في مكتب يغلفه الظلام، جلس أليكسو مقابلاً لمكتبه، عينيه تحرقان المكان بصمت.
قطع صوته البارد سكون الغرفة:
"هل أنت متأكد أنهم بدأوا بتتبع أثرنا؟"
ارتجف فرانس، صوته متلعثم:
"نعم، سيدي… تحرّيت بدقة، وتأكدت أنهم وصلوا لطرف الخيط بسرعة… يبدو أنهم جادون."
انبسطت قبضته على الطاولة، وعروق رقبته برزت من شدة الغضب، بينما يحاول كتم انفجار داخله:
"أنت تعرف حجم المشكلة، فرانس… كل ما بنيته
وأخفيته طوال السنوات قد ينهار بسبب غبائكم اللعين."
تنهد فرانس، ينحني قليلًا:
"أعلم، سيدي… ولكن الكارثة الحقيقية ستكون لو علمت الآنسة ليورا."
تراجع أليكسو على ظهره، يمسك رأسه بيده، عيناه تحملان غضبًا وكآبة في آن واحد:
"صحيح… فرانس، هذه ستكون بداية حرب جديدة."
صمت لحظة، ثم وضع كفه على الطاولة، ونظر إلى فرانس بعينين حادّتين:
"استمع جيدًا… أي خطأ، أي حركة غير محسوبة، ستكون نهايتك. أفهمت؟"
أومأ فرانس بسرعة، يرتجف:
"نعم، سيدي… أفهم."
في مكان آخر بعيداً عن هذا الهدوء…
مكان الفوضى هي عنوانه.
وعند قول الفوضى… نقول ليورا، زعيمة آل كراين.
في أحد المستودعات المهجورة على أطراف إيطاليا،
لا شيء يُسمع سوى أنفاس متقطعة… وصوت دم يقطر على أرض باردة لا ترحم.
يطوق الحراس المكان من كل جانب، بدلاتهم سوداء كالليل، وأسلحتهم جاهزة لأمر لن يتأخر.
في الداخل…
ثلاثة رجال مكبّلون.
آثار الجروح على أجسادهم تحكي ما لم تحكه ألسنتهم بعد.
وأمامهم…
وقفت ليورا كراين.
لا تتحرك. لا تتكلم.
فقط تنظر.
شعرها الأحمر الناري يشتعل كغضب تحتجزه بصعوبة…
وعيناها تمسحهم واحداً واحداً، بهدوء من يعرف أنه يملك الوقت كله.
قاطع صوتها البارد صمت المكان:
"لقد قاطعتم فطوري… وما زلتم لا تتكلمون."
توقفت لحظة، وكأنها تتذوق صمتهم.
"أليس كذلك؟"
حوّلت نظرها نحو لوكا، ذراعها الأيمن والظل الذي لا يفارقها. ونظرة استمتاع رسمت طريقها على ملامحها الباردة:
"لوكا… برأيك، ماذا يجب أن نفعل بهم؟"
أدار لوكا نظره نحو ساعته بهدوء، كأن الأمر لا يستحق أكثر من لحظة تفكير:
"من ناحيتي، الوقت متاح للتعذيب… لكنني أظن أنك أولى بهم. لم تستمتعي منذ وقت طويل."
ابتسمت ليورا.
عيناها الزرقاوان تجوبان المكان بمكر لا يخطئه أحد.
"يعجبني ذكاؤك، لوكا."
التفتت نحو الحارس عند الباب، وصوتها جاء هادئاً كسكين مسلول:
"أحضر المعدات…"
توقفت، وابتسامتها لم تغادر شفتيها:
"لدينا عمل طويل."
نظرت ليورا إلى المعدات المصفوفة أمامها، وأدارتها بأصابعها باهتمام حقيقي:
"حسناً… هذه المعدات تبدو جميلة جداً. ما ظرافتها؟"
تنهّد لوكا بصبر نافد:
"يبدو أن مفهومك للظرافة مختلف قليلاً… سيدتي."
قهقهت ليورا، وصوتها عذب يملأ المكان كأنها في حفلة لا في مستودع.
ثم توقفت فجأة.
واتجهت نحو الرجل الأول بخطوات هادئة.
"بما أنك لا تتكلم…" قالت وهي تنحني قليلاً لتنظر في عينيه، "فلا بد أنك لا تحتاج لسانك."
صرخة مزّقت صمت المكان.
والدماء… لم تكترث لملابسها.
نظرت إلى يدها بلا مبالاة، كمن قطع شيئاً لا قيمة له، ثم رفعت رأسها نحو الآخرين:
"دينغ دونغ…"
ابتسمت.
"من دوره الآن يا ترى؟"
في السيارة…
لوكا يقود بصمت، وليورا في المقعد الخلفي، عيناها تتأمل الطريق بلا مبالاة.
قطع لوكا الصمت بنبرة حذرة:
"سيدتي… لن يسعد والدك أليكسو بما سيسمعه."
"لماذا؟" قالت دون أن تحوّل نظرها عن النافذة. "هل لأنني أرسلت هدية ظريفة لمافيا اليابان؟"
"ظريفة؟!"
"حسناً… ليست ظريفة كثيراً. مجرد صندوق فيه ثلاث جثث… وظرف فيه ثلاثة ألسنة… مع رسالة جميلة جداً."
"تقصدين بالرسالة… تباً لكم؟"
"هذا ما يستحقونه يا لوكا." قالت بحسم، ثم أدارت رأسها نحوه. "اتركنا منهم الآن، وأخبرني بآخر المستجدات."
تنهّد لوكا:
"لا شيء سوى أن الشخص الذي تتبّعك الأسبوع الماضي… كان بأمر والدك. وقد زاره اليوم… فرانس."
صمتت ليورا.
ثم قالت بهدوء لا يخلو من ثقل:
"سنعرف الأمر…"
نظرت للأمام، وعيناها تضيقان:
"لا شيء يبقى مدفوناً للأبد."
وقفت ليورا أمام الباب، والدماء لا تزال تغطيها كلوحة لم تجف بعد.
بجانبها لوكا صامت كعادته:
"ألن ندخل، سيدتي؟"
"سندخل… لكن تخيّل أن نجد زعيم مافيا اليابان جالساً يشكو لوالدي."
ثم قهقهت.
ابتسم لوكا ابتسامة لم تبلغ عينيه:
"أتمنى ألا يحصل ذلك."
"هيا… فلندخل."
ما إن فُتح الباب حتى استقبلها برود أثقل من
الهواء.
أليكسو واقف في منتصف الردهة، يداه في جيبيه، وعيناه تجوبانها من رأسها حتى قدميها.
"ليورا… ما معنى إرسال الهدايا لأعدائنا؟"
"لا أصدق كم سرعة علمت. هيا اعترف… هل تضع عليّ جواسيس؟"
"ليورا." تنهّد. "أخبرتك مراراً ألا ترسلي الهدايا في صناديق فخمة. المرة القادمة ضعيها في طائرة لتمطر عليهم."
"لم أكن أعلم أنك بهذا الذكاء يا أبي."
"اتركينا من السخرية. فلنتناول الفطور."
"أين ليوكاردو؟"
"تــداااا!" نزل ليوكاردو من الدرج بابتسامة لا تبشر بخير. "سمعت اسمي! ماذا كنتما تتحدثان عني؟"
"كنا نتحدث عن إحدى عاهراتك."
"هاهاها، أنت مضحكة يا ليورا."
قاطعهما أليكسو:
"اجلسا. أو أقسم لن تنهضا طوال حياتكما."
غرفة الطعام تغمرها إضاءة دافئة تتناقض مع برود من يجلسون فيها.
في رأس الطاولة جلس أليكسو، كما هو دائماً… في المركز.
عن يمينه ليوكاردو. وعن يساره ليورا، والدماء التي لم تكلّف نفسها تغييرها.
الخدم يتحركون في صمت، لا صوت إلا صوت الأدوات.
قطع أليكسو الهدوء:
"ماذا حدث بشأن الشحنة المتجهة للبرازيل يا ليوكاردو؟"
"كل شيء على ما يرام."
"وأنت يا ليورا؟ هل استعدت الشحنة؟"
رفعت رأسها، وعيناها تلمعان:
"تمّت استعادة كل شيء… بل أضعاف ذلك."