دفعت صوفيا باب كاتبتشينو. لم تكن تبحث عن قهوة. كانت تبحث عن الفاصلة التي تركتها على دفتره ليلا. عن الجملة التي وعدت أن تكملها.
لكن المشهد على البار جمد الدم في أصابعها.
جونيل كان هناك مع مارسي واقفة قربه، قريبة حد الالتصاق. مريولها ملطخ بالبن، وخصلة من شعرها الأسود سقطت على وجهها. كانت تضحك. ضحكة صافية، حقيقية، لا تملكها صوفيا منذ عام. ويدها، يدها التي تمسح الطاولات كل فجر، كانت ترفع تلك الخصلة عن جبينه. حركة عفوية، أليفة، كأنها فعلتها ألف مرة.
ثم انحنت وطبعت قبلة على خده.
قبلة خفيفة، سريعة، لا تشبه قبلات العشاق. تشبه قبلة أخت لأخيها، أو صديقة لرفيق عمرها. قبلة من لا يحتاج إذنا.
جونيل لم يبتعد. لم يتجمد. فقط أغمض عينيه لثانية، كأن القبلة كانت راحة بعد تعب طويل. وعلى شفتيه، شبح ابتسامة. ابتسامة لم ترها صوفيا قط. ابتسامة لا تُمنح للغرباء.
في تلك اللحظة، فهمت.
فهمت لماذا ليلة تنام في حضن مارسي. لماذا كاتبتشينو هو بيتها. لماذا صمت جونيل لا يخيفها.
هما من زمن واحد. من وجع واحد. هي ابنته التي لا يعترف بها العالم، وهو الرجل الذي سُرق صوته فأعطته هي صوتا بديلا: صوت المواعين، صوت المسح، صوت البقاء.
أما هي؟ صوفيا؟
هي العابرة. هي الورقة التي سقطت من دفتر في زقاق خلفي. هي العقد المحروق الذي جاء يبحث عن رماده.
شيء حاد، ساخن، طعنها تحت ضلعها الأيسر. ليس ألما. الغيرة لا تؤلم. الغيرة تحرق.
احترقت لأن القبلة لم تكن لها. احترقت لأن اليد التي مسحت وجنتها البارحة تمسح الآن جبينه بلا تردد. احترقت لأنها، للمرة الأولى، لم تكن مركز المشهد. كانت متفرجة.
مارسي رفعت رأسها. رأتها. العين الواحدة لـ"ليلة" التي كانت تنام على البار، رأتها أيضا.
ولم تقل مارسي شيئا. فقط سحبت يدها ببطء من على وجه جونيل. لم يكن في عينيها انتصار. كان فيهما شيء أبرد: الشفقة.
شفقة من تملك البيت على من تقف عند الباب.
جونيل فتح عينيه. التقت نظراته بنظرات صوفيا. والابتسامة ماتت على شفتيه.
في عينيه، قرأت الذعر. لا ذعر من افتضاح سر. ذعر من كسر شيء هش بينهما. ذعر من أن الفاصلة التي كتبها ليلا، قد مُحيت بقبلة في الفجر.
سقطت من السماء قطرة. لا على الأرض. في فنجان فارغ على طاولتها المعتادة.
طَق،صوت واحد...كأنه صوت قلب يتشقق.
لم تطلب قهوة. استدارت.
لكن "ليلة" قفزت من البار، واعترضت طريقها. جلست أمام الباب. عينها الواحدة تحدق فيها، ومواؤها هذه المرة كان واضحا في رأس صوفيا، باردا كحكم:
"اختاري. تكونين سطرا، أو تكونين هامشا."
خلفها، لم يلحق بها أحد.
وسمعت صوت فنجان يُمسح. صوت مارسي. كأنها تمحو أثر صوفيا من الطاولة قبل أن تجلس عليها.