قيود الماضي

قيود الماضي

18 0

استمرت ظلال ذلك اليوم بملاحقتها وبقت آثار تلك الحقيقة راسخة بحياتها ، مات كل ما كان جميلاً بروحها وبقت بقايا روحها البائسة عالقة بجسدها وكانت الحبل الذي يصلها بالحياة.

حتى الآن بعد أن هربت من ذلك العالم.... وبعد أن ابتعدت وتخلت عن هويتها....ورغم مرور السنين إلا أن كوابيسها لم تتعافى من ظلال ذلك اليوم .

" صباح الخير آنسة مايرا ، قهوتك موجودة على المكتب كالعادة"

انتبهت لموظف الاستقبال بالشركة التي تعمل بها ، كان رجلاً في منتصف الأربعينات...خفيف الروح طيب الخلق ويحبه جميع موظفي الشركة لطيبته .

اقتربت منه تشكره على مبادرته اللطيفة:" شكراً يا عم...أود أن أسألك هل أتت السيدة كلارا أم لا ؟.."

" لحسن حظك لم تأتي بعد ولكن نائبتها موجودة هنا منذ ساعة..."

تأففت بضيق وهي تصعد السلالم متوجهة نحو مكتبها ، فقد كانت مديرتها كلارا هي كابوسها الجديد ، لا أدرى ما خطب تلك المرأة معي ؟!...ولكن منذ أن وصلت للشركة وقد بدأت باستهدافي دوناً عن باقي زملائي في الفريق.

والآن مع وجود تلك النائبة إذا لم تستطع كلارا إفساد صباحي ستقوم نائبتها بذلك.

ارتمت على كرسيها تمسك كوب القهوة بيدها وقبل أن تبدأ بالعمل وجدت النائبة كاثرين تطل عليها بنظراتها الحازمة ، وقفت أمامها بثيابها الضيقة المقززة التي تثير غثيانها كل صباح - بحقكم نحن نعمل بدار أزياء لما عليها أن ترى هذه النماذج من انعدام الذوق هنا-

قالت كاثرين بحدة: " مايرا لقد تأخرتِ اليوم ستحصلين على الانذار الرابع لهذا الأسبوع ثم سيتم نقلك من الفريق..."

أغمضت عينيها محاولة تهدئة أعصابها قبل أن تنقض على تلك المرأة ، ردت بكل برودة أعصاب: " حسنا آنسة كاثرين أثق أنكِ والمديرة ستفعلان الأفضل لمصلحة الفريق ..."

بدا أن ردها الهادئ لم يرضى كاثرين لذا انصرفت من أمامها بينما يرن صوت كعبها الثاقب بالمكان.

نظرت حولها وقد كان المكان فارغاً ، لم يأتي أي من زملائها بعد ومع ذلك تلك المرأة اللعينة تلومها لأنها تأخرت خمس دقائق لصعودها السلالم عوضاً عن المصعد.

نظرت إلى مكتبها الفوضوي الذي نادراً ما يكون منظماً ، تلك عادتها عندما تبدأ بالتصميم تحيل كل ما حولها إلى خراب ولكن بالنهاية هي أفضل مصممة بالشركة عملت بهذه الدار لسنه ونصف حتى وصلت الآن لأن تكون مصممة أساسية بأكبر وأهم فريق بالدار.

كان الأمر صعباً وطويلا وسط جو تنافسي والكثير من المتنافسين...ولكنها نجحت.

بدأت بالعمل ومع مرور الوقت بدأ زملاؤها بالحضور وكل من يمر يلقى عليها التحية وهي تردها برسميه ، الشيء الذي لم تنجح به هو توطيد علاقتها مع زملائها ولكنها على الأقل تتبادل معهم التحيات وبين الحين والآخر ربما يجتمعون على العشاء في منزل أحدهم إذا كان لديهم عمل مهم.

كانت حياتها الآن هي الحياة التي حلمت بها قبل 15 عاماً ولكن الآن لا تشعر بلذتها ، لقد انطفأت فقط.

رن صوت كعبها في المكان قبل أن تدخل بشكل درامي كما بطلات الأفلام ، رفع الجميع رؤوسهم لرؤيتها تدخل بحلتها الفاخرة والمبالغ فيها أيضاً ، كانت ترتدي فستانا أسود اللون التصق بجسدها بشدة حتى أبرز منحنيات جسدها بشكل مغري مع كعب أبيض من ماركة ديور المشهورة و عقد من اللؤلؤ يزين رقبتها ويلتف حول كتفيها شال من الفرو الابيض .

فكرت مايرا بينما تنظر لمشرفة الفريق السيدة كلارا التي لم تكن لتصل لهذا المنصب لولا سلطة عائلتها ، كان الفستان جميلاً يناسب جسدها الممشوق ولكنه لا يناسب العمل بكل تأكيد ، هي فقط تتعمد إظهار ثرائها الفاحش بطريقة غبية.

راقبها الجميع بينما تتقدم تلقى نظرات أعينها الزرقاء المتعجرفة بكل مكان حتى وقفت أمام مكتب مايرا.

رفعت مايرا رأسها ناظرةً لها بهدوء دون أن تستقيم ، تنتظر ما ستقوله بكل صبر حتى قالت كلارا مع نظرة دونية لمايرا لطالما اعتادت عليها :" أنتِ أيتها اليتيمة ما كان اسمك ذكريني ؟ "

" مايرا...سيدتي كلارا...."

كان ذلك صوت مساعدتها كاثرين بجانبها ، ابتسمت كلارا بعجرفة أكبر وهي تقول: " أوه أجل مايرا...لطالما اعتقدت أن هذا الاسم الجميل لا يناسبك ..."

صمتت قليلاً ثم أكملت بنبرة حادة:" إلى مكتبي بعد خمس دقائق أيتها ال مايرا..."

بدأت مايرا بتمارين التنفس الخاصة بها التي لطالما نجحت بتهدئة أعصابها وهذا ما تحتاجه هذه اللحظة لأن أي كلمة أخرى من تلك المدللة المتعجرفة ستدفعها للقتل.

نظر لها زملائها بمواساة ورموا لها بعض عبارات التشجيع قبل أن تدخل إلى مكتبها، كانوا مطمئنين نسبياً لأنهم اعتادوا على مثل هذه التصرفات من كلارا ، ورغم كل ما تفعله وما فعلته خلال الأشهر السابقة لم تنجح أبدا بدفع مايرا للطرد من الشركة ، بطريقة ما كانت مايرا تفلت من المؤامرات التي تحيكها كلارا لها وهذا ما زاد حقدها اكثر تجاه المسكينة حتى أصبحت تصرح عن استحقارها لمايرا بكل حرية.

وقفت أمام مكتب كلارا بينما الأخرى تجلس بكل كبرياء وعلى جانبها وقفت مساعدتها كاثرين.

" ال مايرا ...اليتيمة البائسة.. لقد تأخرتي اليوم كالعادة...ستحصلين على الإنذار الرابعة ثم سيتم تحويلك إلى فريق آخر...."

ضحكت كلارا بسخرية ثم أضافت: " ربما سأمنحك توصيتي لنقلك إلى فريق عمال النظافة...لا تقلقي عزيزتي..."

نظرت لها مايرا بهدوء قبل أن تقول: " حسنا سيدة كلارا أؤمن بأنك تقررين الافضل للفريق...."

تجهمت كلارا وشدت على أسنانها بغيظ ، كان برود تلك الفتاة وهدوئها يدفعها للانفجار... ردها الهادئ سلبها متعة السخرية منها..

سحقا لها.

كانت مايرا على وشك الذهاب بعد أن رأت بأن الأمر قد انتهى.

" انتظري أيتها البائسة...لم انتهِ من حديثي بعد..."

أشارت كلارا بيدها لتتقدم كاثرين وتضع بعض الأوراق على المكتب.... أخذت مايرا الأوراق ، وجدت أنها مجموعة التصاميم التي كانت مغلقة بإحكام بدرج مكتبها.

غضبت ، كيف استطاعت الحصول عليها وهي متأكدة بأنها تأخذ مفتاح الدرج معها دائما ؟!.

بدأت كلارا بالحديث:" ربما قد اعفو عنكِ واتجاهل تقصيرك الواضح.... ولكن أزيلي اسمك من التصاميم وسلميها لي... على أي حال لن يصدق أحد بأن وضيعة مثلك قد تصمم هذه التحف..."

كانت مايرا تضيف اسمها بشكل معقد بأي تصميم تقوم به وإزالة الاسم سيفسد التصميم ولن يستطيع أحد إعادته بذات التفاصيل، فعلت ذلك لكي تحفظ حقوقها ،ولكن رغم ذلك استطاعت تلك اللعينة الحصول عليها.

انفجرت مايرا بكلارا بصوت عال وصل لخارج المكتب: " انظري إلي جيداً أيتها الساقطة المدللة... ربما وصلتي لهذا المنصب بنفوذ عائلتك...صبرت عليكِ وعلى عجرفتك وحقارتك لأشهر... ولكن إلى هنا وطفح الكيل...لا تحلمي أبدا بامتلاك موهبتي بالتصميم...مدللة مثلك لن تكون ذات قيمة دون الاعتماد على عائلتها...."

احمر وجه كلارا من الغضب ، نهضت بسرعة تريد الانقضاض على مايرا وقتلها ، : " كيف تجرئين أيتها ال...؟"

قاطعتها مايرا بلهجة حادة: " ستصلك رسالة الاستقالة خلال دقائق..لم أعد أتحمل رؤية وجهك المصطنع إثر عمليات التجميل

أكثر من هذا... إن هذا يؤلم عيناي حقاً..."

وهنا انفجرت كلارا أكثر وهي تسبها ولكن مايرا لم تهتم وخرجت من المكتب بعد أن أخذت تصاميمها معها.

" تلك الحقيرة أنا لم اقم سوى بحقن لشفاهي... أليس كذلك كاثرين؟...."

لطالما رأى الجميع بأن ملامح كلارا وجسدها ما هو إلا حُقن تجميلية وسيليكون اصطناعي ، ولكن لم يكن أحد ليتجرأ على الاعتراف كما فعلت مايرا منذ قليل .

تلقت مايرا موجة من الاعتراضات حول استقالتها ، لم يرد زملائها انسحابها بهذا الشكل ولكنها كانت حاسمة بقرارها هذه المرة ، لذا لم يكن بوسعهم سوى إقامة حفلة بسيطة غداً لتوديعها .

كانت تلك الحفلة بمثابة إنعاش لروحها الميته ، فرصة لتجربة مشاعر جديدة ، رغم كل شيء اتضح بأن هناك فرصة لأن يهتم بها الآخرون ولكنها فقط من كانت تحول دون ذلك.

صنعت لنفسها قوقعة بعيداً عن باقي البشر ، ظلت وحيدة مع ذكرياتها وألمها وبالنهاية كانت تتساءل لماذا الوحدة موحشة هكذا ؟!

ولكن الآن مع ضحكات الجميع هنا مع كلامهم اللطيف وتوديعهم الحار....ستعمل على التقاط صورة ذهنية لكل هذا ، وستعتز بها كأفضل لحظات حياتها التعيسة.

يمكنها الحياة على مجرد الذكريات ولن تحتاج للخروج من قوقعتها.

──────────

" مايرا لما أنتي شاردة ؟... أنتي صاحبة الحفلة يا فتاة قفي واستمتعي قليلاً..."

سحبتها زميلتها نحو باقي الزملاء المتجمهرين يضحكون ويمزحون واتضح أنه حتى بحفلتها قد ناءت بنفسها عن الجميع ، عرض أحدهم تشغيل الاغاني والرقص وارتفعت صيحات الموافقة من الجميع.

نظرت إليهم وهم يرقصون بفرح وعشوائية مضحكة ، ضحكت من كل قلبها...، ماذا لو يمكنها فقط بأن تتظاهر بأنها شخص جديد لدقائق؟....ماذا لو تنسى التعاسة والألم والكوابيس لهذه اللحظة ؟

اندفعت مايرا وسط الراقصين وبدأت ترقص بعشوائية لأنها لا تجيد الرقص ولكنها كانت تشعر بالسعادة ، أغمضت عينيها وبدأت الموسيقى والحماس يغمران جسدها.

وقف الحاضرون ينظرون لها بصدمة ، أحست بذلك..فتحت عينيها وقالت بمرح: " ما الأمر يا رفاق ؟ إنه حفل تخلصي من اللعينة كلارا...يتوجب علي الرقص بعد كل شيء..."

ضحك الجميع وعادت الأجواء إلى متعتها مرة أخرى والأهم لقد عادت السعادة لها حتى لو لفترة قصيرة ولكنها ستعتز بها دائماً ،

فلربما في المستقبل لن تكون سعيدة ولكن على الأقل ستتذكر بأنها كانت سعيدة اليوم.

──────────

أحيانا أهم قرارات حياتك لا تأتي بعد تخطيط بل إنها فقط تندفع بذهنك تنتظر منك التمسك بها ، وهذا ما فعلته... فجأة استيقظت بمنتصف الليل وقالت لنفسها: " لماذا لا ابدأ حياة جديدة ؟ لماذا لا أتنفس براحة ؟...لقد تخلصت من القيود... لماذا أشعر بأنني ما زلت سجينة الماضي ؟ "

كان قد مضى أسبوع على استقالتها وكانت تشعر بالفراغ الشديد ، هذا الفراغ منحها الفرصة للتفكير بنفسها وحياتها...منحها شجاعة لاتخاذ القرار.

واجل قررت ، ستعيش من جديد كأنما ولدت بالأمس... إيفا هي من كانت حياتها تعيسة وقد ماتت....لما عليها كمايرا أن تجر أذيال ماضيها ؟... يمكنها كسر القوقعة والبدء من جديد.

قررت بيع منزلها واستئجار منزل جديد بمدينة جديدة والحصول على وظيفة جديدة... وأن تولد كشخصية جديدة.

بدأت القيود التي كانت تغلغلها بالانكسار ، تبقى فقط الخروج من السجن.

" أنا متأكدة...كل شيء سيتحسن حالما أخرج من هذه المدينة..."

تواصلت مع شركة عقارات وعرضت منزلها للبيع وبحثت عن منزل جديد للاستئجار بمدينة أخرى ، ووجدته...كان كل شيء يسير سلساً بشكل جعل الخوف يندفع لقلبها... ماذا فقط لو لم تستطع النجاح بعد كل شيء ؟...هي تؤمن بأن حظها التعيس سيتدخل باللحظة الأخيرة ويفسد كل شيء.

وقد كان.

كانت متوجهة لمنزلها بأحد الأيام الضبابية ، تمشى على الرصيف

بكل هدوء ، فجأة التفتت ووجدت ضوء مسرع قادم باتجاهها...لم تقم برد فعل فقد فات الأوان...صدمتها شاحنة ورمتها على قارعة الطريق غارقة بدمائها.

بكت من القهر والألم... شعرت بكل الظلم الذي بالعالم يتجمع بأعماق قلبها...لماذا فقط لماذا عندما قررت الحياة يحدث لها هذا ؟... كأن قوى العالم تتكابل عليها لتحطيمها.

لم تمت باللحظات التي تمنت بها الموت ولكن عندما أرادت الحياة من جديد قُدر لها الموت بأقسى الطرق.

ضحايا حوادث الطريق لا يتذكرهم أحد إنهم فقط مجرد رقم موجود بإحصائيات للحوادث ، فالناس يموتون مرتين عندما تنتقل روحهم إلى السماء وعندما ينساهم اقربائهم.

وهي لا تمتلك من يتذكرها ويبكى على فرقاها... ستموت ولن يتذكر أحد ايفا أو مايرا .

شعرت بالقهر أكثر وتمنت لو أن سائق الشاحنة قد مات معها... بآخر مقدار قوة ظلت لديها نظرت إلى الشاحنة...انقشع الضباب بتلك اللحظة لتشعر كأن صاعقة كهربية قد ضربتها .

كان شعار عائلتها موجود على جانب الشاحنة....خدر الألم حواسها ولكن ذلك لم يمنع دموع القهر من النزول.

الآن لقد فهمت كل شيء...ذلك العجوز تعمد قتلها.... أراد منها أن تموت منتحرة كإيفا كي يبتعد عن الشبهات وخدعها بوهم الحياة الجديدة....أتراه كان يخطط طوال الوقت لقتلها ولكن كان ينتظر الوقت المناسب....حينما تموت ولن يهتم أحد بالتحقيق في قضيتها.

وهي بكل غباء وثقت به وصدقته... حدث كل هذا لأنها فقط قررت الخروج من سجنها....لو أنها ظلت سجينة لربما عاشت لفترة أطول.

بكت كما لم تبكِ من قبل إن الظلم هو أسوأ ما قد يتعرض له الإنسان على الإطلاق.

أغلقت عيناها باستسلام لنهايتها ولكن قلبها الخائن مازال يتعلق بالأمل وبأعماق قلبها كانت أمنية تلح وتريد الخروج:

" لو أن هناك فرصة أخرى فقط.... لعشت الحياة كما يحب أن أعيش "

──────────

كااااااات يا فنان

دمتم في رعاية الله 🤍 🤍

وسلام

سلام

سلام

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لعبة شطرنج مع الشيطان

المؤلف Mj Mj
2026/06/01 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة