" هِدمٌ و صراع "

" هِدمٌ و صراع "

13 0

رداء بالي ، قد عفا عليه الزمان، رمادي اللون متقطعةٌ أطرافه ، محروقةٌ أكمامه !  شعرٌ قد طغى الشيب عليه لتأتي صبغةٌ من الأتربة مزينةً إياه . شخصٌ يتجول وسط الحطام ، وسط الجبال و الحجارة ! بئر من الماء يتهاوى في الأفق ! " آه أياليته حقاً فقد مللت السرابَ. و ما عدت قادرٌ على الهرولة ، فقد أضحى الجسد هزيلًا و الأمل ضئيلًا " أخذ يحدق في الخريطة محدثاً نفسه : "يا الله ، أقتربت أليس كذلك ؟ بقت فقط بضعة أمتارٍ نحو الأسوار ، لعلي أراها من موقعي هذا ! " ومن ثم أخذ يقترب من ذاك السراب أو الجب ، أيهما أقرب ؟ و يا ألهي لقد كان جُباً بحق ! "إنها مياه ، لقد هرمتُ ! " أخذ يدلي دلوه في الجب آخذًا إياه شاربًا مياهه . وفي سرعة أخذت دمائة تتسابق في أوردته حتى إزداد نبض قلبه مُشعِرًا إياه بدوار قادم ! ومن ثم هوى أرضا.... ___________________________________________ رمال تطاير مصدرةً صليلًا ... و لكن ، منذ متى تصدر الرمال صليلًا ؟؟ أوه يبدو أنني أخطئت التعبير ... رمالٌ تطاير هنا و هناك و رمالٌ مستقرةٌ حاملةً فوق رأسها أقوامٌ ، و هنا لدينا رجلان صوتهما يصدع بالمكان ، يتسايفون مصدرين صليلًا و الرجال حولهم مصدرين أهازيجًا ! "يا رجل ، أوتظن أن خسارتي على يدك ممكنةٌ حتى ؟! فأنا أراكَ تدافع بإستماتة هنا ! لما لا تستسلم فحسب ؟!" بسمة جانبية زينت وجهة مطلقًا صوتَ إستهتزاءٍ : " أسمعت يومًأ بهدوء ما قبل العاصفة ؟ أم أنك لم تجد سوى تلك التراهات لتتفوه بها مواريًا خسارتك المحتومة ؟ " أخفى إمتعاض و جهة ببسمةٍ مغرورٌ ظاهرها و مقهورٌ باطنها : " صِه ! " وإحتدمت المبارزةُ بينهما ، كل منهم يدافعُ عن حقٍ يراهُ هو حقًا ! و لكل منهم سببٌ وجيهٌ للقِتالِ ، فما كان هذا لعبًا ولا لهوًا ، ولكن بالنسبةِ لهم فعلى الأرجح تمنوا أن يكون كذلك .... مثلما كان يومًا ! وفي لحظةٍ ابتلع الناس أصواتهم فاتحين أفواهم ، بعضهم متعجبين ممتعضين معترضين و آخرون دبت الحماسةُ في قلوبهم و إنفجرت فرحةٌ ممزوجةٌ بفخرٍ من أعينهم ، ليُسمع صوت وقع السيف.... عانق السيف الرمال مرتاحًا بين حباتها بعدما أرهقه القتالُ مثلما أرهق صاحبه ! لكن شتان بين ارهاقٍ من جماد و إرهاقٍ من بشر ! " كنت و مازلت إسمًا على مسمى تياهر " لم يرف له جفن ولم تتحرك مقلتيه عن خاصته، كبرياءه أبى الخضوع ، و لولا أن الخسارةَ خسارة، فما له سوى التسليم بها ! " هنيئًا لك أُويس الفوز علي ، عسى أن تخسر في المرة القادمة " "لما تلك القسوةَ أخي ، ما عهدتك هكذا ! " " تقول لي أسمًأ على مسمى،  و أنت ما اُخترع الإسم إلا لك ! " " لأعتبرنه مديحًا أخي العزيز ، لذا و بكل رقي أقدم لك جزيل شكري " "جزيل شكرك حقا ؟! على كلٌ .... وداعًا " بسماتٍ خبيثةٌ زينت محياه و بداخله نشوة الإنتصار تشتعل ، و لولا وجود الناس حوله لضج المكان بصوت ضحكاته ! "هيا يا قوم ، كلٌ إلى سبيله " ___________________________________________ وعلى الجانب الآخر ، يسير بلا هدف ، بلا صوبٍ و بلا خططٍ ! يتحرك بين الرمال متأملًا إياها ، متعجبًا من عدم إحتراقها حتى الآن ، مع ذلك اليوم الشامس. أياليته يمتلك شئ من قدرتها تلك ، لعلها تطفئ نيران قلبه و بِئسًا لنيران جسده . فما فائدة برودة الجسد إن كانت النفس تشع حرارةً بالفعل ؟! و ما أدراكم أي حرارةٌ تلكَ ! هي مزيجٌ من نيران غلٍ و إنتقام ، نيران شوقٍ و إشتياق ، نيران ندمٍ و تحسرٍ ، إنه اللهيب بداخله يا سادة ! ويبدو أن الخرف قد أصابه بالفعل ! فها هو ذا يرى رجلًا يجثو أرضًا ممدًا بين الرمال الصفراء : " أهذا ما كان ينقصني ؟! رجلٌ لا لا إنه هِدم متهدمةٌ ثيابه ، يا عم ، إستيقظ أرجوك ، هيا إستيقظ " أخذ يناديه موقِظًا إياه ، لكن لا حياة لمن ينادي ! أصابه الدجر، فبعدما مسح وجه الرجل بالماء عله يفوق ، لم يبد أي علاماتٍ للحياة سوى صدره الذي أخذ يعلو و يهبط بصوت نبضات قلبه المسكين..... المكان مظلم بالداخل، والعقل غائبٌ الآن ولا يوجد سواي من يصدر الضوضاء ! هذا لا يصح ، فكيف لي أن انازع غريمي الآن ؟ يا عقل هيا أفق ، لقد أرتاح الرجل بما فيه الكفاية و منذ متى كنت بذاك العطف لتتركه نائما مرتاحًا هنيئ البال دون تفكيرٍ أو إزعاج ؟! أم تلك طريقتك الجديدة في الرد علي ؟ تتجاهلني !! يا مزعج فقط أصمت ، لست بهذا الجبن لأتجاهلك _ربما أكون بذلك العيش _ حسنا ليس وقته ، المهم أنت المخطئ هنا حسنا ؟ فالرجل يكاد يموت جوعًأ و عطشًا و ما إن هم بشرب الماء حتى تسارع نبضك و أسقطه منهارًا و حتى و لشدة غبائك لم تساعد في إيقاظه سوى بماناداتي !! بعد صراعٍ بين القلبِ و العقل، كان العجوز ضحيته ..... يرفرف بأهدابه ، واضعًا يده على وجهه بما بقي له من مقدرةٍ ، محاربًا بيأس آشعة الشمس التي تكاد تخترق وجهه الذي لون بالشوكولا من قِبَلِها ، و صداع شديد يسكن رأسه لكن يبدو أنه دعى المزيد من أصدقائه اليوم أو ربما نشب نزاع آخر مجددًا ، فعقلة يتأهب للإنفجار الآن ! حاور الرجل نفسه حاثًا إياها على التحرك : " هيا يا قدمي ، لقد إقتربنا ، أكاد أرى الأسوار من هنا ، قفي هيا هيا ، يجب أن أُسرع فالوقتُ مارٌ لا محاله و قد يحين الموعد بأيةِ لحظة ! "أأنا حقا من أصابني الخرف أم هذا العجوز الهرِم ؟! " كلمات وجهها تياهر لنفسه و لم يشأ أن تخرج من بين شفتيه ، متعجبًا ما يحدث ، فقد مر الرجل و كلم ألا شئ و أخذ يشرب من البئر راويًا عطشه دون أن يروي فضوله ! " أنت يا عم ، ألا تراني أم أن سقوط السيف مني سابقًا حولني لشبحٍ ؟! " أخذ الرجل يتلفت حوله باحثًا عن مصدر الصوت ، عقله ينفي وجود أحدٍ في مكانٍ كهذا و لكن أملٌ صغير ينير في أفق عقله يخبره أن هذا لم يكن سرابًا ! و قد حدث ، فها هو الآن يقف محدقًا بذاك الشاب ، متعجبًا : "ماذا يفعل شابٌ بهيئتك تلك هنا ؟!" وقد كان معه الحق في سؤاله لكنه قد رش بعضًا من الملحِ على جرحٍ لم يلتأم بعد ! فهاهو ذا بعد إنتهائه _وإن صح القول خسارته _ من تلك المعركة الذي يترتب عليها الكثير و الكثير ، أخذ قميصه الفاخر مرتديا إياه مبتعدًا عن المكان يسير في الصحراء حتى وجد شئٌ أشبه بجثةٍ أمامه ...... و ياللعجب فها هو ذا يحدث تلك الجثة !! " يا عم ، اترك شأني أنا الآن و لتخبرنني عن شأنك ، فما هو الموعد الذي وصلت أهميته لتجولك هكذا في تلك الصحراء و بذلك المنظر الوهن ؟! " " يا بني ، أنا جئت أحذركم من خطرٍ كبير قادم ، فقد رجاءً ساعدني للوصول إلى الملك ، فأنا أشعر بإقتراب أجلي ، و تلك رسالةٌ لابد لي من تسليمها إلى الملك بنفسي ! " و كأن ذاك العجوز ما جاء إلا لزيادة قهر تياهر، فما عاد ذلك مجرد ملح يرش على الجرح ، إنه لخليطٌ من ملح و شطةٍ قرروا بنفسهم علاج جرحٍ لم يلتأم بعد .... لكن ولسوء الحظ سيتم الأمر بطريقتهم !! " تريد توصيلها للملك حقًا ! إنها لأمانةٌ كبيرةٌ إذا ، لكن على كلٍ لأساعدنك فليس من خُلُقي ترك الأجداد هائمين على وجوههم بالصحراء هكذا ! " حدقه الرجل بابتسامة ساخرةً لمن يراها و ممتنةٌ لمن لا يراها، قائلًا بنوعٍ من السخرية : " أعبر لكَ عن إمتناني حقًا طفلي الوقح ، و ليكن بعلمك يا ولدي يا صغيري أنت ، أني لم أتجاوز السبعون من عمري بعد ! " ___________________________________________ وعند ذاك الملك المعني .... يجلس على عرشة المتوارث ، بعد أن حاز على مُلكه و بالحق كما إعتادو منذ الأسرة الأولى . يحمل فوق رأسه تاجه المرصع بأرقى الأحجار الكريمة والتي تتناسق ألوانها ببذلة الملك المرصعةٍ بخيوطٍ بنفسجية . ينزل من عرشه جالسًا في المقدمة ، جامعًا حوله مستشاريه مخبرًا إياهم بالتالي : "مرحبا بكم يا سادة ، الآن و بعد النزال الذي دار بيني و بين أخي منذ قليل ، أرجو أن يوضح موضعي هذا نتيجة المبارزة ! " ولم يلبسو ثواني حتى أخذو يهنئوه بجلوسه على عرش الملك بعد صراعٍ دام عامين كاملين ! و من ثم إنتهت تلك التراهات وبدأ الجد ، فأخذو يتناقشون في شئون البلاد الاقتصادية منها و السياسية و غيرها من الأمور ، حتى سمعو صوت دقاتٍ على الباب ، و مع العلم أن هذا ممنوع أثناء الإجتماعات إلا حين الضرورة القصوى فقط ! نبث الملك ببعض كلماتٍ قلائل بدو ثابتين مُخبِئين حولهم قلق الملك : " تفضل بالدخول " سادت الصدمة أوجه الجميع وغيمت سماء الغرفة بسُحبٍ من التسائلات.... دخل بوجهٍ جامد ، لاحت عليه شبح إبتسامة غيرٌ معروفٌ سببها ، قال ناظرًا نحو " الملك" : " مرحبا أويس ، أم يجب علي قول الملك أويس ؟؟ مممم ، على كلٌ لم آتي للزيارة لكن و لربما إشتقت إلي ولو قليلًا أخي العزيز ؟؟ " بسمتة الجانبية الشهيرة أخذت موقعها على وجهة لتزيد من وسماته وسامة ، ثم قال بصوتٍ متأثرٍ لا يمت لملامح وجهة بصلة : "بضع ساعات فقط هي ما قد مرت تياهر لكن ما لي أراك تلتمس شوقي ؟! "خسئت يا رجل ، شوقٌ ماذا و إشتياقٌ لماذا ؟! يمكنك القول أنني جئت مسلمًا لكَ أمانةً ما " تساؤلٌ ظهر في عيناه ، ومع محاولة يائسة لإخافئه بابتسامة الجانبية ظهر مع نبرة صوته و حتى مع طغيان صوت السخيرة عليه إلا أن لمحةً منه قد إستقرت بالفعل : "لأصدقنك تياهر ، لذا توقف عن التحليق فوق ما جئت لأجله و إستقر في مطارك و حدثني بحديثٍ مكشوف لا يطغي عليه سحابٌ و أشاعة شمسٍ مزعجة !" وبدون سابق إنذار سُمِع صوت ضحكاته تنتشر بالقاعة ، ويبدو أنه كان صوت هبوطه في الواقع ، من يعلم ؟! " أويس، يا رجل ، سيظنوني مجنونًا الآن ، لكن على كلٍ المُسن ينتظرك في قاعة الضيوف ، ها قد سلمت أمانتي . و على كلٍ ، أنصحك بعرضة على الطبيب أولًا ! " ختم حديثه بصوت شبه منخفض وصل إلي الملك بالفعل لتظهر ملامحٌ ما إن رآها أخاه حتى إبتسم بسمةً واهيه،  مودعًا إياه مجددا لأجلٍ ظنه هو غير مسمى ! " رداء بالي ، قد عفا عليه الزمان، رمادي اللون متقطعةٌ أطرافه ، محروقةٌ أكمامه !  شعرٌ قد طغى الشيب عليه لتأتي صبغةٌ من الأتربة مزينةً إياه . شخصٌ يتجول وسط الحطام ، وسط الجبال و الحجارة ! بئر من الماء يتهاوى في الأفق ! " آه أياليته حقاً فقد مللت السرابَ. و ما عدت قادرٌ على الهرولة ، فقد أضحى الجسد هزيلًا و الأمل ضئيلًا " أخذ يحدق في الخريطة محدثاً نفسه : "يا الله ، أقتربت أليس كذلك ؟ بقت فقط بضعة أمتارٍ نحو الأسوار ، لعلي أراها من موقعي هذا ! " ومن ثم أخذ يقترب من ذاك السراب أو الجب ، أيهما أقرب ؟ و يا ألهي لقد كان جُباً بحق ! "إنها مياه ، لقد هرمتُ ! " أخذ يدلي دلوه في الجب آخذًا إياه شاربًا مياهه . وفي سرعة أخذت دمائة تتسابق في أوردته حتى إزداد نبض قلبه مُشعِرًا إياه بدوار قادم ! ومن ثم هوى أرضا.... ___________________________________________ رمال تطاير مصدرةً صليلًا ... و لكن ، منذ متى تصدر الرمال صليلًا ؟؟ أوه يبدو أنني أخطئت التعبير ... رمالٌ تطاير هنا و هناك و رمالٌ مستقرةٌ حاملةً فوق رأسها أقوامٌ ، و هنا لدينا رجلان صوتهما يصدع بالمكان ، يتسايفون مصدرين صليلًا و الرجال حولهم مصدرين أهازيجًا ! "يا رجل ، أوتظن أن خسارتي على يدك ممكنةٌ حتى ؟! فأنا أراكَ تدافع بإستماتة هنا ! لما لا تستسلم فحسب ؟!" بسمة جانبية زينت وجهة مطلقًا صوتَ إستهتزاءٍ : " أسمعت يومًأ بهدوء ما قبل العاصفة ؟ أم أنك لم تجد سوى تلك التراهات لتتفوه بها مواريًا خسارتك المحتومة ؟ " أخفى إمتعاض و جهة ببسمةٍ مغرورٌ ظاهرها و مقهورٌ باطنها : " صِه ! " وإحتدمت المبارزةُ بينهما ، كل منهم يدافعُ عن حقٍ يراهُ هو حقًا ! و لكل منهم سببٌ وجيهٌ للقِتالِ ، فما كان هذا لعبًا ولا لهوًا ، ولكن بالنسبةِ لهم فعلى الأرجح تمنوا أن يكون كذلك .... مثلما كان يومًا ! وفي لحظةٍ ابتلع الناس أصواتهم فاتحين أفواهم ، بعضهم متعجبين ممتعضين معترضين و آخرون دبت الحماسةُ في قلوبهم و إنفجرت فرحةٌ ممزوجةٌ بفخرٍ من أعينهم ، ليُسمع صوت وقع السيف.... عانق السيف الرمال مرتاحًا بين حباتها بعدما أرهقه القتالُ مثلما أرهق صاحبه ! لكن شتان بين ارهاقٍ من جماد و إرهاقٍ من بشر ! " كنت و مازلت إسمًا على مسمى تياهر " لم يرف له جفن ولم تتحرك مقلتيه عن خاصته، كبرياءه أبى الخضوع ، و لولا أن الخسارةَ خسارة، فما له سوى التسليم بها ! " هنيئًا لك أُويس الفوز علي ، عسى أن تخسر في المرة القادمة " "لما تلك القسوةَ أخي ، ما عهدتك هكذا ! " " تقول لي أسمًأ على مسمى،  و أنت ما اُخترع الإسم إلا لك ! " " لأعتبرنه مديحًا أخي العزيز ، لذا و بكل رقي أقدم لك جزيل شكري " "جزيل شكرك حقا ؟! على كلٌ .... وداعًا " بسماتٍ خبيثةٌ زينت محياه و بداخله نشوة الإنتصار تشتعل ، و لولا وجود الناس حوله لضج المكان بصوت ضحكاته ! "هيا يا قوم ، كلٌ إلى سبيله " ___________________________________________ وعلى الجانب الآخر ، يسير بلا هدف ، بلا صوبٍ و بلا خططٍ ! يتحرك بين الرمال متأملًا إياها ، متعجبًا من عدم إحتراقها حتى الآن ، مع ذلك اليوم الشامس. أياليته يمتلك شئ من قدرتها تلك ، لعلها تطفئ نيران قلبه و بِئسًا لنيران جسده . فما فائدة برودة الجسد إن كانت النفس تشع حرارةً بالفعل ؟! و ما أدراكم أي حرارةٌ تلكَ ! هي مزيجٌ من نيران غلٍ و إنتقام ، نيران شوقٍ و إشتياق ، نيران ندمٍ و تحسرٍ ، إنه اللهيب بداخله يا سادة ! ويبدو أن الخرف قد أصابه بالفعل ! فها هو ذا يرى رجلًا يجثو أرضًا ممدًا بين الرمال الصفراء : " أهذا ما كان ينقصني ؟! رجلٌ لا لا إنه هِدم متهدمةٌ ثيابه ، يا عم ، إستيقظ أرجوك ، هيا إستيقظ " أخذ يناديه موقِظًا إياه ، لكن لا حياة لمن ينادي ! أصابه الدجر، فبعدما مسح وجه الرجل بالماء عله يفوق ، لم يبد أي علاماتٍ للحياة سوى صدره الذي أخذ يعلو و يهبط بصوت نبضات قلبه المسكين..... المكان مظلم بالداخل، والعقل غائبٌ الآن ولا يوجد سواي من يصدر الضوضاء ! هذا لا يصح ، فكيف لي أن انازع غريمي الآن ؟ يا عقل هيا أفق ، لقد أرتاح الرجل بما فيه الكفاية و منذ متى كنت بذاك العطف لتتركه نائما مرتاحًا هنيئ البال دون تفكيرٍ أو إزعاج ؟! أم تلك طريقتك الجديدة في الرد علي ؟ تتجاهلني !! يا مزعج فقط أصمت ، لست بهذا الجبن لأتجاهلك _ربما أكون بذلك العيش _ حسنا ليس وقته ، المهم أنت المخطئ هنا حسنا ؟ فالرجل يكاد يموت جوعًأ و عطشًا و ما إن هم بشرب الماء حتى تسارع نبضك و أسقطه منهارًا و حتى و لشدة غبائك لم تساعد في إيقاظه سوى بماناداتي !! بعد صراعٍ بين القلبِ و العقل، كان العجوز ضحيته ..... يرفرف بأهدابه ، واضعًا يده على وجهه بما بقي له من مقدرةٍ ، محاربًا بيأس آشعة الشمس التي تكاد تخترق وجهه الذي لون بالشوكولا من قِبَلِها ، و صداع شديد يسكن رأسه لكن يبدو أنه دعى المزيد من أصدقائه اليوم أو ربما نشب نزاع آخر مجددًا ، فعقلة يتأهب للإنفجار الآن ! حاور الرجل نفسه حاثًا إياها على التحرك : " هيا يا قدمي ، لقد إقتربنا ، أكاد أرى الأسوار من هنا ، قفي هيا هيا ، يجب أن أُسرع فالوقتُ مارٌ لا محاله و قد يحين الموعد بأيةِ لحظة ! "أأنا حقا من أصابني الخرف أم هذا العجوز الهرِم ؟! " كلمات وجهها تياهر لنفسه و لم يشأ أن تخرج من بين شفتيه ، متعجبًا ما يحدث ، فقد مر الرجل و كلم ألا شئ و أخذ يشرب من البئر راويًا عطشه دون أن يروي فضوله ! " أنت يا عم ، ألا تراني أم أن سقوط السيف مني سابقًا حولني لشبحٍ ؟! " أخذ الرجل يتلفت حوله باحثًا عن مصدر الصوت ، عقله ينفي وجود أحدٍ في مكانٍ كهذا و لكن أملٌ صغير ينير في أفق عقله يخبره أن هذا لم يكن سرابًا ! و قد حدث ، فها هو الآن يقف محدقًا بذاك الشاب ، متعجبًا : "ماذا يفعل شابٌ بهيئتك تلك هنا ؟!" وقد كان معه الحق في سؤاله لكنه قد رش بعضًا من الملحِ على جرحٍ لم يلتأم بعد ! فهاهو ذا بعد إنتهائه _وإن صح القول خسارته _ من تلك المعركة الذي يترتب عليها الكثير و الكثير ، أخذ قميصه الفاخر مرتديا إياه مبتعدًا عن المكان يسير في الصحراء حتى وجد شئٌ أشبه بجثةٍ أمامه ...... و ياللعجب فها هو ذا يحدث تلك الجثة !! " يا عم ، اترك شأني أنا الآن و لتخبرنني عن شأنك ، فما هو الموعد الذي وصلت أهميته لتجولك هكذا في تلك الصحراء و بذلك المنظر الوهن ؟! " " يا بني ، أنا جئت أحذركم من خطرٍ كبير قادم ، فقد رجاءً ساعدني للوصول إلى الملك ، فأنا أشعر بإقتراب أجلي ، و تلك رسالةٌ لابد لي من تسليمها إلى الملك بنفسي ! " و كأن ذاك العجوز ما جاء إلا لزيادة قهر تياهر، فما عاد ذلك مجرد ملح يرش على الجرح ، إنه لخليطٌ من ملح و شطةٍ قرروا بنفسهم علاج جرحٍ لم يلتأم بعد .... لكن ولسوء الحظ سيتم الأمر بطريقتهم !! " تريد توصيلها للملك حقًا ! إنها لأمانةٌ كبيرةٌ إذا ، لكن على كلٍ لأساعدنك فليس من خُلُقي ترك الأجداد هائمين على وجوههم بالصحراء هكذا ! " حدقه الرجل بابتسامة ساخرةً لمن يراها و ممتنةٌ لمن لا يراها، قائلًا بنوعٍ من السخرية : " أعبر لكَ عن إمتناني حقًا طفلي الوقح ، و ليكن بعلمك يا ولدي يا صغيري أنت ، أني لم أتجاوز السبعون من عمري بعد ! " ___________________________________________ وعند ذاك الملك المعني .... يجلس على عرشة المتوارث ، بعد أن حاز على مُلكه و بالحق كما إعتادو منذ الأسرة الأولى . يحمل فوق رأسه تاجه المرصع بأرقى الأحجار الكريمة والتي تتناسق ألوانها ببذلة الملك المرصعةٍ بخيوطٍ بنفسجية . ينزل من عرشه جالسًا في المقدمة ، جامعًا حوله مستشاريه مخبرًا إياهم بالتالي : "مرحبا بكم يا سادة ، الآن و بعد النزال الذي دار بيني و بين أخي منذ قليل ، أرجو أن يوضح موضعي هذا نتيجة المبارزة ! " ولم يلبسو ثواني حتى أخذو يهنئوه بجلوسه على عرش الملك بعد صراعٍ دام عامين كاملين ! و من ثم إنتهت تلك التراهات وبدأ الجد ، فأخذو يتناقشون في شئون البلاد الاقتصادية منها و السياسية و غيرها من الأمور ، حتى سمعو صوت دقاتٍ على الباب ، و مع العلم أن هذا ممنوع أثناء الإجتماعات إلا حين الضرورة القصوى فقط ! نبث الملك ببعض كلماتٍ قلائل بدو ثابتين مُخبِئين حولهم قلق الملك : " تفضل بالدخول " سادت الصدمة أوجه الجميع وغيمت سماء الغرفة بسُحبٍ من التسائلات.... دخل بوجهٍ جامد ، لاحت عليه شبح إبتسامة غيرٌ معروفٌ سببها ، قال ناظرًا نحو " الملك" : " مرحبا أويس ، أم يجب علي قول الملك أويس ؟؟ مممم ، على كلٌ لم آتي للزيارة لكن و لربما إشتقت إلي ولو قليلًا أخي العزيز ؟؟ " بسمتة الجانبية الشهيرة أخذت موقعها على وجهة لتزيد من وسماته وسامة ، ثم قال بصوتٍ متأثرٍ لا يمت لملامح وجهة بصلة : "بضع ساعات فقط هي ما قد مرت تياهر لكن ما لي أراك تلتمس شوقي ؟! "خسئت يا رجل ، شوقٌ ماذا و إشتياقٌ لماذا ؟! يمكنك القول أنني جئت مسلمًا لكَ أمانةً ما " تساؤلٌ ظهر في عيناه ، ومع محاولة يائسة لإخافئه بابتسامة الجانبية ظهر مع نبرة صوته و حتى مع طغيان صوت السخيرة عليه إلا أن لمحةً منه قد إستقرت بالفعل : "لأصدقنك تياهر ، لذا توقف عن التحليق فوق ما جئت لأجله و إستقر في مطارك و حدثني بحديثٍ مكشوف لا يطغي عليه سحابٌ و أشاعة شمسٍ مزعجة !" وبدون سابق إنذار سُمِع صوت ضحكاته تنتشر بالقاعة ، ويبدو أنه كان صوت هبوطه في الواقع ، من يعلم ؟! " أويس، يا رجل ، سيظنوني مجنونًا الآن ، لكن على كلٍ المُسن ينتظرك في قاعة الضيوف ، ها قد سلمت أمانتي . و على كلٍ ، أنصحك بعرضة على الطبيب أولًا ! " ختم حديثه بصوت شبه منخفض وصل إلي الملك بالفعل لتظهر ملامحٌ ما إن رآها أخاه حتى إبتسم بسمةً واهيه،  مودعًا إياه مجددا لأجلٍ ظنه هو غير مسمى ! "

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لسه مش عارفه🙃🫶🏻

المؤلف Viola
2024/07/20 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة