#مقتبس من الفصل:
"لم يدرك أحد معنى العطاء المتأخر، وهل هو صادق أم مجرد خداع؟ هل يمكن ليد أن تداوي جرحًا بعد أن كانت هي من تسببت فيه؟"
********************
كانت عقارب الساعة قد تجاوزت منتصف الليل ببرود، حينما كان الشاب، الذي لُقب بـ "تستاردو"، يجلس على سريره المتهالك، يحدق في الجدار المقابل له كعادته.
لم يكن ذلك الجدار مجرد حائط من الطوب والجبس، بل كان مرآة تعكس سنوات من الصمت المطبق، والوحدة القاسية، والآلام التي حفرت أخاديدها في روحه.
كان هذا الوقت، بعد أن ينام العالم وتتلاشى ضوضاء النهار، هو مملكته الخاصة، حيث يتسنى له التأمل في فوضى حياته، وفي الكدمات التي وشمت وجهه النحيل، لتصبح جزءًا لا يتجزأ من هويته، شاهدة صامتة على معارك لا تنتهي.
فجأة، وكأن القدر يرفض أن يمنحه لحظة سلام، اخترق سكون الليل صوت طرقات خافتة على باب غرفته.
طرقات اعتادها، طرقات تحمل في طياتها دائمًا نذير شؤم.
لم يهتز له ساكن، فقد أصبح جسده وعقله حصنًا منيعًا ضد أي مفاجأة، أو بالأحرى، ضد أي ألم جديد.
بصوت خفيض، بالكاد يسمع، أجاب: "قادم."
نهض تستاردو ببطء شديد، كأن كل حركة تتطلب منه جهدًا هائلاً، أو كأن جسده قد اعتاد على ثقل الأيام.
اتجه نحو الباب، وفتحه.
لم يكن المشهد مفاجئًا، بل كان تكرارًا مؤلمًا لواقع اعتاده.
كان الوجه المتهجم ذاته، الذي يحمل سمات القسوة والعبوس، يطل عليه من خلف العتبة.
وجه والده لم يعد تستاردو يرى فيه ملامح الأبوة، بل مجرد قناع يرتديه جلاده اليومي.
الكدمات الزرقاء والبنفسجية التي لطخت وجنتيه لم تعد تثير فيه أي رد فعل، فقد أصبحت جزءًا من منظره المألوف، كأنها أوسمة شرف على صدر محارب خسر كل معاركه.
دون مقدمات، ودون أن ينتظر إذنًا، اقتحم الأب الغرفة، يدنس بوجوده المفعم بالغضب جنة تستاردو الوحيدة، ملاذه الأخير من صخب العالم الخارجي.
جلس الأب على طرف السرير، الذي بدا وكأنه يئن تحت وطأة ثقله، أو ربما تحت وطأة الكلمات التي كانت على وشك أن تنطلق.
زفر تستاردو بملل ظاهر، لكنه كان مللاً يخبئ وراءه يأسًا عميقًا.
اتجه نحو المقعد الخشبي البالي الذي يواجه السرير، وجلس عليه، مستعدًا لجولة جديدة من الاتهامات واللوم.
"أعدت افتعال المشاجرات مجددًا؟"
سأل الأب بصوت خشن، يقطر سخرية وازدراء.
رفع تستاردو رأسه، عيناه الداكنتان تحملان تحديًا خفيًا، أو ربما استسلامًا مقنعًا.
"أجل، فعلتها مرة أخرى. هل لديك مانع، يا سيدي؟"
كانت كلماته حادة، كشفرة باردة، تقطع أي أمل في حوار هادئ.اتسعت عينا الأب بعصبية، وتصلبت ملامحه.
"لا جدوى من فضائي مثلك أن يدرك معنى حديثي!"
صرخ الأب، وكأن كل كلمة كانت سوطًا يجلد به روح تستاردو.
لم ينكر تستاردو في قرارة نفسه أن سهمًا حادًا قد أصاب قلبه، وأن الكلمات قد اخترقت دروعه الواهية.
لكنه، كعادته، أظهر عكس ما يشعر به.
رفع حاجبيه ببرود، وكأن الأمر لا يعنيه، وكأن قلبه لم يتمزق للتو.
تنهد الأب بعمق، تنهيدة بدت وكأنها مزيج من الغضب واليأس.
"حسنًا، تستاردو! لم يعد يهمني ما عدت تفعله! أنا ووالدتك ذاهبان إلى الخارج لبعض الوقت، لن نتأخر."
كانت هذه الجملة، رغم قسوتها، تحمل مفاجأة غير متوقعة.
"تستاردو"
! لم ينادِ الأب ابنه بهذا الاسم إلا نادرًا، في لحظات نادرة من الهدوء أو ربما الندم.
كان الاسم يتردد في أذن تستاردو كصدى بعيد، يحمل معه ذكريات باهتة لطفولة لم يعرفها قط.
عجز لسان تستاردو عن النطق، عن السؤال عن سبب هذا التغير المفاجئ في نبرة والده.
قبل أن يغادر الأب الغرفة، توقف عند الباب، ومد يده ببطء، ولمس كتف تستاردو. كانت لمسة خفيفة، لكنها كانت كصاعقة اخترقت جسده.
ثم قال بصوت أكثر هدوءًا، صوت لم يعتده تستاردو من والده:
"افعل ما يحلو لك، تستاردو!"
نظر تستاردو إلى والده وهو يغادر، وصوت حذائه الثقيل هو الوحيد الذي كان يعلو في الغرفة، يخترق الصمت الذي كان قد استقر فيها كغطاء ثقيل.
كان الصوت يتلاشى تدريجيًا، تاركًا وراءه فراغًا أكبر من ذي قبل.
تحركت أنامل تستاردو ببطء نحو كتفه، حيث تركت أنامل والده علامة خفية، كأنها وشم جديد على جسده المثقل بالجراح.
"لقد لمس كتفي!"
همس تستاردو لنفسه، وكأن الكلمات كانت غريبة على لسانه.
"لقد ناداني باسمي!"
بقي تستاردو جامدًا في مكانه، كتمثال من الشمع، يحاول تحليل الأحداث الغريبة التي وقعت للتو.
لم يكن هناك منطق، لم يكن هناك تفسير.
كانت لمسة الأب، ونداؤه باسمه، كقطعة أحجية لا تتناسب مع الصورة الكبيرة التي رسمها لحياته.
هل كانت هذه بداية لتغيير؟ أم مجرد خدعة جديدة؟مرت ساعتان، وتستاردو لا يزال تحت تأثير الصدمة.
لم يدرك أحد معنى العطاء المتأخر، وهل هو صادق أم مجرد خداع؟ هل يمكن ليد أن تداوي جرحًا بعد أن كانت هي من تسببت فيه؟ كانت هذه الأسئلة تدور في ذهنه، بلا إجابة، بلا أمل.
كان الليل يتقدم، وظلاله تتراقص على الجدران، كأنها أرواح الماضي، تهمس له بحكايات لم تكتمل.
لكن هذه المرة، كانت الظلال تحمل شيئًا مختلفًا، شيئًا غامضًا، كأنها تخبئ سرًا لم يكشف بعد.
فجأة، انتبه تستاردو إلى شيء لم يلاحظه من قبل.
على طرف السرير، حيث كان والده يجلس، كانت هناك ورقة مطوية بعناية.
لم تكن هناك من قبل.
مد يده المرتعشة، والتقطها.
فتحها ببطء، وكأنها تحمل سر الكون.
كانت رسالة قصيرة، مكتوبة بخط والده، الذي كان يعرفه جيدًا.
"تستاردو،لا تظن أن ندائي لاسمك أو لمستي لكتفك كانت صحوة ضمير أو حنيناً مفاجئاً، بل كانت مجرد وداع لجسدٍ ميتٍ يسكن بيتي."
"أرحل الآن لأنني لم أعد أطيق رؤية فشلي متجسداً في وجهك الشاحب وكدماتك التي تتباهى بها كأنها إنجازات."
"غادرتُ لأبحث عن حياة لا تذكرني بوجودك، فافعل ما يحلو لك.. لم يعد لك أبٌ ينتظر منك شيئاً، ولم يعد لي ابنٌ يستحق الالتفات."
تجمدت عينا تستاردو على الكلمات، لم تعد صدمة، بل كانت طعنة باردة اخترقت ما تبقى من روحه.
"جسد ميت يسكن بيتي"، "فشلي متجسداً في وجهك". كانت الكلمات تتراقص أمامه كشياطين صغيرة، تنهش في كبريائه المتهالك.
لم يكن هناك خوف، ولا ندم، ولا حتى حب لم يجد طريقه. كان هناك فراغ، فراغ أعمق من أي وقت مضى.
نظر إلى الورقة مرة أخرى، ثم إلى الباب الذي خرج منه والده.
كان الصمت هذه المرة ليس صمت وداع، بل صمت موت. أدرك تستاردو أن والده لم يذهب "لبعض الوقت"، بل ذهب ليقتله مرة أخرى، بكلمات حادة كشفرة. كانت تلك اللمسة، وتلك الكلمات، هي رصاصة الرحمة الأخيرة، التي لم ترحم.
العطاء المتأخر، لم يكن عطاءً، بل كان سمًا بطيئًا، ترك أثرًا لا يمحى، كجرح غائر في قلبه الذي لم يعد ينبض إلا بالألم.
Nawal Mahmoud