اشتقت لك

اشتقت لك

14 0

في قلعة ملكة الشياطين السوداء، كانت روبينا مستلقية على سريرها بصمت، تحدق في السقف بينما يتردد في الخارج صوت قطرات الماء المنسابة عبر أعواد الخيزران، بإيقاع هادئ يملأ المكان سكينةً غريبة.

كانت تستعيد في ذهنها كلمات ملكة النور، وتحاول تحليلها.

فرغم أن معظم تصرفات روبينا بدت غبية، طائشة، وغير محترمة، فإن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا. فقد امتلكت عقلًا استثنائيًا، حتى إن وصفها بالنابغة لم يكن مبالغة.

عندما كانت تُجرى عليها التجارب في الماضي، خُصص لها عامان كاملان من الدراسة القسرية دون انقطاع. كانت تُجبر يومًا بعد يوم على تعلم كل ما يقع أمامها؛ ولم تكن تنام سوى ساعة واحدة في اليوم. ومنذ شروق الشمس حتى غروبها، كان عشرة علماء مجانين يحيطون بها، يلقنونها مختلف العلوم والمعارف بلا رحمة.

وبمرور الوقت، أصبحت روبينا تمتلك معرفة واسعة في معظم المجالات. بل إن ذكاءها الفطري كان أحد الأسباب الرئيسية التي جعلتها تُختار عينةً لتلك التجارب.

تمتمت بصوت منخفض:

«مخلوقات جديدة...»

ثم اتسعت ابتسامتها، وانفجرت ضاحكة.

«هاهاهاها... إنه أمر مذهل حقًا.»

رفعت يدها نحو السقف وقالت بسخرية:

«إنه مضحك... مضحك جدًا.»

صفقت بيديها بخفة.

«يا مساعدة!»

لم تمضِ سوى لحظات حتى دخلت مساعدتها، وانحنت باحترام.

«لقد أتيتِ. أخرجي الدفتر، أريد تدوين المقولة الثانية.»

أخرجت المساعدة الدفتر والقلم، ثم أطلقت تنهيدة خافتة وهي تفكر في نفسها:

«كل أفراد عائلتي الذين خدموا ملوك السود كانوا عقلاء... إلا أنا.»

رفعت القلم وقالت:

«ما هي مقولتكِ، سيدتي؟»

ابتسمت روبينا بفخر.

«اكتبي: إذا كان الأمر مضحكًا، فلا تكتم ضحكتك، بل قهقه.»

رمشت المساعدة باستغراب.

«ها؟»

قطبت روبينا حاجبيها.

«ما الذي تعنينه بـ(ها)؟»

«لأنها... مقولة تافهة.»

وضعت روبينا يدها على صدرها، وكأنها تلقت طعنة قاتلة.

«تافهة؟! إنها ليست تافهة، بل مقولة عميقة لا يفهمها إلا الأذكياء. أما الأغبياء أمثالك فلن يستوعبوها أبدًا.»

قالت المساعدة ببرود:

«لا أهتم بمقولاتك، سيدتي. مهمتي هي تنفيذ أوامرك.»

أمالت روبينا رأسها.

«ولماذا؟ هل أنتِ لعبتي؟»

«لست لعبتك، بل مساعدتك.»

ضحكت روبينا.

«الأمران متشابهان. سواء كنتِ لعبتي أو مساعدتي، ففي النهاية ستنفذين أوامري.»

ثم لوحت بيدها وهي تضحك.

«هاها... أمزح فقط. أنا أميل إلى تحويل من يزعجني إلى خدم، لكنك لا تزعجينني... بل أنتِ مسلية.»

أجابت المساعدة بهدوء:

«شكرًا على إطرائك.»

ساد الصمت لثانية.

ثم قالت روبينا بلا مبالاة:

«غيرت رأيي... أنتِ مملة. اخرجي.»

انحنت المساعدة مرة أخرى.

«كما تأمرين.»

وأغلقت الباب خلفها بهدوء.

أغمضت روبينا عينيها، وسرعان ما غفت.

لكن ما إن استسلمت للنوم حتى وجدت نفسها في مكان غريب، وكأنه عالم لا ينتمي إلى الواقع الذي تعرفه.

لم يكن هناك ظلام.

كانت السماء زرقاء صافية، والنسيم عليلًا، بينما امتدت الحقول المليئة بالورود حتى الأفق، تنشر عبيرًا دافئًا لم تشعر به من قبل.

وفي وسط ذلك المشهد، رأت طفلة في الرابعة من عمرها.

كانت تشبهها تمامًا.

شعر أبيض ناعم، لكن عينيها كانتا سوداوتين، وكانت ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا وهي تمسك بيد امرأة تشبه روبينا بعد أن كبرت.

قالت الطفلة بسعادة:

«أمي... أنا أحبك.»

ابتسمت المرأة بحنان ومسحت على رأسها.

«وأنا أيضًا أحبك يا توليبيا... أحبك، وأحب أختك وأخاك.»

ابتسمت الطفلة أكثر.

«وأنا أحب أختي وأخي أيضًا.»

وقفت روبينا تحدق في ذلك المشهد، وقلبها ينبض بعنف.

لم تكن تعرف من تكون تلك الطفلة، ولا من تكون المرأة، ولا حتى من هي الأخت التي يتحدثان عنها.

ومع ذلك...

اشتاقت إليهما.

دون أن تشعر، اندفعت تركض نحوهما.

«انتظرا!»

ركضت بكل ما أوتيت من قوة، لكن المسافة بينهما لم تتغير.

واصلت الركض.

وركضت أكثر.

حتى بدأ جسدها يثقل، وأنفاسها تتقطع، والعرق يغطي وجهها.

ومع ذلك...

لم تقترب منهما ولو خطوة واحدة.

توقفت أخيرًا، منهكة.

وفي اللحظة نفسها، توقفت المرأة والطفلة أيضًا.

استدارتا ببطء نحوها.

كانتا تبتسمان...

ابتسامة دافئة، مليئة بالحنان.

ثم قالتا بصوت واحد:

«نحن ننتظركِ، روبينا.»

ارتجف جسدها.

لم تكن تعرفهما...

لكن قلبها كان يعرفهما.

وسالت دموعها دون أن تستطيع إيقافها.

شعرت بحنين عميق إلى شيء لم تتذكره، وإلى أشخاص لم تلتقِ بهم قط.

ثم...

استيقظت.

فتحت عينيها وهي تلهث، بينما كانت الدموع ما تزال تنهمر على خديها.

حدقت في سقف غرفتها، تحاول استيعاب ما حدث.

أكان ذلك كابوسًا...

أم حلمًا جميلًا؟

لم تعرف.

كل ما عرفته هو أن قلبها كان يؤلمها بشدة.

واستمرت في البكاء، حتى ضاق نفسها، وأظلمت الدنيا أمام عينيها، وسقطت فاقدةً للوعي فوق أرض الغرفة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

زهرة نحو الموت

المؤلف Lino La
2026/05/28 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة