمهم بها ..

و قد أكملوا سيرهم حتى وصلوا بناءً حجرياً عملاقاً رمادي اللون...تصاعدت منه أصوات الهتافات و التشجيع، و قد تعجب العبيد لسبب قدومهم لهذا المكان....فهذه المرة الأولى لهم بالمدينة بعد بنائهم لهذا الصرح......

و قد تلفت الحارس لراڤا ليقول له :

_ سنأخذك لتتكلم مع الزعيم.....

ليتلفت للعبيد ليقول لهم :

_ وأنتم يا أشياء، اتبعوا هذا الحارس !!.

قال ذلك مشيراً لأحدهم و قد أخذ مساراً مختلفاً ليتبعوه، أما راڤا، فقد ذهب مع الحارس للمدعو بالزعيم..

داخل البناء الدائري الكبير، و حيث المدرجات المليئة بالمتفرجين السعداء، و الجمع الغفير ممن ينتظرون العرض فرحين...

و قد تواجد مكانٌ مميزٌ يكشف الأسفل بكل تفاصيله، و قد كانت شرفةً داخلية يجلس عليها بعض الاشخاص المهمين مع العديد من الحراس، كان من بينهم....

رجل مهيب الجلسة و المظهر، تجلس بجانبه ثلاثة كلابٍ سوداء شرسة، لكن بدى أنها حتى تخشاه !!....

كان شرس العينين !!...حاد النظرة....

ذو وجهٍ بتقاسيم غاضبةٍ باردة....شعره أسودً طويلٌ بعض الشيء ،

، و قد أخذ يربت بيده على رأس أحد كلابه، و قد ارتدى بها عدة خواتم فضية، و ظهر وشمٌ أسودٌ بباطن كفه....و قد ارتدى ، معطفاً أسوداً طويلاً مغلقاً.....

رزين الذوق، غير مبهرجٍ للغاية...

و قد أخذ ينظر للعبيد الذين وقفوا بمكانهم المخصص لمشاهدة العرض.....

و قد أدرك المدعو بالزعيم أن راڤا قد وصل له، ليقول :

_ ماذا تتوقع أن ترى؟...

تمعن راڤا النظر بالكلاب قليلاً ، و بيد الزعيم صاحب الصوت الثقيل ، ليقول له :

_ لا أعلم....

ضحك الزعيم عندها و وضع يده أسفل ذقنه ليقول هامساً :

_ بالطبع ...فلا عقل لكم، نسيت أني أكلم عبداً...

لم يهتم راڤا لتلك الكلمات التي تلتصق بأفواه الجميع ، و اكتفى بالصمت ليشير له الزعيم بيده ليتقدم، ليفعل ذلك بالقليل من الخطوات التي جعلته يرى الاسفل دون إضاعة أي مساحة صغيرة....و قد تواجدت ساحةٌ ضخمة ٌ بعدة أبواب جانبيه.....كالمصممة بالمدرجات الرومانية القديمة...

ليقول الزعيم :

_ قمنا بشراء بعض الاسود بأحد الصفقات التجارية....وددت أن أراها تصطاد كما تفعل بالغابة....و كنا نبحث عن فريسة ! ..

لم يجبه راڤا على ما قاله و اكتفى بالاستماع له، ليكمل الزعيم :

_ حتى أدركت أن لدي ثلاثةً من العبيد فارغتا الجوف !!!

اعتلت راڤا بعض ملامح الصدمة عندما سمع ذلك، و أدرك سبب جلبه مع العبيد لهنا.....

فهذا الزعيم هنا....سيطعم ثلاثةً منهم للأسود  !!....

ليكمل الزعيم بينما يعدل جلسته و يقهقه بساديةٍ نقية :

_ لما سأحتفظ بنساء لا يمكنهن الانجاب !! الستُ محقاً يا راڤا؟...

قال الزعيم ذاك ليتلفت له و قد التزم الصمت فقط، ليكرر بحدةٍ مخيفة :

_ ألست محقاً يا رااڤاا !!!

أجابه الاخير ليقول :

_ أنت كذلك .......

" رائع و الان.....سنبدأ بالعرض"....

قال الزعيم ذاك بينما يعطي إشارةً بيده لحارس البوابات لفتحها، و قد فعل ذلك ليبدأ برفع البوابة المعدنية الضخمة ببطئ، و قد بدأت ثلاثة أسودٌ بيضاء ناصعة تخرج منها ، و قد كادت تقاتل تأكل نفسها حيث انها تعرضت للتجويع...

و قد فتحت بوابةٌ أخرى دفعت خلالها ثلاثة فتيات بالقوة نحو الساحة و سارع الحراس لإعادة إغلاقها حتى لا تهاجمهم الاسود!....

و قد اهتز العبيد جميعهم عندما رأوا الفتيات الثلاثة، و أدركوا المقصد من يوم العطلة ذاك، و سبب قدومهم لهنا !!....

لكنهم يدركون تماماً ، أن اعتراضهم، حزنهم أو صراخهم ، سيرمي بهم بتلك الساحة مع الاسود التي سارت ناحية الفتيات الهزيلات ممزقات الثياب، و قد بدأن بالصراخ و التوسل للحياة فور رؤيتهن للأسود.....

ليقول الزعيم عندها بهمسٍ بينما يراقب بشغف...:

_كم أحب هذا.....!

قال هذا بينما يراقب الحياة البرية بالاسفل، و قد هاجمت الاسود إحدى الفتيات التي سقط أرضاً و عجزت عن الهرب ليعض عنقها،و قد هاجمها أسدٌ آخر ، فهي الفريسة الاولى و  هذه طبيعة الاسود !!

و قد مزقتها الاسود بعد معركةٍ طويلة لفصلها بينهم....

و انفرد أسدٌ بفتاةٍ اختبئت عند بوابةٍ معدنية، استمر بسحبها بمخالبه بينما حاولت ركله لتبعده، لكنه سرعان ما مزق لحمها و قبضها بين أسنانه ليبدأ بالتهامها....

و قد تعالت صرخات المشجعين و الهتافات الفرحة بذلك العرض الوحشي السادي....

و قد بقيت فتاةٌ واحدةٌ و التي اندفعت نحو مكان تواجد العبيد، لتبدأ بتوسلهم لإنقاذها، لتقول لهم بصوتٍ سمعه الجمهور كله:

_ أرجوكم !!! أرجوكم !! لا تتركوني !!

خذوني عندكم!!!...

قالت ذلك منتهزةً فرصة أن الأسود تقوم بأكل رفيقاتها قبل أن يحين دورها، و قد أكملت قائلة بينما تمد يداها للأعلى :

_ لاسينا !! راڤا !! ساعدانييي !! ارجوكم !!

تحركت لاسي من مكانها عندما سمعت باسمها.....و تقدمت بسرعةٍ لتحاول مد يدها لتساعد الفتاة بينما ابتعد باقي

العبيد عنها لكي لا ينالوا شيئاً من غضب الزعيم !! و قد حاولت مد يدها لأسفل السور الذي يفصل بينهم !! إلا أن المسافة كانت شاهقة ولا مجال أبداً للوصول لها !!

و قد أدركتا الفتاتان ذلك، كما أدركتا الهدوء القاتل الذي حل بالساحة.....

فقد صمت الجمهور !!...

و جلسوا أماكنهم.....!!

و جلس العبيد أرضاً و بقيت لاسي واقفة غير منتبهةً لما يجري، ليهمس لها أحد العبيد بقربها :

_ يا غبية !!! الزعيم !!!

سقط قلب لاسي من مكانها عندما سمعت ذلك، و تلفتت لشرفة الزعيم لتراه واقفاً يملأه الغضب !!

و قد شعرت بأطرافها تأبى التحرك، لتجلس ببطىءٍ أرضاً بجوار رفاقها....

أما الزعيم فقد كاد يجن من المشهد الذي رآه !!....أحد العبيد تحرك دون أمره للاعتراض على حدثٍ يتابعه !!....

ليقول لراڤا :

_ ماذا قالت؟....لاسينا؟....هل تنادون بعضكم بأسماء !!!....

لم يجبه راڤا على ذلك، و شعر بغضب الزعيم يأكله و يقتله، ليصرخ الزعيم به بينما يضرب يده بحافة الشرفة:

_ هل تنادون بعضكم بأسماااء !!....

أجابه راڤا ليقول :

_ ....أجل.....

التزم الزعيم الصمت عندها، و بقي ينظر للساحة بغضب شديد، و قد منع العبيد حتى من مناداة بعضهم بأسماء !! فالاشياء و الحيوانات لا تملك أسماءاً و الامر ذاته ينطبق على كومة البشر تلك !!....

أما الفتاة التي بالساحة...

فقد أدركت أن لا مناص من الموت.....و ان الاسود ستلتهمها لا محالة !!.....

و جمعت ما تبقى من شجاعة و رغبةٍ بالحرية مما عاشت به، و وقفت رافعةً رأسها ناحية الزعيم لتقول بصوتٍ يسمعه كل الجمهور :

_نحن.....لسنا عبيداً لك !! أيها الجبان !!

قالت ذلك لتتلفت نحو العبيد خلفها لتقول لهم :

_ ارفعوا رؤوسكم !!! أنتم لسنا عبيداً نحن لسنا أشياءاً !!....لا تخشوه !!! بل أهربوا من هنا !! اهربوا !!

اشتاط غضب الزعيم عندما سمع ذلك الكلام من عبدةٍ فانية !! ليصرخ بالحراس قائلاً:

_ لا تدعوا الاسود تلتهمها !!! أريد تلك العبدة حية !!!

ارتجفت الفتاة عندما سمعت ذلك. !! و تابعت كلامها قائلة :

_ خسئت أن تمسكني حيةً أيها العاهر القذر !!! خسئت أن تنسينا من نكون !!

نحن بشر !! و لدينا أسماءٌ رغماً عنك !! أسمعتني !!

قالت الفتاة ذلك لتتلفت للحراس الذين انقضوا عليها  ليمسكوها حية ، الا أنها هربت منهم، مدركةً انها ان بقيت حيةً بعد الذي قالته، فسيكون الموت أمنيةً محالٌ تحقيقها !!....

لتهرب منهم ناحية أحد الاسود الذي أنهى وليمته ، ليهاجمها بمخلبه على وجهها ليمزقه، و تنهال دماءها على الارض، لتتلفت اخيراً نحو الزعيم الغاضب على شرفته لتصرخ للمرة الاخيرة :

_ أنت لا تملكنا !!! أسمعت !!! أنت ل....

كانت تلك هي الكلمات الاخيرة الصادقة التي قالتها الفتاة....و قد تعرضت للاستعباد منذ أن رأت عيناها النور !!....

لتموت بكل شجاعةٍ رافضة عبوديتها  !!...

و قد اشتعل الزعيم غضباً....و صمت الجمهور الذي يخشاه....و ارتجف العبيد بذعرٍ بانتظار مصيرهم بعد هذه العرض الوحشي المرعب.....

ليغادر الشرفة بغضبٍ تاركاً راڤا و الحراس خلفه....مذعورين حتى من الاقتراب منه !!....

كان يوماً رتيباً بدوره....

فهذه ليست المرة الاولى التي يموت بها عبدٌ بطريقةٍ بشعة....

لكن المميز به.....

هو أن أحدهم.....

وقف أخيراً بوجه ذلك الزعيم الشرس. !!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الجنة الباكية

المؤلف Yakuza
2026/07/28 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة