مدى قُبلة د. أشرف عدنان المسمار تصميم الغلاف حنان عدس صورة الغلاف الفنانة التشكيلية فيفيان الصايغ إهداء إلى زوجتي التي كانت عونًا لي دائمًا. وأولادي وعائلتي الذين أحيا بهم شكر ل"حنين" التي كانت المحفّزة والمشجّعة والمتابعة دائمًا. شكر خاص للشاعر الدكتور كميل حمادة، والدكتورة زينب قهوجي. والشكر موصول لكل من ساهم في إنجاز هذا العمل. هو الشِّعرُ يا صاحبي طريقتُنا في الحياةْ طريقتُنا في الوجودْ احتيالٌ ذكيٌّ على الوقتِ والموتِ والعمرِ والحارسِ المستعدِّ على البندقيةِ عند الحدودْ... الشاعر الدكتور كميل حمادة وأنا أقول: كل الكتابة كذلك... 1 جيئةً وذهابًا في محطة القطار التي حفظ تفاصيلها، على الرغم من أنها المرة الأولى التي يتواجد فيها... ولا يعود الفضل في ذلك لتطوّر التكنولوجيا، وجاسوسية "غوغل ماب"، التي تمسح كل بقاع الأرض، ولا إلى ذلك الهاتف المسمى ذكيًّا، الذي يقرب البعيد ويجعل العالم كله بين يديك. لحظة شغف واحدة، تجعلك تتقن لغة كانت غريبة عنك، لغة فيها الكثير من الصعوبة. لغة جميلة فاتنة كجمال اللغة العربية. تجد فيها الكثير من التفاصيل والكلمات. مرادفات غزيرة عند أي تعديل طفيف في المعنى. جيئةً وذهابًا في محطة القطار التي تتلاعب بمستوى أدرينالين القلب، يتفقد شاشة المغادرة والوصول، علمًا أنه يحفظ توقيت وصول القطار تمامًا: الثالثة وإحدى عشرة دقيقة. ويعلم يقينًا دقة هذه المواعيد. وأن شبكة المواصلات والقطارات، تسير وفق نظام ودقة فائقة. غريبة تلك الدقة المتناهية في مواعيد القطارات، تنطلق وتقطع آلاف الكيلومترات، لتصل بموعدها تمامًا. يعيد النظر إلى شاشة مواعيد الوصول، وينظر مجدّدًا لساعة يده. يشعر بثقل الوقت وقد أمضى ما يزيد عن الساعتين يطوي الأرض تحت قدميه مشيًا من الفندق باتجاه المحطة. يشيح نظره هنا وهناك، يعجبه المكان والناس واللغة، رغم جهله بكل ذلك وبكل ما في المدينة من بشر وحجر. هذا البلد وهذه المدينة، وغيرها من المدن فيه، سيعشقها ويعشق كل ما فيها، المقهى هنا وفنجان النسكافيه هناك. هذه الحديقة، وما فيها من الزهور والأشجار، الشجرة العملاقة التي قد تحتاج أذرعَ سبعة رجال لإحاطتها. هذا المقعد بشكل أقلام التلوين وتلك الطاولة الخشبية، وهذا الكشك الصغير الشبيه بمنازل السنافر... مشى ما يزيد عن الساعتين سالكًا الطريق الأطول بالخطى، ولعلنا عندما نمشي نفرغ جزءًا من طاقاتنا الفكرية وهواجسنا، ونصير أكثر خفّةً وقدرةً على السفر بعيدًا في خيالاتنا وأحلامنا وتأملاتنا... ساعتان من المشي باتجاه محطة اللقاء، تناقض تمامًا مثيلتها باتجاه المطار بعد أشهر تسعة قادمة... في محطة القطار يتنقل بين رصيف القطار و"ماكدونالد" المواجه له. ينظر في هاتفه ويتصل بها: - أنا مضطّر للتأخّر عن الموعد قليلًا، بسبب زحمة السير وجهلي بالمكان. لا يعلم يقينًا لم قال ذلك. ربما زيادة في الإثارة والتشويق، وخلق أحداث يريدها أن تكون كثيرة... أو أنّ نزعة الرجل الشرقي ورغبته الدائمة في السيطرة والتحكّم في الأحداث. ولا تغيب أيضًا نظرية المؤامرة... يجب أن يكون على حذر من أي حادث طارئ... أو أشخاص لم يكونوا ضمن المتوقّع. وأخيرًا يلمح القطار المنتظر. يسمع صوته، الذي أصبح لحنًا محبّبًا إليه، يطل من بعيد. ها هو يقف على رصيف المحطة. بدأ موج من المسافرين بالنزول. هذا يجر حقيبته خلفه، وآخر يحادث أحدهم بهاتفه النقّال. وامراة تمسك بيد طفلها الأنيق، أخرى تبدو سبعينية الأعوام، تتأبّط كتابًا، وترافق شيخًا من جيلها يبتسمان و يتهامسان. وسط كل هذا الجمع والصخب والضجيج، يقف الزمن لبرهة، يكاد يختفي كل ما عداها. امرأة فاتنة، مبهجة الطلة ومشرقة القسمات، متقنة القوام. ذات قدٍّ ممشوق. تلبس سترة لينة وخفيفة، بلون "سومو"، تصل لحدود التنورة القصيرة التي تستقرّ بشكل مريح فوق الفخذين وتأخذ الانحناء المناسب في الخلف لتصل إلى ما فوق الركبة بقليل. حذاء طويل يصل لحدود الركبة، يخفي ساقيها ويزيدهما روعةً وجمالًا، ليترك مسافةً عاريةً من الفخذين بين نهاية ساق الحذاء وتنورتها القصيرة. كل التفاصيل مصمّمة بدقّة وعناية، يذكّرنا بتأثير كوكو شانيل الجليّ في الموضة النسائية. الذي يجمع مفهوم الراحة، والسهولة، وحرية الحركة... ويظهر ثقة المرأة بنفسها والاهتمام بتفاصيلها. شانيل، التي استطاعت بتميّز تصميماتها، أن ترسم خطًّا واتّجاهًا جديدًا فى عالم الموضة فى عشرينيات القرن الماضي. وأحدثت ثورة فيه. فاتّجهت للأزياء البسيطة والمريحة، بعكس ما كان سائدًا حينها. لقد عملت بشكل يشبه المعجزات في الموضة وفقًا لقواعد تنتمي لعالم الرسامين والموسيقيين والشعراء. أدى هذا الدافع الهائل والموهبة الفائقة إلى ابتكار أربعة تصاميم كلاسيكية خالدة من شانيل، مثلت تطورات بني عليها مستقبل الدار حتى وقتنا الحالي: الأول تمثل في الفستان الأسود الصغير متعدد الاستخدامات، والثاني هو سترة الكارديغان، والثالث هو كوكو شانيل عطر رقم 5، فيما الرابع يتمثل بالتصميم الكلاسيكي لبدلة شانيل التي تحولت إلى جزءٍ راسخٍ في إرث دار الأزياء الخاصة بها... بأناقة شانيل، وجمال امرأة فاتن أخاذ... بشعرها الأسود القاتم الكثيف الناعم، الذي يتدلى على كتفيها. وهي تراقصه مع حركة رأسها يمينًا ويسارًا، ما يزيد من أنوثتها وجاذبيتها، ويظهر رسم جيدها الممشوق. وتلك القلادة الذهبية الناعمة التي تصل إلى ما بين نهديها. يكتمل رسمًا أبدعه الخالق، اعتنى بكل تفاصيله، ناهيك عن جمال الوجه والغمازة في الذقن. يحضره شعر عنترة حين قال: مهفهفة بالسحر مـــن لحــــظاتها إذا كلمت ميتا يقوم من اللــــــحدِ أشارت إليها الشمس عند غروبها تقول إذا اسوديت إذاً فاطلعي بعدِ وقال لها القمر المنير ألا اسفري فإنك مثلي في الكمال وفي السعدِ فولت حياء ثم أرخت لثامها وقد نثرت في خدها أسطرًا من الوردِ وسلت حساما من سواد جفونها كسيف ابيها اذا أنسل، مرهف الحدِّ تقاتل عينها به وهو مغمد فمن عجب أن يقطع السيف في الغمدِ مرنحة الأعطاف موهونة الحشا منعمة الأطراف مياسة القدِّ شكا نحرها من عقدها متظلما فواعجبا من ذلك النحر والعقدِ يقف الزمن لبرهة، ويكاد يختفي كل ما عداها وهي تتمايل بمشيتها، تنظر ناحية شعار ماكدونالدز، حيث من المفترض أن تجده هناك. تلتفت للخلف عندما تسمع كلامًا بالعربية لا تفهم معناه ولا المراد منه... - عم تدوّري ع حدا… 2 "مرتضى"... طبيب، في إحدى المدن الصغيرة من البقاع اللبناني، الذي طالما كان خارج اهتمامات الحكومة في الإنماء والتثقيف والسعي لتطوير هذه البقعة الغنية بأهلها قبل أرضها، رغم ما يطبع أهلها من صفات قد تكون وليدة البيئة القاسية المحيطة بهم. سهل واسع ينبسط بين سلسلتي جبال لبنان الشرقية والغربية. أراضيه خصبة يجري فيها أكبر نهرين في لبنان: الليطاني والعاصي. بالإضافة لمهنة الطب هو عاشق للكتب، شخصيّة جدّيّة في التعامل مع الناس، قليل الكلام، ميال للوحدة في الواقع وناشط اجتماعي على وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت منبرًا لمن يريد أن يدلو بدلوه، فيما يعلم أو لا يعلم. وما لذاك من إيجابيات وسلبيات جمة تنضم لسلبيات وايجابيات التكنولوجيا عمومًا، وخاصة الإنترنت، ذاك الضيف الثقيل، الذي أقام بيننا وفينا، دونما إذن واستباح خصوصياتنا كافة. ولعل أول ما يفعله المرء في عصرنا الحالي عند الاستيقاظ، هو تفقّد هاتفه المسمّى ذكيًّا... يستيقظ "مرتضى" صباحًا، وبعد أن يلقي نظرة سريعة على هاتفه، بذريعة تفقّد الوقت، يبدأ يومه على وقع طقوس فنجان النسكافيه، الذي رغم بساطة تحضيره، اعتاد على صناعة طقوس لذلك: من اختيار الكوب، وإضافة كمية الحليب أو إنقاصها، أو إضافة قطعة من الشوكولا أحيانًا، ثم إلى مكان شربها: على الشرفة المطلّة إلى حديقة منزله أو سريعًا في المطبخ أو في السيارة متوجّهًا لعمله. وكثيرا ما يفضّل شربه، مستلقيًا على سريره، في أثناء تجواله في عالم الإنترنت، يطّلع على أهم عناوين الصحف المحلية والعربية. يتصفح الفيسبوك، ويتابع ما فيه مما يعتقد بأنه تفاهات... وتكاد لا تخلو صباحاته من محادثة مع "حنين"! - "صباحك سكر، كيفك؟ * تمام وأنت؟ - رواق الحمدلله. * إن شاء الله دائما رواق." قد تطول محادثة الواتساب أو تقصر، ولكنها جزء من طقوس الصباح أيضًا. وجزء من الحاجة النفسية لضرورة أن نتبادل الحديث مع أحدهم باهتمام. ضرورة أن يسمعنا أحدهم... وضرورة أن يسألنا أحدهم: كيفك...، وضرورة من يشاركنا جزءًا من هواجسنا و خصوصياتنا وأفكارنا. "حنين" أول من يخطر في ذهنه عندما يشعر بالضياع، وإن كانت حاضرة دائمًا. يجد عندها ما يحتاجه: أذنٌ تسمع، وقلبٌ ودودٌ وعقلٌ يستوعب. الناس ليسوا بحاجة للنصح دائمًا. وعندما لا نجد الأصدقاء، كثيرًا ما نبحث عن غرباء، من دون أصدقاء مشتركين، وبعيدين عنّا جغرافيًّا، نبوح لهم. على مبدأ أن البوح للغرباء أسهل. يتصفح بريده الإلكتروني، وقد اعتاد أن يفعل ذلك بشكل دوريّ، ولو بفترات متباعدة: بعض إيميلات دعائية، وهي ما واظب على حظر استقبالها مجدّدًا. كان يشعر بأن المنتج الذي يروّج له أيًّا كان، من خلال دعاية خاصة جذابة ومؤثرة، أشبه بمن يفرض عليه خيارات لا يريدها. إيميل من إحدى القنوات التلفزيونية يذكّره بموعد برنامج طبّي كان قد دُعي إليه، ليقدّم بعض النصائح الطبية. ينظر مدقِّقًا، إيميل يحمل اسم إحدى المكتبات في رومانيا كان قد زار موقعها الإلكتروني مرارًا لكثرة ترشيحها بين المكتبات المهمة وذات المحتوى المتنوع. Cărturești Carusel مكتبة كبيرة مليئة بأصناف الكتب كافة في المدينة القديمة. وعندما فتح الإيميل... وجد عناوين كتب جديدة وصلت للمكتبة: المغالطات المنطقية... لعادل مصطفى قواعد السطوة... لروبرت غرين التخلّف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور... لمصطفى حجازي عالم صوفي... لجوستاين غاردر تاريخ الشرق الأوسط... لبيتر مانسفيلد كتب بمواضيع غير مترابطة، وكتّاب مختلفون بينهم عرب. وبنظرة سريعة على العناوين، عرف الكتب ومحتواها وقد قرأها كافة. وهو الذي دأب على متابعة إصدارات الكتب العربية والمعرّبة، وما اشتهر منها. ويحرص دائمًا على قراءة ومتابعة بعض الكتب الأقل شهرة والأقل نجاحًا، لما فيها من كنوز لم يسبقه إليها الكثيرون، فلطالما بحث في غوغل عن: الكتب الأقل مبيعًا. الكتب الأقل شهرةً. وما شابه... يحدِّق في شاشة الهاتف ويبدو عليه الشرود، وهو يحدث نفسه: قد يكون وصول بريد الكتروني كهذا من الأمور التي تحصل دائمًا، ولكن عناوين هذه الكتب جذّابة بالنسبة إليّ. لقد قرأتها جميعًا، وهي من بين الكتب التي أُعدّها قيمةً وتشكِّل إضافة للقارئ. وهل تكون مصادفة أني كنت أحدِّث "حنين" عن بعضها ونتناول بعض موضوعاتها وأفكارها... لا يزال محدِّقًا بهاتفه... تم تذييل الإيميل برقم واتساب للتواصل عند الضرورة. بالإضافة لإيميل المكتبة والعنوان التفصيلي لها. http://www.kyralina.ro/ Cărturești Carusel Strada Lipscani 55, București 030033 Telefon +40141120170 3 - غريب! تفتح له أبواب القلب من دون خوف أو سؤال، تحجز أجوبتها الروح عن التنقّل بفضاء روحه واكتشافها كما تريد. غامض، كسرٍّ فرعوني، بحاجة لإعادة الزمن لمعرفته. واضح كشعاع شمس اخترق غيومًا محمّلةً ببكاء أعوامٍ وأبى إلا أن يضيء. عالمه ساحر، يجمع الدنيا كلها بين أضلعه... فيه عبق أمل، ما أن تنعم وتثمل بحلاوته، حتى ينقلك لصحراء، لشدة عطشك، يتلاعب بك سرابها كيف شاء. يشدك لهاوية، ما إن تسقط فيها حتى تفتح عينيك مرة أخرى على جنة أشدَّ جمالًا من سابقتها. رجل يصارع الزمن، تفضحه عيناه. بصمت يتهادى على الرمش خجل الطفولة، على شفاهه بسمة متردِّدة، كلما رُسمت ولَونت الخد براءة، تشد النظر إليه، كأنما تقول: هنا يسكن قلب لم تدنسه ظلمات البشر. رغم كل ذلك، عجوز يحتلُّه، يكبِّله بألف سلاح وفكرة. مقيّد بعقله كمحارب مهزوم من داخله. طالما ظننت أن للفكر أجنحته، تجول بها الدنيا، عنده، أدركت أن الفكر قد يثقل الإنسان لحد التعب، واللجوء إلى استسلام مر. يسجنك بهواجسه، حتى يُخيّل إليك أن حبة رمل في درب حريتك تصير صخرة لا يمكن تحريكها... مع ذلك لحضوره، لحديثه، ليأسه، لذة تفوق بكثير مجالسة عالم بفنون الضحك. ربما أن ذاك الطفل الذي فيه، هو من يتكلم. ولربما الثقة فيه، من دون سبب، مغرية جدًّا. ولربما أيضًا ما لا نفهمه فيه: قداسة كالغيب نؤمن بها، كما هي، من دون متاهات التعجب... "يسعد صباحك حنين" يرد برسالة واتساب قصيرة... ويعيد قراءة الرسالة بتمعّن أكثر. وصباحك، كيف حالك اليوم؟ تمام، يبدو أنك بدأت بكتابة قصة أو شيء ما... أعجبني ما كتبتِه، يبدو لي أنك أكثر من وفق باختيار اختصاصه، دراستك لآداب اللغة العربية أكملك، وأظهر بك جانبًا كان لينطفئ لولاه. أهذا فقط ما فهمته؟ ؟ حسنًا. لا شيء. مررت بجانبك الأمس لكن لم تلحظني كعادتك منغمسًا بهاتفك. لست منغمسًا، محادثات عادية وبعض الاستشارات الطبية. حقا، لا أدري لكن أظنك، لكثرة انشغالك بالهاتف، أنك سجين العالم الافتراضي. ألا تظن أنه سرقك ممن حولك؟ ليس كذلك، لكن كيف أقنع المرضى أني لا أستطيع علاجهم عبر رسائل. هذا يرسل صورًا شعاعيّةً وينتظر مني معرفة من هو ومما يشكو، وذاك يسألني عن وصفة طبية تخفِّف آلامه من دون عناء شرح حالته... أشعر أحيانًا أنهم يرونني ساحرًا أو مشعوذًا، يعلم الغيب لا طبيبًا. اعتقدتك ستفهم! ماذا؟ لا شيء. حسنًا... أدركت منذ قراءتي لكلماتك، أنها لي. لكني أجدها كثيرةً علي. كلا ليس بالكثير. بابتسامة رضا من أدرك المقصود، علّ ما كتبته يلامس قلبه ويرى نفسه من كلماتها لا بعينيه. على كل عزيزتي... أسعدتني كلماتك، أرى فيك مثال الفتاة الواعية المثقفة. من خلالك رأيت كيف يزيد الالتزام الديني الإنسان وقارًا ورُقيًّا. جمال حروفك ولغتك العربية الفاتنة زادتك جاذبية.. يكمل ممازحًا: "بس مشكلتك بشعة". أنت البشع، ترسل رسالتها بابتسامة صادقة. هذه الكلمات، التي قد تثير جنون أي فتاة، تدنيها من معرفته أكثر وتكسر حاجزًا آخر بينهما. يقرأ ويحدث نفسه... أعلم أنك لست من الفتيات اللواتي لا تجدن مصداقًا للأنوثة إلا بمظاهر الجمال المادي، ولست ممن يبحثن عنه بشرَهٍ مرضيٍّ. لكن أن تمدح جمال امرأة، يقينًا، سيترك ذلك أثرًا بنفسها ورضا عنها. "حنين" صديقة منذ الطفولة، تشاركت وإياها مقاعد الدراسة، وكانت المنافسة الشريفة بيننا على الدرجات الأولى في الصف مع زميلة أخرى تنال الدرجة الأولى في غالب الأحيان. لطيفة، تجمع ما بين اللطف والنعومة وقوة الشخصية. وهي محط ثقة، يمكن الاعتماد عليها والوثوق برأيها. أحبّت اللغة العربية منذ طفولتها، وحازت على إجازة في الأدب العربي. وتحضر لإنجاز دكتوراه في مجال الشعر العربي الجاهلي. صحيح "في شي مهم بدي خبرك ياه"... إرسال أوكي... تردّ عليه. أراك غدًا في المركز الثقافي. عندي إلقاء قصة للأطفال، مناسبة لابنتك ذات السنوات الستّ... أحضر ابنتك... 4 عندما تصفحت الإيميل الوارد من المكتبة، والمذيل برقم الهاتف، ضغطت على رقم الهاتف في أثناء التمرير للأسفل وظهر خيار: حفظ الرقم. وجدتُني أوافق... ومن دون تسجيل اسم حتى. ظهرت صورة البروفايل: رفوف من الكتب والعناوين اللافتة، وبينها مجموعة من مؤلفات أمين معلوف بنسخها العربية والإنكليزية. وفي اليوم التالي، أثارني الفضول لإعادة النظر على الصورة، وجدتها قد بُدلت بأخرى تظهر عناوين جديدة... روايات مترجمة عن العربية لواسيني الأعرج وأحلام مستغانمي وشعر نزار قباني، بالإضافة لإليف شافاق وخالد الحسيني وغيرهم. وجدت نفسي أراسل المكتبة بالإنكليزية بعد التحية. أراكم مهتمين ببعض الكتب والكتّاب العرب. تجيبني: أهلًا، صحيح نهتم بجميع إصدارات الكتب عمومًا. ونخصّ الشرق، كون صاحب المكتبة من أمٍّ عراقية، وقد درس دراسات استشراقية. وهو علم يدرس لغات الشرق وتراثه وحضارته ومجتمعاته وماضيه وحاضره. جميل. أما أنا شخصيًّا فغير مطّلعة على ذلك، أهتمّ حاليًّا بالكتب الطبيّة والأكاديميّة. حقًّا... أستطيع الاستفادة من ذلك كوني طبيبًا. تستكمل: قُبلت في كلية الطب في إحدى الجامعات الوطنية. وبالمناسبة اليوم، هو يوم عملي الأخير بالمكتبة، ولكن تستطيع متابعة صفحتي الخاصة على الفيسبوك وهي مخصصة للكتب الطبية. Mada medical book بلا تردّد بحثت عن الصفحة وتصفّحتها سريعًا: منشورات عن كتب طبية. منشور يبيّن التحاقها بكلية الطب. صور شخصية. وبالكاد نقرت على "إضافة صديق" حتى أتتني الموافقة. مرّ ذلك مرور الكرام، تتالت الأيام من دون أن تخلو من مسجات تحية وسلام تمر بسلاسة: تؤسس لوعود وأحاسيس وسرور وآلام. الفيسبوك: بدأ عملاق منصّات التواصل الاجتماعي الفيسبوك كموقع ويب يُسمّى فيس ماش (Facemash)، والذي تم إنشاؤه من قِبل زوكربيرج في العام 2003، في سنته الثانية من سنيِّ دراسته الجامعية، مُستخدِمًا مهاراته في علوم الحاسوب لاختراق شبكة الأمان بالجامعة، ونسخ صور هوية الطلّاب، واستخدمها لملء موقعه الإلكتروني الجديد. واجه زوكربيرج تُهمًا خطيرة بانتهاك الأمن، وانتهاك حقوق الطبع والنشر، وانتهاك الخصوصية الفرديّة، وهو ما ثبت في الكثير من الدعاوى القضائية ضده منذ الأيام الأولى لإنشاء الموقع حتى وقتنا الراهن. وفي العام 2006 انتقل الفيسبوك من موقع محدود في الجامعات والكليات إلى منصّة مفتوحة للجميع؛ حيث أصبح متاحًا لأيّ شخص يزيد عمره عن 13 عامًا. وفي روتين تصفّح صفحات الفيسبوك العبثي، أتابع صفحاتها ومنشوراتها والكتب الطبية التي تستعرضها. أعلّق عليها بشكل عام... ثم خاص على المسنجر... ثم أتبادل وإياها أحاديث جانبية عفوية. ثم تسهل المبادرة للكلام و يستساغ الحديث، ولو "تشات" رغم ما يخفي من لغة الجسد ونبرة الصوت... ثم يُؤلف... ثم يحلو الكلام والتواصل وتحلو المسجات ونشعر بما تترك من أثر يطبع في القلب. ثم يبحث القلب عن المزيد، حتى نكاد نشعر أن لذلك أثرًا وتأثيرًا عضويًّا واضحًا ومباشرًا على نبض القلب والمشاعر والمزاج اليومي واستمرار الحياة... كانت تبدأ النهارات بمجرد تحية أو صورة ورود، تعطي إحساسًا بالانتعاش والتفاؤل وإعلان كامن بأنها في مخيلتي... ولا تخلو من طرح بعض الأمور الطبية والنقاش في بعض الكتب والإصدارات... تدريجيًّا أصبحت جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل يومي ومتابِعة لنشاطاتي اليومية والعكس كذلك. ويحدث أن نخوض في كثير من التفاصيل، وحتى توافه الأمور أحيانًا كالأكل والشرب. إلى بعض الهوايات كالرسم والموسيقى وركوب الخيل وتعلّم اللغات، منها ما نتشاركه معًا بالاهتمام. ما رأيك يا حنين بكل ذلك. أطلت الحديث!؟ ولكن أعلم أنك مستمعة جيدة، وكثيرًا ما نحتاج نحن البشر لمن يسمعنا فقط... هل تؤمنين بالحب عبر الإنترنت؟ من دون لقاء، حتى من دون مكالمات صوتية. من دون أن يتحدث فيها الحبيبان أحدهما لغة الآخر. فقط بمسجات باللغة الإنكليزية. إذا كانت الرسائل باللغة الأم لا تستطيع أن توصل الأفكار والمشاعر، فكيف بتلك؟ أنا أحبك... أرسلت لي تلك المسج من دون مقدمات، وفي وقت مبكر جدًّا من الصباح، وكأنها كانت بعد محادثة ذاتية مع نفسها خلصت إلى هذه النتيجة. الحب قد يتشكّل بدافع الرغبة، أو الانجذاب، أو الانبهار، أو بتأثير عوامل نفسية معينة، أو ظروف معينة، أو بسبب توافق نفسي وعقلي بين الطرفين. ولكن أنا أؤمن أن الحب لا يحدّه مكان أو زمان، ولا يبتدىء من نظرة، أو كلام يلامس القلب... غريب فينا، قريب كالروح، يتسامى عن فكر البشر ويتقدس عن حاجته إلى أي شيء ماديّ... في النهاية هو شعور يصعب تفسيره. وبالتأكيد الحب ممكن بلا لقاء أو محادثة. بل ويكفي أن ترتشف الروح منه، لتطوع له كل المشاعر والجسد. من دون حاجة منه، إلى أي حاسة من حواسنا لمعرفة الحبيب. تجيبني حنين... 5 الشعور بالاعتياد على أحد، وعدم القدرة على إنهاء اليوم بسلام من دون مشاركته، ولو جزءًا من ثوانيه، رسائل الحب الأولى غير المرئية. التشتّت وعدم إيعاز العقل للجسد، بدء عمله بنشاطه المعتاد، من دون سماع كلمة من قريب إليه يحتل حيّزًا كبيرًا من الفكر، ذلك بداية لسجن محبب وعزلة مرغوبة سيفضحها القلب يومًا ما... مرحبا كيف حالك "مرتضى"؟ أحببت أن أسبقك في تحية الصباح. يسعد صباحك، يحلو الصباح بوجودك. يبدأ يومي باكرًا في الجامعة، لدي الكثير من المحاضرات وبعض الدروس العملية. يجيبها:جيد، أتمنى لك التوفيق... وأنا كالعادة، أمضي يومي بين المستشفى صباحًا والعيادة بعد الظهر. يومًا سعيدًا. لك أيضًا. كثيرا ما يبدأ يومهما مجرد محادثة بسيطة كهذه، أو كما أعتقد على الأقل. بشخصية "مرتضى" الجادّة، غير المؤمنة بالحب، المستهزئة بكل قصص العاشقين. وبشخصيتها القوية العقلانية إلى أبعد حد. رغم أنها لا تخلو أيضًا من الرومانسية والحلم. كان من المستحيل التخيّل، أن القلب سينبض للآخر، وأنّ بذورَ حبٍّ تُنثر في الأرجاء، تنمو بحدائق الغياب، تقوى جذورها للحد الذي ستقتلع يومًا كل ما اعتقدوه. وتبقى هي. وحتى ذلك الحين، إلى يوم ثورة المشاعر، وعدم القدرة على كبتها أكثر، تستمر مراسلات متفاوتة بحجة العادة حينًا، والضجر أحيانًا، والحاجة إلى طرف مستمع يسهّل ثقل هذه الأيام، أحيانًا أخرى... كان صباحًا مكثّفًا بالمحاضرات ومُتعبًا، يكسر شدّته اللقاء ببعض الأصدقاء ومشاركتهم أمور الدراسة. أنا عند هبيبي (قالت حبيبي بالعربية والحاء هاء، طالما كان حرف الحاء صعبًا عند غير العرب) أحتسي كوبًا من القهوة. يجيبها "مرتضى": حقًّا. أتمنى لك وقتًا سعيدًا. ما كاد يسمع ذلك حتى شعر باضطراب في التركيز وتلعثم في الكلام، وكادت توصله خواطره للغضب. لم تخبريني يومًا عن حبيبك، طالما سمعتك تمجدين الحب وتتمنين أن تعيشي قصة حبٍّ متميزة. قالت ضاحكة، وقد اعتادت على تمرير بعض الأحاديث الفكاهية أو المواربات. "هبيبي" اسم مقهى قريب للجامعة يشرف عليه أحد المهاجرين العرب، يرتاده الكثير من الطلبة، فيه رونق خاص يجمع ما بين الثقافات المختلفة مع حرصه على إظهار بعض جوانب الثقافة العربية، كالخطّ وأحيانًا الموسيقى، وغيره. الآن أشرب قهوتي، وآخذ قسطًا من الراحة بعد يوم متعب، على أنغام وموسيقى متنوعة. أتعلم؟ أعتقد أن من بين هذه الأغاني أغانٍ عربية. نعم كان الصباح مُتعبًا، والوقت بطيئًا. ربما لأني كنت بانتظار أن أحدثك، وربما لأن المحاضرات ثقيلة على الذهن. مممم... أثق كثيرًا بذكائك وقدرتك على فهم موادك الدراسية... أنا أؤمن بك... لا يعلم لِما حاول اختصار الحديث، ربما لا يرغب أن يظهر توتّره بعد ما عرضته على شكل مزاح، وربما كانت تتعمّده. وما حاول أن يمرِّره مرور الكرام. أحدثك مساءً. يُنهي المحادثة. ليعاود حديث المساء. كنت أحدّثك عن الموسيقى العربية، يسمعها بعض الناس هنا حتى من دون أن يعلموا معناها وترجمتها، أنا بشكل عام أفضّل الأغاني الفرنسية والإنكليزية وأحيانًا الإيطالية. وأنت؟ تقول. يرد "مرتضى": بشكل عام. لست مهتمًّا بالأغاني، أفضّل الموسيقى الهادئة والكلاسيكية أحيانًا. وفي أوقات وظروف خاصة أستمع أغاني طربية لمغنية مصرية تُدعى أم كلثوم. وقد تميّزت بإتقانها للمقامات الموسيقية وقدرتها على التنقّل بينها باحتراف وسلاسة. لا أعتقد أني فهمت الكثير. صنع بسحرك... يرسلها مع ابتسامة. ماذا تعني بذلك. لا شك أن سحرك يصنع اللحظات الجميلة... أنت ساحرة. ولكني أعني شيئًا آخر أيضًا... هذا اختصار للمقامات الموسيقية، العرب أبدعوا بالموسيقى أيضًا. ص ن ع ب س ح ر ك. اختصار لـ: صبا... نهاوند... عجم... بيات... سيغا... راست... كورد. تجيبه: لا أعلم الكثير عن الأغاني العربية، ولا عن العرب عمومًا. اللحن والأغاني الرومانية سريعة الإيقاع نسبيًّا. ويوجد نموذج أو لحن شعبي فلكلوري يغنيه الكثير من المطربين. ولو أن العولمة والحضارة الغربية أصبحت حاضرة بشكل لافت في موسيقانا. الموسيقى الشعبية هي أقدم أشكال الإبداع الموسيقي الروماني، و تتميز بحيوية كبيرة. وهي متنوعة ومدهشة مثل تراث رومانيا، متعدّد الثقافات، من الموسيقى الكلاسيكية إلى موسيقى الجاز غير التقليدية والإيقاعات المتأثّرة بالبلقان. الموسيقى لها جمهور كبير ودائم، وكذلك العديدون ساعدوا في نشر الصوت الشعبي وتطويره. يحتضن الموسيقيون الرومانيون مجموعة متنوعة من الأساليب والأنواع، وكثيرًا ما يعرضون بعض الموضوعات التقليدية في أغانيهم. ولا تغيب الرقصة التقليدية... هورا... حيث يمسك الراقصون أيدي بعضهم البعض وتدور الدائرة، عادة عكس اتجاه عقارب الساعة، سأرسل لك بعض الأغاني والمقطوعات لتطلع عليها. أغنية حديثة جميلة اسمعها... vals vals هذه بدايتها: لا أعرف كيف فعلت ذلك. أو من أراد أن يأخذ الخطوة الأولى. من البداية، لقد أعطيتها (الخطوة الأولى)عن طريق الخطأ، في رقصة الفالس... ويمكنك اختيار لحن عربي لتسمعني إياه... أنا بانتظارك. يتابع مرتضى: يسعدني ذلك. لي رغبة كبيرة بالاطلاع على ثقافتكم... الموسيقى جزء لا يتجزأ من ثقافة الشعوب، وتعكس واقع المجتمع واهتماماته وثقافته أحيانًا. وهذا يبدو جليًّا في تطور اللحن والموسيقى والغناء العربي... حيث كان اللحن مقطوعة موسيقية حقيقية متكاملة بمقامات متناسبة مع القصيدة التي كثيرًا ما كانت شعرًا عربيًّا فصيحًا مقفًّى أو حتى باللغة المحكية، ولكن ذات قيمة أدبية واضحة، وذلك مختلف عما نسمعه حاليًّا من لحن مكرَّر قصير وسريع وكلمات مستهلكة. أجد متعة خاصة في سماع حديثك... أقصد قراءة المسجات... يقول مبتسمًا. وهكذا، استمرت وتطورت المحادثات اليومية، وازداد التواصل بمواضيع شتى ومختلفة ما بين أحاديث روتينية عادية إلى أحاديث طبية وثقافية وعامة. وأحيانًا على حساب بعض الوقت الذي يجب أن يكون مثمرًا بالعمل أو الجامعة. وتختم قائلة: نبقى على اتصال... على أمل أن أعلم المزيد من الأمور التي تخصّك... يسعدني ذلك وأنت أيضًا. اهتم بمعرفة أسرتك وأصدقائك، بالإضافة إلى الكثير من يومياتك التي تشاركينني بها. ويسعدني تعلم بضع كلمات رومانية وأعلمك بالمقابل العربية. حدثها عن حياته، عمله كطبيب، وصعوبة هذا العمل، وخاصة في المناطق المحيطية والبعيدة، حدثها عن ابنته، عن شخصيته وما فيها من اضطرابات، عن بلده وأهله، والكثير غير ذلك. وحدثته عن نفسها وعائلتها التي تسكن في بلدة تسمى Moinești، بالقرب من مدينة باكاو Bacău، التي تعد أقرب مدينة إلى بلدتها، تقصدها أحيانًا للتسوّق أو للترفيه. حدثته عن الجبل المجاور لبلدتها Nemira الذي كثيرًا ما قضت فيه أوقاتًا برفقة الأصدقاء. حدثته عن الجامعة ورغبتها بدراسة الطب، وها قد بدأت بتحقيق الحلم، هي الآن في السنة الأولى. حدثته عن الحب ورغبتها أن تعيش هذه الحالة وهذا الإحساس بشكل عفوي وصادق، وأحيانًا مجنون. وتكررت المحادثات وازداد تواترها… Buna dimineața ها أنا اتعلم الرومانية. سلام وأنا أتعلم العربية. ترسلها مع وجه مبتسم. أظن أن اللغة العربية كالرومانية لغة ليست سهلة حتى لا نقول إنها صعبة. من يعلم. قد أتعلم الرومانية يومًا ما. وأنا أيضًا قد أتعلم العربية يومًا ما... يعجبني الخط العربي، كنت أشاهد بعضًا من نماذج الخطوط عندما كنت أعمل في المكتبة. كانت الخطوط العربية من ضمن الفن العربي عمومًا، وبرزت في المساجد أيضًا كبديل عن الأيقونات والتماثيل المشاهدة في الكنائس، وخاصة أن الاخيرة من الأمور الإشكالية في الثقافة الإسلامية. ربما أصنع وشمًا بأحرف عربية. يعجبني ذلك. الفن جميل في كل خصوصياته. على كلٍّ، اليوم عطلة بالنسبة إلي، سأقضي اليوم في المنزل. عليّ إكمال بعض الأعمال المتعلّقة بالجامعة. وبعض أعمال الطبخ. هل تعلم أن شعبنا مهتم ومحب للأكل. وكذلك العرب... هناك مقولة أشبه بالمزاح: "إن الشعب العربي يعيش ليأكل وليس العكس". تضيف: إن المطبخ الروماني يجمع مزيجًا من المكونات. وهو قد تأثّر بشكل كبير من قبل المطابخ التركية والصربية بالإضافة إلى الألمانية، وكذلك البلقان. ويتأثر أيضًا بالمأكولات المجرية. وبسبب هذا التنوع الكبير؛ فإن الطعام الروماني يكون متنوّعًا ومليئًا بالمكوّنات، ولذيذًا للغاية. وإن من الأكلات الرومانية التي يشتهر بها المطبخ الروماني: ماماليغا... mămăligă يتم صنعه من دقيق الذرة المغلي في الماء مع الجبن الروماني. سارمالي... sarmale يتواجد في حفلات الزفاف الرومانية التقليدية، وهو الملفوف المحشي بالأرز واللحم، يحضر بطريقة خاصة. إذًا أنا مدعو على الغداء اليوم. بالتأكيد بالتأكيد. ولكن عليك أن تقطع الألفي كيلومتر التي تفصل بيننا. سأفعل يومًا ما... أعدك. يقول "مرتضى". نسيت أن أخبرك. تعرضت اليوم لمطاردة. سيارة يقودها أحدهم تطاردني على طريق سريع. ويرسل إشارات لي بالأضواء الأمامية. يشير لي أن أتوقف، شعرت قليلًا بالخوف والرهاب. هل أنت بخير؟ هل انتهت الأمور على ما يرام؟ أشعر بالقلق والخوف كثيرًا عليك، أكمل. ما إن اقتربت المسافة بيننا، لاحظت أنه يرتدي ملابس شرطة. ولكن السيارة خاصة ليست من سيارات الشرطة. وعندما تقاربت المسافة أكثر، وبانت ملامحه، شعرت أني أعرفه وتوقفت جانبًا. ترجّل منها شاب ضخم البنية بملابس عسكرية واقترب مني... "مرحبًا حكيم بس شفتك مرقت من حدي وكنت آكل عسّة ع صدري قلت بسألك شو إعمل وإذا بتخوف". يا إلهي... ما هذا؟ لا يعقل. أقسم أنه ما جرى. تقول: أحمد الله أنك بخير، كاد قلبي يتوقف خوفًا عليك. لا يمكن أن يحدث ذلك عادة في مكان آخر. أولًا، لا تكون المعاينات الطبية على عجل وفي الشارع وفي ظروف كهذه. ثانيًا والأهم أين احترام الإنسان عمومًا، ووقت وخصوصية ومكانة الطبيب. وخلال النهار، والقادم من الأيام أيضًا، وكل ساعتين، أكثر أو أقل، يرسل أحدهما رسالة للآخر. يخبره شيئًا ما، أو رسالة فكاهية، أو مجرد سؤال للاطمئنان. وأحيانًا أخرى قد تبدو رسالة من دون ذات مغزى، ولكن يقينًا تُخفي ذاك الاهتمام المتبادل والتعلّق بالآخر، الذي ما عاد خافيًا. ما بين الاعتياد أو الشوق أو البحث عن خفايا الآخر، أصبح ذلك شبه ترتيب يومي. فقط تلبية لنداء شوق كامن بين الأضلاع، أو لإشباع رغبة بالكمال. عندما يبدأ الحب بالتسلّل إلى القلب، يلغي الكثير من "الأنا" ليفسح مجالًا للحبيب. ولحين الاعتراف بذلك ينتابنا شعور هائل يأكلنا من الداخل. Buna dimineața La multi ani أظنك فهمت المعنى من دون ترجمة. تبدأ بذلك نهارًا جديدًا. نعم نعم بالطبع. صباح الخير. كل عام وأنت بخير... تقصدين ذلك، صحيح. شكرًا. قد بدا واضحًا الاهتمام المتبادل، يهتم كل بالآخر، بكل ما يتعلق بشخصه وحياته وحاجاته ويومياته واهتماماته. تهتم بما يأكل ويلبس وبعض هموم العمل والمرضى. ويهتم بدراستها ومزاجها. ويسعى دائمًا ليكون إضافة جميلة ومفيدة إلى يومياتها وتحصيلها العلمي والثقافي. ويضيف مرتضى: ولكن ليس اليوم عيد ميلادي، بل غدًا، علمًا أن ابنتي أيضًا تقول لي كل عام وأنت بخير كل صباح ومنذ أسبوع. أعلم أن ميلادك غدًا وليس اليوم، ألم تقل إني ساحرة، أنا كذلك، أعرف كل شيء، ولكن أحببت أن أكون أول من يعايدك. لك مكانة خاصة عندي. هل تعلم أني أشعر بأني واثقة من نفسي ومن جمالي وشخصيتي التي حرصت أن تكون قوية وجذابة. أشعر بذلك عندما أحدثك، ولعلي آخذ بعض صفات عمرك وقد بلغت الثامنة والثلاثين. أنت تقترب من الأربعين، عمر جميل للرجل ومحبّب إليّ كثيرًا. عمر الحكمة والثبات والاتزان. يصبح الرجل أكثر تفهّمًا لكثيرٍ من الأمور. العمر الذي يدرك به معنى السعادة الحقيقية ويسعى وراء تحقيقها. أنا أثق بك، ولا أخفيك أشعر بالأمان عندما يكون رأيك حاضرًا يسندني. ولا أخشى من إظهار ضعفي أمامك في الظروف الصعبة إن وُجدت، علمًا أني أحرص أن أبقى الفتاة القوية. تكمل: الرجل في سنّ الأربعين يصل إلى مرحلة من الاستقرار الفكري والنفسي وقدرٍ عالٍ من الثقة بالنفس. ويقال إنه يكتفي بما وصل إليه من خبرات شخصية وحياتية، ولا يكترث بنقد من أحد على الرغم من تأثره بالنقد في السنوات السابقة. لذلك أمامك، أقصد عندما نتحدث سويًّا، أظهر غضبي إن وجد، أسأل بحرية عما يجول في خاطري، وقد أنصت لك عندما تتكلم. ومن باب حرية التعبير أيضًا، سأقول لك: أنت جميلة وجذابة وراقية. أتحدث عن شخصك وروحك قبل شكلك. أشعر بتميّزك في الكثير من الصفات وتميّز شخصيتك وحضورك. أشعر بأني أهتم بكل ما يتعلق بك، والرغبة في التضحية لأجلك. ولا أخفي عليك أني أحرص على أن أنال إعجابك، أهتم بالكثير من التفاصيل الصغيرة عندما يتعلّق الأمر بك. كان يحب طريقتها في الكلام، يعجبه ذكاؤها، وطريقتها الشيقة والمسلية. يلفته ممازحاتها ومفرداتها الطريفة. وقد بدآ سويًّا بابتكار مفردات خاصة، تجمع ما بين الكلمات العربية والرومانية، يعبران بها عن بعض المشاعر والأحاسيس المبهمة أولًا ثم الحب لاحقًا. باختصار كان يطيب له وجودها. ويكمل قائلًا: يبدو أنك أنت أيضًا اخترقْتِ حياتي ويومياتي وأخذْتِ جزءًا مهمًّا وليس بيسير. أعلم أن الفيسبوك ساعدك لمعرفة تاريخ ميلادي، هذا الأخير اخترق كل خصوصياتنا وتفاصيل حياتنا، وأصبح جزءًا لا يتجزأ منها. كما الهاتف وأشكال التكنولوجيا الأخرى التي تسيطر علينا، وندمن عليها من دون أن نعي ذلك حقًّا. ويبدو أن إدمانك جميل ويعجبني وأرغب به. ويبدو أنك استرسلت كثيرًا بالكلام أو أنه أصابك ضرب من الجنون، وعليك أن تتناول قهوتك الصباحية لاستعادة التركيز... جنون،Dupa tine. يقول ذلك ويشعر أن الكثير من الحواجز بينهما بدأت تختفي، تقصد بسببي مجنون أو مجنون بي. يبدو أن تعلمك الرومانية أيضًا جنون. أراك لاحقًا... أقصد أحدّثك لاحقًا. "يُعدّ الحب من أسمى وأقوى المشاعر التي تدخل في قلب الإنسان، وبه يحدث تغييرًا إيجابيًّا في شخصية المُحب ويُدخِل السعادة لقلبه. الحب الحقيقي يَخلق عند الإنسان مشاعر قويّة تجلب المودّة والمحبّة والعشق اتجاه شخصٍ مُعيّن، وتخلق نوعًا من الولع ورغبة بالتفاني لأجله. وبالإضافة لذلك، فإنّ الحب الحقيقي يجعل الإنسان يهتم بمن يُحبه من دون شروطٍ أو قيودٍ. يجعله يتقبل شخصيته كما هي، ومن الجدير بالذكر أنّ المُحب بصدق لا يتصنّع أمام شريكه بل يكون على سجيته. يحترمه ويتّفق معه حتى مع وجود الاختلافات فيما بينهما." وكل ذلك يكون سببًا ليزيد السّعادة الدّاخلية في قلوب المُحبّين. ويبدو أن هذا ما حدث من دون تخطيط أو حتى إدراك معلن. حنين... اليوم تحرّرت فلسطين، وعادت كامل الأراضي الفلسطينية لأهلها وكذلك السلطة، واليوم كل مفاصل الحكم وكل المناصب الداخلية والخارجية بيد قياداتها. ولكن هناك توتر كبير بيننا نحن اللبنانيون وبينهم... وجورج مطلوب حيًّا أو ميتًا... ماذا تقول... أهي أحلام أم هذيان! هل تعتقدين أن عودة فلسطين لأهلها: فقط أحلام أو هذيان! حنين: تعلمنا أن ننتمي لأرضنا و نحفظها ونحفظ قناعاتنا ومبادئنا، نتحدّى الكون ونتمرّد ونتمتّع بالجرأة للمواجهة والاستمرار والنصر. فمشوار الألف ميل يبدأ بخطوة، ولقد بدأنا هذه الخطوة منذ ما يزيد عن نصف قرن ولا شك سنحقّق ذلك. العدل يحتاج لقوة تحميه، ونملك الحق في فلسطين، وها نحن نملك القوة وبشكل كبير، ولا نسعى لتحقيق هذا النصر بالكلام والشكوى كما يفعل البعض، بل بالفعل. ما أخذ بالقوة سيسترد بالقوة والتصميم والمثابرة. وسيرجع الحق والأرض وينعم الشعب العربي عمومًا بذلك. والمقاومة ستحقّق ذلك وستنتصر يقينًا... جميل كل ذلك، ولا أخفيكِ هذا مرسخ في نفوسنا. ولكن بعد ذلك... علاقة هذه الدولة بعد تحررها محكومة بالتوتر؟ وتأشيرات الدخول؟ والمكائد مع باقي الدول العربية؟ كحال عموم الدول العربية. أليس كذلك؟ تخيلي معي مثلًا... مثل أي دولة عربية من الدول القائمة حاليًّا، ستكون بالنسبة لنا هذه الدولة الجديدة... ومن هو العدو الجديد الذي سنصنعه لنستمر... تحت عنوان: البحث عن عدو للاستمرار، مع أحقية الصراع العربي الإسرائيلي كمبدأ. الصراع هو صراع الحق والباطل. "مرتضى": أعلم ذلك وهنا بيت القصيد كما يقال. وهنا التناقضات التي لا نستطيع أن نخرج منها. نرى الأمور والصراع من منظور واحد... صراع الحق والباطل وهو كذلك. بين دولة ظالمة تنتهك حقوق شعب أعزل، وتمارس عليهم إرهابًا. ولكن أليس هذا حال الكثير الكثير من الدول وخاصة العربية في سياساتها، ولو اختلفت بعض التفاصيل. أليس هذا الصراع حجة وشماعة وبحثًا عن عدو... لتمرير الكثير من الأمور التي ما كانت لتمر لولا هذا العدو. كحال الدول التي تدعي الحضارة والديمقراطية أيضًا. كالولايات المتحدة التي جعلت الاتحاد السوفياتي عدوها. وعندما سقط؛ صنعت الارهاب عدوها وبعده العراق وداعش وهكذا دواليك. والأهم يجب أخذ الثأر من جورج. يقول ضاحكًا. جورج... جورج... ما القصة؟ تسأل حنين. سأخبرك وجهة نظر أخرى مختلفة عما هو ثوابت ومسلمات بالنسبة لنا. ونبدأ بـ "مدى". "يعني كل شي لازم يكون له علاقة فيها أو وصلة توصل إليها على مبدأ (لما يجيبوا سيرتك يحلو الكلام)". طبعًا طبعًا... المهم... من بين زملائها في الجامعة شاب تذكره دائمًا، وعندما سألتها عنه. قالت إنه إسرائيلي... وهنا تصدّى اللاوعي والمُسلّمات الراسخة في ذواتنا وقلت: لا يوجد دولة اسمها إسرائيل... هي كيان غاصب محتل. فلسطيني هو، أو محتل غاصب. قالت إنه يقول إنه عربي من إسرائيل. قلت الصراع العربي الإسرائيلي مرتبط بظهور الصهيونية واحتلال الأراضي الفلسطينية، الوطن التاريخي للفلسطينين الذين عاشوا فيه منذ القدم، زرعوا أرضه، وبنوه بشرًا وحجرًا... حتى ظهر هذا الكيان وهجّرهم واستبدلهم بشعوب جُمعت من بقاع الأرض بتغطية بريطانية من خلال وعد بلفور، الذي أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق. الغرب لا يعلم الكثير عن هذه التفاصيل جل ما يسمعونه عن اليهود... المحرقة ومعاداة السامية، والعمليات الإرهابية التي تمارس عليهم حسب ذكرهم. وأكدت لها أنها ليست إرهابية، بل مقاومة. ولكن الإعلام ينقل هذا، بحيث أصبح صانعًا للحدث يحرف الحقائق وليس ناقلًا للحدث. تضيف "مدى" ألا تكفي كل هذه الحروب والقتل... انظر إلى أوروبا كم عانت من الحربين العالميتين وما قتل فيهما... ولكن تجاوزت ذلك كله بذكاء، ووجهت طاقاتها وإمكاناتها البشرية والمادية للتطور وليس للحرب، وهي الآن تتربّع على قائمة الدول الأكثر تطوّرًا في العالم اجتماعيًّا وإنسانيًّا واقتصاديًّا. وعلى ما أعتقد أن العرب ينفقون ميزانياتهم وثرواتهم، عسكريًّا ومن دون نتيجة وينخر الفساد فيهم نخرًا. وجورج شخص عربي تجاوز جزءًا من الصراع ويحاول إثبات نفسه وبلده ورفع اسمه بالعلم والعمل لا الحروب. وما سر عدائك لجورج... تقول حنين. الصراحة أشعر أني أغار منه لأنها تذكره أحيانًا، ويتشاركان المقعد الدراسي، وأحيانًا أخرى برفقة مجموعة من الأصدقاء والزملاء ينظمون بعض النشاطات الترفيهية. صحيح أن ذلك كله أنشطة جماعية وليسا منفردين. أهي أفكار، وأحاسيس وتصرفات تحدث. لا أعلم إن كان يشكل تهديدًا لي ولمكانتي عندها، أو أن ذلك محض خيال. ولا أعلم فعلًا إن كنت مدركًا أو غير مدرك أنها مشاعر الخوف على ضياع العلاقة العاطفية، أو تعبير عن الحب والاهتمام فقط، أو نابعة من عدم الثقة بالنفس. المكابرة على مشاعر الغيرة والتعالي عليها، غالبًا يكون لإظهار قوّة الذات، وهذا ما أفعله. وإنكارها قادمٌ من خشيتي ظهور إحساس الضعف إلى العلن. لا أخفي عليك، أشعر بالغيرة منه علمًا أني لم أَخبر هذه المشاعر سابقًا. 6 مدينة بوخارست... يطلق البعض على المدينة مسمى باريس الشرق أو باريس الصغيرة. هي عاصمة رومانيا وأكبر مدنها، وهي سادس أكبر مدينة في الاتحاد الأوروبي. يزيد عدد سكانها عن مليونين. وفيها تختلط الأساطير مع الحقائق. بوخارست... مدينة فيها يجتمع التاريخ العريق مع الحداثة. في طريقك من المطار إلى مركز المدينة، تمرّ بقوس النصر الشبيه بقوس النصر الشهير بباريس، وقبالته حديقة هيراسترو. الكثير من المباني البيزنطية، تزين المدينة، وكذلك بعض الكنائس المبنية على الطراز القوطي التي يعود تاريخها إلى القرن الثامن. دمرت العديد من مبانيها الأثرية بسبب الحروب المتوالية والزلازل، وأعمال ديكتاتورها السابق تشاوشيسكو الذي هدم ما يقارب ربع المنطقة التاريخية وأعاد بناءها. وأنشأ أهم البنية العمرانية التى نراها حاليًّا وأهمها مبنى البرلمان الروماني الموجود في امتداد ساحة "اونيري"، وهو ثاني أكبر مبنى إداري في العالم بعد البنتاغون بارتفاع 84 مترًا ومساحة 365 ألف متر مربع ولكن لم يره قط بعد اكتماله. كان قد وصل إلى المدينة صباحًا، الثلج يغطي المكان. تعمد أن يستقل باص النقل العام من المطار إلى مركز المدينة، يرغب في المزيد من تضييع الوقت أولًا. وكعادته يحب أن يحدث أهل البلد الذي يزوره. يتبادل أطراف الحديث بأمور بسيطة وسطحية، ومعلومات عن البلد والطقس وبعض الأماكن المتميزة. إذا ما وجد أحدهم يتكلم الإنكليزية أو الفرنسية. والرومانيون معروفون بطبيعتهم الكريمة، فهم يعتبرون الناس مقربين منهم ويحبون ضيافتهم. ويظهر الرجال احترامهم للمرأة عمومًا، ويظهر بعض من ذاك الاحترام من قِبَل: قبلة على اليد، أو من خلال تقديم مقعد لسيدة، أو غير ذلك. وجد رحلة الباص مناسبة لمشاهدة معالم المدينة... الشوارع، الأبنية، الحدائق والعمران وإن كانت نظرة سريعة. لم تتجاوز الرحلة عبر الباص الخمس وأربعين دقيقة ليصل إلى مركز المدينة، وجهته. كان قد استأجر "مرتضى" غرفة في فندق، عبر الإنترنت، فموقع booking.com يعطيه العديد من الخيارات بالبحث والمميزات والكثير من الصور عن المكان. اختار Inter-Continental Bucharest" أحد أطول المباني في بوخارست، ذا السبعة والثمانين مترًا ارتفاعًا، وهو من الأبنية الحديثة نسبيًّا، بني أول السبعينيات، وكان مكان إقامة الصحفيين في أثناء الثورة الرومانية عام 1989 كونه مطلًّا على ساحة الجامعة، وقريبًا من ساحة الدستور التي شهدت أحداثًا مفصليةً حينها. ساحة شهدت ثورةً وصخبًا وبحثًا عن الحرية. بوخارست... أولى المدن التي ثارت ضد الشيوعية، والتى سقط فيها الكثير من الأشخاص. وكانت فاتحة انهيار الاتحاد السوفياتي وتقسيمه إلى دول عدة. اختار هذا الفندق في مركز المدينة، وفي ساحة مليئة بالتاريخ والثقافة، والكثير من المعالم السياحية التي تمنح العاصمة هويتها، في محيط المسرح الوطني وما يقدم من ثقافة وفن. أقله ما يظهر من خلال هندسة البناء ومنحوتة كاراجيليانا Caragealiana Sculpture في الحديقة الأمامية للمسرح. بانتظار القطار في الثالثة وإحدى عشرة دقيقة، وما يحمل معه من شوق وانتظار وأحلام ولحظات رسمت في الخيال وسيناريوهات شتى للحظة اللقاء. اللقاء الذي ارتبط التوقيت والوقت به، حتى تكون كل أحداث ذلك اليوم قائمة ومرتبطة بذلك. القطار، الذي انتظرها لتكمل اختبارها الصباحي في الجامعة قبل اللقاء بسبع ساعات وسبع عشرة دقيقة وحملها برحلة ساعات تزيد عن الخمس. حالياً التوقيت: ساعتان ونيف قبل اللقاء... يسير باتجاه محطة القطار، مستعينًا بالخريطة على الهاتف. يلتفت إلى الساعة مرارًا، سالكًا الطريق الأطول لتمضية الوقت، باتجاه المدينة القديمة وPiata Unirii. يأبى الوقت على المضي كعادته، يخيل له أنه عدوه الحقود. لم يشعر أبدًا من قبل بثقل ثوانيه... يرى عقارب الساعة سيفًا مسلولًا إلى عنقه. يجن نبض القلب... لكماته تزداد قوة شيئًا فشيئًا. لبرهة يظنه سيكسر أضلاعه، يضع يده على يمين صدره يحادثه: لا تخف ستأتي لكن بالله عليك لا تخني... أخذ نفسًا عميقًا كأنه يجمع العالم برئتيه، وببسمة أمل ينظر حوله... يدندن بسره: اليوم تدور الارض لأجلي، كل هذه الترتيبات للقيانا، محطة القطار، القطار، الناس كلهم اليوم ليشهدوا أجمل لحظات عمري، يرسم على وجهه بسمة رضا بسلام داخلي. يتمتم الحمد، ويشكر لله، ويكمل حديثه مع نفسه: لطالما كفرت بالصدف وأفرطت الإيمان بالقدر، لا يعقل كل هذه الدقة بخلق الكون ويُنسب شيء إلى العدم. أجل لا شك أن كل هذه الترتيبات لأجلي... كمجنون ليلى يحيى المشاعر كلها معًا. مُسحت البسمة وتقطّب الحاجبان: ما بال هذه الساعة جمدت؟ يسلك الطريق الأطول على الخطى ليخفِّف مرّ الانتظار، مرورًا بالمدينة القديمة، يعرج على كنيسة ستافروبوليوس، إحدى أهم المعالم الأثرية والدينية في المدينة. يتمتم فيها بكلمات: تَعظم معها قداسة بيوت الله... وإن لم يكن فيها لصلاته، مكان. فسجدت روحه على بلاطها بطمأنينة مع المصلين. ثم يسير جنوبًا إلى ضفاف نهر Dâmbovița بمحاذاة مبنى البرلمان الشهير، قصر تشاوشيسكو الذي لم يسكنه، ومحيطه المميز حيث الحدائق تزين الجوار، وصولًا لبيت الأوبرا، بمدخله ذي القناطر الثلاث بمحاذاة حديقة كبيرة. الكثير من الحدائق في بوخارست، وما فيها من آلاف الأنواع من النباتات والأشجار الخلابة. والكثير من المعالم الأثرية والأماكن التي تستحق المشاهدة والوقوف عندها، كان ليعطيها حقّها ويتوقّف عندها، لولا شوقه الذي يحركه فقط، باتجاه محطة القطار واللقاء المرتقب... يكمل مسيره ثم ينعطف يمينًا ويكمل متوجِّهًا للمحطة. كان قد اختار شعار الماكدونالد في المطعم كنقطة اعتلام للقاء. ينظر إلى تلك الطاولة الصغيرة في الزاوية، مع كرسيين بسيطين، بمحاذاة ذاك الشاب الذي يعانق يدي فتاته، ونظراته ترسم عالمًا بعيدًا عن ضجيج المكان وزحمته. يمر ببائعة ورد ريفية جميلة، بتلك الملامح البسيطة غير المتكلفة، بعيدًا عن مساحيق التجميل وعمليات تغيير خلق الله التي تدأب عليها بعض النساء، لما يعتقدن أنه تجميل. وهو ما يجعل الكثير من النساء متشابهات، من دون مراعاة أن لكل امرأة جمالها الخاص. وأن كل امرأة جميلة. كيف لا والأنثى هي أهم مقومات الجمال في خلق الله. فتاة بشعر أشقر، وجسم نحيل. تداعب باقات الورد وكأنها تغازلها، تعيد ترتيبها وتنسيق ألوانها. تبتعد قليلًا لتنظر من بعيد، وكأنها تريد التقاط صور تذكارية، تريد لها أن تخلد كل لحظة وموقع جمال. يتهادى لحن عذب جميل إلى أذنيه، يعزفه شاب ذو بشرة سمراء، بملامح شرقية وسيمة، يضاف إلى جمال ورونق "البزق"، الآلة الوترية التي يعزف عليها، جمالًا وعذوبةً... لفته وجود خزانة كتب، تستطيع أن تشتري الكتب منها بشكل ذاتي، بقطع معدنية، كما درجت العادة أن تشتري زجاجات العصير وأصابع الشوكولا في محطات المواصلات والأماكن العامة. ولعل المكان ورونقه وجاذبيته، وجو السعادة والفرح الذي يضفيه، لا يكتمل إلا بالكتاب والقراءة والثقافة... لوحة فنية جذابة تبعث السعادة في النفوس. ولو أن الأدق: جاذبية وجمال الأشياء موجودة داخل أنفسنا وليس فقط فيما تقع عليه حواسنا. جيئةً وذهابًا في محطة القطار... ترتسم في ذاكرته تفاصيل ستة أشهر وتسعة أيام، يبتسم وتلمع عيناه في كل ذكرى. لم كل ذلك السكون؟ لا يستطيع سماع أو ملاحظة أحد.. تعطلت حواسه عن كل ما يحيط به عداها... يقترب كطفل وجد أمه بعد خوف شديد من فقدها... يقف الزمن لبرهة ويكاد يختفي كل ما عداها وهي تتمايل بمشيتها تنظر ناحية شعار ماكدونالدز حيث من المفترض أن تجده هناك، تلتفت للخلف عندما تسمع كلامًا بالعربية لا تفهم معناه ولا المراد به... - عم تدوري ع حدا… لا تفهم ما يقوله وليست لغتهم المعتادة على التواصل، لكن هذه اللحظات الصادقة سيطرت على كيانه، حثته على التكلم بلغته الأم المتناغمة معه منذ الصغر. يطيل النظر والتأمل بعينيها... يحجب الدمع صورتها قليلًا ويحتضنها لا شعوريًّا.. يضمّها إلى صدره كأنما يريد أن يسجنها بداخله قريبة من قلبه المتعب. لقاء منتظر بعد أشهر من الشوق والانتظار... بعد أشهر من الحب والأحاديث في العالم الافتراضي الذي يُغيّب دفء الصوت، ولغة الجسد، واتصال العيون. وكرجل شرقي يحكم سجنها بين ذراعيه... أنا يا سيدتي من الشرق وإذا ما أحب الرجل منا، امتلك محبوبته، أعلن أمام الملأ أنها له. ممنوع الاقتراب أو حتى النظر، يبعد جسدها قليلًا عنه يعيد التأمل بوجهها. يقسم لها أنها قمر، أو شمس: كما يتغزل أهل بلادها بالجمال. ذاك أنهم لا يشاهدون القمر بكثرة، تحجبه الغيوم والشتاء طويلًا، وليس القمر رمزًا للجمال. بالمقابل الشمس عندهم عزيزة غالية جميلة، لأنها مصدر الدفء الذي طالما ينشدونه وقلما يرونه. هي قمر ظلمته وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، فلم تظهر من جماله ورونقه ما يراه حاليًّا بأم العين. لم تكن مكالماته معها ولا صورها، تظهر تلك النجوم المتلألئة بعينيها، شعرها الأسود الطويل يستحق السهر طوال تلك اليالي المظلمة اشتياقًا لها. يعود بيدين مرتجفتين، وجبين تنحدر منه قطرات عرق خجلى، تحكي ارتباك قوته وهزيمتها أمام سلطان جمالها. يدنيها منه يعانقها مجدّدًا، يشمّ رائحتها مرارًا، يثمل بطيب عطرها. لم يكن سكيرًا يومًا ولا ارتشف نبيذًا قط، لكن كيف له أن يعلم أن هذا العبق أيضًا من المسكرات... احتضنا بعضهما مجدّدًا بشوق واضح، كان يبعدها قليلًا لينظر إلى عينيها، ويعيد احتضانها ويتمتم بكلمات: حينًا بالعربية وحينًا بالإنكليزية... ويطيل احتضانها وضمّها بين ذراعيه. بثوان تغير الحال، ما بين الانتظار واللقاء، تنهيدة عميقة كأنه يستنشق الحياة. وكأنّ عمرًا جديدًا قد ولد، وقبلة طبعت على جبين القدر. تخفت قليلًا ضربات القلب... وتُحل عقد اللسان. ببراءته المعتادة وبساطته المحببة، يبدأ الحديث براحة أكثر. قد كُسرت رهبة اللقاء الأول بعناقها له وابتسامتها الفاتنة، يريح قبضته قليلًا، يمسك يدها غير عابئ بتندي يديه من شدة الارتباك والخجل، وتبدأ أحاديث صادقة جدًّا. تتجلى فيها تعابير الوجه عظمة: الابتسامة بالحديث، نبرة الصوت توصل ما لا تستطيع المسجات إيصاله لو اشتدّت بلاغتها. هنا يضحكان للمرة الأولى بشغف، بحب، بارتياح كبير. ليسا بحاجة لانتقاء كلمات يسهل فهمها. تحرّرا من سلطة الهاتف الغبي البارد وبدأت خطى جديدة مختلفة تمامًا عما سبقها... عبر تطبيق Uber استقلا سيارة أجرة تقلهما إلى الفندق. بعد استراحة قصيرة من السفر، سارعا يتنافسان لإعداد كوب من القهوة بالحليب... وعلى الطاولة، حيث يترك قسم خدمة الزبائن في الفندق إبريق تسخين الماء وبعض الظروف لتحضير المشروبات الساخنة: الشاي بأنواعه، العادي والأخضر والمعطر، النسكافيه، السكر، الحليب. وردة توليب تزين الطاولة كان قد أحضرها صباحًا عند وصوله، من كشك صغير يبيع الأزهار. وكثيرًا ما تنتشر أكشاك كهذه في كل أنحاء المدينة. فتحت الدرج وجدت فيه الكثير من الشوكولا. أيترك الفندق شوكولا للزوار؟ يعلمون أني مدمنة شوكولا. على ما يبدو ذلك. يقول بابتسامة. ولكن لا تقل إنهم يهدون بيجاما أيضًا... انظر على الأريكة، ويبدو أنها بمقاسي. وبالمناسبة وجدت على المرآة قلم كحل أيضًا. ستجدين هدايا في كل مكان في هذه الغرفة، في الأدراج، وعلى الطاولة وفي الخزانة. كان قد أحضر العديد من الهدايا ووضعها في أماكن مختلفة، بحيث ستجد هدية ما في أغلب الأماكن المفترضة. تعانقا وغرقا في بحر من القبل والعناق والمشاعر. تعمل القبلة على إفراز هرمون السعادة، والجسد كله يخدم القبلة لذاك، وإن كان التوتر أمرًا طبيعيًّا وخاصةً بالقبل الأولى. عندما نتحدث عن القبلات، فنحن نتحدث عن أقرب الأنشطة الحميمية إلى الموسيقى، ومثل الموسيقى؛ تدرّج إيقاع القبلة من اللمسة الخفيفة التي استكشفت هذه الشريكة الحلم، ثم القبلة الخفيفة الهادئة، إلى القبلة العاطفية القوية، والذوبان معها وبها، وصولًا إلى القبلة الفرنسية الجامحة المشتعلة. قُبل قصيرة وأخرى طويلة ممتدة. قُبل صامتة ولكن تتحدث بالكثير. قُبل مع حركة الرأس وقبل من دون حركته. قبل بأعين مفتوحة وأخرى بأعين مغمضة حالمة. قبل مفاجئة... قبل مسروقة... قبل بانفعال وقبل ملتهبة... تدرجت القبلات من البطء إلى السرعة، ومن الخفة والرقة إلى القوة، ومن العاطفة والدفء إلى الاشتعال. القبلة قد تساعد الناس على تقييم الشركاء المحتملين ومن ثمّ الحفاظ على هذه العلاقات. أمضيا باقي اليوم إلى الصباح، بين كلام الحب والشوق واستعادة بعض الذكريات من العالم الافتراضي. هكذا ومن دون أن يغادرا الغرفة حتى لتناول الطعام إلى ما بعد ظهر اليوم التالي. مرّ الوقت سريعًا وتجاوز منتصف الليل... ناما كجديلة شعر... كعاشقين تلتف الساقين حول بعضهما وتحتوي قدميه قدميها الناعمتين… الطقس في الخارج باردٌ جدًّا، الثلج يغطي المكان وإن كانت لا تتساقط الثلوج في الوقت الراهن. طقس بارد، هو أمر عاديٌّ ومتكرر دائمًا في رومانيا طوال فصل الشتاء الذي يمتد حتى لبداية الربيع. ينظران إلى الميدان المقابل للفندق، الثلوج تملأ المكان. يشعران بدفء المكان في الداخل ولعله دفء المشاعر والحب هو الذي يطغى... يحضران نفسيهما ليتناولا الغداء في أحد المطاعم المجاورة... تجلس مقابل المرآة، تضع المكياج: وكأنها تمسك بأدوات ليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو... قد أبدع الله في خلق جمالها وملامحها وأبدع في أناملها وما تخط وتصنع هذه الأنامل. تضع "كريم الأساس،" أولًا وتبدع في وضع الكحل في العينين، والمسكارا على الرموش، وذلك ببساطة ومن دون تكلف. حتى لتشعر أنها لم تضع شيئًا من مستحضرات التجميل. وتنهي ذلك بلمسة فرشاة "البودرة"، ومسحة من أحمر الشفاه… بقي شيء واحد لأكون جاهزة. أريدك أن تصنع لي وشمًا بحروف عربية. تقول بابتسامة وغنج واضحين. كيف ذلك؟ لست خبيرًا بالوشم ولا أملك أدواته. ربما ليس وشمًا حقيقيًّا سنستعمل قلم الكحل. وبالمقابل أنا سأصنع لك وشمًا. كتب لها كلمة "عشق" بالخط الديواني العربي على الوجه الخارجي لساعدها الأيمن. ورسمت له، علامة اللانهاية، على الوجه الأمامي لمعصمه الأيمن. ظهرت كلوحة فنية وجمالية مميزة وزاد من جمالها ذلك الوشم على ساعدها. المسافة ليست بعيدة بين الفندق ومطعم البيتزا، على الجانب الآخر من الساحة. يسيران كعاشقين لا تكاد تتفارق اليدان، حتى ليمتد العناق إلى الأصابع بحيث تعانق أصابعه أصابعها. تلك المشية معًا، تظهر قدرًا كبيرًا من التناغم، أشبه برقصة يؤديانها بعفوية، ولا تغيب تلك النجوم التي تلمع في العينين والابتسامة في الروح التي تسبق ابتسامة الشفتين. يتجاوزا ساحة الجامعة، تماثيل أربعة تجمع شخوصها الذين تنوعت بين العلم والأدب مع الرومانسية والقوة، تقف أمام الجامعة تلفت نظره. ولعله يبحث دائمًا في اللاوعي عن الثقافة والتاريخ والجمال. ها هو المطعم اسمه Pizzeria، يقع في زاوية إحدى الأبنية القديمة، التي تعد من معالم المدينة. وهو وجهة للكثير من محبي المطبخ الإيطالي، وخاصة البيتزا والباستا. جميل هذا المكان يقول "مرتضى". نعم. تجيبه. عند دخولك إلى المطعم سوف تنعم بتجربة فريدة تمتع فيها حواسك... تبدأ بناظريك وجمال الديكور، وحسن توليفة الجلد مع الخشب، كذلك تناسق الألوان، بالإضافة إلى رائحة شهية للمأكولات مختلطة بعبق المكان. ولا تغيب الموسيقى الهادئة الآسرة أيضًا. لحن على مقام العجم أو "دو الكبير" كما يسميه الغرب. سبق وأن أخبرتك عن المقامات، أنا لا أتقنها، ولكن أعرف هذا اللحن. يعزفه جورج زمفير، عازف روماني شهير معزوفته الأشهر عبر العالم "صاحبة السعادة" أو "mon amour" وقد عرفت بأسماء مختلفة. هذا اللحن أساس لحن اغنية فيروز "لبيروت"... أرأيتِ أهتم بكل ما يتعلق ببلادك. تتراصف في المطعم طاولات خشبية دائرية، مزينة بصحون كبيرة مع أدوات الطعام: الشوكة والسكين، وفوط قماشية مطوية بذوق. يحيط بالطاولات كراسٍ جلدية بلونين: بيج وأخرى بنية. و بمحاذاة الحائط مقاعد جلدية أشبه بمجالس الديوان العربي. أرضية باركيه متمادية مع الحيطان الخشبية المزينة بالعديد من صور البورتريه لأشخاص عدة، موسيقيين كبيتهوفن، والذي يعتبر من أهم من وضع قواعد وأسس العلوم الموسيقية عبر التاريخ، وأدباء أمثال دوستويفسكي وتولستوي أبوا الأدب الروسي. وأمين معلوف اللبناني. ورسامين... وفنانين: تتربع بينهم صورة لفيروز... يتدلى من السقف مصابيح وزعت باحترافية عالية بحيث تؤثر الإضاءة على الإحساس بالمكان. وفي عمق المطعم بوفيه مفتوح. تجد المطعم يهتم بالذوق والألوان حتى في تقديم الأطباق، وليس فقط مذاق الطعام. فلديهم قائمة طعام إيطالية مميزة ومختلفة إضافة للبيتزا والمعكرونة بأصناف الجبنة المميزة. تشعر بدفء المكان... ما بال هذا الدفء لا يغادر الأمكنة والاوقات هنا... وهي بلاد تكاد تقترن بالطقس البارد والثلج ، وهو ما يبدو بوضوح في الخارج من خلال الواجهة الزجاجية الكبيرة، التي تظهر ثلوجًا قد تساقطت مرارًا خلال الأيام السابقة. لعل روحنا وذواتنا ومشاعرنا، هي التي تعطي الأشياء خصائصها من جمال ودفء وخصوصية. يختاران طاولة منفردة ومطلة على الشارع. يتبادلان النظرات، كلاهما يسرحان ويتأمّلان بعيني الآخر، وكأنها المساحة الوحيدة المتاحة للنظر. يصحو من سكرته بحضورها. تداعبه ذكريات الواقع الافتراضي التي طالت. والآن هما معًا... بانتظار المطبخ الإيطالي… السمات الرئيسية للمطبخ الإيطالي بساطته، حيث تتكوّن العديد من الأطباق من مكونات قليلة، وبالتالي يعتمد الطهاة الإيطاليون غالبًا على جودة المكونات، بدلًا من تعقيد عملية التحضير. الأطباق والوصفات الأكثر شهرة، على مرّ القرون، ابتكرها أشخاص عاديون أكثر من طهاة، ولهذا السبب فإن العديد من الوصفات الإيطالية مناسبة للطبخ المنزلي واليومي. هل سنتناول ماماليغا؟ يقول "مرتضى" ممازحًا... إذاً كان عليك ألا تتوجّه لمطعم إيطالي... هنا سنتناول البيتزا، و سأقترح عليك بيتزا بالثوم... بالثوم يقول متفاجئًا: لم يخطر ذلك أبدًا ببالي. بيتزا بالثوم! يمكنك أن تجرِّب. سأفعل. يتحادثان، يعطي لحديثها جلّ اهتمامه، ويبحث عن خيط مشترك يجمعهما في الحديث، ولا تغيب أبدًا لغة العيون وأحاديثها. يرد عن بعض الأسئلة بكلام الغزل، وإن لم يكن له موضع في الإجابة. يجلسان، يتحدثان، يبتسمان، يتشاركان الوقت والطعام بكامل جوارحهما. يتنفس باسترخاء وهدوء تارة، ويشعر بالتوتر وتعرق اليدين تارة أخرى، يرفع حاجبيه، يكشف أسنانه، يميل نحوها، يحدّثها، جوارحه وروحه حاضرة بخشوع معها. مرّ الوقت سريعًا، وهذا ما صار يشعر به منذ التقيا. الوقت يمضي بسرعة لم يعتد عليها، وهو طالما وجد الوقت مملًّا وبطيئًا قبل أن تتوج أميرة في حياته. أنهيا الغداء، طلب شاياً أخضراً بالزنجبيل والعسل، وهي شربت كوب كابوتشينو. والوقت يملؤه الحب والسعادة. في طريق العودة إلى الفندق، عرّجا على حديقة في طريقهما، تتربّع شجرة عملاقة في الحديقة، قد تحتاج أذرعَ سبعة رجال لإحاطتها، ناهيك عن ارتفاعها الشاهق، الذي يبدو جليًّا عندما التقطا لهما صورة بقربها، ساعدهما أحد المسنين الذي كان موجودًا في المكان. يبدوان بالقرب من الشجرة العملاقة، كالأقزام، أو السنافر كما قالت هي، عندما شاهدت بالجوار كشكًا صغيرًا يشبه منازل السنافر، بجواره مقاعد بشكل أقلام التلوين. ابتاعًا منه بعض حاجيات وتوجها للفندق، ولم يغادراه حتى ظهر اليوم التالي موعد الرحلة. وبذلك أمضيا ما يقارب اليومين تقريبًا، من دون أن يتركا غرفة الفندق، بأكثر من وقت الغداء في المطعم الايطالي. بعد ما يقارب اليومين من اللقاء، و اللذين أمضياهما داخل غرفة الفندق من دون أن يغادراها إلا للمطعم الإيطالي، كانت وجهتهما مدينة جبلية سياحية مشهورة لقضاء بعض الوقت. حجزا الرحلة عبر BlaBlaCar هو تطبيق هاتفي، فرنسي، لتقاسم ركوب السيارات. يربط السائقين والركاب الراغبين في السفر معًا بين المدن فيما يزيد عن ٢٢ دولة حول العالم. بحيث من يسافر بسيارته، يمكنه اصطحاب مسافرين معه، من دون أن يكون عمله نقل الركاب، ومن دون أن يمتلك سيارة عمومية. يشاركه السفر راغبون بالسفر لنفس وجهته، بأجرة أقل نسبيًّا. وذلك يسهل حركة المسافرين. كما ويجد المرء مرافقًا لسفره بذلك. بالإضافة لتقليل عدد السيارات المتنقلة بمسافر واحد، وما ينعكس ذلك على البيئة. اختارا سيارة بسائق عمره تجاوز الخمسين، عله يكون رفيق سفر ممتع. وذلك لخصوصية وتميز عمر الخمسين عند الرجال. في سن الخمسين تكون الخبرات الحياتية قد نضجت بما فيه الكفاية لمراكمة الذكريات والاستفادة منها، وكذلك الوقوف عند المحطات التي لم تستغلها في حياتك والأمنيات التي لم تحقّقها يومًا. ويصبح المرء أكثر ميلًا للراحة والاستمتاع بأشياء لم يجد لها الوقت الكافي في الشباب. وقدرة كبيرة على تحويل أي غضب يعتمل بداخله إلى طاقة إيجابية. ظهر كل ذلك، بملاحظات أبداها أو تعليقات، بأحاديث تبادلاها في أثناء الطريق. انطلقا من أمام المتحف الوطني للفنون، شمال الفندق بأقل من كيلومتر واحد، قطعاها مشيًا على الأقدام. ها قد وصلنا. تقول. صرح ضخم وجميل ويقع فى عدة طوابق. حقًّا يستحق أن يكون متحفًا للفن. يقول مرتضى. هو قصر ملكي يرجع تاريخه إلى القرن التاسع عشر، وقد دمر جزء منه في الثورة عام 1989. لم يتسنَّ لنا مشاهدة المدينة معًا، قضينا أغلب الوقت في الفندق، ولكن في المرات القادمة لقدومك، سنخصّص وقتًا جيدًا لاستكشاف الأماكن السياحية والثقافية، كذلك سنجرّب مطاعم شعبية تقليدية تشعرك بلذة الأكل عندنا. بالتأكيد بالتأكيد... على كل، أنا شاهدت المدينة بالكامل وحتى رومانيا وأظن العالم كله حتى... أجدك العالم كله يا ساحرة. ألا زلت مصراً على مناداتي بالساحرة منذ تعارفنا على وسائل التواصل الاجتماعي... تقول مبتسمة. أظن أن هذه هي السيارة التي ننتظرها "داسيا سوبر نوفا". أتعلم أن داسيا هي أكبر مُصَنِّع للسيارات في رومانيا، وتتبع لمجموعة رينو الفرنسية. اسمها مستقى من اسم أحد أقاليم رومانيا. سيارة صغيرة نسبيًّا ومتواضعة. لكنها ستفي بالغرض صدقني. مرحبًا... تخاطب السائق إسمي " مدى" وصديقي "مرتضى"، سنرافقك حتى "براشوف" حجزنا رحلتنا معك عبر blablacar. بكل سرور يجيب السائق. اسمي "رازفان". تفضلا بالركوب. هو شاب خمسيني أنيق، حليق الذقن والشنب، غزا الشيب شعره الكثيف. وتناغم الشعر الأبيض مع الأسود يعطيه ذلك اللون الرمادي الأخاذ... يبدو صديقك غير روماني... يقول بالإنكليزية مبتدئًا الحديث بعد أن أقلعت السيارة وتجاوزت حدود المدينة. أتكلم الفرنسية والرومانية، أما الإنكليزية بشكل بسيط. أجل. إنه عربي من لبنان. أهلًا وسهلًا بكما، أتكلم الفرنسية، لقد عملت في فرنسا ما يزيد عن سبع سنوات، في فترة ما بعد انتهاء النظام الشيوعي وانضمام رومانيا الجزئي للاتحاد الأوروبي لاحقًا. تعلمتها سريعا، تنحدر اللغة الرومانية كما الفرنسية من اللغة اللاتينية لغة الإمبراطورية الرومانية، مثلها مثل كثير من اللغات العالمية الأخرى كالبرتغالية، الإسبانية، والإيطالية. أنا و"مرتضى" نتكلم الفرنسية أيضًا تقول "مدى" إذًا يمكننا التكلم بالفرنسية، يقول "رازفان" الذي يبدو عليه أنه من الاشخاص الودودين الاجتماعيين الراغبين دومًا بمحادثة من يحيط بهم. مرَّ وقت ليس بقليل من الرحلة، توقفا عند محطة للوقود، وعادة ما تجد ضمن المحطة على طريق السفر، ميني ماركت وسناك السندويشات والوجبات السريعة ومرحاض. كل ما يلزم لاستراحة مسافر. تناولا طعامًا وكوبًا من الشاي بعدها. وكالعادة الشوكولا دائمًا حاضرة وهي أكثر ما تفضِّله وترغبه. انقضى وقت الرحلة سريعًا بين أحاديث وغزل وذكريات، ومشاهدات للطريق وما يمرّ بمحاذاتها. يقول "مرتضى": ألاحظ كثرة المساحات الخضراء وأشجارًا كثيفة طوال الطريق، وكذلك بحيرات صغيرة متعدِّدة. صحيح. ورومانيا من البلاد الأولى في صادرات الأخشاب في أوروبا. تجيبه. أنظر إلى الغابات الكثيفة والأشجار الكبيرة ذات الأطوال الكبيرة. وانظر إلى الضياع الصغيرة، وطريقة بناء منازلها الخشبية، وأسقفها المائلة، بالقرميد أو أحيانًا ما يشبه السيراميك وصولًا لصفائح معدنية. وذلك للوقاية من غزارة الأمطار وتساقط الثلوج. يتدخل "رازفان" السائق. يمكنك ملاحظة بعض النمط الشيوعي السابق في البناء وغيره... رومانيا وبوخارست أولى المدن التي ثارت ضد الشيوعية، والتى سقط فيها الكثير من الأشخاص. وكانت فاتحة انهيار الاتحاد السوفياتي وتقسيمه إلى دول عدة، ومعها يسقط العالم ذو القطبين وتتربع الولايات المتحدة الأمريكية كقطب وحيد مقرِّر عن العالم، وشرطي يثيب ويعاقب على هواه، وعلى هوى النفط والاقتصاد والمال الذي يحكم العالم وله القول الفصل. صارت الولايات المتحدة تحرك هذا وتسكت ذاك، وتعيد تأطير الأحداث في العالم، وتدور زوايا الوقائع بما يتلاءم مع مصالحها العليا. يقول "مرتضى": الثورة يصنعها الشرفاء ويقودها الشجعان ثم يسرقها الجبناء على قول تشيغيفارا. وليس ببعيد عن ذلك ما سمي الربيع العربي والثورات العربية، وهي قول حق، ورغبة صادقة بريئة في التحرر والرقي، ولكن أريد بها باطل. طارق الطيب محمد البوعزيزي، شاب تونسي قام يوم الجمعة 17 كانون الأول 2010 بإضرام النار في نفسه احتجاجًا على مصادرة السلطات لعربة كان يبيع عليها الخضار والفواكه لكسب رزقه. كان موته شرارة انطلاق الاحتجاجات في تونس، التي أسفرت عن استقالة الرئيس وامتدت شرارتها إلى بعض الدول العربية. ونجحت في الإطاحة بمبارك في مصر بعد 29 عامًا من الحكم، ومقتل القذافي بعد 33 سنة من الحكم، ثم اليمن والجزائر وسوريا والسودان ولم تغب عن الخليج العربي في البحرين والسعودية. سمعنا بذلك عبر وسائل الإعلام. وتميزت هذه الثورات بظهور هتاف عربيّ ظهر لأول مرة في تونس وأصبح شهيرًا في كل الدول العربية وهو: «الشعب يريد إسقاط النظام». وبدأت بعدها اعادة توجيه هذه الثورات... شيطنة بعضها، ودعم البعض الآخر. ثم تطورت إلى قتل وجرائم وتصفيات، إلى أن ظهرت داعش، وهي من دون شك، صنيعة الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها. وقد يكون البارز والأهم في مقاربة الأحداث ليس الحدث الذي تدينه بل الاحداث التي لا تدينها. يضيف "مرتضى". -"مدى": أنا لا أحب السياسة ولا أهلها، ولكن من الجيد معرفة أحداث كهذه. يغير "رازفان" مجرى الحديث قائلًا: وصلنا إلى مدينة سيناي. قلعة Peleș castle مميزة وقريبة من هنا. أنصحكما بزيارتها، قلعة واقعة على تلة. وبالقرب منها سوق شعبي تراثي صغير. كان الوقت عصرًا تقريبًا وأصبحت مدينة براشوف Brașov الوجهة المفترضة، قريبة جدًّا. كعادته، "مرتضى" الذي اعتاد السفر، ومن خلال تطبيق booking كان قد حجز غرفة مستقلة ضمن منزل في براشوف لا يبعد عن مركز المدينة أكثر من 500 متر. تشتهر مدينة براشوف بمواقعها التي يعود تاريخها إلى العصور الوسطى، بدءًا من جدران التحصينات والأبراج التي طوقت المدينة منذ مئات السنين، وحتى الحصون القديمة التي بقيت سليمة تقريبًا لقرون. وهي واحدة من أكثر المدن المحصنة في العصور الوسطى، فضلًا عن مكانتها التجارية الرئيسية في تلك العصور، لا تزال هذه المدينة الساحرة تحتفظ اليوم ببعض المباني الأصلية التي تزيد من روعة المدينة وسحرها. كان عليهما أن يصعدا العديد من الأدراج للوصول لمكان إقامتهما، حيث أن الغرفة تتواجد ضمن حي صغير على تلة. وصلا الغرفة وجدا صاحب المنزل باستقبالهما، أعطاهما بعض النصائح والإرشادات فيما يخص السكن والمدينة، متمنّيًا إقامة مريحة وأوقات سعيدة. وذلك كعادة أهل هذا البلد، لطيفون عادة مبتسمون، يحبون الضيوف ويهتمون براحتهم. أمضيا ما تبقى من اليوم في الغرفة، لم يخرجا إلا لتناول العشاء. في اليوم التالي قرّرا استكشاف المدينة، غادرا الغرفة باتجاه مركز المدينة. حشد من الناس والمارة. يقفان لبرهة للنظر: الكثير من التحضيرات يقوم بها العديد من الأشخاص تحضيرًا لسباق سيارات أو ما شابه. آخرون يبدو عليهم انهم مشاركون، أو من الفرق والعناصر المساعدة، آخرون تلاحظ عليهم اهتمامهم و رهانهم على من سيكون الفائز. ومجموعة أخرى تبدو من المشجعين يرتدون الملابس التقليدية المميزة والجذابة. تشمل الملابس الرجالية التقليدية قميصًا أبيض وسروالًا أبيض وقبعةً وصدريةً أو معطفًا وحزامًا، وعادة ما تكون هذه الملابس مطرّزةً بشكل كبير، وتتضمّن الملابس التقليدية للمرأة الرومانية قميصًا أبيض وتنورةً بيضاء أو فستانًا أبيض، والقميص أو الفستان مزيّن بشكل جميل بأعمال الدانتيل والتطريز، ومنها الأزهار الملونة. الجميع ينتظر بدء سباق السيارات المزمع انطلاقه. يمشيان باتجاه مركز المدينة. يعد المشي في الشوارع القديمة المحاطة بأمثلة رائعة للهندسة المعمارية السكسونية أحد أفضل الأشياء في براشوف، ويأتي في مقدمة النقاط البارزة في المدينة، شارع لونجا lungă الذي يعود تاريخه إلى العصور الوسطى، والذي يتمتع بالعديد من المنازل والآثار من القرون الماضية، بما في ذلك كنيسة بارتولوميو. شارع عريض مليء بالمحلات التجارية، المطاعم، متاجر تبيع بعض التذكارات المرتبطة بالمدينة، بالإضافة لخيارات متعدّدة أخرى، مكتبات، سوبر ماركت، محلات تصوير. باختصار كل ما يمكن أن يخطر على البال من متاجر. متاجر للألبسة والأحذية أيضًا، والتي يغلب عليها المنتجات النسائية، ماركات عالمية وأخرى بماركات غير معروفة. موديلات وألوان غنيّة مختلفة. وأخرى للحقائب اليدوية النسائية، تتوقّف "مدى" قبالتها. أُنظر روعة هذه الحقائب، الحقيبة النسائية: تحولت إلى قطعة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها للحصول على مظهر أنيق متكامل. حقيبة الكتف: أحد أشهر أنواع الحقائب النسائية التي يمكن ارتداؤها في كل مناسبة بأشكال وأحجام مختلفة وأطوال أيادي مختلفة. أما حقيبة اليد: عبارة عن حقيبة صغيرة رفيعة بدون مقبض. حقيبة كلاتش: هي حقيبة المناسبات الرسمية، وهي من أكثر أنواع الحقائب النسائية خصوصية بالنساء. ويستكمل "مرتضى" ما بدأته: حقائب الظهر وال cross body والخصر belt bag، وهي ما تترك اليدين حرتين وهي أكثر عملية، وكثيرًا ما يعنينا نحن الرجال ذلك. تبالغ النساء جدًّا بهذه التفاصيل، يقول مبتسمًا. هذا ولم أحدّثك عن أشهر الماركات العالمية، ولهذا أيضًا شأنٌ وحديثٌ يطول. فلويس فيتون louis Vuitton وفندي الإيطالية Fendi وسيلين celine وهرمس Hermès أهمها. ولا تغيب شانيل Chanel وكريستيان ديور Christian Dior الحقيبة الصندوقية المفضلة لدى الأميرة ديانا طوال التسعينيات، وغيرها أيضًا. كما وتختلف أحجامها وأشكالها وبالتالي تسمياتها واستعمالاتها. تبدين موسوعة في الموضة، والمعلومات السياحية، وخاصة ما يتعلق برومانيا. يضيف "مرتضى". يكملان التنزّه وتستمر جولتهما، يتنقلان من مكان إلى آخر، لا يكادان يملّان أو يشعران بالتعب. يمرّان بمقاهٍ متعدّدة، مطاعم الوجبات السريعة والمطاعم العالمية وأخرى رومانية تقليدية. المطاعم التركية حاضرة دائمًا في أغلب الدول الأوروبية، توقّفا عند أحدها ليتناولا سندويشات الشاورما. ينتهي الشارع بساحة واسعة، ساحة المجلس التي تقع في قلب وسط المدينة القديمة، والتي تجذب الزائرين ببرج المجلس الذي يعود إلى القرن الخامس عشر. ما رأيك بزيارة البرج الأبيض turnul alba نستمتع بإطلالة رائعة على الأسطح الملونة والجبال الشاهقة، وهو كان من أبراج المراقبة سابقًا. هيا بنا. الكثير الكثير من الدرجات يجب صعودها للوصول لساحة البرج، درجات مثيرة رائعة وهو الذي عادة ما يخشى المرتفعات، وجد فيها مغامرة ولذة وسعادة، صارت ترافقه طالما تشاركه بيومياته منذ اللقاء. الأدراج تركت في ذهن "مرتضى" وذاكرته أثرًا لا يدرك كنهه، ولكن كسرت قليلًا حاجز الخوف من المرتفعات، خلقت رغبة في الصعود والمضي قدمًا في كثير من الخيارات، أصبحت رمزًا، فكرة، ذكرى... شيئًا ما طُبع في الذاكرة. الكنيسة السوداء القريبة من ساحة المجلس، هي أيضًا مقصد للكثيرين، يشغل ساحتها بعض الأشخاص، علمًا أنه ليس بتوقيت صلاة. اقتربا محاولين استكشاف المكان وما يدور فيه. عروسين ببدلة الزفاف، يلتقطان بعض الصور التذكارية. يتهامسان، يبتسمان، و يقتربان من العروسين، يلتقطان صورة معهما بعد استئذانهما. لا تغيب نظراتها عن الزوجين، والفستان الأبيض. نظرات لا تخلو من الإعجاب، والحماس، وربما التأمّل وأفكار تراود أي فتاة عندما يتعلّق الأمر بالفستان الأبيض... وتقول: جميل أن يكتمل الحب بالارتباط… بالإضافة للبرج الأبيض، البرج الأسود المجاور أيضًا أحد معالم المدينة. أصغر قليلًا بالحجم والارتفاع. يقع بالقرب من الأول. قلعة Cetatuia، محمية الدببة على الهضبة المجاورة، والكثير من الحدائق. بالإضافة لمراكز التزلّج لمحبي هذه الرياضة من احترافيين أو حتى بهدف التسلية. كل ذلك تجده في "براشوف". مدينة غنية بالكثير، من رفاهية ومراكز جذب سياحي ومجالات أخرى شتى. وكالعادة، منذ أن بدأت الأحداث تؤرخ بتوقيت اللقاء. مرّ الوقت سريعًا، انتهى يومان في براشوف، يؤرخان الكثير من التميّز والخصوصية، وأضافت الكثير من اللحظات الجميلة والسعيدة والأحداث التي ترسخت في الذاكرة، لتكون مصدر ابتسامات وفرح دائمين كلما مرّت في الذاكرة. ها قد قاربت هذه الرحلة على النهاية. ها نحن في محطة قطار المغادرة. يقول "مرتضى" بحزن واضح. تنظر إليه نظرة فيها الكثير من الكلمات والأحاسيس من دون أن تقول كلمة. يتابع "مرتضى": أفضّل ألا نفترق لا حاليًّا ولا لاحقًا، ولكن هي الحياة: دائمًا تقف حاجزًا يعيق رغباتنا، لكني سأقف في تحدٍّ معها لنبقى معًا إلى الأبد. صحيح أني اليوم، وفي وقت متأخر من الليل، أغادر مكانًا يكاد يصبح جزءًا عضويًّا مني. ويكون القطار الذي يقلك إلى الجامعة حملك وحمل معه الروح والقلب الذي ينبض بين جنبي. ولكن لنا لقاءات أخرى بالتأكيد، تختتم بأن نكون معًا دائمًا. مجدّدًا تجيب فقط بنظرات فقط... يشعر بها تسري في كيانه كله.. 7 وَدِدتُ مِنَ الشَوقِ الَّذي بِيَ أَنَّني أُعارُ جَناحَي طائِرٍ فَأَطيرُ فَما في نَعيمٍ بَعدَ فَقدِكِ لَذَّةٌ وَلا في سُرورِ لَستِ فيهِ سُرورُ وَإِنَّ اِمرئ في بَلدَةٍ، نِصفُ نَفسِهِ وَنِصفٌ بِأُخرى، إِنَّهُ لَصَبورُ تَعَرَّفتُ جُثماني أَسيرًا بِبَلدَةٍ وَقَلبي بِأُخرى غَيرَ تِلكَ، أَسيرُ أثارت تلك الأبيات التي بعثتها حنين، وهي غالبًا ما تهتمّ بالشعر العربي، وكثيرًا ما ترسل له بعض الأشعار التي تعجبها. أثارت ذلك الشوق، شوق ونزوع نفسه إلى "مدى" وتعلُّقه بها وبرومانيا. وهو الذي لا حاجة له بدافع أو مناسبة أو حافز لذلك. تكاد لا تفارق خياله ولسانه. يذكرها في لياليه، وكثيرًا ما تكون بطلة أحلامه في الليالي التي صار يشعر بثقلها. لا يخلو النهار من التواصل الدائم معها في العالم الافتراضي. كثيرة هي الأشياء والأمور التي تهيج حزنه، عندما يدرك أن بينهما آلاف الكيلومترات والعديد من العقبات. بعد عودته من جوارها، من ذاك اللقاء الذي بعث فيه الحياة، من تلك الحالة التي سرت في كيانه، بعد أن صارت "مدى" قبلة طبعها القدر على جبين عمره. بعد أن صارت حياة، وليست محطة في حياته. صار توقيت الأحداث في حياته بـ "قبلها وبعدها"، إلى أن أصبح التوقيت: قبل اللقاء وبعد اللقاء. وفي خضم ذلك كله كثيرًا ما يتردّد في ذهنه سؤال: ماذا بعد... وإلى أين؟. من المؤكد أنه قد دخل في حالة حب تُوِّجت بلقاء، أسماه حياة، وأسماها هي القُبلة. يقينًا قد دخل في حالة حب، وهناك شك بخروجه منها سالمًا... أيخرج ظافرًا؟ أو كسيرًا؟ أو أسيرا؟ يغلبه الشوق والحنين، ويسيطر عليه المستقبل وما يخبئ له، تكثر الخواطر والأفكار والهواجس... عواصف الأفكار تدور في رأسه. روح متعبة، نظرات شاردة كلما تردّد في ذهنه سؤال: ماذا بعد ذلك؟ في تلك البئر العميقة في نفسه يشعر أن هذا الحب بلا أفق، يسير في طريق مسدود. يأبى أن يعترف بذلك، فتتبادر إلى ذهنه مقولة قرأها: أنا منذ اليوم الأول من حبك، أستعد للفراق... تخيّل حجم وجعي. لا يعلم لِمَ هذا الكم من الشوق والحب الممزوج بطعم الفراق والانفصال؟ العديد من الحواجز والعوائق الثقافية والجغرافية والاجتماعية تفصل بينهما. هو ابن هذه البقعة من الأرض في البقاع اللبناني، قد زار العديد من البلدان والعواصم، ولم يكن يجد فيها إلا محطة استراحة لا مكان إقامة. تبقى الشوارع والوجوه غريبة رغم تكرار وجودك فيها، حتى ولو سكنتها... لا تسكنك. في الغربة لا تستطيع أن تدعي امتلاكك لشيء، أو لزمن... الوقت في الغربة يمضي سريعًا، معه تمضي الحياة، وتلحظ نفسك وقد أصبحت في خريف العمر، على حافة هاوية النهاية، وبينهما مشاعر مكبوتة تكاد تصيبك بالاختناق. "عندما تحب فى وطنك... فإنك تبحث عن زوج تحبها، تكون لك سكنًا، تفتح لك بيتًا ويكون وإياها لك ملجأ، وتُربي لك أولادًا، يكون الأمر بسيطًا إلى حدٍّ ما. أما في الغربة؛ فإنك تبحث عن رفيق يرافقك فى طريق لطالما كانت أشواكه أكثر من أزهاره". هي بالكاد بلغت العشرين من العمر... سن العشرين من أكثر المراحل التي يمر فيها الشخص بتغيّرات ومواقف حياتية، وهي مرحلة تحوّل أيضًا إلى النضج في التفكير وأسلوب الحياة أيضًا. وتتميز فتاة العشرين بالعنفوان والمثابرة وانحيازها لخياراتها بشكل كبير، لكن من السهولة بمكان تغيير هذه الخيارات. الغيرة وحب التملّك أيضًا من أقوى الصفات التي تتشكّل في هذه المرحلة. لا تغيب ابنته أيضًا عن هذه الخواطر والهواجس، هي نبض قلبه، أين هي من كل ذلك. وكذلك عمله، وإن كان هو أبسط المشاكل، ولكن ذلك بحاجة للكثير من الترتيبات ولإعادة معادلة شهادات، وإعادة تأسيس. كثيرًا ما كانت البدايات صعبةً وشاقّةً ومُتعبةً في العمل، عكس البدايات في الحب، التي تدخلنا عوالم أخرى، وتصوِّر لنا المستحيل ممكنًا. غاضًّا فكره... متجاهلًا كلَّ ذلك، موليًا ظهره للمنطق: سنكون معا يقينًا وإلى الأبد. هو قرار لا مهرب منه وليس خيارًا. لا يسعني تقبّل غير ذلك. كانت أيامه بعد عودته من ذاك اللقاء، ممتلئة بها، ويبقى القليل من الوقت للعمل والواجبات الملقاة على كاهله. تواصلٌ يوميٌّ دائمٌ، محادثات، حب، غزل وشوق. وإن كانت بعض الإشارات حاضرة دائمًا. كانا يلتقطانها بشكلٍ غير معلنٍ. ماذا بعد ذلك؟ اشتقت لك، طال الوقت كثيرًا منذ اللقاء الأخير، قارب الأربعين يومًا. يقول "مرتضى". الشوق والحنين يسكنني أنا أيضًا، أحتاجك قربي، هي حاجة روحية لا أقاومها. وكثيرًا ما أتمنّى قضاء إجازتي معك. اليوم الخميس، وها هي عطلة نهاية الأسبوع قادمة، أقضيها وحيدة في غرفتي، لا رغبة لي بمشاركة أصدقائي رحلتهم إلى Cluj، إحدى المدن الرومانية المميّزة والجذّابة. يمرّ صمتٌ نسبيٌّ. ليس لديك أي ارتباطات في عطلة نهاية الأسبوع؟ لا التزامات؟ لا واجبات جامعية؟ أبدًا... فراغٌ تامٌّ. وأخشى أن يتطوّر هذا الفراغ لأكثر من فراغ في الزمن… أرسل لها ما يلي : رسالة في وقت متأخّر من الليل. أنت مدعوة على العشاء، على جسر البوسفور، في إسطنبول. سأنتظرك ما بعد ظهر السبت في إسطنبول. هذا اسم وعنوان الفندق، ستجدين حجزًا لكلينا. وهذه صورة مرفقة لتذكرة سفر باسمك. عليكي أن تكوني حاضرةً منذ صباح الأحد. كان علي أن أصل قبلك وانتظرك، ولكن هي الخطوط الجوية وزحمة المطارات. وتعلمين أنها ليست تحت تصرّفنا. وإن كانت الشمس تشرق والأرض تدور لأنك موجودة. ما كادت تفتح عينيها وهاتفها صباحًا، حتى قرأت كل ذلك، تبتسم وقلبها وجوارحها فرحة، وتتمتم: إن "مرتضى" مجنون حقًّا... مجنون... وتضيف ضاحكة Dupa mine. وبالفعل كانا على موعد في إسطنبول، عندما وصل إلى إسطنبول وترجّل من السيارة متّجهًا للفندق، وجد نفسه يقطع المسافة ركضًا. وما بين شوق وعناق، وحب ومودّة، استراحة من عناء السفر. توجها لقضاء سهرة وعشاء على جسر البوسفور في أحد المطاعم التي تكثر هناك. وقت متميّز رفع بنيان الحب والشوق الذي كان أصلا مرتفعًا. أمضيا اليوم التالي تجوالًا في المدينة، شارع تقسيم والسلطان أحمد، وعرجا على الدولماباتشي. كان اللقاء سريعًا جدًّا، صباح الاثنين، كل كان قد عاد لحياته وروتينه اليومي. وعاد ذاك الصراع النفسي بين العقل والقلب، بين الرغبات والواقع. 8 بالأمس حدث لي شيءٌ غريبٌ... كنت في الكنيسة وبقيت في الخارج قليلًا... هناك قابلت امرأة عجوز، كانت راهبة. نظرَتْ في عينيّ وبدأت تخبرني بالكثير من الأشياء. رأتني، وكنت بالقرب من الكنيسة أصلي، وسألتني عن الساعة. وبقيَتْ بالقرب منّي، نظرَتْ في عينيّ وسألتني لماذا أنت حزينة؟ بقيت صامتة أنظر إلى عينيها من دون أن أتفوه ببنت شفة. لم أخبرها بشيء... قالت: "أعرف ما تشعرين به، حاولي أن تجعلي حياتك أفضل ولا تبحثي عن الحب في أناس لم يخلقوا لأجلك... توقفي عن التفكير في شخص ليس لك، شخص ليس جزءًا من مستقبلك، بنى حياته ومستقبله بالفعل... ولا تدخلي حياته... لأنك لن تكوني سعيدًة ولا هو أيضًا... افعلي ما هو مناسب لعمرك وحاولي أن تجدي مشاعرك الحقيقية... لا أريد أن أتسبّب لك بحزن، إنها مجرد نصيحة، لحياتك وسعادتك. ولا تنسي... اعتني بأمك، وأشعلي الشموع لجدتك، إنها تفتقدك وهي بحاجة لوجودك. أنا آسفة لتطفلي عليك، و آسفة إذا تسبّبت بإزعاجك، ليباركك الرب. لم تكن تعرفني حقًّا، ولا التقينا سابقًا، ولا أصدقاء مشتركين بيني وبينها. أستطيع أن أؤكّد ذلك. لكنها قالت الكثير من الأشياء عني. فقط نظرت في عيني حدثتني، وقدمت لي بعض النصائح. هذا كل ما قالت. أنا مرتبكة قليلًا أو بالأصح كثيرًا. أنا أفكر في ذلك دائمًا. في الحقيقة، لا أجد تفسيرًا لما حدث، أنا لا أعرف ما هذا. لا أستطيع أن أشرح. أحاول أن أحظى بحياة جيدة وأن أكون سعيدًة، ولكني مرتبكة جدًّا. لديك حياتك الخاصة هناك وأنا لست جزءًا منها... أحبك أكثر مما تتخيّل، ولكن لا أعرف ما إذا كان هذا هو كل ما نحتاجه... نحن من عوالم مختلفة وحياة مختلفة. لديك طفلة... وأنا أيضًا قد أكون لا زلت طفلة... الجميع يسألني أليس لديك صديق، لا أستطيع أن أخبر أحدًا عنك. تعلم أنني أعشق الحياة الأسرية، وأحلم أن تكون أنت جزءًا منها، لا يمكنني أن أعرفك على أهلي، على أمي، وذلك لكل الأسباب التي ذكرتها وغيرها لم أذكرها ربما تدركها أنت. أعتقد أنه كان من الخطأ أن أحبك... الأمور لن تتغير... أنا أبكي الآن ولكن هذه هي الحقيقة... يجب أن نتقبّلها... من المستحيل أن نكون معًا... مرت بضع ساعات فقط وتجاهلتني. أشعر بسوء شديد لا أعرف ماذا أفعل... أنت سعادتي... قل شيئًا... فقط قل لي ماذا يجب أن نفعل، من أجل حبنا، أرجوك. بالكاد انتهى من قراءة هذه الرسالة حتى دخل بما يشبه الغيبوبة، لا يعلم إن كان في علم أو في حلم. أما زال قلبه ينبض. أما زالت الشمس تدور حول الأرض والوقت يمرّ. أما زال المكان هو المكان نفسه أم أنه غادر إلى مكان هلامي بغير حدود. ربما كان في حيز اللاوعي بعقله، ينتظر هذا اليوم ويخشاه ويدرك أنه واقع لا محالة. بدأ استعادة بعض الأحداث التي كان يمرّ عليها ويحاول أن يتجاوزها أو يجد لها الأعذار. على مبدأ عين المحب عمياء... وكذلك عقله. في الفترة الأخيرة غابت رسالة الصباح أحيانًا ورسالة آخر الليل تارةً، اللتين كانتا شبه تقليد يوميّ صباحًا ومساءً. كان لا يمرّ يوم من دون أن يبدآ الصباح معًا، من يسبق الآخر بذلك. وكثيرًا ما حرص أن يكون السَّباق، خاصة بفترة التحضير لامتحاناتها. وكما رسالة المساء، والتمنيات بالأحلام السعيدة. أحلام وتمنيات وخطط للقاءات مقبلة. وتزهر دائمًا الرسائل التي تحمل ذكريات اللقاءين اليتيمين. كانت تجد دائمًا حججًا لهذه التغيرات المترقية. ويقبل العذر أيًّا كان، لا بل يلوم نفسه في بعض المرات على عتابه لها. كان جليًّا عدم مشاركتها له يومياتها كالمعتاد، تجاهلها الواضح لكثير من الرسائل، والكثير مما اعتادت أن تفعله وما أصبح ذا أهمية بمكان بالنسبة إليه، ومن الثوابت. حيث بعض التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفرق. ازداد تواتر انتقادها له، وعدم الاكتراث للكثير من تعليقاته وملاحظاته، كما رفضها الكثير من الاقتراحات التي يعرضها، وذلك من دون مبرر يُعتدّ به. وأكثر من ذلك كانت تلجأ لآخرين لطلب مشورتهم، وقد اعتادا أن يكون هو أول من تستشيره، وقوله هو الفصل. وصارت تتعمد أحيانًا استشارة الصديق الفلسطيني، وكلاهما يعلم أنه يسبب له الضيق ممزوجًا بالغيرة. صار جليًّا، عدم الخوض في النقاشات التي كانت محببة سابقًا، وكذلك تبادل الأفكار والآراء. والاكتفاء فقط بإجابات مقتضبة ومختصرة، وميلها للصمت عند المحادثة. كل ذلك يوحي بالرغبة في إنهاء الحديث سريعًا. كان جليًّا عدم اهتمامها أيضًا به كشخص، بما يلبس مثلًا وغياب اقتراحاتها بتناسق الألوان وبارتداء بدلة رسمية أو جينز. وقد دأبت على متابعة ذلك سابقًا. عادت إلى ذاكرته كثرة اللقاءات الأخيرة مع الأصدقاء، أصدقاء الجامعة، وأصدقاء الحي والمدرسة عندما تكون في بلدتها، وهي التي كانت تفضل محادثته ونقاشاته. يتذكّر مشاوير السينما التي تكرّرت. والدعوات المتكرّرة في المقاهي مساء. وحلقات الدراسة في المكتبات بعد انتهاء المحاضرات. صحيح أن كل ذلك كان مع مجموعة أصدقاء ولقاءات عامة وليست ثنائية مع أحدهم. أصبحت دائمًا تجد الذرائع لتبتعد والتي لا يغيب عنها الكذب أحيانًا. ربما كانت تتعمد كثرة الاختلاط بالأصدقاء والابتعاد عن الوحدة، وممارسة النشاطات الترفيهية والجماعية كذريعة لتخفيف تواتر التواصل بينهما والانسحاب التدريجي ربما. وتوجه اهتمامها لآخرين بدل أن يكون هو محور اهتمامها وحياتها. ربما ذريعة لملء أي فراغ زمني يجعلها تفكر به. كان يتقبّل كل ذلك، تضحية في سبيلها، أو رغبة في أن يجدها سعيدة وتحقق تمنياتها. والأغلب أنه لا يرغب أن يعترف أن فراق يلوح بالأفق. تتجنب الكلام الحميم الذي طالما كان محبّبًا لها، وبالمقابل تتعمد إثارة غيرته، وذكر المجاملات التي تسمعها ومديح جمالها وأناقتها. وتشكّك في مشاعره التي طالما اعتبرتها غير قابلة للشك. تقارنه بآخرين، تذكر ميزة عمر العشرينيات المختلف عن الأربعينيات. تذكر فروق الثقافة والمجتمع. وانتقادها للكثير من الرواسب الثقافية والاجتماعية عنده، وأحيانًا لدرجة الإهانة. من دون أن تتقبل فكرة اعتذارها عن خطأ ترتكبه وربما تتعمّده. يتذكر عندما حدثته عن صديقتها "الكسا"، الفتاة الرومانية الريفية التقليدية التي لم تتأثر بالانفتاح على أوروبا. وهي كغالبية الرومانيين يحبون مفهوم الزواج، تجد نفسها أميرته الرائعة. وستكون مخلصة للغاية وتحترم زوجها باعتباره رب الأسرة. يملؤها الحنان والعاطفية والحساسية والرحمة. ويمرّ في ذهنه نظراتها وتعابيرها وحديثها، عندما شاهدا ذاك الزوجين في براشوف. "الكسا" تهتم بالروابط الاجتماعية والأسرية وتعتبرها ضرورية. هم يبذلون قصارى جهدهم للحفاظ على علاقات جيدة مع جميع أقاربهم وأصدقائهم. كما أنهم مغرمون بالتواصل الاجتماعي ويسعدون دائمًا بمقابلة أشخاص جدد. ويستمتعن النساء بالأنشطة الرياضية ويعرفن كيف يعتنين بأنفسهن. كثيرًا ما كانت تذكر "الكسا" ونمط حياتها، وصديقها وزيارته للعائلة، وتشارك وتناغم أفكارهما ونمط حياتهما، ويؤدي دورًا بارزًا في ذلك العمر المتقارب، والثقافة المتقاربة، و قربهما الجغرافي. وكأنها بذلك ترسم هواجسها وتتمسّك بانتمائها وثقافتها وترفض التضحية بذلك. تذكر تفرّغ الرجل لفتاته، من دون أن يكون لها شريك في حياته، وإن كانت هذه الشريكة هي طفلته. باختصار لم تكن تبذل أدنى جهد لتسير الأمور على ما يرام، لرأب أي صدع يحدث. بل وبالعكس تعمدها خلق هذه الفجوة والسعي لاتساعها. عدم الاكتراث بانزعاجه وغضبه وحزنه جراء هذا كله. كانت دائما ذات شخصية قوية واثقة جذابة، ولكنه لا يعلم إن كانت فعلًا قد تغيّرت لهذه الدرجة أو تتصنّع ذلك كله لتجاوز هذا الحب وهذه الحالة التي ملأت كيانهما، وبلا سابق إنذار وبفترة قصيرة نسبيًّا، حتى لكأنهما ولدا محبين لبعضهما وعاشا الحب هذا كله على مر السنين. يحدث نفسه: لا بأس... "إن احتمال الألم من شيم الرجال. هم لم يخلقوا للهزيمة. قد يتحطم الرجل من دون أن ينهزم. إنّها حماقة أن يسيطر اليأس على الإنسان، وفي اعتقادي أن اليأس نفسه خطيئة، كما أني لا أعتقد بأن اليأس حقيقة، ولست واثقًا أنني أفكر باليأس أو أؤمن به." كان قد حفظ هذا جيدًا، من رواية الشيخ والبحر ل آرنست همنغواي Ernest HemingWay. 9 - اليوم الثالث: أقضي معظم اليوم مع صديق، ولكن عقلي وقلبي معك. - اليوم السابع: لن تتحدثي اليوم وربما غدًا (لم تفعل اليوم). - اليوم الثامن: مزاج سيء جدًّا... طوال اليوم دمعة لا تفارق عينيّ... مكتئب جدًّا... أشعر بالوحدة. أنا أحتضر. ها أنا أكتب يومياتي، هي بنات أفكاري أدونها كلما ولدت في ذهني إحداها. من دون أن يكون لها ترابط أو سياق واحد متتالٍ. يوميات، بتوقيت جديد، توقيت الغياب. يتغير تقويمنا ولعل تقويم العالم أيضًا، بتلك الأحداث التي تغيّر مجرى حياتنا... الأسبوع الأول بتوقيت الغياب، وهو التوقيت من الآن وصاعدًا بعد أن كان التوقيت، توقيت اللقاء. - اليوم التاسع: اليوم أنا فخور جدًّا بك. تمكنّتِ من الانتهاء من جميع الاختبارات الخاصة بك في الجامعة بنجاح كالعادة. ولن تخبريني بذلك حتى الساعة الثانية عشرة عندما تصلين إلى منزلك. أريد أن أخبرك: أراك في كل مكان، وفي الكثير من الوجوه التي ألتقيها. اليوم مثلًا، شاهدت صديقي مع زوجته، هي ليست عربية. لقد رأيتك فيها ورأيت صورتنا معًا. لقد قلبت حياتي رأسًا على عقب. - اليوم العاشر: تبدأ الصباحات ويمر الليل من دون "مدى". كم هو قاس ذلك، كم هو مؤلم. علمتني كيف تكون الحياة، كيف أشعر بالسعادة، كيف أبدأ يومي بنشاط وتفاؤل ونجاح وحب... ولكنك لم تعلميني أن أنساك أو كيف أنساكِ. دائمًا يتردد في ذهني عبارة cu tine (بمعنى معك) لماذا لا تغادرني هذه الجملة؟ علما أن الأولى أن أقول fara tine (بمعنى بدونك). إحساسي يقول إننا سنتحدث اليوم، تكلمينني، سترسلين تحية صباحية أو ربما مسائية... أو ربما أعتقد أننا لن نتحادث أبدًا، أحدث نفسي بذلك باكيًا، رغم أني لم أختبر البكاء سابقًا… أنت المرأة الوحيدة التي تجعلني أبكي. - اليوم الحادي عشر: أحبك... نعم أحبك... أبحث في النت والفيسبوك عن كل ما له علاقة بك... باسمك... بالأماكن المشتركة التي زرناها... يصعب عليّ جدًّا تقبل فكرة أننا لن نلتقي مرة أخرى. أن لا يجمعنا العناق والحب والقبلات. أحلام وكوابيس غريبة تلاحقني وتراودني. لا أذكر جلها ولا أعلم تفسيرها حتى. أربط كل ما يدور في مخيلتي وحياتي الراهنة بك بأسى وألم الفراق. 7 شهور و 16 يومًا... كانت حياة، كانت قبلة. اليوم أيضًا قد أفل، ولم تحدثيني. أنتظرك دائمًا. تصبحين على خير سيدتي. - اليوم الثاني عشر: هذه الأيام كان يجب أن نجتمع فيها ونقضيها معًا. نستكمل لقاءاتنا، كل شهرين ربما، وفي عطلة الجامعة الصيفية أيضًا. كنت لأقدم لك هديتين قد اخترتها لك. الآن سأحتفظ بهما وأقنع نفسي بأنها هدايا منك إليّ. ولعلي أقدمها لك إذا التقينا مرة أخرى. أنا أعلم أنك ترغبين بلقيانا ولك القدرة على ذلك. لكنه قرار اتخذته... أتفهمك، ولو أنه يصعب عليّ تقبّل ذلك. كنت أشعر أننا سننفصل قريبًا وهذا ما حدث. وكأنني منذ اليوم الأول للقائك محكوم بالفراق... أفتقدك وأحدثك طوال اليوم أو بالأحرى أحدث نفسي، لا أصدق أنك ابتعدْتِ عني وللأبد. أحبك... سأنتظرك... لا تنسَ ذلك. - اليوم الثالث عشر: أذكر لقاءنا الأول في محطة القطار في بوخارست. وأذكر براشوف والأدراج وأذكر كل تلك التفاصيل حتى الصغيرة منها. غريب جدًّا... حجم الذكريات التي تسكننا أو نسكنها. لِمَ أشعر بهذا الكم من الفراغ والملل والاحتضار في حياتي من قبل، وكذلك فقداني لإحساس السعادة والمتعة. أنا آسف لأنني أزعجتك عندما أرسلت لك تلك الصورة. إنها تعني فقط الحب، الاهتمام، نعم الإدمان وصولًا للجنون أيضًا. ألم أكن مجنونك، وطالما ناديتني بهذا الاسم. ينقصني شيء يُفقدني معنى أن أحيا. أحتاجك... أحتاج نبض القلب، أحتاج تلك الشهقات والبسمات التي تمدني بالحياة. لن أزعجك مجدّدًا أنا فقط مهتم بأي شيء متعلق بك. وأشعر بالإهانة من ردة فعلك. أنت تهينينني... عندما أرسلت لي صورتك قرب بيتك، بعد إصرار مني. كانت الصورة مميزة تبدين فيها كالقمر أو كالشمس... كما تعبرون أنتم عن الجمال... بحثت في كل تفاصيل الصورة. المتاجر وأسمائها وواجهاتها، المعالم المميزة في الصورة. واستجمعت في ذاكرتي كل معلومة كنتي قد ذكرتها لي عن بلدتك وما فيها. تسكنين بمحاذاة الشارع الرئيسي وهما شارعان رئيسيان فقط في البلدة الصغيرة كلها. ومجدّدًا العالم الافتراضي حاضر. وجاسوسية غوغل ماب والفيسبوك، و الخرائط والصور الجوية. بحثت في كل شيء وكأنني في سبق صحفي لإعداد تقرير مفصل عن البلدة وأحيائها وساكنيها. بحثت في كل شيء وكأني في فروع الأمن والمخابرات التي تكثر في بلادنا للسيطرة على الناس وأحلامها ومستقبلها. وكثيرًا ما عانيتم من ذلك في العهد السابق. وأخيرًا وصلت للأماكن المشابهة لتلك الموجودة في الصورة، الواجهات الحمراء المميزة المحاذية لمنزلكم، والمصرف المقابل وكذلك المكتبة. اخترت إحدى الصور التي تظهر بيتكم بشكل جلي. وأرسلتها لك… أنا آسف مجدّدًا، ربما أزعجتك عندما فعلت ذلك. ولكن دفعني الحب، الاهتمام، ونعم الإدمان وصولًا للجنون.. - اليوم الرابع عشر: الساعة تشير إلى: الثانية عشرة وثلاث وثلاثين دقيقة بعد منتصف الليل. أقرأ إحدى رسائلك التي عنونتها (عندما لا تستطيع النوم) أشعر بالكثير من الحب يملؤني، وربما أستيقظ كذلك أيضًا في الصباح. ولكن يعكر صفو ذلك، أني سأنام دائمًا بمن دونك. أخبرتني عن حفل زفاف كنتِ مدعوة إليه اليوم. وكم تمنيت أن نحظى بيوم كهذا يجمعنا معًا. ربما أكتفي اليوم بأمنية واحدة فيما يتعلق بذلك، أن أراك في هذا الحفل، متألقة جميلة وساحرة. علمًا أني أعتقد أني قد رفعت سقف أمنياتي كثيرًا بذلك. - اليوم الخامس عشر: يجب أن أخرج منك رغم أنني لن أنساك أبدًا. الذكريات اللانهائية تملأ كياني وحواسي. سأحبك إلى الأبد... ولكن كرجلٍ ذكيٍّ واقعيٍّ جادٍّ هذه المرة . وليس كذاك الطفل المجنون الذي كنته معك. ورغم ذلك ستبقين دائمًا القمر في حياتي، جميلة مضيئة، ولكن هذه المرة بعيدة جدًّا كالقمر. ستبقين لحناً يرافقني أبدًا، ولكن هذه المرة لحنًا لا أشارك أنا بعزفه. أكتفي بتعلّم العزف على "البزق" فقط، تلك الآلة الموسيقية التي شاهدناها في محطة القطار في أول لقاء لنا، لا أن أعزف لحن حياة. - اليوم السادس عشر: ذكريات. ذكريات. الذكريات لا يمكن أن تتوقّف. ما عساني أقول وأفعل. لقد كنتِ سعادتي، توأم روحي، هل ما زلت أنا توأم روحك أيضًا كما كنتِ تعبرين؟ أو صرت من الماضي؟ أأُنسى كأني لم أكن. هل لا زلت تحتفظين بالهدايا؟ كنت قد اخترت بعضها وصنعت بعضها الآخر بنفسي. مزجتها بالكثير من الحب ونبض القلب، كنت مهتمًّا بكل التفاصيل. تحتفظين بها أو تخفينها؟ أو ربما أتلفتها أو فقدتها، كلها أو بعضًا منها. أشعر بالغيرة من أشيائك، صديقاتك، وصديقك الفلسطيني ذاك، من الأماكن التي تتواجدين فيها، من منزلك ربما، بلدتك، الجامعة. وربما سأقتص منها يومًا عندما أزورها... سأفعل ذلك. - اليوم الثامن عشر: مدمنك أنا... وكثير من الحب يملأ قلبي وما بين جنبي. كنت أتمنى أن تقرأي يومياتي هذه. كنت أتمنى أن تذيليها بتعليق على كل ما فيها، على كل كلمة وعبارة، لأنها ليست مجرد أحرف بل هي أحاسيس أسقطها على الورق، الذي يفشل يقينا في إعطائها حقها أو إظهار النزر اليسير منها. أجد نفسي أستمع مرات عديدة لأغاني الحب القديمة، يعلق بسمعي شيء منها لأم كلثوم: (سنين ومرت زي الثواني بحبك أنت. وإن كنت أقدر أحب تاني أحبك أنت) لم تكن سنين... كانت ربما أشهر... ولكنها كانت حياة. لم يكن ذاك من عاداتي، ولا كنت ممن يندب حبه بالكلام والمذكرات والدموع واستماع الأغاني. ولكني فعلت. ولم أكن يومًا مهتمًّا باللغة الرومانية وتعلّمها. ولكني فعلت. يساعدني Duolingo على ذلك. ولا أعلم إن كانت صدفة أو شيئا غيبيًّا. أو أن تعلم اللغات والأزمنة، يبدأ بتعلم الماضي، الزمن الماضي. أو أن كل ما يحيط بي حاليًّا... أصبح "ماضيًا". صباحًا، أفتقد عناقك والطريقة التي كنا نتشبث بها. أتذكرين أني كنت اتهمتك بأن فيكِ مادة لاصقة ربما غراءً ماديًّا جميلًا لاصقًا، بالإضافة لجاذبيتك، أتذكرين؟. التصقت بكل حواسي أيضًا. أسمع كلمة "رومانيا" في الكثير من الكلام لمجرد وجود أحرف متشابهة. أشاهدك في الكثير من الأشخاص الذين يشبهونك في بعض التفاصيل. ولا أحد يشبهك فعلًا. أشعر بملمس وجهك ويديك، عندما ألمس الورود أو كل ما هو جميل. أذكر حلاوة فمك وطيب عطرك… - اليوم التاسع عشر: يمر الوقت ثقيلا ولا تصلني أي رسائل منك إلا نادرًا، في اليومين الأخيرين أو بالأحرى، ما يزيد عن أربعين ساعة لا تكترثين بمراسلتي. نضيفها إلى الأسبوع الفائت حيث لم تصلني منك أكثر من ثلاث إلى أربع رسائل. ذلك صعب جدًّا حقًّا. أحفظك تمامًا... أحفظ كلماتك صفاتك، ضحكاتك. أحدّثك اليوم وكل يوم أو بالأحرى أحدّث نفسي. تنسينني وتتجاهلينني بسرعة كبيرة، هذه هي الحياة، ربما بدأت حياة جديدة وحذفت كل ما يتعلّق بي. لن أكتب لبعض أيام هذه اليوميات. - اليوم العشرون: ما حقيقة حبنا وعلاقتنا. - اليوم الواحد والعشرون: أنت وفقط أنت، نبضات قلبي، أقسم. أنت وفقط أنت، حبي. أنت وفقط أنت، كل الحياة. أشعر بك اليوم، شيء ما حصل، أو يحصل. لقد أحببتك بصدق أحببتك أكثر مما فعلت. - اليوم الثالث والعشرون: الكثير من الحب. ملأني، ملأ حياتي ووقتي، جعلني سعيدًا وأبتسم. حتى صرت أشعر بأنفاسك رغم كل هذه المسافة التي تفصل بيننا. تزداد وتيرة أنفاسي وتنقص وكذلك نبضات قلبي، وحتى قوتي وضعفي، وراحتي وشقائي بك. أفتقدك أفتقد قُبلتك، وأفتقد موسيقى صوتك وأنفاسك. لا أستطيع التخلص من ذاك الغراء الخاص بك. كم تمنيت أن نتشارك المزيد والمزيد من التفاصيل والأيام والأحداث، أن أرقص معك ولست براقص، أتكلم لغتك التي بدأت أتعلمها بجد، أن أحيا معك وأكبر معك وأهرم معك. لقد أساءت إليّ مرة أخرى اليوم. - اليوم الخامس والعشرون: وأخيرًا وبعد طول انتظار، نتحدّث مجدّدًا، نتشارك المزيد من الأحاديث واليوميات. سعادتي أنت التي حرمت منها وعادت تدبّ في بدني السقيم. أتخيّل سعادتك عندما تحصلين على تلك السلحفاة التي حدثتني عنها. بالمناسبة أنا أبحث كثيرًا في متاجر الأون لاين لشراء سلحفاة من أجلك. - اليوم السادس والعشرون: أتمنى أن أشاركك يومياتك أو على الأقل أن تطلعين عليها بمسج. أتمنى أن تخبرني أنشطتك اليومية، واهتماماتك الجديدة. لكنني لن أسأل أبدًا عن ذلك. لم أعد أشعر بحياة رسائلك وإحساسها ولا بعطرها، أصبحت جافة، ميتة، من دون روح. - اليوم السابع والعشرون: هل تذكرين عندما أخبرتني في أولى محادثاتنا. إنك تحلمين بحالة حب. هل تشعرين بالحب، حب نقي، حب لا يتكرر. طالما ذكرتِ أني كنت هذا الحب. هل بقي؟ أم اختفى، كما سيختفي القمر اليوم في خسوفه الليلة، ولكن من دون عودة. أتمنى لك أمسية سعيدة. - اليوم الثامن والعشرون: أنظر إلى إحدى صورك في حفل زفاف صديقتك، عدة مرات يوميًّا، لا أحتفظ بغيرها في هاتفي، ليس لدي صور أخرى. نقلت كل ما تبقى لجهاز الحاسب المحمول. لا أستطيع الإبقاء عليها تحت مرأى عيني، وكذلك لا أملك أن أحذفها أيضًا. - اليوم التاسع والعشرون: بعد اليوم لن أكتب هنا. لن أحتفظ بالصور. أو ربما لن أفعل ذلك إلا نادرًا جدًّا، أشعر أني أخذل نفسي بوعود كهذه. ولكن سأحاول. لا أعرف إذا كنت سأرسل لك يوماً كل هذا أم لا، أحذف أو أضيف إلى كل اليوميات. أتمنى أن أتجاوزك وأعود لحياتي أستمتع بالأشياء الجميلة. 10 05/02/2020 صفحة قناة الميادين الإخبارية عناوين الأخبار أول طائرة صينية محلية الصنع تصل إلى بكين في رحلتها التجارية الأولى. وحدات القمع التابعة للاحتلال الإسرائيلي تقتحم سجن نفحة وتجري تفتيشات استفزازية. تدهور خطير في حالة الأسير الفلسطيني المصاب بالسرطان عاصف الرفاعي. تواصل عملية "سيوف الحق" لملاحقة "داعش" في العراق. لبنان: تم إبلاغنا بعزم الإمارات الإفراج عن الموقوفين اللبنانيين تباعًا. أدى خروج طائرة تابعة لخطوط بيجاسوس التركية عن المدرج في أثناء هبوطها في مطار صبيحة الدولي في إسطنبول الأربعاء، اليوم، إلى انشطارها لثلاثة أجزاء واشتعال النيران فيها، ما أسفر عن ضحايا بين قتيل وجريح، وكان 177 شخصًا على متن الطائرة المنكوبة. استيقظت "حنين" ما قبل الفجر... الوقت مبكر جدًّا لصلاة الصبح. وكما الكثيرون، أول ما نفعله عند الاستيقاظ، النظر إلى الهاتف، بحجة معرفة الوقت، فيطول الوقت لاستكمال تصفّح سريع... تمسك بهاتفها الذي ما إن اتصل بالإنترنت حتى بدأت الإشعارات تنهال عليها. لم تكن على اتصال بالإنترنت منذ ما قبل المساء. إشعارات الواتس أب، مسجات عديدة، بعضها التي دأب البعض على إرسالها بشكل جماعي من دون أن تحمل شيئًا من الدفء. إشعارات الفيسبوك وطلبات الصداقة التي لا تنتهي لمجرد وجود بروفايل امرأة. إشعارات ايميلات دعائية وبعض المقالات فيما يتعلق باللغة العربية، والمواضيع القومية والعربية والإسلامية. إيميل من "مرتضى" يحمل عنوان: "يوميات". لم يعتد على إرسال إيميلات لها، كان الواتساب وسيلة التواصل الأقرب والأسهل بينهما، وبعض اللقاءات العفوية في المكتبة أو المستشفى أو النادي الثقافي التي تروي فيه القصص للأطفال ومن بينهم ابنة "مرتضى". قرأت العناوين الإخبارية... فتحت العناوين المتصلة بفلسطين، وقرأت قليلًا ما يُكتب عن بقايا داعش في العراق. بدا التأثر واضحًا عليها، وهي تلك الفتاة الحساسة الطيبة الحنون. أغلقت نافذة الخبر العاجل، تطلع على إيميل "يوميات" المرسل من "مرتضى". نافذة جديدة: أظهرت مشاهد بثتها قنوات التلفزة التركية أن الطائرة تحطّمت في مكانين بعد خروجها عن المدرج. وقد انفصل مقدم الطائرة الذي يضم مقصورة القيادة والمقاعد الأولى عن بقية الجسم، إضافة إلى انفصال قسم من مؤخرها يضم آخر عشرة صفوف من المقاعد والذيل. يوميات: بعد توقفي عن كتابة يومياتي سابقًا، وذلك منذ عدة أشهر. أعود مجدّدًا لأوثِّق يوميات رحلتي حاليًّا. تعلمين أني في رومانيا لبضعة أيام. ومن المتوقّع أن أعود قريبًا. وصلت إلى بوخارست مجدّدًا، وبالتأكيد تختلف هذه الزيارة عن سابقتها جذريًّا. ربما لم أكن أنتظر أحدًا، ولا ينتظرني أحدٌ أيضًا بالمعنى الحرفي للكلمة. ولكنني يقينًا، أنا على موعد مع المدينة، مع الكثير من الأماكن. مع أهلها ومع الكثير الكثير من الأشخاص الذين سأقابلهم. وعلى لقاء مختلف بكل ما مررت عليه فيها. وصلت إلى الغرفة التي حجزتها على موقع Booking.com كما كنت قد حجزت تذكرة الطائرة على موقع Skyscanner.net وقد خبرت ذلك بعد تجربة طويلة بالسفر وزيارة الكثير من الدول والمدن الاوروبية، ولو أن لهذه المدينة خصوصيتها وتأثيرها المباشر علي. ولفتني ما لم أخبره سابقًا في مدن أخرى، في إيميل المؤجر: بعد تحية وترحيب بالضيف، يذكر عنوان الغرفة بالتفصيل. الرقم السري للباب الرئيسي للبناء، الغرفة في الطابق الأول على الجهة اليسرى، المفتاح موضوع في الباب. وعندما تنهي إقامتك، التي نتمناها أن تكون ممتعة، الرجاء وضع النقود بدل الإيجار على الطاولة. يحدث ذلك للمرة الأولى معي، كل هذه الثقة والطيبة، تلك ملاحظة توقفت عندها... وبالفعل غادرت وتركت بدل الإيجار على الطاولة من دون أن التقي بأحد ومن دون أن يضايقني أحد بسؤال أو تفقد للمحتويات، قبل وبعد. لن أطيل، بعد أن وصلت إلى مطار هنري كواندا الدولي henri Coandă توجهت إلى مكان إقامتي منتقِّلًا بباص النقل العام الذي أجده ممتعًا ومثيرًا، وذاك عكس أن تستقلَّ تكسي وحيدًا منفردًا بسيارة مسرعة تريد أن توصلك لوجهتك لتكسب زبونًا جديدًا. الباص رحلة مشوقة تشارك أشخاصًا مختلفين في الطريق، وتنظر إلى المدينة كما هو الواقع. أول معالمها قوس النصر الشبيه بذلك الباريسي المجاور لحديقة هيراسترو Herastrau Park، وصولًا إلى وجهتي قرب ساحة الدستور. وبعد أن أخذت استراحةً من عناء السفر، اخترت أن أزور المدينة وأتجوّل فيها، وأخبر خفاياها، كوني كنت خلال زيارتي السابقة برفقة فتاتي، لا أرى الأشياء إلا من خلالها هي، أو بالأحرى لا أكاد أرى شيئًا سواها. في حضرة المعالم الجميلة أرى جمالها، وفي حضرة أماكن الثقافة لا أركِّز إلا على حديثها، وفي حضرة روعة الهندسة في المدينة تلفتني روعة ما أبدع الخالق فيها. اخترت أن أزور بوخارست وأتجوّل فيها وأخبر خفاياها راجلًا حينًا، وعلى الدراجة الهوائية حينًا آخر، حيث تكثر الدراجات الهوائية العمومية التي يمكن أن تستأجرها بثمن زهيد، وتتركها في أي مكان تشاء، كل ذلك عبر تطبيق هاتفي. غريب ومخيف كم أصبح الهاتف شريكًا ومُعينًا لنا. تجوّلت على الدراجة مرارًا. زرت البلدة القديمة The Old City التي تعتبر من أهم الأماكن السياحية في بوخارست، حيث تحوي العديد من الكنائس التاريخية، وأهمها ستافروبوليوس، العديد من المباني الأثرية، ساحة الدستور أو ساحة الثورة وما فيها من أناقة الهندسة المعمارية المتميّزة جنبًا إلى جنب مع الملامح الثقافية التي تشكّلت من تاريخ المدينة الحافل، فلا عجب إذًا أن غدت من الوجهات الأفضل بين عدّة مناطق سياحية. حيث أن زيارة هذا المكان أتاحت لي اللقاء والتحدث مع البعض من السياح أو أبناء البلد، كنت أجد ألفة مع العجائز الذين نجدهم في كل مكان، وكثيرا ما يأنس هؤلاء المسنون بسؤال أحدهم، ليسردوا عليك الكثير، ليتحدثوا بالكثير، خاصة أن منهم من يعيش شبه وحيد. أجد متعة في تمضية بعض الوقت الممتع معهم، ربما لأني كنت أرى فتاتي في كل الشابات الجميلات، أجد شيئًا ما منها في كل فتاة، فذكراها حاضرة دائمًا وفي كثير من التفاصيل. أُكمل مرورًا بقصر البرلمان الروماني Palace of the Parliament الشهير، وما يحيط به من حدائق وخاصة حديقة سيسميجيو Cișmigiu Gardens وضفتي النهر المجاور. اخترت المتحف الوطني للتاريخ الروماني لزيارته، بالإضافة لمتحف الفنون من دون باقي المتاحف وهي كثيرة، وأهمها متحف ديميتري جوستي الوطني. بالإضافة لأخرى: كمتحف بلدية بوخارست، ومتحف جريجور أنتيبا، ومتحف ليتا سيتي والمتحف العسكري والمتحف الجيولوجي، ومتحف الطيران، ومتحف السيارات وغيرها... وهي كثيرة. أنهيت زيارتي للمدينة، شاهدتها بطريقة مختلفة هذه المرة، عازمًا زيارة مدينة أخرى غدًا. مجدّدًا، وعبر Blablacar برفقة شاب ثلاثيني يعمل في مجال المسرح، شاركته الرحلة من بوخارست إلى باكاو Bacău. تبادلنا أطراف الحديث سويًّا بالإنكليزية حينًا وبعض الرومانية التي تعلمتها، ولو من دون إتقان. باكو Bacau، المدينة القريبة من بلدتها، كثيرًا ما كانت تتردّد إليها. أمر في شوارعها، أزور معالمها، متخيّلًا وجودها في بعض المتاجر تتسوّق بعض الألبسة، أو تتناول شطيرة هنا، وهناك كوبًا من العصير. وربما تضحك وتقفز في بقعة أخرى من المدينة. استأجرت سيارة من باكو عازمًا التوجّه إلى بلدتها، وبشكل خاص إلى بيتها، من دون أن يكون عندي أي تصور لماذا، أو ماذا سوف تفعل هناك. عنوان البيت، البلدة وما فيها كنت قد حفظته عن ظهر غيب، عندما أجريت ذاك البحث عن البلدة وبيتها. سلكت الطريق المؤدي إلى البلدة ابتداءً من باكاو، طريق جميل رائع بمناظر طبيعية أخاذة، الكثير من الأشجار والبيوت الريفية، والحقول الزراعية وما فيها من المواشي. ما كدت ألمح الشاخصة التي تحمل اسم البلدة حتى شعرت بالحنين، وربما بالانتساب بطريقة أو بأخرى لهذا المكان، اتصال مباشر بكل ما تقع عليه عيني. شعرت بالتمسّك والثقة وقوة الصلة بالمكان وجدانيًّا وفكريًّا ومعنويًّا. أكملت طريقي قاصدًا المنزل، وكأني على موعد معه، ودراية كاملة بخصوصياته، ما إن وصلت إلى الطريق الرئيسي للبلدة وإلى تلك الواجهات الحمراء، وهي نقطة الاعتلام التي اعتمدها في مواجهة المصرف والمكتبة، حتى تغيّرت نبضات قلبي. تجوّلت بهدوء وتأمّل في المكان. دخلت المتاجر المجاورة، والسوق الشعبي القريب. وقفت بباب البناية التي تقطنها، أستطلع أسماء قاطنيها، وذلك من خلال أجراس المنازل، أعلم أن المنزل في الطابق الأول، صعدت، طرقت الباب، أشبه بمن أصابه مسٌّ من الجنون، لا يعقل ما يفعل ولا يدرك غاية فعله ونتيجتها. طرقت الباب لكن ليس من مجيب. أكملت استكشاف معالم البلدة الصغيرة، الحديقة العامة، المتاجر. بحثت عن متجر لبيع الزهور، أعلم أنها تحبها وتفضّلها، سألت عن إمكانية إرسال الزهور كهدايا في المناسبات، والدفع عبر بطاقة الائتمان. لا أعلم عدد المرات التي مررت قرب منزلها ذهابًا وإيابًا. التقطت العديد من الصور، وخاصة التي أظهر فيها بالقرب من المنزل. لا أعلم يقينًا لما فعلت كل ذلك وما كانت غايتي. غادرت البلدة بغصّة، متّجهًا إلى Nemira، أستكشف أيضًا الطريق الجبلي والمنازل الريفية المتواضعة جدًّا الموجودة هناك، لدرجة تجد فيها العربات التي تجرها الأحصنة. جميلٌ جدًّا ذلك الطريق الجبلي المتعرج، والأشجار الطويلة العديدة التي تغلب على المكان. توقفت عند بعض الكتابات على الحائط: كتابات ما بين العشوائية وبين الفن الذي يسمونه: "الجرافيتي Graffiti". هي من الظواهر المنتشرة بين شريحةٍ كبيرةٍ من الأفراد، وخصوصًا في الفترة العمريّة الممتدة من بداية الطفولة إلى نهاية مرحلة المراهقة، هي أسلوبٌ تعبيريٌّ عن الحالة النفسيّة للفرد، وتعتمد بشكل مباشرٍ على الانفعالات المرتبطة بالبيئة المحيطة بالفرد. تفصح عن صعوبة بالغة في التعبيـر عـن خبايا الذات ومعاناتها بصورة طبيعية. يعتبر العقل الباطن هو الدافع للقيام بذلك. في كثير من الأحيان هي ما بين المتعة، وإظهار الذات، والرغبات مكبوتة... ماذا لو دفعتني انفعالاتي وعقلي الباطن، ما عساي أكتب: عن أحلام... أو أمان... أو ذكريات جميلة. أكملت جولتي، وأنا أتوقّع الأماكن التي قد تكون ارتادتها هنا. يعرفها هذا المكان جيدًا بالتأكيد، قضت فيه بعض المخيمات والنشاطات المدرسية. يعرفها هنا تراب الأرض ونجوم الليل وشمس الصباح. أمضيت كامل يومي بين البلدة والجبل حتى المساء، أعود إلى غرفتي تحضيرًا للمغادرة صباحًا. مدينة ياش Iași: هي واحدة من أعرق المدن الرومانية، من أهم المدن الثقافية والتاريخية فيها، حيث تحتوي على ثاني أكبر جامعة في الدولة، وتسمى مدينة "قصص الحب الأسطورية"، "ومدينة البدايات الجديدة". غادرت باكاو صباحًا متّجهًا إلى ياش مجدّدًا عبر blablacar، بعد أن أعدت السيارة المستأجرة، هذه المرة برفقة آنسة، تقود سيارة رباعية الدفع. تحدثنا مرارا في أثناء الرحلة، كنت أجد متعة في التحدّث إلى الناس، كان مزيجًا من الإنجليزية والرومانية، يسعفني بذلك ما كنت قد تعلمته من الرومانية. أتبادل أطراف الحديث معها ومع طالب الجامعة الذي يرافقنا أيضًا حينًا، وحينًا آخر أشيح بنظري وأسرح مع خواطري. أستعيد الكثير من الذكريات، بعضها بجعلني أبتسم وأخرى تشوش أفكاري، كل ذلك في ازدحام ذهني مربك. لم أخبر "مدى" بقدومي إلى رومانيا أصلًا، ولا حتى إلى ياش. بي رغبة جامحة في لقائها. ربما نتناول طعام الغداء معًا، أو على أقل تقدير، كوبًا من القهوة في أحد المقاهي. لا أتخيّل أن أكون قريبًا إلى هذا الحد منها، من دون أن نتقابل. ارتجف جفناي وارتعشا عندما أوصلتني أفكاري، لاحتمال ألا نلتقي... أشعر أن الصمت خيَّم وكذلك السكون، ودخلت في تيه. أمسك هاتفي، أتردد في محادثتها، أو إخبارها أني هنا. وأخلص إلى إرسال رسالة على الواتساب: buna بمعنى مرحبًا. يستمر السكون ليكسره صوت سائقة السيارة بنبرة متودِّدة، وكأنها أدركت خصوصية خواطري. وصلنا... كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة ظهرًا بقليل. شكرتها وترجّلت، مشيت بخطى متثاقلة قليلًا، لمحت موقفًا للباصات ليس ببعيد. ظننته إشارة إيجابية، أعطاني بعضًا من التفاؤل والنشاط، عله يوصلني إليها. اخترت الباص المتوجه إلى مركز المدينة حيث توجد الجامعة، جامعة الطب والصيدلة. من السهولة بمكان اختيار الباص المناسب، للباصات أرقام محددة. ولكل منها رقم ومسار محدد، يتوقف على محطات رئيسية مدونة بشكل واضح على قائمة في موقف الباصات، كما وتظهر على الباص في شاشة إلكترونية ظاهرة للمارة تتناوب عليها أماكن توقفه. كنت قد اعتدت أن أباشر بسؤال أو حديث مع الناس هنا، الكثير من فئة الشباب تتكلّم الإنكليزية، سألت إحداهن في الباص، تجلس بقربي، عن الجامعة والمسافة الفاصلة عنها، أجابت بتودُّد، خاصة عندما لاحظت أني غريب عن المدينة والبلد، ولعلها شعرت بلهفتي أيضًا. توقف الباص كالمعتاد في أحد المواقف، صعد أناس ونزل آخرون. وإذ هي تشهق شهقة تعجب وأسى ودهشة، تنبئ بخبر غير سار أو حتى مصاب جلل. نظرت إليها مستفسرًا، وإذ بها تقول: انظر إلى تلك التي صعدت الباص للتو، إنها تلبس معطفًا كثير الشبه بمعطفي، يكاد يكون هو، اللون والموديل! لاح على وجهي شبح ابتسامة، وقلت لها: يحدث ذلك أحيانًا. تذكرتك "حنين"... وتذكرت مقولتك: قد تكون أشد دعوات النساء حقدًا، أن تصادف إحداهن أخرى، ترتدي نفس الفستان. وإذا كانت الدعوة قاسية أكثر، أن يكون ذلك في حفل زفاف أو خطوبة. تعدّ هذه المواقف من المواقف التي تقسم الظهر وتدمي القلب، وتسبِّب أسى وحزن وحتى جنون. وجهتي الأولى كانت بناء الجامعة. البناء بشكل حرف u، مهيب، جميل بسقف قرميد أحمر، طوابقه الأربعة ونوافذه العمودية التي تطل على الساحة الأمامية التي يتربّع فيها نصب الاتحاد التذكاري Monumentul Unirii، وهو نصب من الرخام الأبيض، صممته الأميرة أولغا ستوردزا، وكشف النقاب عنه العام 1927 في قاعدة كارول بوليفارد. يتألف من مجسمات لأشخاص، قطعة مركزية وأربع قطع أصغر تمثّل المقاطعات التاريخية في ترانسيلفانيا، بيسارابيا وبوكوفينا وشتات الرومانية. وبالقرب من بناء الجامعة العديد من المقاهي، وبينها مقهى Habibi يملكه أحد المهاجرين العرب، التي كانت تفضل ارتياده، فضلًا عما لاسمه من معنى. تجوّلت في بناء الجامعة، أول ما بحثت عنه برنامج المحاضرات، من المفترض أنها في محاضرات متتالية حتى الرابعة. تركت مبنى الجامعة بنية استكشاف معالم المدينة، طالما أثارتني المدن الجديدة لاكتشافها وزيارة معالمها. وجهتي الأولى كانت: قصر الثقافة Palatul Culturii، وهو واحد من ألمع المباني التاريخية والثقافية في المدينة، فيه روعة البناء وتصميمه الداخلي الفخم المحفوف بالأثاث الراقي الذي يعود لعقود مضت. ويحتوي القصر على ثلاثمائة وخمس وستين غرفة من بينها مكتبة جورج آشاسي الشهيرة، وأربعة من أهم المتاحف. وصلت قصر الثقافة، مرورًا بكاتدرائية متروبوليتان St. Paraschiva” Metropolitan Cathedral. التقطت بعض الصور التذكارية وحرصت على أن أبدو في إحداها ويبدو قصر الثقافة خلفي، وكأنها إثبات مادي لوجودي في المدينة. لم يتسنَّ لي زيارة قصر روزنافو Roznoveanu Palace الشهير. أمضيت ساعات في المكان، عرَّجت على "المول" المجاور، اخترت مقهًى صغيرًا شبيهًا بمقاهي الشانزليزيه في باريس خاصة cafe fouquet الشهير. بستائر حمراء، ومقاعد شبيهة بكراسي القش القديمة وطاولات خشبية، دائرية ذات وجوه حمراء، يفصلها عن الرصيف حوض نباتات خضراء مشذبة بجمال. اخترت طاولة في إحدى الزوايا، مطلّة على الرصيف والساحة المواجهة وجزء لا بأس منه من قصر الثقافة. في الجانب الآخر من المقهى، لفتني كهل لم يبلغ الخمسين من العمر، يجلس منفردًا قبالتي إلى طاولة بكامل أناقته... بدلة رسمية باللون الأسود، وقميص أبيض وربطة عنق بشكل فراشة "بابيون". ينتعل حذاء أسود أنيقًا. يجلس وحيدًا، يرتشف فنجان قهوة ببطء، ينظر إلى البعيد، نظراته شاردة. لاحظت أنه لا يحمل هاتفه بيده ولا يضعه على الطاولة، كما أصبحت العادة دائمًا، حيث الهاتف رفيقنا الدائم الثقيل. بل خبأه في حقيبة يضعها على جنبه، عرفت ذلك عندما أخرجه ليجيب عن اتصال سريع، وأعاده... يبدو أيضًا غير مهتم بالوقت، ولا ينظر إلى ساعته. صرت أنظر إليه، لعلّه يبحث عن جزء مفقود في ذاته، وأخاله يرمم جزءًا آخر. أنظر إلى هاتفي مرارًا، بانتظار إجابة لرسالتي اليتيمة، المتسولة ردًّا ربّما. قد تجاوزت الساعة السادسة، ونظريًّا المفروض أنها قد انتهت من دوام الجامعة. كنت قد تركت المقهى، وتجولت في شوارع المدينة، أقف على واجهات المتاجر حينًا، وأجلس على المقاعد العامة في الحدائق حينًا آخر. أخيرا أسمع إشعارًا لرسالة قصيرة. رسالة جافة تجيب: buna أنتظر علّها تقول شيئًا آخر أو تسأل عن شيء... حاولت إثارة فضولها بسؤال: لو حدث ودعوتك إلى فنجان قهوة... هل ستلبين الدعوة؟ يمرّ وقت ليس بقليل لتجيب باختصار: تفصلنا آلاف الكيلومترات، تبدو الدعوة افتراضية. وأنا الآن في المنزل. قضيت ساعات متعبة اليوم في الجامعة. كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة...وموعد طائرتي للمغادرة في العاشرة والخمسين دقيقة. مشيت كسير النفس... كَسِيف النظرات، على وجهي شبح ملامح رجل. شعرت بنفسي أسير بدروب غير مطروقة، يرافقني Gps. يفصلني عن المطار مسافة إحدى عشرة دقيقة بالسيارة، وعلى ذمة "غوغل ماب" ساعة ونيف سيرًا على الأقدام. وجدت نفسي أسير وأسير باتجاه المطار راجلًا. تذكرت مسيرة الساعتين لمحطة القطار في اللقاء الأول، شتان ما بين ذاك المسير وهذا. وصلت المطار ما قبل العاشرة قليلًا... أرسلت لها صورتي أمام قصر الثقافة… سارعت تتصل بي: أنت في ياش؟ أنت هنا؟ حقًّا أنت مجنون، تقول ذلك بحبٍّ، بدلعٍ، بشوقٍ... كنت أعتقد أني سأراك ولو لوقت قصير. مممممم. أنا في المطار. سأنتظرك. تستطيعين القدوم بتكسي خلال ربع ساعة. صمت يبدو طويلًا. أنتظرك... ستأتين؟ آسفة لا أستطيع. يكاد يكون هذا آخر ما وعيته وسمعته قبل أن أتنبّه للنداء بالتوجّه إلى الطائرة. النداء الأخير، النداء الأخير، لجميع المسافرين على الخطوط الجوية Pegasus المتوجهة إلى إسطنبول، التوجّه إلى الطائرة مباشرة. "حنين"... سأرسل لك هذا الإيميل قبل أن أستقلّ الطائرة إلى إسطنبول لقضاء يومين إضافيين. هذه اليوميات كتبتها، مع بنات أفكاري، أرسلها لك. وغدًا يوم جديد، لدي الكثير من الأمور الواجب إنجازها، على المستوى الشخصي والمهني وحتى الاجتماعي... وربما أستكمل إجراءات شراء البيت الجديد. عندي بعض اللقاءات الدورية التي سأجريها، وبالتأكيد بحاجة للقاء مطول معك. مجدّدًا نافذة جديدة بخبر عاجل على شاشة الهاتف... تقرأ "حنين"... العديد من الضحايا في تحطم الطائرة التركية في إسطنبول بينهم مسافر لبناني. تتسمر عيناها على الشاشة مشدوهة مخدرة، يكاد ينعقد لسانها… مرتضى... مرتضى.... خاتمة مما لا شكّ فيه، وكما سوف يتجلّى للقارئ العزيز أن الكاتب شخص مثقف ممتلئ بالمعلومات العلمية والتاريخية، موثِّق جيد لتاريخ الأماكن التي يزورها. بل لم يغب عن ذهنه أسماء صناع الحضارة، ونراه كثيرًا ما عرّج على أسماء بناة الكنائس والأماكن التاريخية التي زارها بطل روايته د. "مرتضى" (الذي بدا هو ذلك الشخص الملمّ بكل هذه التفاصيل)، وهو أيضًا على دراية بتفاصيل بيوتات الأزياء العالمية. بـ "لحظة شغف واحدة تجعلك تتقن لغة كانت غريبة عنك"، نعم هذه الجملة التي كتبها "مرتضى" ستجعل القارئ مستمتعًا بقراءة الرواية فمرة سيعيش الحب ومرة سيعيش مع مرتضى أدق تفاصيل يومه حتى وكأنه يجول معه الأمكنة. فعلى سبيل المثال سوف يتخيّل للقارئ أنه من يرى جمال تلك الفتاة المنتظرة لتستقل وسيلة النقل لتصل إلى وجهتها، وكأنها تقف أمامه مباشرة... سوف يلامس قلقه مرة واعترافاته مرة ثانية... سوف يتنقل القارئ بين أحداث الرواية بطريقة مستساغة، فقد لفتتني طريقة التنقل بين الأحداث والسرد، إذ أتت محاكية لما في الروايات الأجنبية، وهذا يشير كما أسلفت لثقافة الكاتب واطلاعه الواسع على الأدب المغاير. ذكر منطقة البقاع وتحديدًا منطقة العاصي، في لفتة استعطافية للكاتب أراد منها تعريف القارئ أن هذه المنطقة مستضعفة برغم زخرها البشري والطبيعي. شخصيات العمل تكاد تختصر في شخصيتين أساسيتين، "مرتضى" و"مدى"، كما استحسن تسميتها الراوي وشخصية أساسية ثالثة أقل ظهورًا إلا عندما أراد الراوي إعادة "مرتضى" إلى واقعه الذي لا يستطيع التفلّت منه. هذا الشعور الذي رافقني كلما ظهر اسم "حنين"، وكأن لديها مهمة محددة وهي ربط د. "مرتضى" بالواقع، أو أنها ذاكرة الوعي التي يجب أن تبقى حاضرة لتذكِّره بجذوره وقضاياه وبيئته التي كانت ضرورية بالنسبة إليه، فاختيار الكاتب لاسم "حنين" ليس عبثيًّا سواء في ذاكرته المرئية أو اللاواعية... هو مرتبط إلى حد كبير بأصوله التي لم يكن من اليسير عليه الانسلاخ منها. ومن الطبيعي أن يكون "مرتضى" هو الشخص الأقرب للقارئ لكونه الحاضر الأول وحتى آخر كلمة في الرواية، فكلّ ما سيمرّ به القارئ سيكون إما عبر ما يخبرنا به أو عبر معايشتنا لما يحدث معه من دون أن ننسى شخصية أساسية مستترة في الرواية، وهي ابنته، وإن صحّ التعبير الضمير الحي... حيث يأتي على ذكرها كلما أراد إطلاق العنان لنفسه، عاد وتذكر أن هناك ابنة تحتاجه (وإن كنت لا أعرف مدى تأثيرها على قراراته لكن دعنا نقول إنها الضمير الذي يومض بين جنبيه بين الحين والآخر). الجميل في هذا الكتاب بعيدًا عن التقويم أيًّا أتى نوع هذا التقويم، سيجد القارئ نفسه شغوفًا باستكمال القراءة لمعرفة ماذا بعد؟ تمامًا كما قال "مرتضى" ل"مدى" "صنع بسحرك"، وكان المعنى في قلب القائل غزل ومعلومة، سيبحر القارئ في قلب "مرتضى" الذي يبحث عن ضالته من الحب والاهتمام الذي يبدو أنه لم يجده بعد، ولكنه كان متيقنًا كما أتى على لسانه أن "الجاذبية والجمال موجود داخل أنفسنا وليس فقط في الأشياء التي تقع عليها حواسنا". فهو أيضًا أظهر ذلك عندما وثق لفكرة أن بعض الكتب والكتاب المغمورين تنضوي كتاباتهم على كنوز غير مكتشفة بعد (ربما أراد الإشارة إلى أن الإعلانات لا تعتني دائمًا أو بالضرورة بالإصدارات الجيدة). وصلنا إلى "مرتضى" الرجل الشرقي العاشق الذي دفعه البحث عن المحبوب أن يجوب بلادًا ويقطع مسافات وأميالًا بعيدة عله يجد ضالته من الحب في شخص يصلح له ما أفسده المارون به، فنجده هو القائل: "هنا يسكن قلب لم تدنسه ظلمات البشر". ولكن بعد ذلك نرى هذا العاشق الذي قصد أقاصي البلاد ليجمع نبضه بنبض حبيبته يطل علينا بعباءته الشرقية، حيث يعترف قائلًا: "نزعة الرجل الشرقي في رغبته الدائمة بالسيطرة والتحكم في الأحداث"، كان محقًّا، فهو من كان يختار الفنادق والمطاعم والرحلات السياحية، بل وكان يصر على تعليم حبيبته مفاتيح الموسيقى العربية، وهي كانت طيّعة له حيث أظهرت ذات العشرين ربيعًا شغفًا وحبًّا لذي الأربعين عامًا، والذي وصفه بأنه عمر الحكمة والرزانة نجدها أبدت رغبتها في تعلم اللغة العربية... لنعيش مغامرة حبٍّ جميلة في بضعة أيام، فنرى العاشقين يستثمران كل لحظات الحب حتى الثمالة، "صارت "مدى" قبلة طبعها القدر على جبين عمره بعد أن صارت حياة وليست محطة في حياته"، هذا ما حدّث العاشق الثمل به نفسه وهو يهيم عشقًا.. فتحت تأثير العشق وجد نفسه قد توج عشقه بهذا اللقاء فهو يعترف لنفسه متيقِّنًا حسب قوله: "يقينًا قد دخل في حالة حب تُوِّجَت بلقاء أسماه حياة وأسماها هي القبلة"، لنجد الوقت مضى سريعًا، ليحدّث نفسه "أنا منذ اليوم الأول أستعد للفراق"، فيخطف قلب القارئ هل أصبحت ألكسا مجرد لقاء عابر وانتهى عندما أتته الصحوة بعد لقائها...؟! ليجعل القارئ يتساءل هل هو الفضول ما دفع "مرتضى" اجتياز كل المسافات وطيها للقاء من أحبها وهو في قرارة نفسه يعرف أنه لقاء يتيم؟! فهو الشرقي الذي لا يقبل الانهزام عند أول عثرة ولا ينكسر أمام الصعاب، أو أمام لحظة يأس، "حتى يخيّل إليك أن حبة رمل في درب حريتك تصير صخرة لا يمكن تحريكها"، هو من قال ذلك فجعلني أنتظر بفضول وقلق خاتمة القصة. هل سوف يبذل "مرتضى" جهده كي يعيش مع حبيبته إلى الأبد، أو سيكتفي بها ذكرى مرت وهو القائل أنها أصبحت بالنسبة إليه حياة؟... هنا لن أفسد على القارئ متعة القراءة فقط سوف أطمئنه أن إسطنبول جمعت الحبيبين مجدّدًا ولكن ماذا بعد؟! ستطل علينا "الكسا" ذات العشرين وردًا بعقل راجح يزن الأمور بميزان العقل... أو لربما عقلًا أضيف إلى قلبها فألهمها ما قالت... ليقرأ القارئ ويقرر هو. سأفترض أن قارئًا شغوفًا بمعرفة النهايات مثلي أمسك بالرواية، وفتح صفحتها الأخيرة لمعرفة آخر حدث فيها... سأقول له "حنين" مجدّدًا تنادي "مرتضى"... هل يجيب أو سيعم السكون الأرواح المتعبة؟! أرى "مرتضى" كسير القلب مات مرتين. د. زينب قهوجي