رسالة من المجهول

رسالة من المجهول

13 0

كان سكون الليل مرعب وآمن في الوقت نفسه حين إستيقظت بمنتصف الليل فجأة ، ضوء القمر أنار غرفتي وجعلني أشعر ببعض الآمان وسط هذا الظلام الحالك . كنت قد فتحت عيناي حين شعرت بالعطش يجف ريقي فجاة .

نظرت إلى شمالي فبالعادة أضع زجاجة المياه بجانبي كل ليلة ، لكن اليوم حين ألقيت نظرة عليها وجدتها فارغة ..

منذ متى وانا أشرب المياه كثيرا ؟؟ كان هذا السؤال يجول في ذهني فأنا متأكدة أني لم أشرب إلا مرة واحدة وهي قبل أن أتسطح على فراشي . إذن من أكمل قارورة المياه كلّها ؟؟ ..

تجاهلت الأمر وأبعدت عني اللحاف لأنهض من سريري وأذهب نحو ردهة المطبخ لأروي ريقي الجاف . ألقيت نظرة نحو الساعة التي كانت معلقة منتصف الجدران فوجدتها الواحدة والنصف بعد منتصف الليل .. حسنا لا بأس فأنا معتادة أن أستيقظ في هذا الوقت لكن عليكم أن تتذكرو هذا الوقت جيدا .. نظرت بصدمة نحو باب غرفتي فقد كان مفتوحا ومشروعا على مصراعيه .. أنا متأكدة أني أحكمت إغلاقه قبل أن أنام .. فكيف فتح ؟؟ .. صرفت هذه الفكرة من ذهني وإعتقدت لعلّ ميان قد دخلت لغرفتي لأسباب لا أعلمها وتركت الباب مفتوحا .. إتجهت نحو ردهة المطبخ بخطوات سريعة لأعود الى فراشي للنوم ، إرتويت بما أستطيع من المياه ثم إستدرت للعودة إلى غرفتي لكن توقفت فجأة في الممر الطويل حين إنتبهت إلى أنوار الحمام مفتوحة ..

سحقا من ذا الذي يترك أنوار الحمام مفتوحة ، من المستحيل أن تتركها أمي فهي حريصة عليها وعلى إغلاق الباب بإحكام كل ليلة و..ميان لا أعتقد انها نسيت إغلاقها أو لم لا ؟!

خطوت خطواتي نحو الحمام وأغلقت الأنوار لكن لم أكد أخطوا خطوة للأمام حين صدمت من إشتغالها مرة أخرى ! ماهذا؟ ايعقل أن الأنوار تعطلت أو شيء من ذلك القبيل ؟ .. تنفست بضجر لكن هذه المرة دخلت للداخل ووقع نظري نحو صنبور المياه لتأتيني فجأة رغبة ملحّة في غسل يدي وبالفعل تقدمت نحوها وفتحت صنبور المياه لكنني لم أمدّ يدي إليها لأني تفاجئت أن لون المياه تغير ! نعم لقد أصبح لونه أحمر ؟ لا مستحيل .. تراجعت خطواتي للوراء وأنا مصدومة من المنظر الذي أراه أمامي .. كيف هذا ؟ إنه يبدو وكأنه دم؟ ..

ومن شدة رعبي أغلقت الصنبور بسرعة وبقيت أنظر إليه بصمت وقلبي قد بدأ بأخذ وظيفته بالخفقان بسرعة كعادته .. إبتلعت ريقي بصعوبة وأنا لا أزال بنفس الوضعية ثم مرة أخرى فتحته ببطئ و...

هل ترون ما تراه عيناي ؟ بالتأكيد لست أتوهم إنني ارى أن لون المياه عادت إلى طبيعتها صافية وغير ملوثة؟ .. تنفست باظطراب وتنهدت وانا أضع يدي تحت الماء لعلّ مايحدث لي من حوادث مرعبة جعلتني أتوهم كما حدث للتو .

نشفت يدي بمنشفة صغيرة كانت معلقة هناك ولم أنتبه إلى وجود بقع الدم عليها في ذلك الأثناء ..

أطفأت الأنوار وانا في انتظارها ان استغل من جديد لكنها لم تفعل لذا أغلقت الباب ثم عدت ادراجي نحو غرفتي في الأعلى .

إستلقيت على فراشي وانا أستعد لإستقبال النوم .. تنهدت تنهيدة طويلة ثم أغمضت عيناي لأستقبل الظلام من حولي .

مرّت دقائق لا أعلم ماهيتها حتى بدأت أشعر وكأن أنفاسي تسلب مني ببطئ ثم تحول هذا الأخير إلى إختناق لم أستطع لا التكلم او الحركة فقد شعرت وكأن أعضائي كلّها قد شلّت ..

فتحت عيناي باتساع وتسلّل الخوف إلى قلبي حين رأيت ما إلتقطته عيناي امام وجهي .

كان هناك مسخ او لعله وحش فلم أكن ارى جيدا بسبب الظلام لكنني لمحت وجهه المخيف امام وجهي .

كان وجهه قريبا جدا من وجهي لدرجة بدأت أشعر بأنفاسه الباردة علي ، صحيح أنني لم أكد أستطيع رؤيته جيدا لكني سأحاول أن اصفه لكم.

وجهه كان يبدو وكأنه محروقا كان يبدو وكأنه شيطان لكن بلا قرون هل بالغت في الوصف ؟ لا يهم .. عيناه كانتا كبيرتين توحي بأنها عميقان بشكل مخيف وكأنها حفرتان سوداوان عميقتان للداخل .. أنفه كان مقطوعا يظهر عليه فتحتان الأنف بشكل أكبر ، عظام وجهه كانت بارزة خصوصا رقبته الطويلة التي تظهر تحتها عظام وكأنها ستخرج من موضعها . يداه كانتا طويلتين شعرت بملمس أصابعه الخشنة تضغط بقوة على رقبتي مصرّا أكثر على خنقي .

فمه كان مفتوحا باتساع مظهرا اسنانه التي تبدو وكأنها أسنان حيوان لم تظهر عليه انياب ولكن مجرد منظره هكذا جعلت الرعب يسري بعروقي كمس كهربائي .

لم أستطع لا الحركة ولا الصراخ فقط وأنا أشعر بأنفاسي تسلب مني رويدا رويدا وبالكاد أستطيع الرؤية قليلا . كان فوقي متربعا وجاثما على صدري وهو يخنقني للتو ظننت أنه ما يسمى " الجاثوم " لكنه حين إقترب من وجهي همس بشيء غير مفهوم لكني سمعت آخر كلماته تلك وكانت تلك الكلمة الوحيدة المفهومة.

" سيفار "

بدأت أختنق وانا أحاول جاهدة البحث عن الهواء .. شعرت بالخوف بشدة ليس من المسخ بل من الموت لا أريد أن أموت لا الوقت مبكر ، كنت على حافة الموت ل..م ..أ..ست..طع..

﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا {59} إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ﴾

كصوت هادئ ينساب على آذاننا ليطمنّا ويشعرنا أن الدنيا لاتزال بخير ، ويعيد ترتيب هذه الفوضى والرعب الذي تملّكني للتو ، جائني ذلك الصوت - صوت الآيات - كحبل نجاة إمتدّ إلي وانا كنت في أمسّ الحاجة إليه . إنشرح صدري حين سمعت هذه الآيات الصادرة من المجهول لكنها أتت في الوقت المناسب لم يكن مرتفعا بل كان هادئا مطمئنا كان أشبه بنداء ناعم يدخل إلى قلوبنا لينسينا ماعشناه من هموم معقدة كمن ينادينا بأنه هو القريب من حبل وريد فلا حاجة للخوف.

﴿ {60} جَنَّاتٍ عَدنٍ التِي وَعَدَ الرَّحْمانُ عِبادَهُ بالغَيْبِ إنّه كَانَ وعدَهُ مَاتِيًّا ﴾

هدأ قلبي مع كل كلمة كانت تصدح بالمكان و عليه إنخفضت قبضة ذلك المسخ شيئا فشيئا .. حتى غادر وكأنه لم يكن.

ومعه عاد الهواء إلى صدري يتسلل ببطئ وكأنه يخشى إفزاعي .. إبتسمت بسمة حانية وانا لا ازال أسمع صوت الآيات لا اعرف كيف وصل إلى مسمعي هذا الصوت لكني كل ما اعلمه أنه لم يأتي صدفة بل كان نداء .. نداء إلى ان أعود إلى خالقي .. لا تنصدمون مما سأقوله لكني لا أعلم آخر مرة وضعت فيها جبيني على السجاد ولا اعلم آخر مرة رفعت فيها يدي عاليا أستغيث لخالقي .. كل ما أعلمه أني أحمد الله في هذه اللحظة لأنه انقذني قبل أن أغرق وأغوص أكثر مما كنت عليه . لعلّ هذه إشارة بأن أبدأ بالتوبة ولن أضيعها هذه المرة .

غريب أمر الإنسان .. لايناجي ربه إلا وقت الحاجة .. يلهو بمفاتن الدنيا التي تنسيه بخالقه .. لا يقترب منه أكثر ولو كانت محاولة يائسة .. لكنه حين يحتاجه يأتي إليه كطفل ضائع يرغب بانشراح صدره وإزاحة ثقل الهموم التي جثوت على صدره .. .

لا أعلم لم شعرت بالخوف بهذه اللحظة للتو كدت أن أموت ولم أخافبقدر الخوف الذي تملكني للتو حين سمعت هذه الآيات الصادرة من العدم شعرت بأنها تقصدني .. سرّت قشعريرة بجميع خلايا جسدي بسرعة غريبة .. لا يجب أن أستهزء بهذه العلامة .. لا ..

نهضت من سريري وألقيت نظرة نحو الساعة فصدمت من أنها الثالثة صباحا كيف مرّ الوقت بسرعة ؟؟ .. للتو كانت الواحدة والنصف ظننت أنني سأجدها على الأقل الثانية لكن الثالثة ؟؟ كم مرّ من الوقت وأنا محبوسة في موضعي ؟؟ .

تجاهلت الأمر وأنا ابعد عني اللحاف لأنهض نهو الحمام لأتوضأ وأصلي ركعتين - بعد طول غياب - قبل صلاة الفجر ...

بسّطت السجّاد على الأرض وكنت قد إرتديت طقم الصلاة ، وقفت بثبات على السجّاد صدقوني لحظة الوقوف وحدها أزاحد عن صدري ثقلا لا أملك معلومات عن حجمه . رفعت يدي وانا ابدأ بالتكبير وفور أن نطقت " الله أكبر " سمعت فجأة صوت ورائي يكرر خلفي ماقلته .. إبتلعت ريقي بصعوبة ولم ألتفت أو أن أخاف وإنما بدأت بقراءة سورة الفاتحة بهدوء وانا على علم أنني في أيادٍ آمنة . ركعت وحينما وصلت للسجود .. يا الله أتعلمون ذلك الشعور حين تشعر وكأنك تحمل جبل الهموم على عاتقك ثم فجأة تنزاح عنك ؟ كان ذلك شعوري وانا ألتمس بجبيني ملمس السجّاد . شعرت بعد طول غياب بشعور مطمئن شعور ليتني جربته من قبل لأعلم ماهيته ..

بدأت فجأة بالبكاء حينما أنهيت صلاتي ، بكيت كما لو أني لم ابكي منذ زمن .. كطفل صغير قد وجد الملجأ أخيرا وسط هذه الفوضة بعدما كان غارقا بالظلال .

أعلم أنكم مللتم من كلامي لكني لا أستطيع تجاوز ذلك الشعور الذي إجتاحني آن ذاك .

صليت بعدها صلاة الفجر وقرأت بعض الآيات من مصحفي وبعدها إستلقيت على فراشي وحين وضعت رأسي على الوسادة غفوت بسرعة كما لو أني لم أنم منذ مدة .. ولأول مرة نمت بدون احلام ، بدون هواجس ، وحتى بدون تلك الكوابيس التي تؤرق نومي ...

✳️✳️✳️

فتحت عيناي ببطئ حين أيقظتني سطوع أشعة الشمس التي أخذت منعطفا نحوي ..

أدرت رأسي نحو الساعة فوجدتها السابعة والربع .. لأول مرة أستيقظ في النهار بهذا الوقت .. لم تكن لدي رغبة للعودة للنوم بل نهضت من مكاني وانا أخرج من غرفتي كلّيا .. بالطبع لم تنهض والدتي بعد فهي تستيقظ على طول الثامنة والنصف دوما وكنا أنا وميان نستيقظ بالعادة على العاشرة . لكن اليوم تسرب النشاط إلي بداية هذا الصباح وشعرت برغبة عارمة أن أخرج أو أن أقوم أي شيء ليلهيني عن حياتي الكئيبة .. خصوصا ما مررت به بالأمس ..

غسلت وجهي بهدوء ولا اعلم لم شعرت بالسعادة هذا اليوم .. لكن سعادتي لم تدم كثيرا حين رفعت رأسي لأرى وجهي في المرآة ثم لمحته ..

أنتم تعلمون علام أقصده بالطبع ..؟!

_ أنظرو .. هناك من يحاول أن يغير نفسه !

ترددت بؤبأتا عيناي لرؤيته .. لكني تماسكت في الثانية الأخيرة وتجاهلته كما لو أني لم ألمحه قطٍ .

_ أتحاولين تجاهلي ؟! - قال باستهتار -

تجاهلته وأكملت تنشيف يداي ووجهي من قطرات المياه ..

_ لن تستطيعي! - أردف بنفس النبرة -

تنفست باظطراب حاولت اخفائه وبالفعل لم يكن يظهر علي ما أشعر به ، فابتسمت بسمة صغيرة ظهرت على محياي بسعادة .. علي أن أنسى ماعشته .. لدي حياة تنتظرني .. لايجب أن أغرق بهمومي أو أن أنشغل بالتفكير مطلقا ..

كان يستمر بإطلاق تعليقاته السخيفة التي كانت تهز جدران ثقتي فلم تكن ردة فعلي سوى أني غادرت موضعي وأنا أتجه نحو ردهة المطبخ.

تناولت فطوري بسرعة ثم عدت إلى غرفتي لأرتبها .. أردت أن أنشغل بأي شيء يصدني عن التفكير وهذا ما أفعله الآن .

وضعت هاتفهي بموضع الشحن ، وبدأت أولا بترتيب سريري وفتح النوافذ أكثر ليدلف الهواء لردهة الغرفة فيحيط بالمكان .

حسنا أنا بالعادة لاأترك أمي تنظف غرفتي لأني أحب أن أنظفها بنفسي .. فكل من زواياها من خصوصيتي ولن أسمح لأمي أن تفتش فيها .. قد تظنون أنني أخفي شيئا عنها ليظهر علي هذا التصرف الأناني .. لكن الفتاة مهما كانت فإنها ببعض الأوقات تحتاج الى الخصوصية .

إنتقلت الى مكتبي الخاص وأزلت كل كتبي لأمسح سطح المكتب . كذلك أزلت الدولاب لأرتب مافيه كان جل مافيه هي الأوراق المبعثرة في كل مكان بعضها لإمتحاناتي وفروضي وبعضها لأفكاري فأنا اكتب أفكاري في الورق حتى لا تضيع لايهم إن كانت تخص الدراسة أو مخططاتي في الحياة المهم أني أكتبها ..

لمحت مذكرتي التي بدأت بكتابتها بالأمس ولم أنهيها بعد لنعترف أن لولا المذكرة لما إستطعت التعرف عليكم ... من يراني سيقول أني مجنونة لأخاطبكم وأكلمكم كما لو أني أعرفكم منذ زمن .

لنعود إلى ماكنت أتحدث عنه ، لمست هذه الأخيرة لأخرجها وأرتب الدولاب وبالفعل أخرجت المذكرة وفجأة سقطت منها ورقة أظنها كانت بداخلها ..

نظرت باستغراب نحو الورقة فلم تكن الورقة كسابقها بل كانت صفراء وكأنها قديمة جدا ومهترئة .. أنا لا أتذكر أني وضعت هذه الورقة بدولابي خصوصا أني لا أقتني الاوراق الصفراء لأكتب فيها ..

زاد إستغرابي أكثر حين تملست ملمسها الذي كان خشنا بطريقة غير مريحة توحي بأن محتواها مهما .. تملك مني الفضول وفتحت محتواها وليتني لم أفتحها ..

" إذا كنتِ ترغبين بمعرفة الحقيقة .. فنحن ننتظركِ .. "

كانت هذه الجملة الغريبة التي صادفتها فور أن فتحت محتوى الورقة بدت وكأنها تخاطبني لكن من كتبها ؟؟ .. كانت حروفها سميكة وداكنة بلون أسود مبتعدة عن بعضها البعض وليست متناسقة ليسهل عليك قرائتها وإنما كانت متفرقة وكأنها كلمات متقاطعة تلمح إلى جملة ما، بدت وكأنها مكتوبة بخط يد طفل صغير في تجربته الأولى في تعلم الكتابة.

شعرت بغرابة الموقف خصوصا أني أشعر أن هذه الكلمات والحروف الغريبة تخصني انا .. بل وكأنها تخاطبني تحديدا .

ومازاد الأمر تعقيدا هو الكلمة الغريبة التي كانت أسفل الجملة وهي الوحيدة المنسقة والمكتوبة بخط واضح ألا وهي "سيفار" ..

سحقا ما الذي يحدث لي ؟؟! ... فور ان نطقت بذلك الإسم ضاق صدري فجأة وبدأت أنفاسي تسلب مني رويدا رويدا وبالكاد أستطيع التنفس لكن هذا لم يدم طويلا حين بدأت الرؤية تضمحل أمامي لأستقبل الظلام من حولي وأفقد الوعي .

🔸🔸🔸🔸

وجدت نفسي في صحراء واسعة ليست قاحلة كما يبدو وإنما ظهرت منها بعض الأعشاب والحشائش الصغيرة المتحجرة في الصخور الكبيرة .

كنت أرى شبيهة نفسي .. حسنا هي أنا بالمختصر لكني حين كنت طفلة ، أراها تمشي برفقة شخص يبدو وكأنه في بداية عقده الرابع لم تكن ملامحه ظاهرة جيدا لكنني لمحت إبتسامته التي كانت موجهة إلي لا ليست لي بل إلى ليان الصغيرة .

شعرت بشيء ما يجذبني نحو ذلك الشخص كما لو أني أعرفه .. حسنا السؤال الآن ! .. من هو ولم أتشبث فيه كما لو أنه والدي ؟؟ ..

_ ليان إستيقظي ..

كان هذا الصوت الصادر من والدتي لكني لم أميّز مكانها بعد .. فتحت عيناي بصعوبة ولم أميز إن كنت لا ازال بالحلم أو أني إستيقظت منه ..

_ ليان إستيقظي..

عاد صوت أمي يدق على أذناي بطريقة جعلتني أعرف اني في الواقع وليس في ذلك الحلم الغريب كما ظننت .

شعرت فجأة بكف أمي على خدي وهي تصفعني بقوة .. حسنا أمي لم يكن داعي لهذه الصفعة .. لقد إستيقظت ! .

لا أكذب أن هذه الصفعة جعلتني أفقه جيدا مما أنا عليه خصوصا الرؤية من حولي .. وجدت نفسي ساقطة على الأرض حيثما فقدت وعيي منذ قليل..

_ الحمدلله أنك إستيقظت .. رميت عليك المياه لكنك لم تستجيبي .. أرى أنك تستجيبين بالضرب .

نظرت إليها بصمت ولم أعقب على كلامها وحينما لاحظت صمتي الطويل قالت :

_ تكلمي مابك ؟ أتحتاجين الى صفعة أخرى للحديث ؟

حسنا أنتم تستغربون من معاملة أمي إلي .. لاداعي لهذا سأوضح لكم نقطة بنقطة لكن ليس دفعة واحدة.. أمي .. أحيانا تكون بالنسبة لي أعظم ما أملكه في هذه الحياة وفي الأحيان الأخرى تكون أسوء من كلمة أم .. لا تتعجبون فأمي - أظنها تعاني من انفصام - ورغم أنها تحمل صفة " الأم " فإنها لاتتصرف كما يجب .. تعاملني بجفاء كما لو أني لست إبنتها .. تغضب ، تسخر ، تتصرف ببرود .. وأحيانا .. طيبة ، حانية ، تهتم بي كما لو اني ابنتها الوحيدة .. أعلم أنكم لم تفهموني . لا بأس ستعرفون هذا بأنفسكم .. رويدا رويدا.

_ أأنتِ بخير بنيتي ؟؟.. - تكلمت بنبرة حانية عكس ماخرج منها منذ قليل-

_ أين أنا .. وماذا حدث ؟

_ في روسيا .. فقدت الوعي من شدة جمالها .

رأيتم ؟ للتو كانت تتصرف بحنو والآن ... بسخرية ..

المهم ..

غادرت أمي الغرفة بعدما إطمأنت علي بإلقائها فيض من الاسئلة التي كانت اجابتها واحدة " هبوط السكر " لا أعلم من أين أتت هذه الكذبة لكني بقيت أتفوه بها أمامها كل الوقت .

فور أن غادرت .. تحركت من موضعي وأنا متجهة نحو دولابي لألتقط مرة أخرى تلك الرسالة الغريبة - من مجهول الهوية - وأحاول تحليلها وترتيب أفكاري المشوشة ..

فتحت الدولاب بلهفة ثم ... سحقا كانت هنا للتو .. أين هي؟! لعلكم ترون ما أراه ..

وجدت الدولاب فارغا و.. خاليا من اي ورقة صغيرة ، صفراء ، مهترئة .. كما لو أنها لم يكن لها وجود .

فتشت في جميع الصفوف وزوايا المكتب وحتى أسفله لعلها سقطت لكن لم اجدها .. غريب كانت هنا قبل لحظات من الذي أخذها . ليس هذا فحسب حتى الكتب والأوراق التي كانت مبعثرة في المكتب وجدتها نظيفة.. مرتبة .. بطريقة غريبة .

إعتقدت أن والدتي لعلها من رتبت هذه الأخيرة و .. ربما صادفت الرسالة بطريقها .

الغريب في الأمر أكثر والذي يدعو الى الرعب .. أن أمي أنكرت أنها نظفت وأكملت ترتيب مكتبي بل قالت : " أنا لم ألمس أغراضك قطٍ .. ولم أقم بترتيبها ولا حتى إلتقيت بما تقولين " ..

صدمة مررت بها آن ذاك.. أنا متأكدة أني أسقطتها بجانبي قبل أن أفقد الوعي .. وأني لم أكمل ترتيب مكتبي الخاص أبدا ، مالذي يحدث لي؟!

بدأ رأسي يؤلمني فجأة لسبب لا أعلمه حين بدأت أفكر بتلك الحادثة ، حاولت ترتيب أفكاري المشوشة فقلت بهمس وانا أتجول في الغرفة .

_ أولا .. المسخ .. الحلم الغريب ثم الرسالة ثم ماذا بعد ؟؟

أكاد أفقد عقلي .. لقد كنت تائهة بطريقة لم أعرف كيف أصنف نفسي من نوع التية .

جلست على حافة السرير وأنا ضائعة .. فجأة جاء في ذهني سؤال كان علي ان أطرحه منذ البداية.

" لم ذلك المسخ المخيف الذي كاد يخنقني في تلك الليلة تفوه بكلمة " سيفار ؟" حسنا .. ماذا أفسر إذن الحلم الذي وجدت نفسي وأنا في الصحراء ؟ والأهم .. الرسالة التي كان عنوانها " سيفار " "

_ سيفار ، سيفار ، سيفار ، سيفار .. مالذي يجري لي ؟ ولم هذه الحوادث والمواقف الغريبة ؟ ولم كلّها تهتف بهذا الإسم ماعلاقته بي؟

شعرت بغرابة الموقف وخصوصا ذلك الضياع الذي زار روحي قبل كياني

فجأة سمعت صوت من خلفي يقطع أفكاري ، وكأنه أتى ليجيب على أسئلتي الملا نهاية .. سحقا للأقدار ، الشخص الذي كنت أهرب منه ، وأمقته كلما ظهر في وجهي أصبحت الآن أستأنس به وأحتاجه أكثر من وقت مضى

_ أتتكلمين بمفردك بدوني ؟

_ "مارجن " - هتفت بلهفة -

_ ماذا ؟ أراكِ قد إشتقت لي ؟!

_ إطلاقا .. لكن أحتاجك .

_ بمن هذه المرة!؟

قال ذلك وهو يقترب من صورتي كانت معلقة على الحائط .

_ لدي بعض الأسئلة ولا أعتقد هناك من سيجيبني عليها سواك .

_ وأخيرا عرفت قيمة وجودي في حياتك ؟!

_ لا تبالغ .. المهم هناك أشياء تحدث معي .. مواقف غريبة أحتاج إلى أجوبتها .

_ ومنذ متى كانت مواقفك طبيعية ؟

_ "مارجن" - قلت وأنا أصر على أسناني -

_ هممم ..

_ كن جدي ولو لثانية فأمري أهم من ذلك الكتاب الذي بيدك والذي تحمله بالمقلوب - قلت بتهكم -

_ حسنا .. توقفي فقط عن مناداتي بذلك الإسم !

_ لم ألا يعجبك .. أنت لم تخبرني بإسمك حتى الآن وحين أطلقت عليك هذا الإسم تلومني ؟

_ ما الأمر؟ - قال وهو يغير الموضوع -

_ بالأمس حدث معي شيء غريب .

_ لم لاتتكلمين فورا لقد بدأت أمل من حديثك بالألغاز .

_ حسنا ، حسنا .. بالبداية ..

بدأت أسرد له كل ما حدث معي منذ الأمس إلى حادثة الرسالة وهو كان صامتا .. بطريقة مرعبة تثير الريبة ، ولأول مرة أراه لم يسخر ، لم يعلق بكلمة سلبية كعادته . كان ينصت لي باهتمام لم أعتد عليه . وحينما أنهيت إلتزم الصمت طويلا لدرجة ظننت أنه لن يجيب إلى أن قال لي شيء غريب لا زلت أتذكره :

_ يبدو أنهم .. يريدونكِ .

_ من هم؟ أنا لم أفهم .

_ لم يحين الوقت بعد لتفهمي كل شيء .. حسنا لنعود الى موضوعنا كيف كان شكل ذلك المسخ ؟

كان سؤاله متفاجئا إلا أنني أجبت وأنا أتذكر شكله الذي لم يغيب عن ذهني ولو ثانية :

_ كان مخيفا .. أسودا وكأنه محروقا في وجهه ، عيناه كانتا كبيرتين عميقتان ، أنفه كان مقطوعا ، يداه طويلتان كان يحاول خنقي وأ..

قاطعني فجأة بسؤاله المفاجئ الذي لم أعرف إلى ماذا أصنفه ؟

_ هو لم يؤذيك صحيح ؟؟

مهتم؟ خائف علي ؟ قلق ؟ لا أعرف كيف أصنف سؤاله الغريب ، نظرت إلى ظله الأسود الذي كان ظبابيا وقلت بعد مدة قصيرة:

_ ربما .. لكنني نجوت بأعجوبة !

_ لايهم كيف نجوتي ، المهم أنك بخير .

صمت مستغربة وأنا احاول أن ألتمس الصدق في كلامه لكنه سبقني بقوله :

_ أنا لست مهتم بك يامختلة .

مرة أخرى .. هاقد عاد إلى سخريته ثم لحظة ؟ إنتبهت إلى آخر ماتفوه به وقلت بغضب :

_ كم مرة أخبرتك أن تتوقف عن مناداتي بهذا اللقب ؟!

_ سأتوقف ذلك إن توقفتي عن مناداتي ب" مارجن "

_ لماذا ؟ أنت رفضت أن تخبرني بإسمك

_ لأنه باب .. وإن اخبرتك به فإني أفتح عليك باب مواربا .. وأنا لا أثق بسهولة بالضيوف .

صمت وانا أستوعب كلامه لكنه لم يمنحني الوقت الكافي للإستيعاب وقال :

_ إجابة على سؤالك .. لم يحن وقته بعد ، ولا أكذب إن قلت اني اعرف لكني لن أخبرك لكن نصيحة لك .. " إن سمعت أو رأيت أي شيء غريب لاتذهبي ورائه "

_ لم؟؟ - تسائلت -

_ أنتِ لاتودين أن تلقي بنفسك بالهاوية صحيح ؟؟

_ أنظرو الآن من يتكلم بالألغاز .. أنا أم أنت؟! - قلت بسخرية-

_ كلانا .. لكن أنت من بدأت أولا .- قال بهدوء-

_ حسنا .. دعنا من هذا الموضوع لدي سؤال آ..

_ كفى .. قلت لك لن تحصلي على الاجابة .

_ لا إنها خارج هذا الموضوع ..

صمت قليلا مستغربا وبدا في صمته كأنه يحاول اختراق عقلي ليعرف ما أقول لكني سبقته وقلت بفضول :

_ لم أنت تخفي شكلك ؟ وتظهر لي بشكل ظلا اسودا ؟ أليس لديك شكل ؟ أأنت قبيح ؟؟

ضحك بشدة وقال :

_ من أين لك بهذه الأفكار ؟؟ - تغيرت نبرته وأردف بثقة وغرور واضح - أنا أوسم مما تتوقعين !

كبحت ضحكتي وقلت بسخرية :

_ إذن لم تخفي هذا الوسام ياسيد ظل؟!

_ .. هناك بعض الأشياء يجب أن تبقى مجهولة .. ولايسعفنا النبش فيها .

_ هذه مقولتي . - قلت بحنق فجأة -

_ تناسبني جدا - قال بنبرة مغرورة -

نظرت له بنظرات مستهزئة وانا اتمتم :

_ مممم .. جنون العظمة

_ مادخل الجنون في الوسط .. وأيضا أنا لست بمجنون . - قال باستغراب-

ضحكت على كلامه الذي بدا جديا فيه بينما هو قال باستغراب:

_ ماذا ؟ هل قلت شيئا مضحكا لتضحكِ؟!

توقفت فجأة عن الضحك ونظرت البه مطولا وبدأت أفكر ..

هو لايعرف اي شيء من مصطلحاتنا .. ايعقل أنه جني؟؟

_ لا. - قال ببرود بعدما قرأ أفكاري -

_ ملاك إذن - قلت بسخرية -

_ ايضا لا .

_ إذن من أنت ؟؟ - قلت بهدوء -

_ بإمكانك أن تعتبريني من نسج خيالك الواسع !

قال ذلك وهو يختفي شيئا فشيئا ويضمحل ظله الأسود ، بينما أنا بقيت بمكاني وعلى غير عادتي كنت أفكر بكلماته الأخيرة .. ماذا لو كان حقا من نسج خيالي ؟ أكنت سأستمر بالعيض في الواقع ام سأستمر بالغوص اكثر ببحر أوهامي ؟

ماذا عنكم ؟ .. ماذا لو كانت حياتكم عبارة عن وهمٍ ، كيف ستكون ردة فعلكم إن إكتشفتم ذلك ؟! .. لكل منا يفضل أن يعيش بعالمه الخاص ، بعض منا يفضل أن يعيش في واقعه على أصوله الخاص وفئة اخرى من الناس تفضل أن تعيش وسط أوهام و خيال بطريقتهم الخاصة .

لكن كلاهما كانا ليحبون العيش حياة تناسبهم بأسلوبهم الخاص .

فإلام تميلون أكثر ؟؟ .. الواقع ؟ أم الخيال ؟ ..

قد تستغربون علاقتي به فأحيانا يتصرف كل واحد منا ببرود قاتل وسخرية لا أكثر ولا أقل .. نتشاجر ، نصرخ .. وفي الأحيان الأخرى ، نعود الى رشدنا .. نتصرف بهدوء ، نتصالح إن كان بيننا شرخ صغير ، نضحك معا ،نتحدث كما لو أننا نعرف بعضنا منذ زمن بعيد

كلانا لايطيق الآخر لكن رغم ذلك ، كل منا إعتاد على الآخر بسبب الأيام التي جمعتنا ولا أعلم أي سبب يدعو لها بأن تجمعني معه !

هذا الشيء غريب صحيح ؟؟ .. لكني إعتدته .

فجأة تطرأت برأسي امرا شغل بالي وكأني إنتبهت له لتوي .. " لم مارجن يتجاهل سؤالي له دوما ؟؟ "

كنت أقصد بكلامي عن سؤالي السابق الذي طرحته عليه " من أنت ؟! " وكان دوما يتجاهله بخلق اجابة أخرى عن الحقيقية ، لطالما تسائلت لم يلاحقني دوما ولم يظهر لي انا تحديدا من بين الجميع وبالطبع اوجهت له هذه الأسئلة اللا منتهاهية

لكنه لايجيب عليها ودوما مايقول لي .. " أن الوقت لم يحن "

أيعقل أن يأتي يوما - لهذا الوقت - أعرف من يكون ؟ .. ومن أين اتى ؟ .. وما إسمه الحقيقي ؟ واخيرا والأهم من كل هذا .. مالذي يريده مني ؟!

إن كان هذا اليوم سيأتي ، فسأنتظره على أحر من الجمر ..

رميت نفسي في السرير وأنا أنظر الى سقف الغرفة في محاولة مني أن اجد ما يشغلني هذا اليوم .. تطرأت برأسي أن ..

صدح فجأة صوت رنين هاتفي.. للتو نسيت أني أملك هاتف ، أمسكته ورأيت الإسم الذي انار الشاشة " فرح " إنها صديقتي الودودة .

_ صباح الخير! - قالت مرحبة -

_ صباح النور .. - قلت ببسمة -

_ كيف حالكِ ؟ يعني أنا اذا لم أتصل بك لاتتصلين ولو مرة؟

_ الحمدلله .. وأيضا لم يكن لدي رصيد لأكلمك .

_ مممم - قالت بتململ وأردفت - المهم بمناسبة الملل مارأيك بالخروج معا

_ فكرة جيدة بالأصل كنت أفكر ماذا أفعل اليوم .

_ حسنا جهزي نفسك ونلتقي عند باب منزلي فأنا أتأخر بتجهيز

أنهيت المكالمة معها وأغلقت الخط بهدوء . بصراحة كنت أحتاج الى هذه النزهة خصوصا أن فرح الوحيدة التي تصدقني من بين كل من حولي ، نعم كما سمعتم .. فرح ليست صديقة عابرة فقط وليست من أولائك الذي ينصتون للآخر بدافع الفضول في البداية ثم ينسحبون حين تتعقد الأمور وتزداد غرابة لا .. فرح كانت دائما تنصت إلي وتهتم بكلامي وحين أقول شيء غريب تتسع عينيها البندقيتين ، لم تكن تسخر بكلامي - كما بعض الناس - ولم تكن تضحك حين أحدثها عن هواجسي أو كوابيسي ، كانت فقط تنصت باهتمام ،لا تقاطع ولا تخبرني بتلك الكلمة السخيفة " تتوهمين" ... كانت الوحيدة التي تصدقني رغم كل من حولي حتى أمي لم تصدقني من أموري الغريبة لكنها هي .. تصدقني .. تنصت لي وهذا ماجعلني أتعلق بها .

أحيانا نحتاج من ينصت إلينا أكثر من أن يسمع كلامنا وينتقدنا ، ينصت ليس بدافع الفضول ، بل بدافع الاهتمام الذي يقطر من عينيه ، لانحتاج للسخرية ولا المقاطعة بل الى الصمت يجعلنا وكأننا نحادث أنفسنا ..

هل لديكم في حياتكم شخص بهذه المواصفات ؟؟

بعد مرور دقائق ، خرجت من المنزل بعدما أخبرت والدتي بمذهبي ، وإتجهت بخطواتي نحو منزل فرح ، إستغرق الوقت نصف ساعة فمنزلها بعيد عن منزلي ببضع أمتار لكن لايستغرق الوقت اكثر من نصف ساعة للوصول الى المكان ، وصلت اخيرا ، ووقفت أمام عتبة الباب ثم .. طرقت بهدوء تذكرت فجأة أنها لن تسمعني فهي تعيش في الطابق الثاني ولن يصل لها صوتي بالتأكيد لذا .. أخذت هاتفي وطفقت في الاتصال بها .

لم تمر دقائق ليست بطويلة إلا وفتح الباب وهي تطل برأسها الصغير البيضوي وعلى شعرها ثبت مايسمى " الاسدال " بلون أزرق السماوي كان يبدو أنه غير مثبت جيدا وهذا ما أكد لي ظنوني بقولها لي :

_ إنتظريني ثواني فقط لأثبته جيدا ..

لم تنتظر مني أن أرد حتى وجدتها تغادر هكذا بكل سهولة وكأنها لاتهتم برأيي بل وكأنها تصل لي الكلام لكنها تنفذ ما برأسها فقط .

خرجت لي وهي ترتدي حجابهت بلون أزرق نيلي يعاكس اللون البارد الذي ثبتته على رأسها بهدوء .

_ أعذريني لقد تأخرت قليلا .. - قالت ذلك وهي تتفقد هاتفها في حقيبتها-

_ قليلا ؟! أكل الوقت الذي أخذته تعتبرينه تأخير صغير ؟! - أجبت بتفاجئ-

_ حسنا أعترف أني بالغت في كلامي - أجابت ببسمة وهي توجه نظرها نحوي -

نظرت لها بيأس وانا أهز رأسي بالإيجاب ، أكملنا السير معا وإنتقلنا الى حديقة ساحتها كبيرة تتموقع فيها بعض المقاعد المريحة للزوار . إقترحت علي فرح أن نتخذ احدى المقاعد ونجلس لنتسامر معا ، بالطبع لم يكن لدي مانع فاتجهنا سويا وجلسنا بهدوء .

كانت السماء صافية بجو جميل أفعمني ببعض النشاط يشابه النشاط الصباحي ، الغيوم البيضاء تتخذ أشكالا عدي تجعلك تغوص بأفكارك حين تقع عينيك على احداها . والشمس الدافئة كانت تختبئ وراء احدى السحب وكأنها تخجل ان تنشر حرارتها في وجوهنا .

نظرت إلى فرح وهي كذلك ثم نطقت أخيرا وقالت لي بهدوء بصوتها الذي يطرب أذناي :

_ تبدين مشرقة اليوم !

إبتسمت بسمة غامضة كلغز يصعب حله وقلت وأنا أنسحب من نظراتها المحللة :

_ ربما حين قررت ببدأ بداية جديدة .. بعيدة عن الكآبة ، عن الوحدة ، التفكير المفرط .. ولا أعلم إن كنت سأنجح بهذه الخدعة .

_ إذا كنت تسمينها خدعة فأنا أرى العكس أرى أن هذا التغيير الايجابي بدأ ينعكس عليك وهذا يظهر على وجهك .

إبتسمت مرة أخر ولم أعقب على كلامها ، ساد الصمت الثقيل بيننا لثانية ثم تكلمت فرح مرة اخرى وهي تقول :

_ صحيح لم تحدثينني ، أهنالك شيء فاتني ؟

جاء بذهني سؤال ترددت بطرحه فقلت :

_ أنتِ لست ترينني كما هم يرونني صحيح؟

_ متى تفهمين يا ليان أنني لا أراكِ بأعينهم ..

كلماتها إطمأنت روحي للمرة الألف جعلتني أشعر وكأنني مكشوفة لكن بأمان طالما هي بقربي ، أيوجد من يجعلنا ان نشعر بهذه المشاعر كلها في آن واحد والأغرب من الشخص ذاته ؟؟

_ هم يرونك غريبة ، معادلة يصعب فهمها .. فينسحبون لكن أنا أراك مختلفة .. أراك أنتِ بطبيعتك واسلوبك الغريب الذي اعتدته ، لست مختلة ولا غريبة كما يعتقدون وإنما .. فتاة ترى أشياء خارج مقدوراتها لكن هذا لايجعل منك أنك مجنونة .. أتفهمين ؟؟

تنفست بعمق ثم حركت رأسي بتفهم بهدوء شديد وأنا افكر بكلامها الصادق ، تنهدت مرة اخرى ولم اعرف بمن أبدأ فقلت :

_ حسنا سأحكي لك كل شيء .. لكني لا أعرف من أين أبدأ !

_ من اي عنصر رغبت به لكن اولا ..

إستدارت الى حقيبتها وأخرجت مشروبين بنكهة الفراولة لا أتذكر متى أحضرتهم ، ناولتني واحدة منها ..

_ خذي .. تذوقيها .

أمسكت المشروب البلاستيكي ولم أفتحها بل انتظرتها وهي تعدل من جلستها تتخذ وضعية جيدة لتنصت إلي ثم فتحت مشروبها وأخذت رشفة منه قليلا حينها ألقت علي ابتسامة لطيفة وكأنها بهذه الطريقة تعطيني إشارة للبدأ .. وبالفعل .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

نداء سيفار

المؤلف Farah Inksoul
2026/06/02 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة