لم يبدأ الأمر بصوت.
بل بالصمت.
صمتٌ غريب، حتى الطيور توقفت عن التحليق، والرياح نسيت طريقها بين الأشجار، وكأن العالم كله حبس أنفاسه في انتظار شيء لا يعرفه.
ثم...
ظهر أول شق.
خط رفيع مزق السماء الزرقاء، كأنه جرح فتح في جسدها.
رفع الناس رؤوسهم في دهشة.
ظن بعضهم أنه برق، وآخرون حسبوه ظاهرة فلكية نادرة.
لكن الشق لم يختف.
بل اتسع...
واتسع...
حتى صار يشبه بابًا عملاقًا يشق السماء نصفين.
ومن داخله انبعث ضوء أزرق بارد، أعقبه صوت لم يشبه الرعد ولا الزلازل، بل بدا كأن السماء نفسها تتكسر.
وبعد ثوانٍ...
ظهرت شقوق أخرى.
واحدة...
اثنتان...
عشر...
ثم مئات الشقوق انتشرت فوق العالم كله.
بألوان مختلفة تبدو زاهية لكنها بثت الخوف في قلوب البشر
ساد الذعر.
توقفت السيارات.
هرب الناس إلى منازلهم.
واكتفى آخرون بالنظر إلى السماء، عاجزين عن استيعاب ما يرونه.
و فجأة و بعد دقائق قليلة ساد الصمت
اختفت الشقوق كأنها لم تكن موجودة من قبل
و بعد هذه الحادثة بساعات
يستيقظ أحدهم في غير محله
يفتح عينه يناظر المكان حوله
ثم يحدق في يده و هو يتنفس بعمق
كان المكان مختلف عليه و جديد كليا لم يرى مثله من قبل
الأرض ذات اعشاب حمراء غامقة و القمر بارز في السماء مع السحب و لون السماء متغير للأحمر أيضا اما جذوع الأشجار كانت سوداء كأن الدنيا عكست الوانها
بقي يناظر يده ثم يناظر المكان.. أين السماء الزرقاء؟ أين الأشجار الخضراء و الورود الملونة و زقزقة العصافير؟
شاهد زيه العسكري ثم حقيبته .. كان قد جهزها ليذهب في مهمة بعيدة
وقف بإستقامة و بدأ يناظر المكان حوله يستكشفه.
عقد حاجبيه مستغربا و قال في نفسه
" يمكن تأجيل المهمة فور عثوري على مخرج من هنا.."
بقي يتأمل المكان و يستكشفه و مشى كثيرا ركضا يحاول معرفة الاتجاهات او طريق للخروج، لكن الإرهاق و التفكير المفرط أتعبه، بقي يناظر يديه بهلع و قلق و العرق يتصبب ثم قرر التوقف ليناظر السماء و يعرف اتجاه الشمال و يتبعه
بعد دقائق من التجوال بين الأشجار السوداء،
صعد ماركو فوق شجرة ليرى المكان من أعلى
لمح ماركو شيئًا لم يكن يتوقعه.
خيمة.
و ليس مجرد خيمة بل خيمة كبيرة و واسعة جدا و كانت تبدو مملوءة
كانت منصوبة في فسحة صغيرة تحيط بها الأعشاب الحمراء، ويتصاعد من أمامها خيط رفيع من الدخان.
نزل من الشجرة و اتجه نحوها مباشرة
اقترب بحذر، ويده لا تفارق الحقيبة المعلقة على كتفه تجهزا لأي هجوم.
كان صوت احتراق الحطب هو الوحيد الذي يقطع الصمت.
وفي منتصف المكان اشتعلت نار هادئة، تعلوها قدرٌ معدني أسود يتصاعد منه البخار و رائحة الأكل، بينما انتشرت حوله أدوات صغيرة وحقائب وقطع خشبية و زجاجات ، وكأن صاحب المكان يعيش هنا منذ زمن.
توقف ماركو ثم قال في نفسه في هدوء و هو يزفر
"إذن... لست وحدي"
وما إن خطا خطوة أخرى، حتى تحرك مدخل الخيمة القماشي.
خرج منه مخلوق أزرق صغير يحمل كوبًا خشبيًا بين يديه، يتثائب و يفرك عينه كأنه استيقظ قبل لحظات.
كانت له أذنان طويلتان، وذيل كثيف، ووجه يشبه الثعلب، بينما استقرت نظارتان دائريتان على أنفه، والتف حول عنقه وشاح أزرق داكن.
توقفت خطواته عندما لمح ماركو.
حدق فيه لثوانٍ...
ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة.
"أوه..."
قالها وكأنه وجد ضيفًا تأخر قليلًا عن موعده.
"صباح الليل... يا صديق"
نظر له ماركو بذهول و استغراب في نفس الوقت لكنه تعب من التفكير من عجائب هذا العالم
اقترب منه باستقامة و بحذر تام ثم نبس بصوت رسمي
"مرحبا، أنا ماركو.. ماركو دي سيميون"
ناظره الوحش الصغير بإبتسامة لطيفة ثم قال له
"مرحبا ماركو، أنا أدعى قابيل .. ٱخر بني جنسي في هذا العالم"
كانت هذه الكلمات كافية بأن تجعل ماركو يقع في دوامة رحب به و تعرف إليه لكن عيناه ترتجفان خوفا، و لم يعلم ان بعد هذه المصافحة ستتغير حياته تدريجيًا