قسوة الوحدة

قسوة الوحدة

17 0

قسوة الوحدة


الوحدة قاسية.


لا يوجد ما هو أقسى على الإنسان منها، أن يضل وحيداً، لا أب بجانبه يحدثه، لا أم تحنو عليه، ولا أخوه يتشاجر معهم، ولا أخوات يأمرهن بأوامره التي لا تنتهي، هذه تغسل ثيابي، هذه تجهز لي طعامي، هذه تنظف لي غرفتي ذات الرائحة الكريهة والمساحة الضيقة، المتعفنة.


لم يعد لي أصدقاء الا أصدقاء المعهد، وهم لا يزيدون عن اثنين، فقراء، بل أفقر منى، معقدون بل أكثر تعقيداً مني، مجانين بل أكثر جنوناً مني، وحيدون رغم أنهم يعيشون مع أسرهم، إلا أنها أسر بغيضة، يحكمها أباء أكثر بغضاً من والدي.


كنت اقضى وقتي بين أحلام اليقظة والذكريات وأنا مستلق على فراشي الإسفنجي المهترئ الذي أصبح زوجتي بعد أن شققته في الوسط وأجتهد عليه واسكب في فرجه مياهي الشابة.


جدران الدكان مليئة بصور المطربات ولا يوجد فنان واحد، ربما لعشقي للإناث، ولم أستطيع أن أعيش ليلة واحدة من دون أن التفكير بالنساء متخيلا الشق في فرش الاسفنج فرجا لأحد النساء وأني أفتك به، والمعهد وفتياته، وتساهلهن مع الشباب، قدرتهن على التحدث لساعات معهم دون حرج، رغم أنهن في خارجه يبدين متزمتات.


فاتن وحديثها المتواصل مع عزيز، بشرى ونكاتها المرحة داخل المحاضرة وخارجها، وفائزة وأسئلتها التي لا تنتهي، كلهن جميلات، كلهن منفتحات داخل المعهد، كلهن متزمتات خارجه، والوحدة هي رفيقي الدائم، لا صديق إلا الدكان وجدرانه، ومطرباته، ولا رفيقه إلا السيجارة.


كم أشتاق للبيت الدفيء، والأسرة المرحة، وكم أحلم بأن أجد في صحراء الجليد هذه، كوخا من مكعبات الثلج داخله صديق، كأس شاي، لفافة تبغ، كم أكره الوحدة، أحلم بكل النساء المعلقات على الجدار وهن يخرجن إلى ويحدثنني ويطول الحديث لأكتشف نفسي في النهاية وقد أصبحت كالمجانين. الحديث لذيذ، ولكنه من طرف واحد، كأني معتوه يظل طول يومه يهذي بلا فائدة.


في الشارع أهذي، في الدكان أهذي، في المعهد أهذي لكن بصمت، بيني وبين نفسي، والان هنا في الدكان أهذي مع مطربة جميلة أتغزل في جمالها وأتخيلها تحدثني، هنا في الدكان تخرج من الصورة المعلقة ميادة الحناوي وتغنى لي وهي واقفة في منتصف الدكان، أتخيل أي فتاة من فتيات وهي تتعرى، ترقص عارية، وتستخدم أقلام السبورة الكبيرة استخدامات مثيرة، تخيلاتي شهوانية، ومع ذلك لا يلتفت إلى أحد، كأني لا شيء، كأني خيال.


وما زلت غارقا في وحدتي، شبح أنا، لست أدرى، متى تنتهي هذه الوحدة القاسية، متى، متى.


قدماي يغذان السير، وكمية من الكتب والملازم والدفتر الضخم تحت إبطي الأيمن، ومنتصف كل نهار تبدأ المحاضرة في المعهد الوطني للعلوم الإدارية، لدينا دكتور بغيض يرفض دخول أي طالب بعد أن يدخل هو، ربما لا يعرف أن بعض الطلاب لا يملكون ثمن أجرة باص وهم كثر على الأرجح. أنا منهم، كل يوم، كل يوم.


ومنذ أن استطعت التسجيل في المعهد قبل شهر ونصف، وما أن أكمل الغداء حتى ألبس ثيابي وأهرول في شوارع العاصمة إلى المعهد، سريعا، سريعا، عسى أن أصل قبل الدكتور وإلا لن أدخل مطلقا وذهب تعب الهرولة دون فائدة، دون فائدة.


كانت الطرقات قد أصبحت تعرف طعم قدماي، بالحذاء البلاستيكي القاسي، الرخيص الذي يخدش الإسفلت، بدلا من أن يخدشه الإسفلت، كانت الطرقات تعرفهما تماما مهرولتين عند الذهاب ومتمهلتين عند الإياب. رغم عدم وجود عمل امتهنه، ورغم أني لم أجد خلال الشهر والنصف الماضي وظيفة ما إلا أني فضلت الدراسة في المعهد نهارا عسى أن أجد عملا يوما ما، خلال السنتين القادمتين، أعمل في الصباح وأدرس في المساء، وأصرف على نفسي مما أكسبه ولكني لم أبحث عن عمل بشكل جدي، أسهر إلى ساعات متأخرة من الليل وأنام إلى ما بعد أذان الظهر، ولم يكن هناك أملا أن أجد عمل في الشهور القادمة أو في السنين القادمة.


وسخرت من نفسي قائلا:



كان الهدوء، الحركة البطيئة، الغباء المستتر، التمهل يجعلني بعيدا كل البعد عن الفوز بوظيفة ما. ووصلت إلى المعهد، وهمي الأول هي الدخول في تخصص المحاسبة، وعسى أفوز بوظيفة ما عند التخرج، من تخرج، إلى تخرج ولا يبدو أن هناك أملا في العيش، النجاح، الفوز بعمل ما، لكن هذا ما أخبرني به العديد من الطلبة في المعهد أن تخصص المحاسبة مطلوب بشكل كبير في سوق العمل، وكنت أرفض تماما فكرة التخصص في السكرتارية زاعما أن هذا التخصص للفتيات فقط، أما الآن فما زلت أدور كالثور في كل التخصصات ولن أفوز بإحداها إلا في السنة الثانية رغم أني أركز على المحاسبة.


المعهد أصبح على مرمى النظر، والمحاضرة ستبدأ بعد خمس دقائق على الأكثر وأسرعت خطاي بكل ما أحمله من ملازم وكتب ودفاتر، والسيارات تنهب الطرقات، والعديد منها تتوقف على بوابة المعهد لينزل منها الطلاب والطالبات واندفعت مع جموع الطلاب من باب المعهد مسرعا إلى الداخل يسابق الطلاب والطالبات.


وكأني أقول لهم:


حتى لو أتيتم على سياراتكم فما زلت أملك قدمين يسابقان الريح.


ومع آخر دقيقة من الساعة الثالثة عصرا دخلت إلى قاعة المحاضرة وجلست على الكرسي المعتاد ليلحق بعدي دكتور المادة رافضا دخول أي طالب. سعيداً والنشوة تجتاحني فرغم إفلاسي أنتصر على من يملكون السيارات ويدخل هو وهم ما يزالون في الخارج. وما أن أغلق الباب حتى اندمج الدكتور مع اللوح الأبيض المعلق على الجدار يكتب على سطحها بعض السطور بقلمه الأزرق الضخم.


وهمس فارس في أذني:



لا يوجد معي الا خمسين ريال، أشرب بها كأس شاي عند الاستراحة؟؟ الحمد لله أن معي ساقين تستطيعان أن تجوبان أنحاء صنعاء من نقم إلى عصر دون تعب!!


قلت لك أكثر من مرة أخذك من الدكان فوق الموتور، كل يوم احضر المعهد ولا يركب ورائي أحد.


يكفي أنك ترجع بي إلى البيت أحيانا، لا أريد.


وارتفع صوت الدكتور مغطيا على همس التلاميذ معلنا بداية المحاضرة، كانت المحاضرة كغيرها من المحاضرات التي تواترت على الطلاب طوال الشهر والنصف الماضي، كل يوم، كل يوم، يأتي دكتورا ما ليشرح درسا من الدروس ويذهب، ألا يوجد لهذا العلم من نهاية؟


رحل فارس على موتوره، كان أذان المغرب وفترة ربع الساعة التي تليه هي فتره الاستراحة، كان العديد من الطلاب يتجمعون في مسجد المعهد، أما أنا فقد سارعت إلى مطعم المعهد، لشرب كأس رخيصة من الشاي، ولم أكن من المصلين، أستغل الاستراحة للذهاب إلى مطعم المعهد الواقع وسط الحديقة التي تحيط بمبنى المعهد من كل اتجاه، الكثير من الطلاب مشغولين بأكل شيء ما أو شرب شيء ما، مما جعل الجالس بجانبي يبتسم قائلا:


لسنا وحدنا الذي لا نصلي!!


كان فارس وعلي من أصدقاء المعهد الذي تعرفت عليهم في الأيام الأولى من دخولي، في نفس عمري تقريبا وكانت منازلنا أو منازلهم متقاربة من الدكان الذي استأجرته في زقاق قريب من الشارع الرئيسي لشارع القيادة.


إذا توفرت لي نقود فأنا أخرج من الدكان الى الشارع واستأجر باص صغير يوصلني الى باب المعهد وإلا فأنى كما يحدث في معظم الأحيان أدخل من شارع القيادة إلى شارع العدل وامشي الطريق الطويلة إلى نهاية شارع العدل للوصول إلى المعهد.


بعد انتهاء المحاضرة في حوالي الساعة السابعة تبدأ رحلة العودة الطويلة إلى الدكان. كانت الساعة قد تجاوزت السابعة، والمنزل بعيد.


كانت الأفكار تسيطر على عقلي وأنا أخطو بتمهل على الإسفلت، ذلك الإسفلت الذي يعرف قدماي، والاف من الكلمات تعصف بي واستعين بها على قطع الطريق سريعا. لم يكن لدي من أحدثه لأحدث نفسي.


أه يا وطن، بداخلك من يملك سيارة فارهة، من يملك سيارة بنصف عمر، تزحف زحفا، ما دامت تمشي على الإسفلت فلا بأس إن كانت بطيئة، أو متهالكة بعض الشيء.


بداخلك من يملك موتورا مزعجا يعوي كذئب جائع في كل شوارع صنعاء، وبداخلك من يملك دراجة، وبداخلك من يمشى على قدمين، كثرُ هم من يمشون على قدمين، السواد الأعظم هم، وأنا ممن يمشون على قدمين، أنا ممن لا يملكون خمسون ريالا ثمنا لأجره حافلة كبيرة، أو باص صغير، أنا ممن يستعبدون أقدامهم لتمشى بهم كيلومترات طويلة، طويلة، طويلة، متى سينتهي هذا العذاب؟ لا عمل، لا نقود، لا أمل في مستقبل أفضل، متى ستجد النقود طريقها إلى جيبي.


ها هي عالية، جميلة الجميلات، وأذكى فتيات المعهد، تستقل السيارة التي انتظرتها طويلا، من يقود السيارة، هل هو شقيقها؟ أنه جميل جدا، وسامته تحكى جمال شقيقته التي لم تستطع، بالبالطو، والنقاب أن تخفي جمالها الذي يخرج عنوةً من بين كل الستور.


وحتى فارس، فارس الشلة، وحاميها، وكريمها، بعد أن وعدني بإيصالي إلى البيت، فإذا به يتنصل من وعده ويهرب في الاستراحة، ربما ليتجول بموتوره في أنحاء صنعاء، متخيلا ذلك الهيكل المعدني الصدى، جواداً عربياً أصيلاً، يصهل في كل طرقات العاصمة، تباً له.


علي لم يأتي اليوم للمعهد، ما بالهما؟ لست أدرى، على يوما يأتي ويومين لا يأتي، أنه لا يريد أن يدرس، لا يريد أن يتخرج، ربما يريد أن يظل في المعهد مستمتعاً بصحبة الطالبات، القديمات، الجديدات.


لو أتى اليوم لكنت أنا وهو اليوم راجعون ونحن نتسلى بالحديث، في هذا الشارع، شارع العدل، الطويل، الطويل، تماما بعدد الأيام التي تظل فيها القضايا داخل هذا المبنى الدائري المسمى، وزارة العدل، ربما بنى دائريا هكذا ليدلل للمتخاصمين أن القضايا ستظل تدور، وتدور، وتدور، وتدور، إلى ما لا نهاية.


في هذا الشارع الطويل، شارع العدل، لو كان على هنا لأصبح قصيراً، فهو حجة في التسلية، ولكنه الآن، هه، لا أحد يدري أين هو، ماذا أصابه؟، لو كان هنا لأدخلني عنوةً في المنافسة التي يخترعها، وهي جذب أنظار الفتيات إلينا، هو أستاذ في ذلك، يساعده جسده الأسطوري، وابتسامته اللذيذة، وذقنه (السكسوكه) التي يتفنن في جعلها على آخر طراز، من خطوط موضة اللحى العالمية، وهذا عدا قدرته على الدخول في حديث مع الفتاة، أي فتاة، مهما بلغت درجة تزمتها، لا بد أن تتحدث معه لأنه الوحيد القادر على ذلك، عندما يصطاد فتاة ونمشى معها هذه الطريق، الطويلة، الطويلة، إذا الطريق تقصر، وتقصر، فإذا بها بضعة أمتار.


أين أنت الآن يا علي، يا صعلوك، أنت لا تريد الدراسة، أنت لم تدخل المعهد إلا من أجل الفتيات، اللواتي يدرسن بداخله، اذهب إلى الجحيم يا محمد، كم أنت متهور، شبق، متى تنتهي هذه الطريق؟


لو كان لدى نقود، كثيرة، أيها الوطن، يا من لا يجد بداخلك شاباً مثلي مالاً، حتى لو تخرجت بعد سنتان من المشي المتواصل، من المنزل إلى المعهد، ومن المعهد إلى المنزل، ربما بعد ذلك الجهد لن أجد عملاً أيضاً، أين سأذهب؟ ماذا سأفعل؟ أريد نقوداً، هل هذا مطلب كبير؟، لا أريد نقوداً كثيرةً، كل ما أريده هو القليل منها.


والدكتور اللعين، بعد أن أتم محاضرته المملة يصرخ:


لمزيد من المعلومات اشتروا الملزمة التي في ركن التصوير؟


تباً له، سحقاً له، قمامةً له، من أين لي بمائتي ريال ثمناً لملزمته الغريبة الأطوار، من أين؟، من أين؟، وغداً سيأتي يوم أخر، دكتور أخر، ملزمة أخرى يتعين علينا شراؤها، ماذا يتخيل هؤلاء؟، أننا نرقد على نقود لا تعد ولا تحصى، تحت البلاطة ربما، ولا أعرف، حقيقة لا أعرف، قالها صريحة هذا الدكتور الغبي أن ملزمة اليوم تشمل الباب الأول وفي الأسبوع القادم نناقشها وسنبدأ في الباب الثاني وأنا أجهز ملزمة الباب الثاني من الآن فاطمئنوا، يبدو أنه أخطاء فليس من المفروض أن يقول اطمئنوا ولكن من المفروض أن يقول، كل واحد منكم يحجز بضعة آلاف من الريالات داخل جيبه قبل أن يأتي إلى المعهد، وليذهب الدكتور وبابه الأول، والثاني، وكل أبواب المادة السبع، بعدد أبواب جهنم، إلى أقرب بالوعة في حمامات المعهد.


الغريب أن هذا الدكتور بالذات، ينزل ملازمه من الحجم الثقيل، كأني به متواطئ مع ركن التصوير، ليعطيه ملازم في وزن الفيل، وليس في وزن الريشة، أو وزن الذبابة، أو وزن البعوضة، وأن كان لابد في النهاية من وزن ضخم نوعا ما، فليكن ملزمة في وزن الصرصار.


ولكن متى تنتهي هذه الطريق، تعبت، تعتب، تعبت.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قبض الريح

المؤلف Nabil Ahmed Alkhadhe
2026/05/09 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة